Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
(١٠) - بَابُ إِطْعَامِ الْمَمْلُوكُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَإِلْبَاسِهِ مَمَّا يَلْبَسُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٣٠٥)
له: ((إخوانكم خَوَلكم، فمن كان أخوه تحت يده)). انتهى(١).
وقال القرطبيّ تَظّثُ: قوله: ((كان بيني وبين رجل من إخواني))؛ يعني به:
عبده، وأطلق عليه أنه من إخوانه لقوله ويتر: ((إخوانكم خولكم))، ولأنه أخ في
(٢)
الدِّين. انتهى (٢).
(كَلَامٌ) وفي الرواية التالية: ((أنه سابّ رجلاً على عهد رسول الله وَلات))
(وَكَانَتْ أَمُّهُ أَعْجَمِيَّةً) زاد في رواية للبخاريّ: ((فِلتُ منها))، والأعجميّ من لا
يُفْصِحِ باللسان العربيّ، سواء كان عربيّاً أو عجميّاً (فَعَيَّرْتُهُ بِأَمِّهِ)؛ أي: نسبته
إلى العار، وفي رواية: ((قلت له: يا ابن السوداء)).
قال الحافظ تَخّلُ: والفاء في ((فعيّرته)) قيل: هي تفسيرية، كأنه بَيَّن أن
التغيير هو السب، والظاهر أنه وقع بينهما سباب، وزاد عليه التعبير، فتكون
عاطفة، ويدلّ عليه رواية مسلم التالية: ((قال: أعيّرته بأمه؟ فقلت: من سب
الرجال سَبُّوا أباه وأمه)).
[تنبيه]: في هذا الحديث دليل على جواز تعدية ((عيّرته)) بالباء، وقد أنكره
ابن قتيبة، وتبعه بعضهم، وأثبت آخرون أنها لغة، قاله في ((الفتح))(٣)، وقال في
موضع آخر: وفي قوله: ((بأمّه )) ردٌّ على من زعم أنه لا يتعدّى بالباء، وإنما
يقال: عيّرته أمّه، ومثل الحديث قول الشاعر:
أَيُّهَا الشَّامِتُ الْمُعَيِّرُ بِالذَّهْرِ(٤)
وقال الفيّوميّ ◌َُّ: وعَيَّرته كذا، وعَيَّرته به: قَبّحتُهُ عليه، ونَسَبْتُه إليه،
يتعدَّى بنفسه، وبالباء، قال المرزوقيّ في ((شرح الْحَمَاسَة)): والمختار أن يتعدَّى
بنفسه، قال الشاعر [من الطويل]:
أَعَيَّرْتَنَا أَلْبَانَهَا وَلُحُومَهَا وَذَلِكَ عَارٌ يَا ابْنَ رَيْطَةً ظَاهِرُ
يقول: عَيَّرتنا كثرة الإبل واللبن، وليس ذلك للتجارة، بل للضيوف،
(١) ((شرح النوويّ)) ١٣٢/١١.
(٢) ((المفهم)) ٣٥١/٤.
(٣) ((الفتح)) ١٦٢/١ - ١٦٣، كتاب ((الإيمان)) رقم (٣٠).
(٤) (الفتح)) ٣٧٨/٦، كتاب ((العتق)) رقم (٢٥٤٥).

٤٢
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
وذلك عارٌ لا يُستحيا منه. انتهى(١).
وعبارة ((القاموس))، و((شرحه): وقد عَيَّرَهُ الأَمْرَ، ولا تَقُلْ: عَيَّرَه بالأَمْرِ،
فإِنَّهُ قَولُ العَامَّة؛ هكذا صَوَّبَه الحَرِيرِيُّ في ((دُرّة الغَوّاص))، وقد صَرَّحِ المَرْزوقيّ
في شَرْحِ الحَمَاسة بأنّه يَتَعَدَّى بالباءِ، قال: والمختار تَعْديَتُهُ بنَفْسِه، قاله شَيْخُنا،
وأَنشد الأَزهريُّ للنابِغَة:
وعَيَّرَتْنِي بَنُو ذُبْيَانَ خَشْيَتَهُ وهَلْ عَلَيَّ بأَنْ أَخْشَاكَ من عَارٍ (٢).
وعبارة ((شرح ديوان الْحَمَاسة)) بعد قوله [من الطويل]:
تُعَيِّرُنَا أَنَّا قَلِيلٌ عَدِيدُنَا فَقُلْتُ لَهَا إِنَّ الْكِرَامَ قَلِيلٌ
ما نصّه: يقال: عَيَّرتُهُ كذا، وهو المختار الحسن، وقد جاء: عيّرته
بكذا، قال عديٌ [من الخفيف]:
أَيُّهَا الشَّامِتُ الْمُعَيِّرُ بِالدَّهْ رٍ أَأَنْتَ الْمُبَرَّأُ الْمَوْفُورُ(٣)
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن ((أعيرته بأمه؟)) استعمال
صحيح، وإن كان الأكثر تعديته إلى الثاني بنفسه أيضاً، فتنبّه، والله تعالى
أعلم.
(فَشَكَانِي إِلَى النَّبِيِّ وَّهَ) وفي الرواية الآتية: ((فأتى الرجل النبيّ وَّ﴾
فذكر ذلك له)) (فَلَقِيتُ النَّبِيَّ نَِّ، فَقَالَ: ((يَا أَبَا ذَرِّ إِنَّكَ امْرُؤُ فِيَكَ جَاهِلِيَّةٌ)))؛
أي: خَصْلةٌ من خصال الجاهلية، وقال في ((الفتح)): التنوين للتقليل،
والجاهليّة: ما قبل الإسلام، ويَحْتَمِل أن يراد بها هنا الجهل؛ أي: إن فيك
جهلاً (٤).
وقال أيضاً: والظاهر أن ذلك كان من أبي ذرّ ◌َُّبه قبل أن يعرف
تحريمه، فكانت تلك الخصلة من خصال الجاهلية باقية عنده، فلهذا قال في
الرواية الآتية: ((قلت: على حال ساعتي هذه من الكبر؟ قال: نعم على حال
ساعتك من الكبر))، كأنه تعجب من خفاء ذلك عليه، مع كبر سنه، فبيّن له وَلّ
(١) ((المصباح المنير)) ٤٣٩/٢.
(٢) (تاج العروس)) ٣٢٦٦/١.
(٣) ((شرح ديوان الحماسة)) للمرزوقي الأصفهانيّ ٣١/١.
(٤) ((الفتح)) ٦٠٣/١٣، كتاب ((الأدب)) رقم (٦٠٥٠).

