Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
(١٢) - بَابُ مَنْ أَعْتَقَ شِرْكاً لَهُ فِي عَبْدٍ - حديث رقم (٤٣٢٩)
لا
(منها): أن دعوى عدم سماع ابن سيرين عن عمران بن حصين
تسلّم له؛ لأنه خالفه غيره في ذلك، فقد أثبت سماعه منه يحيى بن معين
وغيره، كما في ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (١).
(ومنها): أن ابن سيرين بريء من وصمة التدليس، وحيث ثبت سماعه من
عمران، فعنعنته محمولة على السماع حتى يظهر خلافه، ولم يظهر هنا .
(ومنها): صنيع الإمام مسلم تَّقُ هنا؛ لأنه، وإن احتمل أن يكون أورده
متابعة مع انقطاعه، إلا أن هذا خلاف الأصل.
(ومنها): أن الدارقطني إنما اعترض على رواية المصنّف برواية أشعث،
حيث أدخل ثلاث وسائط، فقد رواه عن ابن سيرين، عن خالد الحذّاء، عن
أبي قلابة، عن أبي المهلّب، عن عمران ته، ورواه المصنّف عن هشام بن
حسّان، عن ابن سيرين، عن عمران، وهشام أثبت الناس في ابن سيرين،
وتابعه على ذلك أيوب السختيانيّ، ويحيى بن عتيق، وحبيب بن الشهيد،
وكلهم ثقات، فمخالفة أشعث لهؤلاء الحفّاظ لا تُقبل، على أن الدارقطنيّ لم
يُبيّن من هو أشعث؟ أهو الحمرانيّ، وهو ثقة، أو الْحُدّانيّ، وهو صدوق؟
وكلاهما یرویان عن ابن سيرين.
والحاصل أن رواية أشعث بإدخال الوسائط مخالفاً للحفّاظ المذكورين
فيها نظرٌ لا يخفى.
وخلاصة البحث أن رواية المصنّف صحيحة، لا يؤثّر فيها ما انتقد به
الدارقطنيّ من رواية أشعث، فتأمله بالإنصاف، وقد أجاد البحث في هذا الشيخ
ربيع المدخليّ فيما كتبه على تتبع الدارقطنيّ، فراجعه تستفد(٢)، وبالله تعالى
التوفيق.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَّوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١) راجع: ((الجرح والتعديل)) ٧/ ٢٨٠.
(٢) راجع: ((بين الإمامين: مسلم والدارقطنيّ)) ص٢٩٣ - ٢٩٦.

١٠٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
(١٣) - (بَابُ جَوَازِ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ)
((المدبّر)): اسم مفعول، من دبّر الرجل عبده تدبيراً: إذا أعتقه بعد موته،
ويقال: أعتق عبده عن دُبُر؛ أي: بعد دُبُر؛ أي: في آخر أمره.
وقال في ((الفتح)): المدبّر: هو الذي عَلّق مالكه عتقه بموته، سُمّي
بذلك؛ لأن الموت دُبُر الحياة، أو لأن فاعله دَبّر أمر دنياه وآخرته، أما دنياه،
فباستمراره على الانتفاع بخدمة عبده، وأما آخرته فبتحصيل ثواب العتق، وهو
راجع إلى الأول؛ لأن تدبير الأمر مأخوذ من النظر في العاقبة، فيرجع إلى دبر
الأمر، وهو آخره. انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخَذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٣٣٠] (٩٩٧) (٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا
حَمَّدٌ - يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ - عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ رَجُلاً مِنَ
الأَنْصَارِ أَعْتَقَ غُلَاماً لَهُ عَنْ دُبٍُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ وَّهِ،
فَقَالَ: (مَنْ يَشْتَرِبِهِ مِنِّي))، فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَم، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ.
قَالَ عَمْرُو: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: عَبْدَاً قِبْطِيّاً، مَاتَ عَامَ أَوَّلَ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن
الصحابيّ ﴿ه، مات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١١٧/٤.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تَخْدَثُ، كالإسنادين التاليين، وهو (٢٨٥) من
رباعيّات الكتاب.
(١) ((الفتح)) ٧١١/٥.
(٢) ترقيم محمد فؤاد كَفُ مكرّر، فقد تقدّم في كتاب ((الزكاة))، ((باب الابتداء في النفقة
بالنفس، ثم أهله، ثم القرابة)).

١٠٣
(١٣) - بَابُ جَوَازٍ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ - حديث رقم (٤٣٣٠)
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) ◌َا (أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ) هو أبو مذكور (أَعْتَقَ
غُلَاماً لَهُ) اسمه يعقوب (عَنْ دُبُرٍ) معناه: أنه قال له: أنت حرّ عن دبري؛ أي:
بعد موتي، وسُمِّ هذا تدبيراً؛ لأنه يَحْصُلُ العتق فيه في دُبُر الحياة.
وقوله: (لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ) فيه بيان سبب بيعه، وهو كونه لا يملك
شيئاً غيره، وأصرح من هذا رواية للبخاريّ، من طريق عطاء بن أبي رباح، عن
جابر: ((أنّ رجلاً أعتق غلاماً له عن دبر))، فاحتاج، فأخذه النبيّ وَّ، فقال:
((من يشريه منّي ... )) الحديث، ففيها التصريح بأنّ سبب بيعه هو احتياجه إلى
ثمنه .
وقد جاءت رواية أخرى فيها بيان أن سببه هو الدَّين، فقد أخرج
الإسماعيليّ، من طريق أبي بكر بن خلّاد، عن وكيع، عن إسماعيل بن أبي
خالد، وفيه: ((أعتق غلاماً له، وعليه دينٌ)).
وقد جاءت رواية أخرى بيّنت السببين معاً، فقد أخرج النسائيّ من طريق
الأعمش، عن سلمة بن كُهَيل، بلفظ: ((أنّ رجلاً من الأنصار أعتق غلاماً له
عن دُبُر، وكان محتاجاً، وكان عليه دَيرٌ، فباعه رسول الله وَّر بثمانمائة درهم،
فأعطاه، وقال: اقض دینك)).
والحاصل أنّ سبب بيعه كونه فقيراً محتاجاً إليه، حيث لا مال له سواه،
وتحمّله الدَّين، والله تعالى أعلم.
(فَبَلَغَ ذَلِكَ)؛ أي: عتقه المذكور (النَّبِيَّ ◌َّه) بالنصب على المفعوليّة
(فَقَالَ) وَِّ (مَنْ) استفهاميّة مبتدأ، خبره قوله: (يَشْتَرِيهِ مِنِّ) فيه جواز بيع
المدبّر، وفيه خلاف بين أهل العلم، والراجح جوازه مطلقاً، وهو قول
الشافعيّ، وأهل الحديث.
ومنهم من منع مطلقاً، وهو قول مالك، والأوزاعيّ، والكوفيين.
ومنهم من أجازه للحاجة، وهو قول الليث بن سعد.
قال النوويّ كَّلُهُ: وفي هذا الحديث دلالة لمذهب الشافعيّ، وموافقيه أنه
يجوز بيع المدبَّر قبل موت سيّده؛ لهذا الحديث قياساً على الموصَى بعتقه، فإنه

١٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
يجوز بيعه بالإجماع، وممن جوّزه: عائشة، وطاوس، وعطاء، والحسن،
ومجاهد، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود
وقال أبو حنيفة، ومالك، وجمهور العلماء، والسلف من الحجازيين،
والشاميين، والكوفيين - رحمهم الله تعالى -: لا يجوز بيع المدبَّر، قالوا: وإنما
باعه النبيّ 98َّ في دَين كان على سيده، وقد جاء في رواية للنسائيّ،
والدارقطنيّ أن النبيّ و ◌َ﴿ قال له: ((اقضٍ به دَينك))، قالوا: وإنما دفع إليه ثمنه
ليقضي به دينه، وتأوّله بعض المالكية على أنه لم يكن له مال غيره، فردّ
تصرفه، قال هذا القائل: وكذلك يُرَدّ تصرّف من تصدق بكل ماله، وهذا
ضعيف، بل باطل، والصواب نفاذ تصرف من تصدق بكل ماله.
وقال القاضي عياض دَّثُ: الأشبه عندي أنه فعل ذلك نظراً له؛ إذ لم
يترك لنفسه مالاً، والصحيح ما قدمناه أن الحديث على ظاهره، وأنه يجوز بيع
المدبَّر بكل حال، ما لم يمت السيد، والله أعلم.
قال: وأجمع المسلمون على صحة التدبير، ثم مذهب الشافعيّ، ومالك،
والجمهور، أنه يُحسب عتقه من الثلث، وقال الليث، وزفر - رحمهما الله
تعالى -: هو من رأس المال.
وفي هذا الحديث: نظرُ الإمام في مصالح رعيته، وأمْره إياهم بما فيه
الرفق بهم، وبإبطالهم ما يضرّهم من تصرفاتهم التي يمكن فسخها .
وفيه جواز البيع فيمن يُدَبَّر، وهو مجمع عليه الآن، وقد كان فيه خلاف
ضعيف لبعض السلف. انتهى كلام النوويّ كَُّهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ.
وقال السنديّ تَّثُ في ((شرح النسائيّ)): من لا يرى بيع المدبّر، منهم من
يَحْمِله على أنه كان مدبَّراً مقيَّداً بمرضٍ، أو بمدّة، كعلمائنا - يعني: الحنفيّة -
ومنهم من يَحْمِله على أنه دبّره، وهو مديونٌ، كأصحاب مالك، والأول بعيدٌ،
والثاني يردّه آخر الحديث. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله السنديّ رُّ إنصاف منه حیث
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤١/١١ - ١٤٢.
(٢) راجع: شرح السندي لهذا الكتاب ٧٠/٥.

١٠٥
(١٣) - بَابُ جَوَازٍ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ - حديث رقم (٤٣٣٠)
ردّ على أهل مذهبه، وغيرهم؛ لمخالفتهم الحديث، فيا ليت أصحاب المذاهب
المتأخّرين كلهم كانوا هكذا، وانقادوا للنصّ إذا اتّضح لهم الحقّ، ولا
يعاندوا، ولا يتعصّبوا لمذهبهم، ولا يتعلّلوا بتعليلات باردة في إعراضهم عن
النصّ بالتأويل البعيد.
فلو رأيت ما كتبه صاحب ((تكملة فتح الملهم)) في هذا المجال لرأيت أمراً
فظيعاً، وتحاملاً شنيعاً، فإنّا لله، وإنا إليه راجعون، اللهمّ أرنا الحقّ حقّاً،
وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، إنك أرحم الراحمين،
آمین.
(فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن أسيد بن عبد عوف بن عبيد بن عُويج بن
عديّ بن كعب القرشيّ العدويّ، المعروف بـ((النحّام))، قيل له ذلك؛ لأنّ
النبيّ وَله قال له: ((دخلت الجنّة، فسمعت نَحْمة(١) من نُعيم))، وقد تقدّمت
ترجمته في ((كتاب الزكاة) برقم [٢٣١٣/١٣] (٩٩٧).
(ِبِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَم) قال في ((الفتح)): اتفقت الظُّرُق على أنّ ثمنه ثمانمائة
درهم، إلا ما أخرجه أبو داود من طريق هشيم، عن إسماعيل، قال:
(سبعمائة، أو تسعمائة)). انتهى.
(فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ)؛ أي: دفع النبيّ وَّ تلك الدراهم إلى الرجل المعتِق، زاد
في رواية الأوزاعيّ، عن عطاء بن أبي رباح، عند أبي داود في آخره: ((أنت
أحقّ بثمنه، والله أغنى عنه)).
(يَقُولُ: عَبْدأ
(قَالَ عَمْرٌو)؛ أي: ابن دينار (سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) ﴾
قِبْطِيّاً)؛ أي: أعتَقَ عبداً منسوباً إلى قبط، قال في ((اللباب)): الْقِبْطي : - بكسر
القاف، وسكون الباء الموحّدة، بعدها طاء مهملة - نسبة إلى القبط، وهم أهل
مصرَ، نُسبوا إلى قِبْط بن قرط بن حام، والثاني: إلى القبط: بطنٍ من حِمْيَر،
والثالث: نسبة إلى فرس يقال له: القبطيّ، وكان سابقاً، نُسب إليه عبد الملك بن
عُمير؛ لأنه كان صاحبه. انتهى باختصار(٢).
(١) ((النحْمَةُ)): هي السَّعْلَة التي تكون في آخر النَّحْنَحَة الممدود آخرها.
(٢) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ١٣/٣.

١٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
وقوله: (مَاتَ عَامَ أَوَّلَ) هكذا نُسخ مسلم بفتح الجزأين، وكذا وقع في
((صحيح البخاريّ)) في أكثر من موضع، وليس هذا من تركيب الاسمين،
كبعلبكّ؛ لأنه ممنوع عند أهل اللغة وإنما هو مضاف ومضاف إليه، كما
سيأتي.
قال الفيّوميّ تَخُّْهُ: تقول: عامٌ أوّلُ، إن جعلته صفةً لم تصرفه؛ لوزن
الفعل والصفة، وإن لم تجعله صفةً صرفت، وجاز عامُ الأولِ بالتعريف
والإضافة، ونقل الجوهريّ عن ابن السِّكِّيت منعها، ولا يقال: عامَ أوّلَ على
التركيب. انتهى (١).
وقال في ((القاموس))، و((شرحه)): وإذا جعلت ((أوّلاً)) صفةً منعته من
الصرف، وإلا صرفته، تقول: لقِيته عاماً أوّلَ ممنوعاً من الصرف، وعاماً أوّلاً
مصروفاً، قال ابن السّكِّيت: ولا تقل: عام الأولِ، وقال غيره: هو قليلٌ، قال
أبو زيد: يقال: لقيته عامَ الأوّلِ، ويومَ الأوّلِ بجرّ آخره، كقولك: أتيتُ مسجدَ
الجامع، قال الأزهريّ: هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه، وتقول: ما رأيته
مذ عامٍّ أوّلُ ترفعه على الوصف لـ ((عامٌ))، كأنه قال: أوّلَ من عامنا، وتنصبه
على الظرف، كأنه قال: مذ عامٍ قبلَ عامنا. انتهى(٢).
وقيل في ((العمدة)): قوله: ((عامَ أوّلَ)) بالصرف، وعدم الصرف لأنه إما
أفعل، أو فوعل، ويجوز بناؤه على الضم، وهذه الإضافة من إضافة الموصوف
إلى صفته، وأصله: عاماً أول. انتهى (٣).
وقال في موضع آخر: ((قوله: عامَ أوّلَ)) بفتح اللام، على البناء، وهو من
قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة، والبصريون يقولون: إنه مما يقدّر فيه
المضاف نحو: عامَ الزمن الأول. انتهى (٤).
قال الجامع عفا الله عنه: فتبيّن بما ذُكر أن الأقرب في الإعراب أن يقال:
إن ((عامَ أول)) مضاف ومضاف إليه، فالأول منصوب على الظرفيّة، والثاني
(١) ((المصباح المنير)) ٣١/١.
(٢) ((القاموس)) مع شرحه (تاج العروس)) ١٥٠/٨.
(٣) ((عمدة القاري)) ٩٤/١٣.
(٤) ((عمدة القاري)) ٢٢٢/٢٣.

١٠٧
(١٣) - بَابُ جَوَازِ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ - حديث رقم (٤٣٣١)
مضاف إليه مجرور بالفتحة؛ لمنعه من الصرف للوصفيّة ووزن الفعل، ومعناه:
في الزمن الأول؛ أي: قبل عامنا هذا، والله تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله في ((كتاب
الزكاة)) برقم [٢٣١٣/١٣] (٩٩٧)، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخََّثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٣٣١] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: سَمِعَ عَمْرٌو جَابِراً
يَقُولُ: دَبَّرَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ غُلَاماً لَهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَبَاعَهُ رَسُولُ اللهِ وَهِ.
قَالَ جَابِرٌ: فَاشْتَرَاهُ ابْنُ النَّخَّامِ، عَبْدَأَ قِبْطِيّاً، مَاتَ عَامَ أَوَّلَ، فِي إِمَارَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، والباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف ◌َّلُهُ، كسابقه، ولاحقه، وهو (٢٨٦) من
رباعيّات الكتاب.
وقوله: (فَاشْتَرَاهُ ابْنُ النَّخَّام) - بالنون المفتوحة، والحاء المهملة المشددة -
قال النوويّ نظّشُ: هكذا هو في جميع النسخ: ((ابن النَّحّام)) بزيادة ((ابن))،
قالوا: وهو غلط، وصوابه: ((فاشتراه النّحّام))، فإن المشتري هو نُعيم، وهو
النَّحّام، سمُيّ بذلك؛ لقول النبيّ وَّ: ((دخلتُ الجنة، فسمعت فيها نَحْمَةً
لنعيم))، والنحمة: الصوت، وقيل: هي السَّعْلة، وقيل: النحنحة. انتهى(١).
وقوله: (فِي إِمَارَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ)؛ أي: في زمن خلافة عبد الله بن
ـبًا .
الزبير
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه في الحديث الماضي، والله
أعلم.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤٢/١١ - ١٤٣.

١٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٣٣٢] (.) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ رُمْح، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ،
عَنْ أَبِيِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ فِي الْمُدَبَّرِ، نَّحْوَ حَدِيثِ حَمَّدٍ، عَنْ
عَمْرِو بْنِ دِینَارٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم، المكيّ،
صدوق، يدلّس [٤] (ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله، و((ابْنُ رُمْحٍ)) هو: محمد بن رُمْح بن
المهاجر.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تَّلهُ، كسابقيه، وهو (٢٨٧) من رباعيّات
الكتاب.
[تنبيه آخر]: رواية الليث بن سعد، عن أبي الزبير هذه ساقها النسائيّ كَّثهُ
في ((المجتبى))، فقال:
(٢٥٤٦) - أخبرنا قُتَيْبَةُ، قال: حدّثنا اللَّيْثُ، عن أبي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرٍ،
قال: أَعْتَقَ رَجُلٌ من بَنِي عُذْرَةَ عَبْداً له، عن دُبُرٍ، فَبَلَغَ ذلك رَسُولَ اللهِ نَّهِ،
فقال: ((أَلَكَ مَالٌ غَيْرُهُ؟)) قال: لَا، فقال رسول اللهِ وَالَ: ((من يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟))،
فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بن عبد اللهِ الْعَدَوِيُّ بثمانمائة دِرْهَم، فَجَاءَ بها رسول اللهِ وَچ،
فَدَفَعَهَا إليه، ثُمَّ قال: ((ابْدَأُ بِنَفْسِكَ، فَتَصَدَّقْ عليهاً، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ، فَلِأَهْلِكَ،
فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ عن أَهْلِكَ، فَلِذِي قَرَابَتِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عن ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ،
فَهَكَذَا، وَهَكَذَا، يقول: بين يَدَيْكَ، وَعَنْ يَمِينِكَ، وَعَنْ شِمَالِكَ)). انتهى(١)،
والله تعالى أعلم.
(١) ((سنن النسائيّ - المجتبى)) ٦٩/٥.

