Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
(١) - بَابُ الْقَسَامَةِ - حديث رقم (٤٣٣٤)
وسبب ذلك أن الحالف جازم في دعواه، فلا يحلف إلا على ما تحققه،
كالشاهد، غير أنَّه لا يُشرط في تحقيق ذلك الحضور والمشاهدة؛ إذ قد يحصل
له التحقيق من الأخبار، والنَّظر في قرائن الأحوال. انتهى(١).
(قَالَ) ◌ِِّ ((فَتُبْرِتُكُمْ) يَحْتَمل أن يكون مخفّفاً، من الإبراء، أو مشدّداً،
من التبرئة (يَهُودُ) مرفوع على الفاعلية، وهو غير منصرف؛ لأنه علم على القبيلة
والطائفة، ففيه العلميّة والتأنيث (بِخَمْسِينَ يَمِيناً))) قال النوويّ كَّتُهُ: معنى
فتبرئكم يهود ... إلخ)): تبرأ إليكم يهود بخمسين يميناً، وقيل: معناه:
يُخلّصونكم من اليمين بأن يحلفوا، فإذا حَلَفوا انتهت الخصومة، ولم يثبت
عليهم شيء، وخلصتم أنتم من الأيمان، وفي هذا دليلٌ لصحّة يمين الكافر
والفاسق. انتهى(٢) .
وقال القرطبيّ كَّثُهُ: معنى ((تبرئكم يهود))؛ أي: يبرؤون إليكم مما
طالبتموهم به، فتبرؤون أنتم منهم؛ إذ ينقطع طلبكم عنهم شرعاً.
قال: وفيه دليل على أن الأيمان المردودة لا تكون أقل من خمسين يميناً
من خمسين رجلاً إذا كان المدَّعَى عليهم خمسين، فإن كانوا أقل من ذلك؛
حلفوا خمسين يميناً، ورُدَّت عليهم بحسب عددهم، وهل لهم أن يستعينوا بمن
يحلف معهم من أوليائهم أم لا؟ قولان. فمشهور مذهب مالك: لهم
الاستعانة. وعليه: فلا يحلف فيها أقل من اثنين. ولا يحلفُ المدَّعى عليه
معهم إلا أن لا يجد من يحلفُ معه، فيحلفُ هو خمسين يميناً. ورَوَى مُطَرِّف
عن مالك: أنَّه لا يحلفُ مع المدَّعى عليه أحدٌ، ويحلفُ هم أنفسهم كانوا
واحداً أو أكثر خمسين يميناً يبرئون بها أنفسهم. وهو قول الشافعيّ، وهو
الصحيح؛ لأن من لم يُدَّع عليه لم يكن له سبب يتوجَّه عليه به يمين، ثم
مقصود هذه الأيمان: البراءة من الدَّعوى، ومن لم يُدَّع عليه بريء، ولأن
أيمانهم على أن وليّهم لم يُقتل شهادةٌ على نفي، وهي باطل. وأيضاً فقد قال الله
تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥]. انتهى (٢).
(١) ((المفهم)) ١٣/٥.
(٣) ((المفهم)) ١٤/٥.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٤٧/١١.

١٢٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
(قَالُوا: وَكَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ))) وفي رواية: ((ما يبالون أن يقتلونا
أجمعین، ثم يحلفون)).
قال القرطبيّ كَُّهُ: قوله: ((كيف نقبل أيمانَ قوم كُفَّار)): استبعاد
لصدقهم، وتقريبٌ الإقدامهم على الكذب، وجرأتهم علىّ الأيمان الفاجرة،
وعلى هذا يدل قولهم: ((ليسوا بمسلمين))؛ أي: ما هم عليه من الكفر والعداوة
للمسلمين يُجَرِّؤهم على الأيمان الكاذبة، لكنهم مع هذا كله لو رَضُوا بأيمانهم
لَحُلِّفوا، ولا خلاف أعلمه في أن الكافر إذا توجَّهت عليه يمين: أنه يحلفها أو
يُعَدُّ ناكلاً.
وبماذا يُحَلَّف؛ فالمشهور عن مالك: أنَّه إنما يُحَلَّف بالله؛ الذي لا إله
إلا هو، سواء كان يهوديّاً، أو نصرانياً، أو غيرهما من الأديان، كما يحلَّف
المسلم، وفيه نظر. وروى الواقدي عن مالك: أن اليهوديّ يحلف بالله الذي
أنزل التوراة على موسى، والنصراني: بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى،
وهذا القول أمشى على الأصل من الأول، وذلك: أنَّا إذا أجبرنا النصرانيّ على
أن يحلف بالتوحيد مع قطعنا: بأنَّه خلاف معتقده، ودينه؛ فقد أجبرناه على
الخروج عن دينه، مع أنا قد عاهدناه على إبقائه على اعتقاده، ودينه. وأيضاً:
فلا مانع له من أن يُقْدِم على الحلف بذلك؛ إذ هو في اعتقاده ليس بصحيح.
فالأولى القول الثاني. ويحلّف في المواضع التي يعتقد تعظيمها. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)) ما حاصله: لم يُذكَر في رواية سعيد بن عبيد، عرض
الأيمان على المدَّعين، كما لم يقع في رواية يحيى بن سعيد، طلب البيّنة أَوّلاً .
وطريق الجمع أن يقال: حَفِظ أحدهم ما لم يحفظ الآخر، فيُحْمَل على
أنه طلب البيّنة، أوّلاً، فلم تكن لهم بيّنة، فعَرَض عليهم الأيمان، فامتنعوا،
فعرض عليهم تحليف المدعى عليهم، فأَبَوا .
وأما قول بعضهم: إنَّ ذِكر البيّنة وَهَمُ؛ لأنه ◌ِّهِ، قد عَلِمَ أن خيبر حينئذٍ،
لم يكن بها أحد من المسلمين، فدعوى نفي العلم مردودة، فإنه وإن سُلِّم أنه
لم يسكن مع اليهود فيها أحد من المسلمين، لكن في نفس القصة، أن جماعة
(١) ((المفهم)) ١٤/٥ - ١٥.