٤٣
(١٠) - بَابُ إِطْعَامِ الْمَمْلُوكُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَإِلْبَاسِهِ مَمَّا يَلْبَسُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٣٠٥)
كون هذه الخصلة مذمومةً شرعاً، وكان ظُته بعد ذلك يساوي غلامه في
الملبوس وغيره؛ أخذاً بالأحوط، وإن كان لفظ الحديث يقتضي اشتراط
المواساة، لا المساواة، أفاده في ((الفتح)) (١).
وقال النوويّ كَّثُ: قوله وَله: ((فيك جاهلية))؛ أي: هذا التغيير من
أخلاق الجاهلية، ففيك خُلُقٌ من أخلاقهم، وينبغي للمسلم أن لا يكون فيه
شيء من أخلاقهم، ففيه النهي عن التعبير، وتنقيص الآباء والأمهات، وأنه من
أخلاق الجاهلية. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ تَخْثُ: وقوله: ((إنك امرؤ فيك جاهلية))؛ أي: خصلة من
خصالهم؛ يعني بها تعييره بأمه، فإن الجاهلية كانوا يعيِّرون بالآباء والأمهات،
وذلك شيء أذهبه الإسلام بقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَكُمْ﴾
[الحجرات: ١٣]، وبقوله ◌َّليه: ((إن الله أذهب عنكم عُبِّيَّةَ (٣) الجاهلية، وفخرها
بالآباء، الناس كلهم بنو آدم، وآدم خُلق من تراب))(٤).
(قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ سَبَّ الرِّجَالَ سَبُّوا أَبَاهُ وَأَمُّهُ)؛ يعني: أنه إنما
عيّره بأمه لأن عادة الناس جارية على ذلك، فمن سبّ الناس سبّ المسبوب
أباه وأمه، فجريت على العادة، وهذا اعتذار من أبي ذرّ ◌َظُه من وقوعه في
هذا المحذور.
وقال النوويّ كَُّهُ: معنى كلام أبي ذرّ ◌َظُه: الاعتذار عن سبّه أمَّ ذلك
الإنسان؛ يعني أنه سبّني، ومن سبّ إنساناً سبّ ذلك الإنسان أبا السابّ وأمه،
(١) راجع: ((الفتح)) ١/ ١٦٢، كتاب ((الإيمان)) رقم (٣٠).
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٣٢/١١ - ١٣٣.
(٣) ((الْعُبَّةُ)) بالضمّ، والكسر: الكبر، والفخر.
(٤) أخرجه أبو داود (٥١١٦)، والترمذيّ (٣٩٥٥)، ولفظ أبي داود: عن أبي
هريرة انه قال: قال رسول الله وَله: ((إن الله * قد أذهب عنكم عُبّيّة الجاهلية،
وفخرها بالآباء، مؤمن تقيّ، وفاجر شقيّ، أنتم بنو آدم، وآدم من تراب، لَيَدَعَنّ
رجال فخرهم بأقوام، إنما هم فَحْمٌ من فحم جهنم، أو ليكونُنّ أهون على الله من
الْجِعلان التي تدفع بأنفها النتن))، وإسناد أبي داود حسنٌ، وقد حسّن الحديث
الشيخ الألبانيّ ◌َذفُ .

٤٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
فأنكر عليه النبيّ وَّه، وقال: هذا من أخلاق الجاهلية، وإنما يباح للمسبوب
أن يسب الساب نفسه بقدر ما سبّه، ولا يتعرض لأبيه، ولا لأمه. انتهى (١).
(قَالَ) وَِّ ((يَا أَبَا ذَرِّ إِنَّكَ امْرُؤٌ) قال في ((العمدة)): ((امرؤ)) من نوادر
الكلمات؛ إذ حركة عين الكلمة تابعة للامها في الأحوال الثلاث، وفي
((العباب)): المرء: الرجل، يقال: هذا امرؤ صالح، ورأيت مرأ صالحاً، ومررت
بمرء صالح، وضم الميم في الأحوال الثلاث لغةٌ، وهما مرآن صالحان، ولا
يجمع على لفظه، وتقول هذا مَرْءٌ بالرفع، ورأيت مَرْأَ بالنصب، ومررت بِمَرء
بالجرّ، معرباً من مكانين، وتقول: هذا امْرَأْ بفتح الراء، وكذلك رأيت امرأً،
ومررت بامرَىء بفتح الراءآت، وبعضهم يقول: هذه مَرْأَةٌ صالحةٌ، ومَرَةٌ أيضاً
بترك الهمزة، وتحريك الراء بحركتها، فإن جئت بألف الوصل كان فيه أيضاً
ثلاث لغات: فتح الراء على كل حال، حكاها الفرّاء، وضمّها على كل حال،
وإعرابها على كل حال، وتقول: هذا امرُؤٌّ، ورأيت امرَأْ، ومررت بامرِىءٍ معرباً
من مكانين، وهذه امرَأَةٌ مفتوحة الراء على كل حال، وإعرابها على كل حال،
فإن صُغِّرت أَسقطتَ ألف الوصل، فقلت: مُرَيءٌ، ومُرَيْئَةٌ. انتهى(٢).
(فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ) كرّره تأكيداً وتشديداً (هُمْ)؛ أي: العبيد، أو الخدم، حتى
يدخل من ليس في الرقّ منهم، وقرينة قوله: ((تحت أيديكم)) ترشد إليه، قاله في
(الفتح))(٣). (إِخْوَانُكُمْ) فيه مجاز عن مطلق القرابة؛ لأن الكل أولاد آدم علَله،
أو عن أخوّة الإسلام، والمماليك الكفرة إما أن نجعلهم في هذا الحكم تابعين
للمماليك المؤمنين، أو نخصّص هذا الحكم بالمؤمنين(٤)، والأول أقرب، والله
تعالى أعلم.
وقال النوويّ دَّثُهُ: الضمير في ((هم إخوانكم)) يعود إلى المماليك،
والأمر بإطعامهم مما يأكل السيد، وإلباسهم مما يلبس محمول على
الاستحباب، لا على الإيجاب، وهذا بإجماع المسلمين، وأما فعل أبي ذرّ نَظُ
(١) ((شرح النوويّ)) ١٣٣/١١.
(٢) ((عمدة القاري)) ٣٢٦/١ - ٣٢٧.
(٣) ((الفتح)) ٦٠٤/١٣، كتاب ((الأدب)) رقم (٦٠٥١).
(٤) ((عمدة القاري)) ٣٢٩/١.