١٠٩
(١٣) - بَابُ جَوَازِ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ - حديث رقم (٤٣٣٣)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٣٣٣] ( .. ) - (حَدَّثْنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ - يَعْنِي: الْحِزَامِيَّ -
عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ (ح)
وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِم، حَدَّثَنَا يَحْيَى - يَعْنِي: أَبْنَ سَعِيدٍ - عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ
ذَْوَانَ الْمُعَلِّمِ، حَدَّثَنِي عَطَّاءٍ، عَنْ جَابِرٍ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا
مُعَاذٌ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مَطَرٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحِ، وَأَبِيِ الزُّبَيْرِ ، وَعَمْرِو بْنِ
دِينَارٍ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ حَدَّثَهُمْ فِي بَيْعِ الْمُدَبَّرِ، كُلَّ هَؤُلَاءٍ قَالَ: عَنِ النَّبِيِّ ◌َهـ
بِمَعْنَى حَدِيثٍ حَمَّدٍ، وَابْنِ عُبَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابٍِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة عشر:
١ - (الْمُغِيرَةُ الْحِزَامِيُّ) هو: المغيرة بن عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن
حِزَام المدنيّ يُلقّب بقصيّ، ثقةٌ له غرائبُ [٧] (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٥٣/٢٦.
٢ - (عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ سُهَيْلٍ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو وهب،
أو أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ [٦] (خ م د س) تقدم في ((البيوع)) ٤٠٧٤/٣٩.
٣ - (عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاح) أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ
فقيهٌ فاضلٌ، لكنه كثير الإرسالِ [٣] (ت١١٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٤٢/٨٣.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِم) بن حيّان الْعَبْديّ، أبو عبد الرحمن الُّوسيّ،
سكن نيسابور، ثقةٌ صاحب حَديث، من صغار [١٠] مات سنة بضع و(٢٥٠)،
من أفراد المصنّف، تقدم في ((الإيمان)) ١١٢/٣.
٥ - (يَحْبَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم قبل باب.
٦ - (الْحُسَيْنُ بْنُ ذَكْوَانَ الْمُعَلِّمُ) المكتّب الْعَوْذيّ البصريّ، ثقةٌ ربّما وَهِمَ
[٦] (ت١٤٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧٩/١٩.
٧ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠]
(ت٢٣٠) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٧/٨.
٨ - (مُعَاذُ) بن هشام الدستوائيّ البصريّ، سكن اليمن، صدوقٌ ربّما وَهِمَ
[٩] (ت٢٠٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢/ ١٥٦.

١١٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
٩ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
١٠ - (مَطَرُ) بن طهمان الورّاق، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب السابق.
وقوله: (كُلُّ هَؤُلَاءِ) إشارة إلى عطاء بن أبي رَبَاحِ، وأبي الزبير،
وعمرو بن دینار.
[تنبيه]: رواية عبد المجيد بن سُهيل، عن عطاء بن أبي رباح، ساقها أبو
عوانة تَخَّْثُ في ((مسنده))، فقال:
(٥٨١٢) - حدّثنا أحمد بن شعيب النسائيّ، قثنا قتيبة، قئنا المغيرة بن
عبد الرحمن، عن عبد المجيد بن سهيل، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن
عبد الله، أن رجلاً من الأنصار، أعتق غلاماً له عن دُبُر، وكان محتاجاً، فذُكِر
ذلك لرسول الله و *، فدعاه، فقال: ((أعتقت غلامك؟))، قال: نعم، فقال
النبيّ وَّه: ((أنت أحوج إليه))، ثم قال: ((من يشتريه؟))، قال نعيم بن عبد الله:
أنا، فاشتراه، فأخذ النبيّ ثمنه، فدفع إلى صاحبه. انتهى(١).
وأما رواية الحسين بن ذكوان، عن عطاء، فقد ساقها البخاريّ تَّثُ في
((صحيحه))، فقال :
(٢٢٧٣) - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حدّثنا يَزِيدُ بن زُرَيْع، حدّثنا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ،
حدّثنا عَطَاءُ بن أبي رَبَاحِ، عن جَابِرِ بن عبد اللهِ ﴿يَا قال: أَعْتَقَ رَجُلٌ غُلَاماً له
عن دُبُرٍ، فقال النبيّ ◌ََّ: ((من يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟))، فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بن عبد اللهِ، فَأَخَذَ
ثَمَنَهُ، فَدَفَعَهُ إلیه)). انتهى(٢).
وأما رواية مطر الورّاق، عن عطاء بن أبي رباح، وأبي الزبير، وعمرو بن
دينار، فساقها أبو عوانة دَّثُ في ((مسنده))، فقال:
(٥٨٠٧) - حدّثنا مسلم بن الحجاج أبو الحسين إملاءً ببغداد، قثنا أبو
غَسّان الْمِسْمَعِيّ، قئنا معاذ بن هشام، قئنا أبي، عن مطر، عن عطاء بن أبي
رياح، وأبي الزبير، وعمرو بن دينار، أن جابر بن عبد الله حدثهم، أن رجلاً
(١) ((مسند أبي عوانة)) ٤٩١/٣ - ٤٩٢.
(٢) ((صحيح البخاريّ)) ٨٤٦/٢.

١١١
(١٣) - بَابُ جَوَازٍ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ - حديث رقم (٤٣٣٣)
أعتق مملوكه، إن حَدَثَ به حَدَثٌ، فدعا به النبيّ بََّ، فباعه من نعيم بن
عبد الله، أخي بني عديّ بن كعب. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١) ((مسند أبي عوانة)) ٤٩١/٣.