١٢٣
(١) - بَابُ الْقَسَامَةِ - حديث رقم (٤٣٣٤)
من المسلمين خرجوا يمتارون تمراً، فيجوز أن تكون طائفة أخرى خرجوا لمثل
ذلك، وإن لم يكن في نفس الأمر كذلك، وقد وجدنا لطلب البيّنة، في هذه
القصة شاهداً من وجه آخر، أخرجه النسائيّ من طريق عبيد الله بن الأخنس،
عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جدّه: أن ابن محيصة الأصغر أصبح قتيلاً
على أبواب خيبر، فقال رسول الله وَ اجٍ: ((أقم شاهدين على من قتله، أدفعه
إليك برمته))، قال: يا رسول الله، أَنَّى أُصيب شاهدين؟، وإنما أصبح قتيلاً على
أبوابهم، قال: ((فتحلف خمسين قسامة))، قال: فكيف أحلف على ما لا
أعلم؟، قال: ((تستحلف خمسين منهم))، قال: ((كيف وهم يهود؟)).
قال الحافظ: وهذا السند صحيح حسن، وهو نَصِّ في الحمل الذي
ذكرته، فتعيّن المصير إليه.
وقد أخرج أبو داود أيضاً، من طريق عَباية بن رِفاعة، عن جدّه رافع بن
خَدِيج، قال: أصبح رجل من الأنصار، بخيبر مقتولاً، فانطلق أولياؤه إلى
النبيّ وَّر، فقال: ((شاهدان يشهدان على قتل صاحبكم))، قال: لم يكن ثَمَّ أحد
من المسلمين، وإنما هم اليهود، وقد يجترئون على أعظم من هذا. انتهى (١).
(فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ وَيهِ أَعْطَى عَقْلَهُ)؛ أي: ديته، وفي رواية:
((فوداه رسول الله وَل﴿ من قِبَله))، وفي رواية: ((فعقله رسول الله وَله من عنده))،
وفي رواية سعيد بن عبيد عند البخاريّ: ((فوداه مائة من إبل الصدقة)).
قال في ((الفتح)): زعم بعضهم أن قوله: ((من إبل الصدقة)) غلط من
سعيد بن عبيد؛ لتصريح يحيى بن سعيد بقوله: ((من عنده))، وجمع بعضهم بين
الروايتين، باحتمال أن يكون اشتراها من إبل الصدقة، بمال دفعه من عنده، أو
المراد بقوله: ((من عنده))؛ أي: بيت المال الْمُرَصَّد للمصالح، وأَطلَقَ عليه
صدقة، باعتبار الانتفاع به مَجّاناً؛ لما في ذلك من قطع المنازعة، وإصلاح
ذات البين، وقد حمله بعضهم على ظاهره، فحَكَى القاضي عياض، عن بعض
العلماء: جواز صرف الزكاة في المصالح العامة، واستدل بهذا الحديث،
وغيره، وتقدم شيء من ذلك في ((كتاب الزكاة))، في الكلام على حديث أبي
(١) راجع: ((الفتح)) ١٦/ ٨٥.

١٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
لاس ظه، قال: ((حملنا النبيّ ◌َ﴾، على إبل من إبل الصدقة، في الحج))،
وعلى هذا فالمراد بالعندية، كونها تحت أمره، وحكمه، وللاحتراز من جعل
ديته على اليهود، أو غيرهم.
وقال القرطبيّ تَخْتُ: إنما فعل رسول الله وَ﴿ على مقتضى كرم خُلُقه،
وحسن سياسته، وجلباً للمصلحة، ودفعاً للمفسدة، وإطفاء للثائرة، وتأليفاً
للأغراض المتنافرة، ولا سيما عند تعذر الوصول إلى استيفاء الحقّ، ورواية من
قال: ((من عنده)) أصح من رواية من قال: ((من إبل الصدقة))، وقد قيل: إنها
غلط، والأَّولى أن لا يُغَلَّط الراوي ما أمكن، فيَحْتَمِل أوجهاً، فذكر ما تقدم،
وزاد: أن يكون تَسَلَّفَ ذلك من إبل الصدقة؛ ليدفعه من مال الفيء، أو أن
أولياء القتيل، كانوا مستحقين للصدقة، فأعطاهم، أو أعطاهم ذلك من سهم
المؤلفة؛ استثلافاً لهم، واستجلاباً لليهود. انتهى(١).
وقال النوويّ كَّقُ: قوله: («أعطى عقله))؛ أي: ديته، وفي الرواية
الأخرى: ((فوداه رسول الله وَ﴾ من قبله))، وفي رواية: ((من عنده))، فقوله:
((وداه)) بتخفيف الدّال؛ أي: دفع ديته، وفي رواية: ((فكره رسول الله وَ القر أن
يبطل دمه، فوداه مائة من إبل الصدقة)).
قال: إنما وداه رسول الله وَل﴿ قطعاً للنزاع، وإصلاحاً لذات البين، فإن
أهل القتيل لا يستحقّون إلا أن يَحلِفوا، أو يستحلفوا المدَّعَى عليهم، وقد
امتنعوا من الأمرين، وهم مكسورون بقتل صاحبهم، فأراد ◌َّير جبرهم، وقطع
المنازعة، وإصلاح ذات البين بدفع ديته من عنده.
قال: وقوله: ((فوداه من عنده)) يَحْتَمِل أن يكون من خالص ماله في بعض
الأحوال صادف ذلك عنده، ويَحْتَمِل أنه من مال بيت المال، ومصالح
المسلمین.
وأما قوله في الرواية الأخيرة: ((من إبل الصدقة))، فقد قال بعض
العلماء: إنها غلط من الرواة؛ لأن الصدقة المفروضة لا تُصْرَف هذا المصرف،
بل هي لأصناف سمّاهم الله تعالى، وقال الإمام أبو إسحاق المروزيّ من
(١) ((المفهم)) ١٥/٥ - ١٦.

١٢٥
(١) - بَابُ الْقَسَامَةِ - حديث رقم (٤٣٣٤)
أصحابنا: يجوز صرفها من إبل الزكاة لهذا الحديث، فأخذ بظاهره، وقال
جمهور أصحابنا، وغيرهم: معناه: اشتراه من أهل الصدقات بعد أن ملكوها،
ثم دفعها تبرعاً إلى أهل القتيل.
وحَكَى القاضي عن بعض العلماء: أنه يجوز صرف الزكاة في مصالح
العامة، وتأوّل هذا الحديث عليه، وتأوّله بعضهم على أن أولياء القتيل كانوا
محتاجين، ممن تباح لهم الزكاة، وهذا تأويل باطلٌ؛ لأن هذا قدر كثير لا يدفع
إلى الواحد الحامل من الزكاة، بخلاف أشراف القبائل، ولأنه سماه ديةً،
وتأوله بعضهم على أنه دفعه من سهم المؤلفة من الزكاة؛ استئلافاً لليهود،
لعلهم يسلمون، وهذا ضعيفٌ؛ لأن الزكاة لا يجوز صرفها إلى كافر، فالمختار
ما حكيناه عن الجمهور أنه اشتراها من إبل الصدقة. انتهى (١)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سهل بن أبي حثمة، ورافع بن خَدِيج ◌َّ هذا
متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣٣٤/١ و٤٣٣٥ و٤٣٣٦ و٤٣٣٧ و ٤٣٣٨
و٤٣٣٩ و٤٣٤٠ و٤٣٤١] (١٦٦٩)، و(البخاريّ) في ((الصلح)) (٢٧٠٢)
و((الجزية، والموادعة)) (٣١٧٣) و((الأدب)) (٦١٤٢) و((الديات)) (٦٨٩٨)
و((الأحكام)) (٧١٩٢)، و(أبو داود) في ((الديات)) (٤٥٢٠ و٤٥٢١ و٤٥٢٣)،
و(الترمذيّ) في ((الديات)) (١٤٢٢)، و(النسائيّ) في ((القسامة)) (٤٧١٢ و٤٧١٣
و ٤٧١٤ و٤٧١٥ و٤٧١٦ و٤٧١٧ و٤٧١٨ و٤٧١٩ و٤٧٢٠ و٤٧٢١) وفي
((الكبرى)» (٦٩١٣ و٦٩١٤ و ٦٩١٥ و٦٩١٦ و٦٩١٧ و٦٩١٨ و٦٩١٩ و٦٩٢٠
و٦٩٢١)، و(مالك) في («الموطًإِ)) (١٦٣٠)، و(الشافعيّ) في («مسنده» (٢/
١١٣- ١١٤)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٨٢٥٩)، و(الحميديّ) في
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤٨/١١.