٤٥
(١٠) - بَابُ إِطْعَامِ الْمَمْلُوكُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَإِلْبَاسِهِ مَمَّا يَلْبَسُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٣٠٥)
في كسوة غلامه مثل كسوته، فعملٌ بالمستحبّ، وإنما يجب على السيد نفقة
المملوك وكسوته بالمعروف، بحسب البلدان والأشخاص، سواء كان من جنس
نفقة السيد ولباسه، أو دونه، أو فوقه، حتى لو قَتَّر السيدُ على نفسه تقتيراً
خارجاً عن عادة أمثاله، إما زهداً، وإما شُحّاً، لا يحل له التقتير على
المملوك، وإلزامه، وموافقته، إلا برضاه، وأجمع العلماء على أنه لا يجوز أن
يكلفه من العمل ما لا يطيقه، فإن كلّفه ذلك لزمه إعانته بنفسه أو بغيره.
انتھی(١).
(جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ)؛ أي: فيه مجاز عن القدرة، أو عن الملك
(فَأَطْعِمُوهُمْ) بقطع الهمزة، من الإطعام (مِمَّا تَأْكُلُونَ) إنما قال: ((مما تأكلون))،
ولم يقل: مما تطعمون؛ رعايةً للمطابقة، كما في قوله: ((وألبسوهم مما
تلبسون))؛ لأن الطعم يجيء بمعنى الذوق، يقال: طَعِمَ يَطْعَم، من باب تَعِب،
طَعْماً: إذا ذاق، أو أكل، قال الله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِى) الآية
[البقرة: ٢٤٩]؛ أي: من لم يذقه، فلو قال: مما تطعمون لتوهّم أنه يجب الإذاقة
مما يذوقون، وذلك غير واجب.
وإنما لم يقل: فلتؤكلوهم مما تأكلون؛ إشارةً إلى أنه لا بدّ من إذاقته مما
يأكل، وإن لم يشبعه من ذلك الأكل، أفاده في ((العمدة))(٢).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((فليطعمه مما يأكل))؛ أي: من جنس ما يأكل؛
للتبعيض الذي دلّت عليه ((من))، ويؤيد ذلك حديث أبي هريرة حوله الآتي: ((فإن
لم يُجلسه معه، فليناوله لقمةً)، فالمراد المواساة، لا المساواة من كل جهة،
لكن مَنْ أخذَ بالأكمل، كأبي ذرّ ◌َهُبه فعل المساواة، وهو الأفضل، فلا يستأثر
المرء على عياله من ذلك، وإن كان جائزاً، وفي ((الموطأ))، و((صحيح مسلم))
عن أبي هريرة ◌ُبه مرفوعاً: («للمملوك طعامه، وكسوته بالمعروف، ولا يكلّف
من العمل ما لا يطيق))، وهو يقتضي الردّ في ذلك إلى العُرف، فمن زاد عليه
كان متطوعاً، وأما ما حكاه ابن بطال عن مالك أنه سئل عن حديث أبي ذرّ،
فقال: كانوا يومئذٍ ليس لهم هذا القوت، واستحسنه، ففيه نظر لا يخفى؛ لأن
(١) ((شرح النوويّ)) ١٣٣/١١.
(٢) راجع: ((عمدة القاري)) ٣٢٩/١.

٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
ذلك لا يمنع حمل الأمر على عمومه في حقّ كل أحد بحسبه. انتهى (١)، وهو
بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
(وَأَلْبِسُوهُمْ) بقطع الهمزة أيضاً، من الإلباس (مِمَّا تَلْبَسُونَ) بفتح أوله،
مضارع لَبِسَ، من باب تَعِبَ، لُبْساً بضمّ فسكون (وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ) بضمّ أوله،
وفتح الكاف، وتشديد اللام، من التكليف، وهو: تحميل النفس شيئاً معه
كُلْفة؛ أي: مشقّة، وقيل: هو الأمر بما يشقّ (مَا يَغْلِبُهُمْ) المعنى: لا تأمروهم
بعمل ما تصير قدرتهم فيه مغلوبة؛ أي: ما يعجزون عنه؛ لعظمه، أو صعوبته.
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((ولا تكلفوهم ... إلخ))؛ أي: لا تكلّفوهم ما
لا يطيقون، وهو نھيٌّ، وظاهره التحريم. انتهى (٢).
(فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ)؛ أي: ما يغلبهم من العمل، وحُذف المفعول؛ للعلم به
(فَأَعِينُوهُمْ)))؛ أي: ساعدوهم على ذلك العمل الغالب لهم، والمراد أن يُكَلَّف
العبد جنس ما يقدر عليه، فإن كان يستطيعه وحده، وإلا فليُعِنْه سيّده، إما
بنفسه، أو بغيره، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ ◌ُبه هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣٠٥/١٠ و٤٣٠٦ و٤٣٠٧] (١٦٦١)،
و(البخاريّ) في ((الإيمان)) (٣٠) و((العتق)) (٢٥٤٥) و((الأدب)) (٦٠٥)، و(أبو
داود) في ((سننه)) (٥١٥٧ و٥١٥٨ و٥١٦١)، و(الترمذيّ) في ((جامعه)) (١٩٤٥)،
و(ابن ماجه) في ((سننه)) (٣٦٩٠)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٤٤٨/٩)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (١٥٨/٥ و١٦١ و١٦٨ و١٧٣)، و(أبو عوانة) في
(«مسنده)) (٧٣/٤)، و(البزّار) في («مسنده)) (٤٠٢/٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى))
(٧/٨) و((المعرفة)) (١٢٧/٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(١) ((الفتح)) ٣٧٨/٦ - ٣٧٩.
(٢) «المفهم)) ٤/ ٣٥٢.

٤٧
(١٠) - بَابُ إِطْعَامِ الْمَعْلُوكُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَإِلْبَاسِهِ مَمَّا يَلْبَسُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٣٠٥)
١ - (منها): النهي عن سبّ الرقيق، وتعييرهم بمن وَلَدَهم، والحثّ على
الإحسان إليهم، والرفق بهم، فلا يجوز لأحد تعيير أحد بشيء من المكروه،
يعرفه في آبائه، وخاصّة نفسه، كما نُهِيَ عن الفخر بالآباء، ويُلْحَق بالعبد مَن
في معناه من أجير، وخادم، وضعيف، وكذا الدواب ينبغي أن يُحْسَن إليها،
ولا يُكلَّف من العمل ما لا يُطيقه، فإن كُلِّف ذلك لزم السيّد إعانته بنفسه أو
بغيره .
٢ - (ومنها): أنه لا ينبغي للمسلم أن يترفّع على أخيه المسلم، وأن لا
يحتقره، وإن كان عبداً ونحوه من الضَّعَفَة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ
عِندَ اللَّهِ أَنْقْنَكُمْ﴾ الآية [الحجرات: ١٣]، وقد تظاهرت الأدلة على الأمر باللطف
بالضَّعَفَة، وخفض الجناح لهم، وعلى النهي عن احتقارهم، والترفع عليهم(١).
٣ - (ومنها): المحافظة على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
٤ - (ومنها): إطلاق الأخ على الرقيق، فإن أريد القرابة فهو على سبيل
المجاز؛ لنسبة الكل إلى آدم ظلّله، أو المراد أُخُوّة الإسلام، ويكون العبد
الكافر بطريق التبع، أو يختص الحكم بالمؤمن.
٥ - (ومنها): أنه يؤخذ منة المبالغة في ذم السبّ واللعن؛ لِمَا فيه من
احتقار المسلم، وقد جاء الشرع بالتسوية بين المسلمين في معظم الأحكام،
وأن التفاضل الحقيقيّ بينهم إنما هو بالتقوى، فلا يفيد الشريفَ النسبِ نسبه إذا
لم يكن من أهل التقوى، وينتفع الوضيع النسب بالتقوى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ
أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقْنَكُمْ﴾ الآية [الحجرات: ١٣].
ولقد أحسن من قال:
فَلَا تَتْرُكِ التَّقْوَى اتِّكَالاَ عَلَى النَّسَبْ
عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللهِ فِي كُلِّ حَالَةٍ
قَدْ وَضَعَ الْكُفْرُ الشَّرِيفَ أَبَا لَهَبْ
فَقَدْ رَفَعَ الإِسْلَامُ سَلْمَانَ فَارِسٍ
٦ - (ومنها): استحباب إطعام العبيد مما يأكله السيّد، وإلباسهم مما
يلبسه، وقال القاضي عياض تَّثُ: الأمر محمول على الاستحباب، لا على
الإيجاب بالإجماع، بل إن أطعمه من الخبز ما يقتاته كان قد أطعمه مما يأكل؛
(١) راجع: ((عمدة القاري)) ٣٣٠/١.

٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
لأن ((من)) للتبعيض، ولا يلزمه أن يُطعمه من كل ما يأكل على العموم من
الأُدُم، وطيبات العيش، ومع ذلك فيستحب أن لا يستأثر على عياله، ولا
يُفضِّل نفسه في العیش علیهم . :
وقال القرطبيّ تَخَّتُ عند قوله: ((فأطعموهم مِمَّا تأكلون، وألبسوهم مِمَّا
تلبسون))؛ أي: من نوع ما تأكلون وما تلبسون، وهذا الأمر على الندب؛ لأن
السَّيد لو أطعم عبده أدنى مما يأكله، وألبسه أقل مما يلبسه صفةً ومقداراً لم
يذمَّه أحدٌ من أهل الإسلام؛ إذ قام بواجبه عليه، ولا خلاف في ذلك فيما
علمته، وإنما موضع الذمِّ: إذا منعه ما يقوم به أَوَدَهُ، ويدفع به ضرورته، كما
نصَّ عليه النبيّ بَّه بقوله: ((كفى بالمرء إثْماً أن يحبس عمن يملك قوته))(١)،
وإنما هذا على جهة الحضّ على مكارم الأخلاق، وإرشادٌ إلى الإحسان، وإلى
سلوك طريق التواضع حتى لا يرى لنفسه مزية على عبده؛ إذ الكل عبيد الله،
والمال مال الله، ولكن سَخَّر بعضهم لبعض، وملَّك بعضهم بعضاً؛ إتماماً
للنعمة، وتنفيذاً للحكمة. انتهى(٢).
٧ - (ومنها): منع تكليفه من العمل ما لا يطيق أصلاً، ولا يطيق الدوام
عليه، والنهي للتحريم بلا خلاف، فإن كلّفه ذلك أعانه بنفسه، أو بغيره؛
لقوله: ((فإن كلفتموهم فأعينوهم)».
٨ - (ومنها): أنه منقبة لأبي ذرّ رَُّه، حيث إنه امتثل أمره وَلتر، فقد
ناصف عبده الحلّة الواحدة، فلبس نصفها، وألبسه نصفها؛ امتثالاً لقوله بَ ليل في
هذا الحديث: ((ولْتُلْبِسُوهُم مما تلبسون))، قال في ((الفتح)): وقد جاء في سبب
إلباس أبي ذرّ رُْ غلامه مثل لبسه أثرٌ مرفوعٌ، أصرح من هذا، وأخصّ،
أخرجه الطبرانيّ من طريق أبي غالب، عن أبي أمامة ظه أن النبيّ وَلّ أعطى
أبا ذرّ عبداً، فقال: ((أطعمه مما تأكل، وألبسه مما تلبس))، وكان لأبي ذرّ
ثوب، فشقّه نصفين، فأعطى الغلام نصفه، فرآه النبيّ وَّر، فسأله، فقال:
(١) رواه مسلم في (صحيحه)) بهذا اللفظ، ورواه أبو داود بلفظ: ((كفى بالمرء إثماً أن
يضيع من يقوت)).
(٢) ((المفهم)) ٤/ ٣٥٢.

٤٩
(١٠) - بَابُ إِطْعَامِ الْمَمْلُوكُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَإِلْبَاسِهِ مَمَّا يَلْبَسُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٣٠٦)
((قلتَ: يا رسول الله أطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون، قال:
نعم)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٣٠٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو
كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ
يُونُسَ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَزَادَ فِي حَدِيثٍ زُهَيْرٍ، وَأَبِي مُعَاوِيَةَ
بَعْدَ قَوْلِهِ: ((إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ) قَالَ: قُلْتُ: عَلَى حَالِ سَاعَتِي مِنَ الْكِبَرِ؟
قَالَ: ((نَعَمْ))، وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي مُعَاوِيَةَ: ((نَعَمْ عَلَى حَالِ سَاعَتِكَ مِنَ الْكِبَرِ))، وَفِي
حَدِيثٍ عِيسَى: ((فَإِنْ كَلَّفَهُ مَا يَغْلِبُهُ، فَلْيَبِعْهُ))، وَفِي حَدِيثِ زُهَيْرٍ: ((فَلْيُعِنْهُ عَلَيْهِ))،
وَلَيْسَ فِي حَدِيثٍ أَبِي مُعَاوِيَةَ: ((فَلْيَبِعْهُ)، وَلَا ((فَلْيُعِنْهُ)). انتهى عِنْدَ قَوْلِهِ: ((وَلَا
يُكَلِّفْهُ مَا يَغْلِبُهُ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو: أحمد بن عبد الله بن يونس، منسوب لجدّه
التميميّ اليربوعيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت٢٢٧)
وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٣/٦.
٢ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُديج الْجُعفيّ، أبو خيثمة الكوفيّ، نزيل
الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت٢ أو٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٦٢.
٣ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل باب.
٤ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير، تقدّم أيضاً قبل باب.
٥ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم أيضاً قبل باب.
٦ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ مأمونٌ [٨]
(ت١٨٧) وقيل: (١٩١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
و ((الأعمش)) ذُكر قبله.
وقوله: (عَلَى حَالِ سَاعَتِي مِنَ الْكِبَرِ؟) استبعاد منه أن يبقى فيه شيء من
خصال الجاهلية مع كبر سنّه، وطول عمره في الإسلام، فلما أخبره النبيّ وَلد

٥٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
ببقاء ذلك عليه زال استبعاده، ووجب تسليمه لذلك القول وانقياده، قاله
القرطبيّ كَّهُ(١).
وقوله: (فَلْيَبِعْهُ))) هكذا صرّح المصنّف رَّتُهُ أن رواية عيسى بن يونس
بلفظ: ((فليبعه))، من البيع، بخلاف رواية زهير، فإنها بلفظ: ((فليُعنه))، من
الإعانة، والذي وقع في رواية أبي داود الآتية في التنبيه بلفظ: ((فليُعنه))، كرواية
زهير، والظاهر أن المصنّف وقع له بلفظ البيع، كما وقع لأبي داود بلفظ
الإعانة.
قال القاضي عياض تَخّْتُهُ: هذا - يعني قوله: ((فليبعه)) - وَهَمٌ، والصواب:
«فليعنه))، کما رواه الجمهور. انتهى(٢).
وفال النوويّ كَّلُهُ: قوله: ((فليبعه))، وفي رواية: ((فليُعنه عليه))، وهذه
الثانية هي الصواب الموافقة لباقي الروايات. انتهى (٣).
وقال القرطبيّ دَّثُ: قوله: ((فإن كلفتموهم فأعينوهم))؛ أي: إن أخطأتم
فوقع ذلك منكم، فارفعوا عنهم ذلك بأن تعينوهم على ذلك العمل، فإن لم
يمكنكم ذلك فبيعوهم؛ كما جاء في الرواية الأخرى ممن يرفق بهم. انتهى(٤).
وقال بعضهم: معنى ((فليبعه)) أن السيّد إذا كلّف عبده ما يعجز عنه، فإنه
قد عجز عن القيام بحقّ عبده، فالواجب عليه حينئذ أن لا يمسكه عنده، بل
يبيعه لآخر؛ لأنه لو أمسكه أثم بتكليفه ما لا يُطيق، وإن كان ذلك الأمر الشاقّ
من ضروراته، ولم يكلّف العبد به، فإن وجود العبد عنده لا يفيده، فالأحسن
أن يبيعه، ويشتري مكانه آخر أقوى منه، قال: ولكن هذه الرواية مرجوحة،
والمحفوظ عن أكثر الثقات: ((فليُعِنه))؛ يعني: أنه إن كلّف السيد عبده ما يشقّ
عليه، فليُعنه على ذلك بنفسه، أو بغيره، وهذا المعنى واضح جدّاً، والله تعالى
(٥)
أعلم(٥) .
(١) ((المفهم)) ٤/ ٣٥٢.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٣٣/١١ - ١٣٤.
(٥) راجع: ((تكملة فتح الملهم)» ٢٣٧/٢.
(٢) راجع: ((عمدة القاري)) ٣٣٠/١.
(٤) «المفهم)) ٤/ ٣٥٢.