١١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
٢٧ - (كِتَابُ الْقَسَامَةِ، وَالْمُحَارِبِينَ، وَالْقِصَاص، وَالدِّيَّاتِ)
(١) - (بَابُ الْقَسَامَةِ)
((الْقَسَامَةُ)) - بفتح القاف، وتخفيف المهملة -: اليمين، وهي في عرف
الشرع: حَلِفٌ معيّنٌ عند التهمة بالقتل على الإثبات، أو النفي، وقيل: مأخوذةٌ
من قِسْمة الأيمان على الحالفين، قاله في ((الفتح))(١).
وقال في موضع آخر: هي الأيمان تُقسم على أولياء القتيل، إذا ادّعوا
الدم، أو على المدّعى عليهم الدم، وخُصَّ القَسَم على الدم بلفظ القسامة،
وقال إمام الحرمين: القسامة عند أهل اللغة: اسم للقوم الذين يُقسِمون، وعند
الفقهاء اسم للأيمان، وقال في ((المحكم)): القسامة: الجماعة يُقسِمون على
الشيء، أو يَشهدون به، ويمين القسامة منسوب إليهم، ثم أُطلق على الأيمان
نفسها. انتهى(٢).
وقال الفيّوميّ كَظُّهُ: القسامة - بالفتح -: الأيمان، تُقسَم على أولياء
القتيل، إذا ادّعَوا الدمَ، يقال: قُتِل فلانٌ بالقسامة: إذا اجتمع جماعةٌ من أولياء
القتيل، فادَّعَوا على رجل أنه قتل صاحبهم، ومعهم دليلٌ دون البيّنة، فحَلَفوا
خمسين يميناً أنّ المدّعَى عليه قَتَل صاحبهم، فهؤلاء الذين يُقسمون على
دعواهم، يُسَمَّون قَسَامَةً. انتهى(٣).
وقال ابن الأثير تَّتُهُ: القَسَامة - بالفتح -: اليمين، كالقَسَم، وحقيقتها أن
يُقسِم من أولياء الدم خمسون نفراً على استحقاقهم دم صاحبهم، إذا وَجدوه
(١) ((الْفَتْحُ)» ٥٤٣/٧.
(٣) ((المصباح المنير)) ٥٠٣/٢.
(٢) ((الفتح)) ١٤/ ٢٢١.

١١٣
(١) - بَابُ الْقَسَامَةِ
قتيلاً بين قوم، ولم يُعرَف قاتله، فإن لم يكونوا خمسين، أقسم الموجودون
خمسين يميناً، ولا يكون فيهم صبيّ، ولا امرأة، ولا مجنون، ولا عبدٌ، أو
يُقسم بها المتّهمون على نفي القتل عنهم، فإن حلف المدّعون استحقّوا الدية،
وإن حلف المتّهمون لم تلزمهم الدية، وقد أقسم يُقسم قَسَماً، وقَسَامةً، وقد
جاء على بناء الْغَرَامَة، والْحَمَالَة،؛ لأنها تلزم أهل الموضع الذي يوجد فيه
القتيل، ومنه حديث عمر ظه: ((القَسَامةُ توجب العقل))؛ أي: توجب الدية،
لا الْقَوَدَ، وفي حديث الحسن: ((القسامة جاهليّةٌ))؛ أي: كان أهل الجاهليّة
يدِينون بها، وقد قرّرها الإسلام، وفي رواية: ((القتلُ بالقسامة جاهليّةٌ))؛ أي:
أن أهل الجاهلية كانوا يقتُلُون بها، أو أن القتل بها من أعمال الجاهليّة، كأنه
إنكار لذلك، واستعظام. انتهى (١).
وقال ابن منظور كَّلُهُ: تفسير القسامة في الدم أن يُقتل رجلٌ، فلا تَشْهَد
على قتل القاتل إياه بيّنة عادلة كاملةٌ، فيجيء أولياء المقتول، فيدّعون قِبَلَ رجل
أنه قتله، ويُدْلُون بِلَوْثٍ من البيّنة، غير كاملة، وذلك أن يوجد الْمُدّعَى عليه،
مُتلطّخاً بدم القتيل في الحال التي وُجد فيها، ولم يَشهد رجل عدلٌ، أو امرأة
ثقةٌ أن فلاناً قتله، أو يُوجَدَ القتيلُ في دار القاتل، وقد كانت بينهما عداوة
ظاهرةٌ قبل ذلك، فإذا قامت دلالة من هذه الدلالات، سبَقَ إلى قلب من سمعه
أن دعوى الأولياء صحيحةٌ، فيُستَحلَف أولياء القتيل خمسين يميناً أن فلاناً الذي
ادّعَوا قتله انفرد بقتل صاحبهم، ما شَرِكَه في دمه أحدٌ، فإذا حلفوا خمسين
يميناً، استحقّوا دية قتيلهم، فإن أبوا أن يحلفوا مع اللَّوْث الذي أَدْلَوا به،
حلف الْمُدَّعَى عليه، وبَرِىء، وإن نكَلَ المدّعَى عليه عن اليمين، خُيِّر ورثة
القتيل بين قتله، أو أخْذِ الدية من مال المدَّعَى عليه، وهذا جميعه قول
الشافعيّ ◌َّثُ. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ كَّثُ: في ((الصحاح)): يقال: أقسمتُ: حَلَفتُ، وأصله من
القسامة، وهي الأيمان تُقسم على الأولياء في الدم، والْقَسَمُ - بالتحريك -:
(١) ((النهاية في الحديث والأثر)) ٦٢/٤.
(٢) ((لسان العرب)) ١٢ / ٤٨١.

١١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
اليمين، وكذلك الْمَقْسَمُ، وهو المصدر، مثلُ الْمَخْرَج، والْمَقْسم أيضاً: موضع
القَسَم، قال زهير [من الوافر]:
فَتُجْمَعُ أَيْمُنٌّ مِنَّا وَمِنْكُمْ بِمَقْسَمَةٍ تَمُورُ بِهَا الدِّمَاءُ
يعني: بمكة. انتهى(١).
وقال العلامة ابن قُدامة تَظْلُهُ: القسامة: مصدر أقسم قَسَماً، وقَسَامة،
ومعناه: حَلَف حَلِفاً، والمراد بالقسامة ههنا: الأيمان المكررة في دعوى القتل،
قال القاضي: هي الأيمان إذا كثرت على وجه المبالغة، قال: وأهل اللغة
يذهبون إلى أنها القوم الذين يحلفون، سُمُّوا باسم المصدر، كما يقال: رجلٌ
زُورٌ، وعدلٌ، ورِضاً، وأيُّ الأمرين كان، فهو من القَسَم، الذي هو الحلف.
والأصل في القسامة: ما رَوَى يحيى بن سعيد الأنصاري، عن بشير بن
يسار، عن سهل بن أبي حثمة، ورافع بن خَدِيج: أن مُحَيِّصة بن مسعود،
وعبد الله بن سهل، انطلقا إلى خيبر، فتفرقا في النخيل، فقُتِل عبد الله بن
سهل، فاتَّهموا اليهود، فجاء أخوه عبد الرحمن، وابنا عمه حُوَيِّصة ومحيصة،
إلى النبيّ وَّ، فتكلم عبد الرحمن، في أمر أخيه، وهو أصغرهم، فقال
النبيّ ◌َّهِ: ((كُبِّر، كبِّر))، الحديث، متّفقٌ عليه(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب.
[٤٣٣٤] (١٦٦٩) - (حَدَّثَنَا قُتَيْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ يَحْيَى - وَهُوَ
ابْنُ سَعِيدٍ - عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ - قَالَ بَحْيَى: وَحَسِبْتُ
قَالَ -: وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، أَنَّهُمَا قَالًا: خَرَجَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلِ بْنِ زَيْدٍ،
وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ بْنِ زَيْدٍ، حَتَّى إِذَا كَانَا بِخَيْبَرَ، تَفَرَّقَا فِي بَعْضٍ مَا هُتَالِكَ، ثُمَّ
إِذَا مُحَيِّصَةُ(٣) يَجِدُ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ قَتِيلاً، فَدَفَتَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى رَسُولِ اللهِ إِله
هُوَ وَحُوَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، وَكَانَ أَصْغَرَ الْقَوْمِ، فَذَهَبَ
عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِيَتَكَلَّمَ قَبْلَ صَاحِبَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُوَّلُ اللهِ وَلِ: (كَبِّرٍ))، اَلْكُبْرَ فِي
السِّنِّ، فَصَمَتَ، فَتَكَلَّمَ صَاحِبَاهُ، وَتَكَلَّمَ مَعَهُمَا، فَذَكَرُوا لِرَسُولِ اللهِ وَهِ مَقْتَلَ
(١) ((المفهم)) ٥/٥.
(٣) وفي نسخة: ((ثمّ إنّ محيّصة)).
(٢) ((المغني)) لابن قُدامة ١٨٨/١٢.