١٢٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
((مسنده)) (٤٠٣)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٨٣/٩)، و(أحمد) فى
(«مسنده)) (٢/٤ و١٤٢)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٢٤٧)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٦٠٠٩)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٨٠٠)، و(الطبرانيّ) في
((الكبير)) (٤٤٢٨ و١٥٦٢٥ و٥٦٢٩)، و(الطحاويّ) في ((معاني الآثار)) (١٩٧/٣
و١٩٨) و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (١٠٨/٣ و١٠٩ و١١٠)، و(أبو عوانة) في
((مسنده)) (٦٠/٤ و٦١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١١٨/٨ و١١٩) و((الصغرى))
(١٤١/٧) و((المعرفة)) (١٤١/٦ و٢٥٥ و٢٥٨)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنّة))
(٢٥٤٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): مشروعية القسامة، وبه يقول جمهور أهل العلم، وسيأتي
تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى.
٢ - (ومنها): بيان كون الابتداء في القسامة بالمدّعين، وهم أولياء
المقتول.
٣ - (ومنها): ردّ اليمين على المدّعَى عليهم إذا نَكَل المدّعون في
القسامة.
٤ - (ومنها): أنه ينبغي للإمام مراعاة المصالح العامة، والاهتمام بإصلاح
ذات البين.
٥ - (ومنها): أنه استدلّ به من يرى جواز الحكم على الغائب، وسماع
الدعوى في الدماء من غير حضور الخصم.
٦ - (ومنها): جواز اليمين بالظن، وإن لم يَتَيَقَّن.
٧ - (ومنها): بيان أن الحكمَ بين المسلم والكافر يكون بحكم الإسلام.
٨ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على تقديم الأسن في الأمر المهم، إذا كانت
فيه أهلية ذلك، لا ما إذا كان عَرِيّاً عن ذلك، وعلى ذلك يُحْمَل الأمر بتقديم
الأكبر، في حديث الباب، إما لأن ولي الدم، لم يكن متأهلاً، فأقام الحاكم
قريبه مقامه في الدعوى، وإما لغير ذلك، قاله في ((الفتح))(١).
(١) ((الفتح)) ٩١/١٦.

١٢٧
(١) - بَابُ الْقَسَامَةِ - حديث رقم (٤٣٣٤)
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: فيه من الفقه: أن المشتركين في طلب حقّ ينبغي
لهم أن يقدِّموا للكلام واحداً منهم، وأحقهم لذلك أسنُّهم؛ إذا كانت له أهلية
القيام بذلك، وهذا كما قال في الإمامة: ((فإن كانوا في السُّنَّة سواءً، فأقدمهم
سنّاً))، وقد قدَّمنا أنَّ كبر السنِّ لم يستحق التقديمَ إلا من حيث القِدَم في
الإسلام، والسبقُ إليه، والعلمُ به، وممارسة أعماله وأحواله، والفقه فيه، ولو
كان الشيخُ عَرِيّاً عن ذلك لاستحقّ التأخير، ولكان المتصفُ بذلك هو المستحق
للتقديم - وإن كان شاباً -، وقد قدِم وفدٌ على عمر بن عبد العزيز تَّتُهُ، فتقدَّم
شابٌّ للكلام، فقال له عمرُ: كبِّر، كبِّر. فقال: يا أمير المؤمنين! لو كان الأمرُ
بالسنِّ لكان هنا من هو أولى بالخلافة منك! فقال: تكلّم. فتكلم فأبلغ،
وأوجز. انتهى(١).
٩ - (ومنها): إنَّ فيه التأنيسَ، والتسليةَ لأولياء المقتول، وليس فيه أنه
حكم على الغائبين(٢)؛ لأنه لم يتقدم صورة دعوى على غائب، وإنما وقع
الإخبار بما وقع، فذكر لهم قصة الحكم على التقديرين، ومن ثم كتب إلى
اليهود، بعد أن دار بينهم الكلام المذكور.
١٠ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أن مجرد الدعوى، لا توجب إحضار
الْمُدَّعَى عليه؛ لأن في إِحضاره مَشْغَةً عن أشغاله، وتضييعاً لماله، من غير
موجب ثابت لذلك، أما لو ظهر ما يُقَوِّي الدعوى، من شبهة ظاهرة، فهل
يسوغ استحضار الخصم، أو لا؟ محل نظر، والراجح أن ذلك يختلف بالقرب
والبعد، وشدة الضرر، وخفته.
١١ - (ومنها): أن فيه الاكتفاءَ بالمكاتبة، وبخبر الواحد مع إمكان
المشافهة، فإنه وَلّ كتب إلى اليهود في هذه الواقعة، وكتبوا إليه بالجواب.
١٢ - (ومنها): أن اليمين قبل توجيهها من الحاكم، لا أثر لها؛ لقول
اليهود في جوابهم: والله ما قتلنا .
(١) ((المفهم)) ٩/٥.
(٢) قد تقدّم في الرقم (٥) أن المسألة فيها خلاف، فمن العلماء من يرى جواز الحكم
على الغائب، ويستدلّ بهذا الحديث، واستدلاله ظاهر، فتأمله بالإنصاف.

١٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
١٣ - (ومنها): أن في قولهم: لا نرضى بأيمان اليهود، استبعاداً
لصدقهم؛ لِمَا عرفوه من إقدامهم على الكذب، وجراءتهم على الأيمان
الفاجرة.
١٤ - (ومنها): أن أهل الذُّمَّة يُحكم عليهم بحكم الإسلام، لا سيما إذا
كان الحكم بين ذمِّي ومسلم، فإنَّه لا يُختلف في ذلك. وكذلك لو كان المقتول
من أهل الذمة فادُّعِي به على مسلم؛ فإن وُلاة الدَّم يحلفون خمسين يميناً،
ويستحقون دية ذمِّي. هذا قول مالك. وقال بعض أصحابه: يحلف المسلم
المدَّعى عليه خمسين يميناً، ويبرأ، ولا تحمل العاقلة ديته. فلو قام للذميِّ
شاهدٌ واحدٌ بالقتل؛ فقال مالك: يحلف ولاته يميناً واحدة ويستحقون الدِّية من
ماله في العمد، ومن عاقلته في الخطأ. وقال غيره: يحلف المدَّعى عليه
خمسين يميناً ويُجلد مائة، ويُحبس عاماً.
١٥ - (ومنها): أن فيه ما يدلُّ على جواز سماع حجَّة أحد الخصمين في
غيبة الآخر، وأن أهل الذمَّة إن امتنعوا من فعل ما وجب عليهم انتقض
عهدهم .
١٦ - (ومنها): ما قال القرطبيّ تَخْذَهُ: وهذا الحديث أيضاً حجة للجمهور
على من أنكر العمل بالقسامة، فإن ظاهره: أنَّهِ وَ ﴿ وجدَ الناس على عمل،
فلمَّا أسلموا، واستقلّ بتبليغ الأحكام أقرَّها على ما كانت عليه، فصار ذلك
حكماً شرعيّاً يُعمل عليه، ويُحكم به، لكن يجب أن يُبحث عن كيفية عملهم
الذي كانوا يعملونه فيها، وشروطهم التي اشترطوها، فيُعْمَل بها من جهة إقرار
النبيّ وَّه عليها، لا من جهة الاقتداء بالجاهلية فيها. انتهى(١).
١٧ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن الدعوى في القسامة، لا بد فيها من
عداوة، أو لَوْث، واختُلف في سماع هذه الدعوى، ولو لم توجب القسامة،
فعن أحمد روايتان، وبسماعها قال الشافعيّ؛ لعموم حديث: ((اليمينُ على
المدعَى عليه))، بعد قوله: ((لو يُعطَى الناس بدعواهم، لاذَّعَى قوم دماء رجال،
وأموالهم))، رواه مسلم، ولأنها دعوى في حقّ آدمي، فتُسمع، ويُستحلف، وقد
(١) ((المفهم)) ١٨/٥.

١٢٩
(١) - بَابُ الْقَسَامَةِ - حديث رقم (٤٣٣٤)
يُقِرّ، فيثبت الحق في قتله، ولا يُقبل رجوعه عنه، فلو نكل رُدَّت على المدعِي،
واستحق القَوَد في العمد، والدية في الخطأ، وعن الحنفية: لا تردّ اليمين،
وهي رواية عن أحمد.
١٨ - (ومنها): أنه استُدِلَّ به على أن المدّعين، والمدعَى عليهم، إذا
نَكَلوا عن اليمين، وجبت الدية في بيت المال، وسيأتي ما فيه قريباً - إن شاء الله
تعالى -.
١٩ - (ومنها): أنه استَدَلّ به الحنفية على جواز سماع الدعوى في القتل،
على غير معيَّن؛ لان الأنصار ادَّعَوا على اليهود، أنهم قتلوا صاحبهم، وسمع
النبيّ ◌َّ دعواهم.
ورُدّ بأن الذي ذكره الأنصار أوّلاً، ليس على صورة الدعوى بين
الخصمين؛ لأن مِنْ شَرْطها إذا لم يحضر المدَّعَى عليه، أن يتعذر حضوره.
سلّمنا، ولكن النبيّ وَّ﴾، قد بيَّن لهم أن الدعوى، إنما تكون على
واحد؛ لقوله: ((تقسمون على رجل منهم، فيدفعَ إليكم برمته؟)).
٢٠ - (ومنها): أنه استُدِلّ بقوله: ((على رجل منهم))، على أن القسامة
إنما تكون على رجل واحد، وهو قول أحمد، ومشهور قول مالك، وقال
الجمهور: يُشترط أن تكون على معيَّن، سواء كان واحداً، أو أكثر، واختلفوا
هل يختص القتل بواحد، أو يُقتل الكل؟، وسيأتي البحث فيه.
وقال أشهب: لهم أن يحلفوا على جماعة، ويختاروا واحداً للقتل،
ويُسجن الباقون عاماً، ويضربون مائة مائة، وهو قول لم يُسبَق إليه.
٢١ - (ومنها): أن الحلف في القسامة لا يكون إلا مع الجزم بالقاتل،
والطريق إلى ذلك المشاهدة، وإخبار من يوثَق به، مع القرينة الدالة على ذلك.
٢٢ - (ومنها): أن من توجهت عليه اليمين، فنكل عنها، لا يُقضى عليه،
حتى يُرَدَّ اليمين على الآخر، وهو المشهور عند الجمهور، وعند أحمد،
والحنفية: يقضى عليه، دون ردّ اليمين، وقال ابن أبي ليلى: يؤخذ باليمين،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم هل يُعمل بالقسامة، أم لا؟:
قال أبو العبّاس القرطبيّ تَخْذُ: الحديث كله حجة واضحة للجمهور من

١٣٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
السلف، والخلف على من أنكر العمل بالقسامة، وهم: سالم بن عبد الله،
وأبو قلابة، ومسلم بن خالد، وقتادة، وابن عُليّة، وبعض المكيّين، فنفوا
الحكم بها شرعاً في العمد، والخطأ. وقد رُوي ذلك عن عمر بن عبد العزيز،
والحكم بن عُتيبة، وقد رُوي عنهما العمل بها. وقد رُوي نفي العمل بها عن
سليمان بن يسار، والصحيح عنه روايته المذكورة عنه هنا، حيث قال، عن
رجال من الأنصار: أن رسول الله و ◌َ أقرّ القسامة على ما كانت عليه في
الجاهليّة، وظاهر هذا: أنه يقول بها. انتهى(١).
وقال القاضي عياض تَخُّْ: حديث القسامة أصل من أصول الشرع،
وقاعدة من قواعد الأحكام، وركن من أركان مصالح العباد، وبه أخذ العلماء
كافّةً، من الصحابة، والتابعين، ومَنْ بَعْدَهم، من علماء الأمصار، الحجازيين،
والشاميين، والكوفيين، وغيرهم - رحمهم الله تعالى - وإن اختلفوا في كيفية
الأخذ به.
ورُوِي عن جماعة إبطال القسامة، وأنه لا حُكم لها، ولا عمل بها،
وممن قال بهذا: سالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار، والْحَكَم بن عُتَيبة،
وقتادة، وأبو قلابة، ومسلم بن خالد، وابن عُلية، وغيرهم، وإليه ينحو
البخاريّ.
وعن عمر بن عبد العزيز روايتان كالمذهبين، واختلف القائلون بها فيما
إذا كان القتل عمداً، هل يجب القصاص بها؟ فقال معظم الحجازيين: يجب،
وهو قول الزهريّ، وربيعة، وأبي الزناد، ومالك، وأصحابه، والليث،
والأوزاعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وداود، وهو قول الشافعيّ في
القديم، ورُوي عن ابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، قال أبو الزناد: قلنا بها،
وأصحاب رسول الله وَّ متوافرون، إني لأرى أنهم ألف رجل، فما اختَلَف
منهم اثنان.
وقال الكوفيون، والشافعيّ في أصح قوليه: لا يجب بها القصاص، وإنما
تجب الدية، وهو مرويّ عن الحسن البصريّ، والشعبيّ، والنخعيّ، وعثمان
(١) ((المفهم)) ٥/١.