٥١
(١٠) - بَابُ إِطْعَامِ الْمَمْلُوكُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَإِلْبَاسِهِ مَمَّا يَلْبَسُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٣٠٦)
[تنبيه]: رواية زهير بن معاوية، عن الأعمش ساقها البيهقيّ نَظّتُهُ، في
((الکبری))، فقال:
(١٥٥٥٤) - وأخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن غالب الخوارزميّ
ببغداد، ثنا أبو العباس محمد بن أحمد هو ابن حمدان النيسابوريّ، ثنا
محمد بن عمرو بن النضر الْحَرَشِيّ، ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، ثنا زُهير،
ثنا الأعمش، عن المعرور، قال: قَدِمْنا الرَّبَذَةَ، فأتينا أبا ذرّ، فإذا عليه حلّة،
وإذا على غلامه أخرى، قال: فقلنا: لو كسوت غلامك غير هذا، وجمعت
بينهما، فكانت حلةً، قال: فقال: سأحدثكم عن هذا، إنيّ ساببت رجلاً،
وكانت أمه أعجمية، فنِلْتُ منها، فأتى رسولَ الله وََّ، فشكاني إليه، فقال لي:
((أساببت فلاناً؟)) قلت: نعم، قال: ((فهل ذكرت أمه؟)) فقلت: من يسابب
الرجال ذُكِر أبوه وأمه يا رسول الله، قال: ((إنك امرؤ فيك جاهلية))، قال:
قلت: على ساعتي من الكبر؟ قال: ((نعم، إنما هم إخوانكم، جعلهم الله تحت
أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه من طعامه، وليلبسه من لباسه، ولا
يكلفه ما يغلبه، فإن كلفه ما يغلبه، فليُعنه عليه))(١) .
وأما رواية أبي معاوية، عن الأعمش، فلم أجد من ساقها بتمامها،
فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وأما رواية عيسى بن يونس، عن الأعمش، فساقها أبو داود تَخّْتُهُ في
((سننه))، فقال:
(٥١٥٨) - حدّثنا مسدّد، ثنا عيسى بن يونس، ثنا الأعمش، عن
المعرور بن سُويد، قال: دخلنا على أبي ذر بالرَّبَذَة، فإذا عليه بُرْد، وعلى غلامه
مثله، فقلنا: يا أبا ذرّ لو أخذت بُرْد غلامك إلى بردك، فكانت حلّةً، وكسوته
ثوباً غيره، قال: سمعت رسول الله وَل يقول: ((إخوانكم جعلهم الله تحت
أيديكم، فمن كان أخوه تحت يديه فليطعمه مما يأكل، ولْيَكْسُهُ مما يَلْبَسْ، ولا
يكلِّفه ما يغلبه، فإن كلّفه ما يغلبه فليعنه)). انتهى (٢)، والله تعالى أعلم.
(١) ((سنن البيهقي الكبرى)) ٨/ ٧.
(٢) ((سنن أبي داود)) ٢/ ٧٦١.

٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٣٠٧] (.) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ
الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاصِلِ الأَحْدَبِ، عَنِ
الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا ذَرٍّ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلَامِهِ مِثْلُهَا، فَسَأَلْتُهُ
عَنْ ذَلِكَ، قَالَ: فَذَكَرَ أَنَّهُ سَابَّ رَجُلاً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَعَيَّرَهُ بِأُمِّهِ.
قَالَ: فَأَتَّى الرَّجُلُ النَّبِيَّ وَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيَ
جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ، وَخَوَلُكُمْ جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ
يَدَيْهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا بَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ
كَلَّقْتُمُوهُمْ، فَأَعِينُوهُمْ عَلَيْهِ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (وَاصِلٌ الأَحْدَبُ) هو: واصل بن حيّان - بفتح الحاء المهملة،
وتشديد التحتانيّة - الأسديّ الكوفيّ السابريّ - بمهملة، وموحّدة - ثقةٌ [٦]
(ت١٢٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٧٩/٤٢.
والباقون ذكروا في الباب، وقبل باب.
وقوله: (عَنْ وَاصِلِ الأَحْدَبِ) وللبخاريّ في ((العتق)): حدّثنا واصل
الأحدب.
وقوله: (عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ) وللبخاريّ في ((العتق)): ((سمعت
المعرور بن سُوید».
وقوله: (فَذَكَرَ أَنَّهُ سَابَّ رَجُلاً) تقدّم أن الرجل هو بلال ظُه، ومعنى
((سابّ)): شاتم، ووقع بينهما سِباب بالتخفيف، وهو من السبّ بالتشديد،
وأصله القطع، وقيل: مأخوذ من السبّة، وهي حلقة الدبر، سُمّي الفاحش من
القول بالفاحش من الجسد، فعلى الأول: المراد قطع المسبوب، وعلى
الثاني: المراد كشف عورته؛ لأن من شأن السابّ إبداء عورة المسبوب، قاله
في ((الفتح))(١).
(١) ((الفتح)) ١/ ١٦٢.