١١٥
(١) - بَابُ الْقَسَامَةِ - حديث رقم (٤٣٣٤)
عَبْدِ اللهِ بْنِ سَهْلٍ، فَقَالَ لَهُمْ: ((أَتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ بَمِيناً، فَتَسْتَحِقُّونَ صَاحِبَكُمْ؟))،
أَوْ («قَاتِلَكُمْ؟»، قَالُوا: وَكَيْفَ نَحْلِفُ، وَلَمْ نَشْهَدْ؟ قَالَ: ((فَتُبْرِتُكُمْ بَهُودُ بِخَمْسِينَ
يَمِيناً؟))، قَالُوا: وَكَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ؟ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ وَلَه
أَعْطَى عَقْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رَجاء البَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]
(ت٢٤٠) عن (٩٠) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٢ - (لَيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهْميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ حجةٌ إمام [٧] (١٧٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤١٢.
٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي،
ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت١٤٤) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٦/٦.
٤ - (بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ) الحارثيّ الأنصاريّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣]
تقدم في ((البيوع)) ١٤ / ٣٨٨٠.
٥ - (سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ) بن ساعدة بن عامر الأنصاريّ الخزرجيّ
المدنيّ، صحابي صغير، وُلد سنة ثلاث من الهجرة، مات في خلافة معاوية
(ع) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٩٤٧/٥٧.
٦ - (رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ) بن عديّ الحارثيّ الأوسيّ الأنصاريّ الصحابيّ
الشهير، مات سنة (٣ أو ٧٤) وقيل: قبل ذلك (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢
ص٤٨٩.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه مسلسلٌ بالمدنيين من يحيى، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، عن
صحابيين .
شرح الحديث :
(عَنْ بُشَيْرٍ) - بالموحدة، والمعجمة، مصغراً - (ابْنِ يَسَارٍ) - بتحتانية، ثم
مهملة خفيفة - قال الحافظ تَُّ: لا أعرف اسم جدّه، وهو من موالي بني
حارثة من الأنصار، قال ابن إسحاق: كان شيخاً كبيراً فقيهاً، أدرك عامة

١١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
الصحابة، ووثقه يحيى بن معين، والنسائيّ، وكناه محمد بن إسحاق في
روایته: أبا کیسان. انتھی(١).
(عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ) - بفتح المهملة، وسكون المثلّثة - واسم أبي
حَثْمَة: عامر بن ساعدة بن عامر، ويقال: اسم أبيه: عبد الله، فاشتهر هو
بالنسبة إلى جدّه، وهو من بني حارثة: بطن من الأوس.
(قَالَ يَحْيَى) بن سعيد الأنصاريّ (وَحَسِبْتُ قَالَ)؛ أي: ظننت أن بُشير بن
يسار قال: ((وعن رافع ... إلخ))، فقوله: (وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيج) مقول ((قال))،
وفي رواية حماد بن زيد التالية: ((عن سهل بن أبي حثمة، ورافع بن خَدِيج)) من
غير شكّ، قال في ((الفتح)): وثبت ذكر رافع بن خديج في هذا الحديث - غير
مسمى -: عند أبي داود، من طريق أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن
سهل، عن سهل بن أبي حثمة، أنه أخبره هو ورجل من كبراء قومه. وعند ابن
أبي عاصم، من طريق إسماعيل بن عياش، عن يحيى، عن بُشَير، عن سهل،
ورافع، وسُويد بن النعمان، أن القسامة كانت فيهم في بني حارثة، فذكر بُشير
عنهم أن عبد الله بن سهل خرج ... فذكر الحديث.
(أَنَّهُمَا قَالَا: خَرَجَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلِ بْنِ زَيْدٍ) الأنصاريّ الحارثيّ، له ذكر
في هذا الحديث، ووقع في رواية ابن إسحاق أنه خرج مع أصحابه إلى خيبر
يمتارون تمراً، فوُجد في عين، قد كُسرت عنقه، ثم طُرِح فيها(٢). (وَمُحَيِّصَةُ بْنُ
مَسْعُودٍ بْنِ زَيْدٍ) و((مُحَيِّصَةُ)) -: بضمّ الميم، وفتح الحاء المهملة، وتشديد
التحتانيّة المكسورة في الأشهر، ويجوز تسكين الياء. وقال في ((الفتح)):
((محيصة)): بضم الميم، وفتح المهملة، وتشديد التحتانية، مكسورة، بعدها
صاد مهملة، وكذا ضَبْطُ أخيه حُوَيِّصة، وحُكي التخفيف في الاسمين معاً،
ورجحه طائفة، وهو ابن مسعود بن كعب بن عامر بن عديّ بن مَجْدَعَة بن
حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاريّ، شهد
أُحداً، وسائر المشاهد.
(١) ((الفتح)) ١٦/ ٨٢.
(٢) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ١٠٦/٤.