١٣١
(١) - بَابُ الْقَسَامَةِ - حديث رقم (٤٣٣٤)
البَنِّيِّ، والحسن بن صالح، ورُوي أيضاً عن أبي بكر، وعمر، وابن عباس،
ومعاوية
واختلفوا فيمن يَخْلِف في القسامة، فقال مالك، والشافعيّ، والجمهور:
يَخْلِف الورثة، ويجب الحقّ بحلفهم خمسين يميناً، واحتجوا بهذا الحديث
الصحيح، وفيه التصريح بالابتداء بيمين الْمُدَّعِي، وهو ثابت من طرق كثيرة
صحاح، لا تندفع، قال مالك: الذي أجمعت عليه الأئمة قديماً وحديثاً أن
المدَّعِين يبدؤون في القسامة، ولأن جَنَّبَة المدعِي صارت قويّة باللَّوْث.
قال القاضي: وضَعَّف هؤلاء روايةَ مَن روى الابتداء بيمين الْمُدَّعَى
عليهم، قال أهل الحديث: هذه الرواية وَهَمِّ من الراوي؛ لأنه أَسقط الابتداء
بيمين الْمُدَّعِي، ولم يَذْكُر رَدَّ اليمين، ولأن مَن روى الابتداء بالمدّعين معه
زيادة، ورواياتها صحاح، من طرق كثيرة مشهورة، فوجب العمل بها، ولا
تعارضها رواية مَن نَسِيَ .
وقال كلُّ من لم يوجب القصاص، واقتصر على الدية: يُبدأ بيمين
الْمُدَّعَى عليهم، إلا الشافعيّ، وأحمد، فقالا بقول الجمهور: إنه يُبدأ بيمين
الْمُدَّعِي، فإن نَكَلَ رُدَّت على الْمُدَّعَى عليه.
وأجمع العلماء على أنه لا يجب قصاص، ولا دية، بمجرد الدعوى،
حتى تقترن بها شبهة يغلب الظن بها، واختلفوا في هذه الشبهة المعتبرة الموجبة
للقسامة، ولها سبع صور:
[الأولى]: أن يقول المقتول في حياته: دمي عند فلان، وهو قتلني، أو
ضربني، وإن لم يكن به أثرٌ، أو فَعَلَ بي هذا، من إنفاذ مقاتلي، أو جرحني،
ويذكر العمد، فهذا موجب للقسامة عند مالك، والليث، وادَّعَى مالك: أنه مما
أجمع عليه الأئمة قديماً وحديثاً، قال القاضي: ولم يقل بهذا من فقهاء
الأمصار غيرهما، ولا رُوي عن غيرهما، وخالف في ذلك العلماء كافّةً، فلم
يَرَ أحد غيرهما في هذا قسامةً، واشترط بعض المالكية وجود الأثر والجرح في
كونه قسامةً، واحتجّ مالك في ذلك بقضية بني إسرائيل، وقوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا
أَضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحِى اللَّهُ الْمَوْنَى﴾ الآية [البقرة: ٧٣]، قالوا: فَحَيِيَ الرجل،
فأخبر بقاتله، واحتجّ أصحاب مالك أيضاً بأن تلك حالةٌ يُظْلَب بها غفلةُ

١٣٢
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
الناس، فلو شرطنا الشهادة، وأبطلنا قول المجروح أدَّى ذلك إلى إبطال الدماء
غالباً، قالوا: ولأنها حالة يتحرى فيها المجروح الصدق، ويتجنب الكذب،
والمعاصي، ويتزود البرّ والتقوى، فوجب قبول قوله.
واختلف المالكية في أنه: هل يكتفي في الشهادة على قوله بشاهد أم لا بدّ
من اثنین؟
[الثانية]: اللَّوْثُ من غير بيّنة على معاينة القتل، وبهذا قال مالك،
والليث، والشافعيّ، ومن اللوث: شهادة العدل وحده، وكذا قول جماعة ليسوا
عدولاً .
[الثالثة]: إذا شَهِد عدلان بالجرح، فعاش بعده أياماً، ثم مات قبل أن
يُفيق منه، قال مالك، والليث: هو لَوْثٌ، وقال الشافعيّ، وأبو حنيفة: لا
قسامة هنا، بل يجب القصاص بشهادة العدلين.
[الرابعة]: أن يوجد المتهم عند المقتول، أو قريباً منه، أو آتياً من
جهته، ومعه آلة القتل، وعليه أثره، من لطخ دم وغيره، وليس هناك سَبُع، ولا
غيره مما يمكن إحالة القتل عليه، أو تفرق جماعة عن قتيل، فهذا لَوْتٌ موجب
للقسامة عند مالك، والشافعيّ.
[الخامسة]: أن يقتتل طائفتان، فيوجد بينهما قتيل، ففيه القسامة عند
مالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وعن مالك روايةٌ: لا قَسَامَةَ، بل فيه دية
على الطائفة الأخرى، إن كان من أحد الطائفتين، وإن كان من غيرهما، فعلى
الطائفتین دیته .
[السادسة]: أن يوجد الميت في زحمة الناس، قال الشافعيّ: تثبت فيه
القسامة، وتجب بها الدية، وقال مالك: هو هَدَرٌ، وقال الثوريّ، وإسحاق:
تجب دية في بيت المال، ورُوي مثله عن عمر، وعليّ
[السابعة]: أن يوجد في مَحِلَّة قوم، أو قبيلتهم، أو مسجدهم، فقال
مالك، والليث، والشافعيّ، وأحمد، وداود، وغيرهم: لا يثبت بمجرد هذا
قسامة، بل القتل هَدَرٌ؛ لأنه قد يَقتُل الرجلُ الرجلَ، ويُلقيه في محلة طائفة
ليُنْسَب إليهم، قال الشافعيّ: إلا أن يكون في محلة أعدائه، لا يخالطهم
غيرهم، فيكون كالقصة التي جرت بخيبر، فحَكَم النبيّ ◌َ* بالقسامة لورثة