٥٣
(١٠) - بَابُ إِطْعَامِ الْمَمْلُوكُ مِمَّا يَأْكُلُ ، وَإِلْبَاسِهِ مَمَّا بَلْبَسُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٣٠٧)
وقوله: (إِخْوَانُكُمْ، وَخَوَلُكُمْ) قال الفيّومِيّ ◌َخْذُ: الخوَلُ: مثالُ الخدَمِ،
والْحَشَم وزناً ومعنّى. انتهى (١).
وقال المجد تَخْذُ: الخوَل - محرّكةً - أصل فأس اللجام، وما أعطاك الله
تعالى من النِّعَم، والعبيد، والإماءِ، وغيرهم من الحاشية، للواحد، والجمع،
والمذكّر، والمؤنّث، ويقال للواحد: خائلٌ. انتهى (٢).
وقال في ((العمدة)): خَوَلُ الرجل بفتح الواو: حَشَمُهُ، الواحد خائل، وقد
يكون الخوَل واحداً، وهو اسم يقع على العبد والأمة، قال الفرّاء: هو جمع
خائل، وهو الراعي، وقال غيره: هو من التخويل، وهو التمليك، وقيل:
الخوَل: الخدَمُ، وسُمُّوا به؛ لأنهم يتخوّلون الأمور؛ أي: يصلحونها، وقال
القاضي: أي: خَدَمُكُم، وعبيدكم، الذين يتخولون أموركم؛ أي: يصلحون
أموركم، ويقومون بها، يقال: خال المالَ يخوله: إذا أحسن القيام عليه،
ويقال: هو لفظ مشترك، تقول: خال المالَ، والشيءَ يخول، وخُلْتُ أخول
خَوْلاً: إذا أسست الشيء، وتعاهدته، وأحسنت القيام عليه، والخائل:
الحافظ، ويقال: خايل المال، وخايل مال، وخَوْليُّ مال، وخَوَّله الله الشيءَ:
أي ملّكه إياه، قاله في ((العمدة))(٣).
وقوله أيضاً: (إِخْوَانُكُمْ، وَخَوَلُكُمْ) هكذا رواية المصنّف بالعطف، فيكون
((إخوانكم)) خبراً لمحذوف؛ أي: هم إخوانكم، وكذا قوله: ((وخولكم))، أو هو
عطف على ((إخوانكم)).
ووقع في رواية البخاريّ في ((الإيمان)) بلفظ: ((إخوانُكُم خَوَلكم))، على
أنه مبتدأ وخبره، قال في ((العمدة): وفيه حصرٌ، وذلك لأن أصل الكلام أن
يقال: خولكم إخوانكم؛ لأن المقصود هو الحكم على الخوَل بالأُخُوّة، ولكن
لمّا قُصِد حصر الخول على الإخوان، قُدِّم الإخوان؛ أي: ليسوا إلا إخواناً،
وإنما قُدِّم الإخوان؛ لأجل الاهتمام ببيان الأُخُوّة، ويجوز أن يكون من باب
القلب الْمُورِثِ لملاحة الكلام، نحو قوله [من الخفيف]:
(١) ((المصباح المنير)) ١/ ١٨٤.
(٣) ((عمدة القاري)) ٣٢٦/١.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص٤٠٥.

٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
نَمْ وَإِنْ لَمْ أَنَمْ كَرَايَ كَرَاكَا شَاهِدَي الدَّمْعِ إِنَّ ذَاكَ كَذَاكًا
وقال بعض المعانيِّين: إن المبتدأ والخبر إذا كانا معرفتين أيَّ تعريف كان
يفيد التركيبُ الحصر، وقال التيميّ: كأنه قال: هم إخوانكم، ثم أراد إظهار
هؤلاء الإخوان، فقال: خولكم، قاله في ((العمدة))(١).
والحديث متفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبل حديث،
ولله الحمد والمنّة، وله الفضل والنعمة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخُّْ أوّل الكتاب قال:
[٤٣٠٨] (١٦٦٢) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ،
أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ بُكَيْرَ بْنَ الأَشَجِّ حَدَّثَهُ، عَّنِ
الْعَجْلَانِ مَوْلَى فَاطِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ، أَنَّهُ قَالَ: ((لِلْمَمْلُوكِ
طَعَامُهُ، وَكِسْوَتُهُ، وَلَا يُكَلَّفُّ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّ مَا يُطِيقُ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب
المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ حافظٌ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٩/١٦.
٢ - (بُكَيْرُ بْنُ الأَشَجِّ) هو: بُكير بن عبد الله بن الأشجّ المخزوميّ
مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت١٢٠)
(ع) تقدم في ((الطهارة)) ٤/ ٥٥٤.
٣ - (الْعَجْلَانُ مَوْلَى فَاطِمَةَ) بنت عتبة بن ربيعة المدنيّ، لا بأس به [٤].
رَوَى عن مولاته، وأبي هريرة، وزيد بن ثابت، وروى عنه ابنه محمد،
وبكير بن عبد الله بن الأشجّ، وإسماعيل بن أبي حبيبة، إن كان محفوظاً.
قال النسائيّ: لا بأس به، وقال الآجريّ، عن أبي داود: لم يرو عنه غير
ابنه محمد، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج ه البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، والأربعة، وليس له في هذا
الكتاب إلا هذا الحديث.
(١) ((عمدة القاري)) ٣٢٩/١.

٥٥
(١٠) - بَابُ إِطْعَامِ الْمَمْلُوكُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَإِلْبَاسِهِ مَمَّا يَلْبَسُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٣٠٨)
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وقبل بابين.
شرح الحديث:
(عَنِ الْعَجْلَانِ مَوْلَى فَاطِمَةَ) بنت عتبة المدنيّ، والد محمد (عَنْ أَبِي
(عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلِ، أَنَّهُ قَالَ: ((لِلْمَمْلُوكِ) جارٌّ ومجرور خبر مقدّم
هُرَيْرَةَ)
لقوله: (طَعَامُهُ) بفتح الطاء: اسم لما يؤكل، كالشَّراب: اسم لما يشرب، قاله
الفيّومي تَذَتُهُ(١).
(وَكِسْوَتُهُ)؛ أي: لباسه، وزاد في رواية أبي عوانة، من طريق مالك، عن
ابن عجلان، عن أبيه: ((بالمعروف))، والكسوة بكسر الكاف، وضمّها لغتان،
والكسر أفصح، وبه جاء القرآن الكريم، والجمع كُسَّى، بالضمّ، كمُذْية ومُدّى.
وهذا الحديث بمعنى حديث أبي ذر ه الماضي: ((فأطعموهم مما
تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون))، ونبّه بالطعام، والكسوة على سائر الْمُؤَن التي
يحتاج إليها العبد، قاله النوويّ تَخْذُ(٢) .
(وَلَا يُكَلَّفُ) بالبناء للمفعول، قال الفيّوميّ تَُّ: وكَلِفْتُ الأمرَ، من باب
تَعِبَ: حَمَلتُهُ على مشقّة، ويتعدّى إلى مفعول ثانٍ بالتضعيف، فيقال: كَلَّفْتُهُ
الأمرَ، فتكلّفه، مثلُ حَمَّلتُهُ، فتحمّله وزناً ومعنَى على مشقّة أيضاً، قال:
والْكُلْفة: ما تُكلَّفه على مشقّة، والجمع كُلَفٌ، مثلُ غُرْفة وغُرَفٍ، والتكاليف:
الْمَشاقّ أيضاً، الواحدة تَكْلِفَةٌ. انتهى(٣). وقوله: (مِنَ الْعَمَلِ) بيان مقدّم لقوله:
(إِلَّا مَا يُطِيقُ))) بضمّ أوله، من الإطاقة رباعيّاً، يقال: أطقتُ الشيءَ إطاقةً:
قَدَرتُ عليه، فأنا مُطيقٌ، والاسم: الطاقةُ، مثلُ الطاعة، من أطاع، ويقال:
طوّقته الشيءَ: جعلته طَوْقَهُ، ويُعبّر به عن التكليف، وطَوْقُ كلِّ شيءٍ: ما
استدار به، ومنه قيل للحمامة: ذاتُ طَوْق (٤).
وقال القرطبيّ تَخُّ: قوله: ((للمملوك طعامه، وكسوته))؛ أي: يجب ذلك
له على سيّده، كما قال في حديث أبي هريرة حظه: ((يقول عبدك: أنفق عليّ،
(١) ((المصباح المنير)) ٣٧٣/٢.
(٣) راجع: ((المصباح المنير)) ٥٣٧/٢ - ٥٣٨.
(٤) راجع: ((المصباح المنير)) ٣٨١/٢.
(٢) (شرح النوويّ)) ١١/ ١٣٤.

٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
أو بعني))، وهذا لا يُختَلَف فيه، والقدر الواجب من ذلك ما يدفع به ضرورته،
وما زاد على ذلك مندوب إليه. انتهى(١).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة له هذا من أفراد المصنّف رَّلهُ .
(المسألة الثانية): فى تخريجه :
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣٠٨/١٠] (١٦٦٢)، و(البخاريّ) في ((الأدب
المفرد)» (١٩٢ و١٩٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤٧/٢ و٣٤٢)، و(أبو عوانة)
في («مسنده)) (٧٤/٤ - ٧٥)، وذكره (مالك) في ((الموطًا)) من بلاغاته، والله
تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٣٠٩] (١٦٦٣) - (وَحَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ
مُوسَى بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((إِذَا صَنَعَ لِأَحَدِكُمْ
خَادِمُهُ طَعَامَهُ، ثُمَّ جَاءَهُ بِهِ، وَقَدْ وَلِيَ حَرَّهُ وَدُخَانَهُ، فَلْيُقْعِدْهُ مَعَهُ، فَلْيَأْكُلْ، فَإِنْ
كَانَ الطَّعَامُ مَشْفُوهاً قَلِيلاً، فَلْيَضَعْ فِي يَدِهِ مِنْهُ أُكْلَةً، أَوْ أُكْلَتَيْنٍ))، قَالَ دَاوُدُ:
يَعْنِي لُقْمَةً، أَوْ لُقْمَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (الْقَعْنَبِيُّ) عبد الله بن مسلمة بن قَعْنب الحارثيّ، أبو عبد الرحمن
البصريّ، مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّةً، ثقةٌ عابدٌ، من صغار [٩] (ت٢٢١)
بمكة (خ م د ت س) تقدم في ((الطهارة)) ١٧ / ٦١٧.
٢ - (دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍٍ) الفرّاء الدبّاغ القرشيّ مولاهم، أبو سليمان المدنيّ، ثقةٌ
فاضلٌ [٥] مات في خلافة أبي جعفر (خت م ٤) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٨٤/٤٢.
٣ - (مُوسَى بْنُ يَسَارٍ) المطّلبيّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ [٤] (خت م د س
ق) تقدم في ((البيوع)) ٣٨٢٥/٧.
(١) ((المفهم)) ٣٥٣/٤.

٥٧
(١٠) - بَابُ إِطْعَامِ الْمَمْلُوكُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَإِلْبَاسِهِ مَمَّا يَلْبَسُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٣٠٩)
و((أبو هريرة ﴿به)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف نَّثُ، وهو (٢٨٣) من رباعيّات الكتاب، وأنه
مسلسل بالمدنيين، وفيه أبو هريرة به أحفظ من روى الحديث في دهره، وهو
رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثاً.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َبه أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((إِذَا صَنَعَ لِأَحَدِكُمْ
خَادِمُهُ) بالرفع على الفاعليّة، وتقدّم أن الخادم يُطلق على الذكر والأنثى، وهو
أعمّ من أن يكون رقيقاً، أو حرّاً، ومحلّه فيما إذا كان السيّد رجلاً أن يكون
الخادم إذا كان أنثى مُلْكه، أو مَحْرمه، أو ما في حكمه، وبالعكس، قاله في
((الفتح)) (١).
وقوله: (طَعَامَهُ) بالنصب على المفعوليّة (ثُمَّ جَاءَهُ بِهِ)؛ أي: بذلك الطعام
الذي صنعه له، وقوله: (وَقَدْ وَلِيَ حَرَّهُ) جملة في محلّ نصب على الحال من
الفاعل، و((وَلِي)) بفتح، فكسر، يقال: وَلِيتُ الأمرَ أَلِيه - بكسرتين، من باب
وَعَدَ - وِلايةً - بالكسر: تولّيته.
٠
و((الْحَرُّ) بالفتح: خلاف الْبَرْد، يقال: حَرَّ اليومُ، والطعامُ يَحَرُّ، من باب
تَعِبَ، وحَرّ حَرّاً، وحُرُوراً، من بابي ضرب، وقَعَد لغةٌ، والاسم الحرارة، قاله
الفيّوميّ(٢).
وقوله: (وَدُخَانَهُ) بالنصب عطفاً على ((حرّه))، و((الدُّخَان)) بضمّ الدال
المهملة، وتخفيف الخاء المعجمة، جمعه دَوَاخِن، وبمعناه ووزنه: عُثَانٌ،
وعَوَائنُ، ولا نظير لهما، ويقال: دَخِنت النار تَدْخِنُ، وتَدْخُنُ، من بابي
ضَرَبَ، وقَتَلَ، دُخُوناً: ارتفع دُخانها، أفاده الفيّوميّ ◌َُّهُ(٣).
وقال المجد كَخَذَتُهُ: الدُّخانُ كغُراب، وجَبَلٍ، ورُمّانٍ: الْعُثَانُ، جمعه
(١) ((الفتح)) ٣٨٩/١٢، كتاب ((الأطعمة)) رقم (٥٤٦٠).
(٢) ((المصباح المنير)) ١٢٩/١.
(٣) راجع: ((المصباح المنير)) ١٩١/١.

٥٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
أدخنةٌ، ودواخِنُ، ودواخينُ. انتهى (١).
(فَلْيُقْعِدْهُ) بضمّ حرف المضارعة، من الإقعاد رباعيّاً؛ أي: فليُجلسه (مَعَهُ،
فَلْيَأْكُلْ) وفي رواية إسماعيل بن أبي خالد، عن أبيه، عن أبي هريرة تَظُه، عند
أحمد، والترمذيّ: ((فليُجلسه معه، فإن لم يجلسه معه فليناوله))، وفي رواية
لأحمد عن عجلان، عن أبي هريرة: ((فادعه، فإن أبى فأطعمه منه))، ولابن
ماجه من طريق جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، عن أبي هريرة: ((فليدعهن فليأكل
معه، فإن لم يفعل فَلْيَأْخُذْ لُقْمَةً، فَلْيَجْعَلْهَا فِي يَدِهِ))، وفاعل ((أبى))، وكذا: ((إن
لم يفعل)) يَحْتَمِل أن يكون السيدَ، والمعنى: إذا ترفّع عن مؤاكلة غلامه،
ويَحْتَمِل أن يكون الخادمَ إذا تواضع عن مؤاكلة سيده، ويؤيد الاحتمال الأول
أن في رواية جابر عند أحمد: «أُمِرنا أن ندعوه، فإن كَرِهِ أحدُنا أن يَطْعَم معه،
فليُطعمه في يده))، وإسناده حسن، قاله في ((الفتح))(٢).
(فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ مَشْفُوهاً) بالشين المعجمة، والفاء، وفسّره الراوي بقوله:
((قليلاً))، وأصل المشفوه: الماء الذي تَكْثُر عليه الشِّفَاه، حتى يَقِلّ، وقيل:
أراد: فإن كان مكثوراً عليه؛ أي: كثُرت أَكَلَته، قاله ابن الأثير تَظُّهُ(٣).
وقال الزمخشريّ: وماءٌ مَشْفُوهُ: كَثُرت عليه الواردة، وما أظنُّ إبلك إلا
ستشفه علينا الماء، وما التَفّتِ الشفاهُ على كلام أحسن منه، قال: وطعام
مشفوه: كثرت عليه الأيدي، وكاد العيال يشفهون مالي. انتهى(٤).
وقال في ((الفتح)): فيه إشارةٌ إلى أن محل الإجلاس، أو المناولة، ما إذا
كان الطعام قليلاً، وإنما كان كذلك؛ لأنه إذا كان كثيراً وَسِعَ السيدَ والخادمَ،
والعلةُ في الأمر بذلك أن تسكن نفس الخادم بذلك، وهو حاصل مع الكثرة
دون القلة، فإن القلة مَظِنّة أن لا يفضل منه شيء، ويؤخذ من قوله: ((فإن كان
مشفوهاً)) أن الأمر الوارد لمن طَبَخَ بتكثير المرق ليس على سبيل الوجوب،
(٥)
والله أعلم(٥).
(١) ((القاموس المحيط)) ص٤٢٠.
(٣) ((النهاية)) ٤٨٨/٢.
(٥) ((الفتح)) ٣٩٠/١٢.
(٢) ((الفتح)) ٣٨٩/١٢ رقم (٥٤٦٠).
(٤) ((أساس البلاغة)) ٢٤٥/١.