١١٧
(١) - بَابُ الْقَسَامَةِ - حديث رقم (٤٣٣٤)
(حَتَّى إِذَا كَانَا بِخَيْبَرَ) البلدة المعروفة (تَفَرَّقَا فِي بَعْضٍ مَا هُنَالِكَ)؛ أي:
في بعض أماكن خيبر، وفي الرواية الآتية: ((أن نفراً منهم انطلقوا إلى خيبر،
فتفرقوا فيها))، بصيغة الجمع، ويُجمع بينهما بحمل هذه الرواية على أنه كان
معهما تابع لهما، وقد وقع في رواية محمد بن إسحاق عن بُشير بن يسار، عن
ابن أبي عاصم: ((خرج عبد الله بن سهل في أصحاب له يمتارون تمراً))، زاد
سليمان بن بلال في روايته الآتية: ((في زمان رسول الله وَلّ، وهي يومئذٍ
صلح، وأهلها يهود))، والمراد أن ذلك وقع بعد فتحها، فإنها لما فُتِحت أقرّ
النبيّ # أهلها فيها على أن يعملوا في المزارع بالشطر مما يخرج منها، كما
تقدم بيانه في ((المزارعة))، أفاده في ((الفتح))(١).
(ثُمَّ إِذَا مُحَيِّصَةٌ) ((إذا)) هنا هي الْفُجائيّة؛ أي: ففوجىء محيّصة، وفي
بعض النسخ: ((ثمّ إن محيّصة)) بلفظ ((إنّ)) (يَجِدُ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلِ قَتِيلاً، فَدَفَتَهُ)
وفي رواية بشر بن المفضَّل عند البخاريّ: ((فأَتَى مُحَيِّصة إلى عبد الله بن سهل،
وهو يتشحط في دمه قتيلاً))؛ أي: يضطرب، فيتمرَّغ في دمه، ((فدفنه))، وفي
رواية سليمان بن بلال الآتية: ((فوُجِد في شَرَبَة مقتولاً، فدفنه صاحبه))، وفي
رواية أبي ليلى: ((فأُخبِر محيّصة أن عبد الله قُتِل، وطُرِح في فَقِير)) - بفاء
مفتوحة، ثم قاف مكسورة؛ أي: حفيرة(٢).
(ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى رَسُولِ اللهَِ هُوَ)؛ أي: مُحَيِّصة، وإنما أتى بالضمير
المنفصل؛ ليمكنه عطف قوله: ((وَحُوَيِّصَةُ))؛ لأن العطف على ضمير الرفع
المتّصل بلا فاصل ضعيف، كما قال ابن مالك:
عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرٍ رَفْعٍ مُتَّصِلْ
فِي النَّظْمِ فَاشِياً وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ
أَوْ فَاصِلٍ مَا وَبِلَا فَضْلٍ يَرِدْ
(وَحُوَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ) و((حُوَيِّصَة)): بضمّ الحاء المهملة، وفتح الواو،
وتشديد التحتانيّة، وقد تُسكّن.
وقال القرطبيّ نَّثُ: قوله: ((ثم أقبل هو وأخوه حويّصة))؛ يعني به:
محيّصة، وهما ابنا مسعود بن زيد، والمشهور في حويّصة، ومُحيِّصة: تخفيف
(١) راجع: ((الفتح)) ٨٣/١٦.
(٢) ((الفتح)» ١٦/ ٨٣.

١١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
الياء، وقد رويا بكسر الياء، وتشديدها، وعلى الوجهين، فهما مصغّران،
والمقتول عبد الله بن سهل بن زيد، وأخوه عبد الرحمن بن سهل، فالأربعة بنو
عمّ بعضهم لبعض، وإنما تقدّم محيّصة بالكلام؛ لكونه كان بخيبر حين قُتل
عبد الله، غير أنه كان أصغر سنّاً من حُوَيّصةَ، ولذلك قال النبيّ وَّ: (كبّر
كبّر)): أي: قدّم للكلام قبلك من هو أكبر سنّاً منك، فتقدّم حويّصة، وكأنه كان
أكبر منه، ومن عبد الرحمن أخي المقتول. انتهى(١).
(وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ) أخو عبد الله بن سهل المقتول (وَكَانَ أَصْغَرَ
الْقَوْم)؛ أي: كان عبد الرحمنَّ أصغر الثلاثة: محيّصة، وحُويّصة، وعبد الرحمن
(فَذَهَّبَ)؛ أي: أخذ، وشرع (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن سهل (لِيَتَكَلَّمَ)؛ أي: ليذكر
القصّة، ويشرحها للنبيّ ◌َ﴿ ﴿قَبْلَ صَاحِبَيْهِ) محيّصة، وحُويّصة، وإنما تقدّم
عليهما؛ لكونه أخا المقتول، وهما ابنا عمّه (فَقَالَ لَهُ)؛ أي: لعبد الرحمن
(رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (كَبِّرٍ))) أمر من التكبير؛ أي: قدّم الأكبر عليك سنّاً في
الكلام، وقوله: (الْكُبْرَ فِي السِّنِّ) يَحْتَمل أن يكون من كلام النبيّ وََّ، وذلك
أنه قال: ((كبّر))، ثم قال تأكيداً: ((الكُبرَ في السنّ))، وهو بمعنى الأول، ويَحْتَمل
أن يكون تفسيراً من الراوي، فيكون مفعولاً لفعل مقدّر؛ أي: يريد بقوله:
(كَبّر)): الكبرَ في السنّ، وهذا هو الذي ذكره النوويّ تَخْلَُّ، وعبارته: وقوله:
((الكُبْرَ في السنّ))؛ معناه: يريد الكبر في السنّ، و((الكبرَ)) منصوب بإضمارٍ:
يُرِيد، ونحوها، وفي بعض النسخ: ((للكبر)) باللام، وهو صحيح. انتهى(٢).
(فَصَمَتَ)؛ أي: سكت عبد الرحمن (فَتَكَلَّمَ صَاحِبَاهُ)؛ أي: محيّصة،
وحُويّصة (وَتَكَلَّمَ مَعَهُمَا)؛ أي: تكلّم أيضاً عبد الرحمن بعد كلامهما.
قال النوويّ تَخُّْ: معنى هذا الكلام: أن المقتول هو عبد الله، وله أخ
اسمه عبد الرحمن، ولهما ابنا عمّ، وهما: مُحَيِّصة وحُوَيِّصة، وهما أكبر سنّاً
من عبد الرحمن، فلما أراد عبد الرحمن أخو القتيل أن يتكلم، قال له
النبيّ مَّ: ((كَبِّرْ))؛ أي: يتكلم أكبر منك.
واعلم: أن حقيقة الدعوى إنما هي لأخيه عبد الرحمن، لا حقّ فيها
(١) ((المفهم)) ٨/٥.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٤٦/١١.