١٣٣
(١) - بَابُ الْقَسَامَةِ - حديث رقم (٤٣٣٤)
القتيل لِمَا كان بين الأنصار وبين اليهود من العداوة، ولم يكن هناك سواهم،
وعن أحمد نحو قول الشافعيّ.
وقال أبو حنيفة، والثوريّ، ومعظم الكوفيين: وجود القتيل في المحلة
والقرية يوجب القسامة، ولا تثبت القسامة عندهم في شيء من الصور السبع
السابقة إلا هنا؛ لأنها عندهم هي الصورة التي حَكّمَ النبيّ وَّ فيها بالقسامة،
ولا قسامةَ عندهم إلا إذا وُجِد القتيل، وبه أثرٌ، قالوا: فإن وُجد القتيل في
المسجد حُلِّف أهلُ المحلة، ووجبت الدية في بيت المال، وذلك إذا ادَّعَوا
على أهل المحلة.
وقال الأوزاعيّ: وجود القتيل في المحلة يوجب القسامة، وإن لم يكن
عليه أثرٌ، ونحوه عن داود. هذا آخر كلام القاضي كثّفُهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن ما ذهب إليه جمهور أهل
العلم من العمل بالقسامة هو الحقّ؛ لظهور حجته، كما هو ظاهر لمن تأمّله
بالإمعان.
ولقد أجاد الإمام ابن عبد البرّ نَّثُ حيث أنكر على الذين عارضوا
حديث القسامة بآرائهم، فقال ما نصّه: أما الذين دفعوا القسامة جملة،
وأنكروها، ولم يقولوا بها، فإنما ردّوها بآرائهم؛ لخلافها للسنّة المجتمع عليها
عندهم: ((البيّنة على الْمُدَّعي، واليمين على الْمُدَّعَى عليه)) - وفي لفظ: ((على
من أنكر)) - قال: والاعتراض بهذه على ردّ القسامة فاسدٌ؛ لأن الذي سنّ البيّنة
على الْمُدَّعي، واليمين على المنكر في الأموال: هو الذي خَصَّ هذا المعنى في
القسامة، وبيّنه لأمته *، وكانت القسامة في الجاهليّة خمسين يميناً على
الدماء، فأقرها رسول الله ﴿، فصارت سُنَّةً، بخلاف الأموال التي سَنَّ فيها
يميناً واحدةً، والأصول لا يُرَدّ بعضها ببعض، ولا يقاس بعضها على بعض،
بل يوضع كل واحد منها موضعه، كالعرايا، والمزابنة، وكالمساقاة،
وكالقراض، مع الإجارات، ومثل هذا كثير، وعلى المسلمين التسليم في كل ما
(١) ((إكمال المعلم)) ٤٤٨/٥ - ٤٥١، و(شرح النوويّ)) ١٤٣/١١ - ١٤٦.

١٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
سَنَّ لهم رسول الله وَّهِ. انتهى كلام ابن عبد البرّ ◌َخْتُهُ(١)، وهو تحقيق نفيسٌ
جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلافهم فيمن يُبدأ في القسامة:
ذهب معظم القائلين بالقسامة إلى أنها تبدأ بالمدعين، ثم تردّ إذا أبوا
على المدعى عليهم، واحتجوا بحديث أبي هريرة نظراته: ((البينة على المدعي،
واليمين على المدعى عليه، إلا القسامة))، وبقول مالك: أجمعت الأئمة في
القديم والحديث، على أن المدعين يبدأون في القسامة، ولأن جنبة المدعي إذا
قويت بشهادة أو شبهة، صارت اليمين له، وههنا الشبهة قوية، وقالوا: هذه
سُنَّة بحيالها، وأصل قائم برأسه؛ لحياة الناس، ورَدْع المعتدين، وخالفت
الدعاوي في الأموال، فهي على ما ورد فيها، وكلٌّ أصلٌ، يُتَّبَع، ويُستعمل،
ولا تُطرح سُنَّة لسُنَّة.
وأجابوا عن رواية سعيد بن عبيد - يعني: المذكورة في الباب التالي -
بقول أهل الحديث: إنه وَهَمٌّ من راويه، أسقط من السياق تبرئة المدعين
باليمين؛ لكونه لم يَذكُر فيه ردّ اليمين، واشتملت رواية يحيى بن سعيد على
زيادة من ثقة حافظ، فوجب قبولها، وهي تقضي على من لم يعرفها .
وقال القرطبي: الحديث دليلٌ على أن القسامة يبدأ فيها المدّعون
بالأيمان، وهو قول معظم القائلين بأن القسامة يُستوجب بها الدم، وقال مالك:
الذي أجمعت عليه الأمة في القديم والحديث: أن المدّعين يبدؤون في
القسامة.
وخالف في ذلك الكوفيّون، وكثير من أهل البصرة، والمدنيين،
والأوزاعيّ، وروي عن الزهريّ، وعمر بن الخطّاب ﴿ه، فقالوا: يُبدأ
بالمدّعى عليهم، متمسّكين في ذلك بالأصل الذي دلّ عليه قوله ◌َ للمدّعي:
((شاهداك، أو يمينه))، وبأنه قد رُوي هذا الحديث من طرق، ذكرها أبو داود،
والنسائيّ، ذكر فيها أنه لم طالب المدّعين بالبيّنة، فقالوا: ما لنا بيّنة، فقال:
((فتحلف لكم يهود خمسين يميناً»، وهذا هو الأصل المقطوع به في باب
(١) ((الاستذكار)) ٣٢٨/٢٥ - ٣٢٩.

١٣٥
(١) - بَابُ الْقَسَامَةِ - حديث رقم (٤٣٣٤)
الدعاوي الذي نبّه الشرع على حكمته بقوله: ((لو أُعطي الناس بدعاويهم
لاستحلّ رجالٌ دماء رجال، وأموالهم، ولكن البيّنة على المدّعي، واليمين على
من أنكر)).
وأجاب الجمهور عن ذلك بأن الصحيح المشهور المعروف من حديث
حويّصة، ومُحيّصة تبدئة المدّعين بالأيمان، وهي رواية الأئمة الحفّاظ بالطرق
المسندة المستفيضة، وما ذكروه مما رواه أبو داود، والنسائيّ مراسيل، وغير
معروفة عند المحدّثين، وليست مما تُعارض بها الطرق الصحاح، فيجب ردّها
بذلك.
وأجابوا عن التمسّك بالأصل بأن هذا الحكم أصل بنفسه؛ لحرمة
الدماء، ولتعذّر إقامة البيّنة على القتل فيها غالباً، فإن القاصد للقتل يقصد
الخلوة، والْغِيلة، بخلاف سائر الحقوق، وبشهادة الروايات الصحيحة لهذا
الأصل الخاصّ بهذا الحكم الخاصّ، وبقي ما عداه على ذلك الأصل الآخر،
ثم ليس ذلك خروجاً عن ذلك الأصل بالكلّيّة، وذلك أن المدعَى عليه، إنما
كان القول قوله؛ لقوة جانبه بشهادة الأصل له بالبراءة مما ادُّعِيَ عليه، وذلك
المعنى موجود هنا، فإنه إنما كان القول قولَ المدّعين؛ لقوة جانبهم باللَّوث
الذي يشهد لهم بصدقهم، فقد أعملنا ذلك الأصل، ولم نطرحه بالكليّة.
انتھی
(١)
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الأرجح هو القول بأنه يُبدأ
في القسامة بأيمان أولياء المقتول، ثم تردّ على أولياء القاتل، لقوّة حجته،
فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في وجوب الْقَوَد بالقسامة:
قال القرطبّيّ كَثُ ما حاصله: ذهب معظم الحجازيين إلى أن القسامة،
يُستَحقّ بها الدم، لقوله وَّى: ((فتستحقّون دم صاحبكم))، وفي رواية: ((فيُدفع
إليكم برُمَّته))، وهو قول الزهريّ، وربيعة، والليث، ومالك، وأصحابه،
والأوزاعيّ، وأبي ثور، وأحمد، وإسحاق، وداود، وأحد قولي الشافعيّ،
(١) ((المفهم)) ١٠/٥ - ١١.

١٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
ورُوي ذلك عن ابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز رحمهم الله تعالى. قال أبو
الزناد: قتلنا بالقسامة، وأصحاب رسول الله صل﴿ متوافرون، إني لأراهم ألف
رجل، فما اختلف منهم في ذلك اثنان.
وذهب الكوفيّون، وإسحاق، والشافعيّ في قوله الآخر إلى أنه إنما تجب
به الدية، وهو قول الحسن البصريّ، والحسن بن حيّ، والبَنِّيَ، والنخعيّ،
٤، قال
والشعبيّ. وروي عن أبي بكر، وعمر، وابن عبّاس، ومعاوية
القرطبيّ: والحديث المتقدّم نصٌّ في موضع الخلاف، فلا ينبغي العدول عنه.
(١)
انتھی(١).
وقال في ((الفتح)) ما حاصله: استُدِلَّ بحديث الباب على ثبوت الْقَوَد في
القسامة؛ لقوله : ((فتستحقون قاتلكم))، وفي الرواية الأخرى: ((دم
صاحبكم))، قال ابن دقيق العيد: الاستدلال بالرواية التي فيها: ((فيُدفَع بِرُمَّته))،
أقوى من الاستدلال بقوله: ((دم صاحبكم))؛ لأن قوله: ((يُدفَع برُمَّته)) لفظ
مستعمل في دفع القاتل للأولياء للقتل، ولو أن الواجب الدية لَبَعُد استعمال هذا
اللفظ، وهو في استعماله في تسليم القاتل أظهر، والاستدلال بقوله: ((دم
صاحبكم))، أظهر من الاستدلال بقوله: ((قاتلكم))، أو ((صاحبكم))؛ لأن هذا
اللفظ لا بد فيه من إضمار، فيحتمل أن يُضمَر: ديةَ صاحبكم، احتمالاً ظاهراً،
وأما بعد التصريح بالدم، فيحتاج إلى تأويل اللفظ بإضمار: بدل دم صاحبكم،
والإضمار على خلاف الأصل، ولو احتيج إلى إضمار، لكان حَمْله على ما
يقتضي إراقة الدم أقرب، وأما من قال: يَحْتَمِل أن يكون قوله: ((دم صاحبكم))
هو القتيل، لا القاتل، فيردّه قوله: ((دم صاحبكم))، أو ((قاتلكم)).
وتُعُقّب بأن هذه القصة واحدة، اختلفت ألفاظ الرواة فيها، على ما تقدم
بيانه، فلا يستقيم الاستدلال بلفظ منها؛ لعدم تحقق أنه اللفظ الصادر من
النبيّ ◌َل﴾ .
واستَدَلَّ من قال بالقود أيضاً، بما أخرجه مسلم، والنسائيّ من طريق
الزهريّ، عن سليمان بن يسار، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أناس من
(١) ((المفهم)) ١٢/٥.

١٣٧
(١) - بَابُ الْقَسَامَةِ - حديث رقم (٤٣٣٤)
أصحاب رسول الله صل: ((أن القسامة كانت في الجاهلية، وأقرّها النبيّ وَل
على ما كانت عليه من الجاهلية، وقضى بها بين ناس من الأنصار، في قتيل
ادعوه علی يهود خيبر)).
وهذا يَتوقّف على ثبوت أنهم كانوا في الجاهلية يقتلون في القسامة، وعند
أبي داود، من طريق عبد الرحمن بن بُجيد - بموحدة، وجيم، مصغراً - قال:
إن سهلاً - يعني: ابن أبي حثمة - وَهِمَ في الحديث: ((أن رسول الله وَلَه، كتب
إلى يهود: إنه قد وجد بين أظهركم قتيل، فَدُوه، فكتبوا يحلفون: ما قتلناه،
ولا علمنا قاتلاً، قال: فوداه من عنده))، وهذا ردّه الشافعي، بأنه مرسَل،
ويعارض ذلك: ما أخرجه ابن مَنْدَهْ في ((الصحابة)) من طريق مكحول: حدثني
عمرو بن أبي خزاعة، أنه قُتِل فيهم قتيل على عهد رسول الله وَّ، فجعل
القسامة على خُزاعة: بالله ما قتلنا، ولا علمنا قاتلاً، فحلف كل منهم عن
نفسه، وغَرِم الدية، وعمرو مختلف في صحبته.
وأخرج ابن أبي شيبة بسند جيد إلى إبراهيم النخعيّ، قال: كانت القسامة
في الجاهلية، إذا وُجد القتيل بين ظهري قوم، أقسم منهم خمسون خمسين
يميناً: ما قتلنا، ولا علمنا، فإن عجزت الأيمان، رُدّت عليهم، ثم عَقَلوا.
وتمسك من قال: لا يجب فيها إلا الدية، بما أخرجه الثوريّ في
((جامعه))، وابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، بسند صحيح، إلى الشعبيّ،
قال: وُجد قتيل بين حيَّين من العرب، فقال عمر: قيسوا ما بينهما، فأيهما
وجدتموه إليه أقرب، فأحلفوهم خمسين يميناً، وأغرموهم الدية. وأخرجه
الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن منصور، عن الشعبيّ: ((أن عمر كتب في
قتيل، وُجد بين خيران ووادعة، أن يقاس ما بين القريتين، فإلى أيهما كان
أقرب، أُخرج إليه منهم خمسون رجلاً، حتى يوافوه مكة، فأدخلهم الحِجْر،
فأحلفهم، ثم قضى عليهم الدية، فقال: حَقَّنَت أيمانكم دماءكم، ولا يُطَلُّ دم
رجل مسلم))، قال الشافعيّ: إنما أخذه الشعبي، عن الحارث الأعور،
والحارث غير مقبول. انتهى.
قال الحافظ: وله شاهد مرفوع، من حديث أبي سعيد ظلبه عند أحمد:

١٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
((أن قتيلاً وُجد بين حيين، فأمر النبيّ وَّر أن يقاس إلى أيهما أقرب، فألقى ديته
على الأقرب))، ولكن سنده ضعيف.
وقال عبد الرزاق في ((مصنّفه)): قلت لعبيد الله بن عمر الْعُمَريّ: أعلمت
أن رسول الله ﴾ أقاد بالقسامة؟ قال: لا، قلت: فأبو بكر؟ قال: لا، قلت:
فعمر؟، قال: لا، قلت: فَلِمَ تجترئون عليها؟، فسكت.
وأخرج البيهقي من طريق القاسم بن عبد الرحمن: أن عمر ظُبه، قال:
القسامة توجب العَقل، ولا تُسقط الدم، أفاده في ((الفتح))(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من احتجاج الفريقين على
ثبوت القصاص بالقسامة، وعدمه، أن القول بثبوته هو الأرجح؛ لقوة أدلّته،
كما سبق إيضاحه آنفاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في عدد الحالفين في
القسامة :
ذهب الأئمة: مالك، والليث، وربيعة، والثوريّ، والأوزاعيّ، وأحمد،
وداود، وأهل الظاهر إلى وجوب كون العدد في القسامة خمسين، فلا يجزىء
فيها أقلّ منهم، فإن كان المستحقّون خمسين، حلف كلّ واحد منهم يميناً
واحدة، فإن كانوا أقلّ من ذلك، أو نَكل منهم من لا يجوز عفوه، رُدّت
الأيمان عليهم بحسب عددهم، ولا يحلف في العمد أقلّ من اثنين من الرجال،
لا يحلف فيه الواحد من الرجال، ولا النساءُ، يحلف الأولياء، ومن يستعين
بهم الأولياء من العصبة خمسين يميناً. واختلف عن مالك فيما إذا زاد الأولياء
على الخمسين، هل يحلف كلهم يميناً، يميناً؟ أو يُقتصر منهم على خمسين؟،
قال القرطبيّ: وهذا أولى؛ لقوله: ((يحلف خمسون منكم))، و((من)) للتبعيض،
والخطاب لجميع الأولياء، فأفاد ذلك أنهم إذا حلف منهم خمسون أجزأ، أفاده
في ((المفهم)) (٢).
وقال في ((الفتح)): اختُلِف في عدد الحالفين، فقال الشافعيّ: لا يجب
الحق حتى يحلف الورثة خمسين يميناً، سواء قَلَّوا، أم كثروا، فلو كان بعدد
(١) (الفتح)» ١٦ / ٨٩ - ٩٠.
(٢) ((المفهم)) ١١/٥ - ١٢.

١٣٩
(١) - بَابُ الْقَسَامَةِ - حديث رقم (٤٣٣٤)
الأيمان حلف كل واحد منهم يميناً، وإن كانوا أقل، أو نَكَل بعضهم، رُدَّت
الأيمان على الباقين، فإن لم يكن إلا واحد، حلف خمسين يميناً واستحقّ،
حتى لو كان من يرث بالفرض والتعصيب، أو بالنسب والولاء، حلف
واستحق. وقال مالك: إن كان وليّ الدم واحداً، ضُمَّ إليه آخر من العصبة،
ولا يستعان بغيرهم، وإن كان الأولياء أكثر، حلف منهم خمسون، قال الليث:
لم أسمع أحداً يقول: إنها تنزل عن ثلاثة أنفس. وقال الزهريّ، عن سعيد بن
المسيِّب: أول من نقص القسامة عن خمسين معاوية، قال الزهريّ: وقضى به
عبد الملك، ثم ردّه عمر بن عبد العزيز الى الأمر الأول. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: القول بتعيّن عدد الخمسين هو الأرجح؛ عملاً
بظاهر النصّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم فيمن يحلف في القسامة:
ذهبت طائفة إلى أنه لا يُشترط أن يكون من يحلف في القسامة رجلاً،
ولا بالغاً؛ لإطلاق قوله وَّلقول: (خمسين منكم))، وبه قال ربيعة، والثوريّ،
والليث، والأوزاعيّ، وأحمد.
وذهب مالك إلى أنه لا مدخل للنساء في القسامة؛ لأن المطلوب في
القسامة القتل، ولا يُسمع من النساء.
وذهب الشافعيّ إلى أنه لا يحلف في القسامة إلا الوارث البالغ؛ لأنها
يمين، في دعوى حكمية، فكانت كسائر الأيمان، ولا فرق في ذلك بين الرجل
والمرأة، أفاده في ((الفتح))(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: القول بعدم اشتراط الرجل والبالغ هو الأظهر؛
عملاً بإطلاق النصّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): في اختلاف أهل العلم: هل القسامة معقولة المعنى،
أم لا؟ :
قال في ((الفتح)): واختُلِف في القسامة، هل هي معقولة المعنى، فيقاس
عليها، أو لا؟، والتحقيق أنها معقولة المعنى، لكنه خفيّ، ومع ذلك، فلا
(١) ((الفتح)) ١٦ / ٩١.
(٢) ((الفتح)) ٩٢/١٦.

١٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
يقاس عليها؛ لأنها لا نظير لها في الأحكام، وإذا قلنا أن المبدأ فيها يمين
المدَّعِي، فقد خرجت عن سنن القياس، وشرط القياس أن لا يكون معدولاً به
(١)
عن سنن القياس، كشهادة خزيمة. انتهى"
.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي القول أن الاختلاف في كون القسامة،
هل هي معقولة المعنى، أم لا؟ مما لا جدوى تحته، فلا ينبغي الاشتغال
بمثله؛ لأنه من فضول المسائل، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
[تنبيه]: اذَّعَى بعضهم أنّ قوله وَلّه: ((تحلفون، وتستحقون)): استفهام
إنكار، واستعظام للجمع بين الأمرين.
وتُعُقِّب بأنهم لم يبدأوا بطلب اليمين، حتى يصح الإنكار عليهم، وانما
هو استفهام تقرير، وتشريع، قاله في ((الفتح))(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٣٣٥] ( ... ) - وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِبِرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ
زَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ،
وَرَافِعِ بْنِ خَدِيج، أَنَّ مُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلِ انْطَلَقَا قِبَلَ خَيْبَرَ،
فَتَفَرَّقَا فِي النَّخْلِ، فَقُتِلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ، فَاتَّهَمُوا الَّيَهُودَ، فَجَاءَ أَخُوهُ
عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَابْنَا عَمِّهِ: حُوَيِّصَةُ، وَمُحَيِّصَةُ إِلَى النَِّّ وَّهِ، فَتَكَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ
فِي أَمْرِ أَخِيهِ، وَهُوَ أَصْغَرُ مِنْهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((كَبِّرِ الْكُبْرَ - أَوْ قَالَ -
لِيَبْدَإِ الأَْبَرُ))، فَتَكَلَّمَا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ: ((يُقْسِمُ خَمْسُونَ
مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ(٣))، قَالُوا: أَمْرٌ لَمْ نَشْهَدْهُ، كَيْفَ نَحْلِفُ؟
قَالَ: ((فَتُبْرِتُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ قَوْمٌ كُفَّارٌ، قَالَ:
(١) ((الفتح)) ٩٢/١٦.
(٣) وفي نسخة: ((فندفع برمّته)).
(٢) ((الفتح)) ١٦/ ٩٢.