٥٩
(١٠) - بَابُ إِطْعَامِ الْمَمْلُوكُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَإِلْبَاسِهِ مَمَّا يَلْبَسُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٣٠٩)
وقوله: (قَلِيلاً) تفسير من الراوي، فهو مدرجٌ، تدلّ عليه رواية أبي داود
بلفظ: ((يعني: قليلاً)).
(فَلْيَضَعْ فِي يَدِهِ)؛ أي: يد الخادم (مِنْهُ)؛ أي: من ذلك الطعام (أُكْلَةً، أَوْ
أَكْلَتَيْنِ)) بضمّ الهمزة؛ أي: لقمة أو لقمتين، وأما الأَكْلة بالفتح، فهي المرّة من
الأكل، ولا يناسب هنا، و((أو)) للتقسيم بحسب حال الطعام، وحال الخادم.
وقوله: (قَالَ دَاوُدُ)؛ أي: ابن قيس الراوي عن موسى بن يسار، مفسِّراً
لقوله: ((أُكلةً، أو أُكلتين)) (يَعْنِي: لُقْمَةً، أَوْ لُقْمَتَيْنِ) قال الفيّومِيّ ◌َُّهُ: ((اللُّقْمة))
- أي: بضمّ، فسكون - من الخبز: اسم لما يُلقَم في مرّة، كالْجُرْعة: اسم لما
يُجْرَع في مرّة، ولَقِمْتُ الشيءَ لَقَماً، من باب تَعِبَ، والْتَقَمته: أكلته بسُرْعة،
ويُعدَّى بالهمزة والتضعيف، فيقال: لقّمته الطعامَ تلقيماً، وألقمته إياه إِلْقَاماً،
فتلقّمه تلقُّماً. انتهى(١).
وفي رواية البخاريّ: ((فإن لم يُجلسه معه، فليناوله أُكلةً، أو أُكلتين، أو
لُقمةً، أو لُقمتين، فإنه ولي حرّه، وعلاجه))، و((أو)) الأُولى للتقسيم، كما مرّ
آنفاً، والثانية للشكّ من الراوي.
وقوله: ((فإنه وَلِيَ حَرَّه))؛ أي: عند الطبخ، ((وعلاجه))؛ أي: عند تحصيل
آلاته، وقبل وضع القِدْر على النار، ويؤخذ من هذا أن في معنى الطبّاخ حاملَ
الطعام؛ لوجود المعنى فيه، وهو تعلُّق نفسه به، بل يؤخذ منه الاستحباب في
مطلق خَدَم المرء ممن يعاني ذلك، وفي هذا تعليل الأمر المذكور، وإشارة إلى
أن للعين حظّاً في المأكول، فينبغي صرفها بإطعام صاحبها من ذلك الطعام؛
لتَسْكُن نفسه، فيكون أَكَفَّ لشرّه.
قال المهلّب تَّقُ: هذا الحديث يُفَسِّر حديث أبي ذرّ ظُ في الأمر
بالتسوية بين العبد وبين سيده في المطعم والكسوة، أنه على سبيل الحضّ
والندب والتفضل، لا على سبيل الإيجاب على السيد؛ لأنه لم يُسَوِّه في هذا
الحديث بسيّده في المؤاكلة، وجعل إلى السيد الخيار في إجلاسه للأكل معه أو
تركه، ثم حضّه على أنه إن لم يأكل معه أن يُنيله من ذلك الطعام الذي تَعِبَ فيه
(١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٥٧.

٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
(١)
وشَمَّه. انتهى(١).
وتعقّبه الحافظ تَُّهُ، فقال: وليس في الأمر في قوله في حديث أبي
ذرّ ظله: ((أطعموهم مما تطعمون)) إلزام بمؤاكلة الخادم، بل فيه أن لا يستأثر
عليه بشيء، بل يُشْرِكه في كل شيء، لكن بحسب ما يدفع به شرّ عَيْنه، وقد
نقل ابن المنذر عن جميع أهل العلم أن الواجب إطعام الخادم من غالب
القوت الذي يأكل منه مثله في تلك البلدة، وكذلك القول في الأُدُم، والكسوة،
وأن للسيد أن يستأثر بالنفيس من ذلك، وإن كان الأفضل أن يُشرك معه الخادم
في ذلك(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رع به هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣٠٩/١٠] (١٦٦٣)، و(البخاريّ) في ((العتق))
(٢٥٥٧) و((الأطعمة)) (٥٤٦٠)، و(أبو داود) في ((الأطعمة)) (٣٨٤٦)،
و(الترمذيّ) في ((الأطعمة)) (١٨٥٤)، و(ابن ماجه) في ((الأطعمة)) (٣٢٨٩
و٣٢٩٠)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٤٢١/١٠)، و(ابن أبي شيبة) في
(«مسنده)) (٢٥٠/١)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٠٧٢)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٢٧٧/٢ و٢٨٣ و٢٩٥ و٢٩٩ و٣١٦ و٤٠٦ و٤٣٠ و٤٦٤ و٤٧٣ و٥٠٥)،
و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (١٥١/١)، و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (١٧٦/١)،
و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٤٦/٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٥٦/٩)، و(أبو
عوانة) في ((مسنده)) (٧٥/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٨/٨)، والله تعالى
أعلم.
[تنبيه]: هذا الحديث رواه عن أبي هريرة ظه جماعة غير موسى بن
يسار، فقد رواه عنه محمد بن زياد عند البخاريّ، وأحمد، والأعرجُ عند ابن
(١) ((شرح ابن بطال)) ٦٩/١٣.
(٢) ((الفتح)) ٣٨٩/١٢ - ٣٩٠، كتاب «الأطعمة)) رقم (٥٤٦٠).