١١٩
(١) - بَابُ الْقَسَامَةِ - حديث رقم (٤٣٣٤)
لابني عمه، وإنما أمر النبيّ وَلهو أن يتكلم الأكبر، وهو حُوَيِّصة؛ لأنه لم يكن
المراد بكلامه حقيقة الدعوى، بل سماع صورة القصة، وكيف جرت، فإذا أراد
حقيقة الدعوى تكلم صاحبها .
ويَحْتَمِل أن عبد الرحمن وَكَّل حُوَيِّصة في الدعوى، ومساعدته، أو أمر
بتوكيله، وفي هذا فضيلة السنّ عند التساوي في الفضائل، ولهذا نظائر، فإنه
يُقَدَّم بها في الإمامة، وفي ولاية النكاح ندباً، وغير ذلك. انتهى(١).
(فَذَكَرُوا لِرَسُولِ اللهِ وَِّ مَقْتَلَ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَهْلٍ)؛ أي: قتله (فَقَالَ) ◌َِّه
(لَهُمْ) وفي الرواية الآتية: فقال رسول اللهِ وَله: ((إما أن يَدُوا صاحبكم وإما أن
يُؤذِنوا بحرب))، فكتب رسول الله وَّ إليهم في ذلك، فكتبوا: إنا والله ما
قتلناه، فقال رسول الله * الحويصة ومحيصة وعبد الرحمن: ((أتحلفون
وتستحقون دم صاحبکم؟)).
((أَتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِيناً) فيه أنه يبدأ بأيمان أهل الدم في القسامة، وبهذا
أخذ معظم القائلين بأن القسامة يُستحقّ بها الدم، وخالف في ذلك بعضهم،
وسيأتي تمام البحث في ذلك قريباً - إن شاء الله تعالى -.
قال النوويّ ◌َخْلَّلُهُ: قد يقال: كيف عُرِضت اليمين على الثلاثة، وإنما
يكون اليمين للوارث خاصّةً، والوارث عبد الرحمن خاصّةً، وهو أخو القتيل،
وأما الآخران فابنا عمّ لا ميراث لهما مع الأخ؟.
والجواب: أنه كان معلوماً عندهم أن اليمين تختص بالوارث، فأطلق
الخطاب لهم، والمراد: من تختص به اليمين، واحتُمِل ذلك لكونه معلوماً
للمخاطبين، كما سمع كلام الجميع في صورة قتله، وكيفيةٍ ما جرى له، وإن
كانت حقيقة الدعوى وقت الحاجة مختصّةً بالوارث. انتهى(٢).
[تنبيه]: وقع عند البخاريّ من رواية سعيد بن عُبيد، عن بُشير بن يسار:
((فقال لهم - يعني: النبيّ وَل هـ: تأتون بالبيّنة على من قتله، قالوا: ما لنا بيّنة))،
قال في ((الفتح)): كذا في رواية سعيد بن عبيد، ولم يقع في رواية يحيى بن
سعيد الأنصاريّ، ولا في رواية أبي قلابة للبيّنة ذِكر، وإنما قال يحيى في
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤٦/١١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٤٦/١١.

١٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
رواية: ((أتحلفون، وتستحقون قاتلكم، أو صاحبكم؟))، هذه رواية بشر بن
المفضَّل عنه، وفي رواية حماد عنه: ((أتستحقون قاتلكم، أو صاحبكم، بأيمان
خمسين منكم؟))، وفي رواية عند مسلم: ((يُقْسِم خمسون منكم على رجل منهم،
فَيُدْفَعِ بِرُمّته))، وفي رواية سليمان بن بلال: ((تحلفون خمسين يميناً،
وتستحقون))، وفي رواية ابن عيينة، عن يحيى، عند أبي داود: ((تبرئكم يهود
بخمسين يميناً تحلفون))، فبدأ بالمدَّعى عليهم، لكن قال أبو داود: إنه وَهَمٌّ،
كذا جزم بذلك، وقد قال الشافعيّ: كان ابن عيينة لا يُثْبِت: أقَدَّم النبيُّ وَّ
الأنصار في الأيمان، أو اليهود؟، فيقال له: إن في الحديث أنه قَدَّم الأنصار،
فيقول: هو ذاك، وربما حَدَّث به كذلك، ولم يشكّ.
(فَتَسْتَحِقُونَ صَاحِبَكُمْ؟))، أَوْ ((قَاتِلَكُمْ؟)) وفي رواية: ((فُيُدفع إليكم برمّته))،
وهو نصّ في أن القسامة يُستحقّ بها الدم، وهو قول معظم الحجازيين، وسيأتي
تحقيق الخلاف في ذلك قريباً - إن شاء الله تعالى -.
قوله: ((فتستحقّون قاتلكم، أو صاحبكم)): معناه: يثبت حقّكم على من
حلفتم عليه، وهل ذلك الحقّ قصاص، أو دية؟ فيه الخلاف السابق بين
العلماء.
قال: واعلم: أنهم إنما يجوز لهم الحلف إذا علموا، أو ظنوا ذلك،
وإنما عَرَض عليهم النبيّ وَّ اليمين إن وُجِد فيهم هذا الشرط، وليس المراد
الإذن لهم في الحلف من غير ظنّ، ولهذا قالوا: كيف نحلف، ولم نشهد؟.
(١) .
انتھی'
(قَالُوا)؛ أي: حُويّصة، ومحيّصة، وعبد الرحمن (وَكَيْفَ نَحْلِفُ، وَلَمْ
نَشْهَدْ؟) قتل عبد الله، زاد في رواية: ((ولم نحضر»، وفي رواية يحيى بن
سعيد: ((كيف نحلف، ولم نَشْهَد، ولم نَرَ؟))، وفي رواية حماد عنه: ((أَمْرٌ لم
نَرَهُ))، وفي رواية سليمان: ((ما شَهِدنا، ولا حضرنا)).
قال القرطبيّ كَُّ: فيه دليلٌ: على أن الأيمان في القسامة على القطع،
وهو الأصل في الأيمان، إلا أن يتعذر ذلك فيها، كما سيأتي تفصيل ذلك،
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤٦/١١ - ١٤٧.