Indexed OCR Text

Pages 661-680

٦٦١
(٣) - بَابُ نَذْبٍ مَنْ خَلَفَ يَمِيناً، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٢٧٢ - ٤٢٧٣)
وقوله: (ثُمَّ رَأَى خَيْراً مِنْهَا) وفي بعض النسخ: ((ثمّ رأى غيرها خيراً
منها)).
والحديث من أفراد المصنّف كَّلُهُ، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله
الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٧٢] ( .. ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا
سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ تَمِيمَ بْنَ طَرَفَةً قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمِ أَنَّ
رَجُلاً سَأَلَهُ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، وَزَادَ: وَلَكَ أَرْبَعُمِائَةٍ فِي عَطَائِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون السمين البغداديّ، مروزيّ الأصل، صدوقٌ
فاضلٌ، ربّما وَهِمَ [١٠] (ت٥ أو٢٣٦) (مد) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٤.
٢ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمَيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد
المائتين، أو قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٢/٣.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَلَكَ أَرْبَعُمِائَةٍ فِي عَطَائِي)؛ أي: أعطيك أربعمائة عند خروج
عطائي من بيت المال.
[تنبيه]: رواية بهز، عن شعبة هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر،
والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٧٣] (١٦٥٢) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمِ،
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَلِ: (يًّا
عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ لَا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا،
وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرٍ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا
خَيْراً مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَاْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ)).

٦٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
رجال هذا الإسناد: أربعة :
١ - (جَرِيرُ بْنُ حَازِم) أبو النضر البصريّ، ثقة، في حديثه عن قتادة
ضعف [٦] (ت ١٧٠) (ع) تَقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨١.
٢ - (الْحَسَنُ) البصريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ) الصحابيّ الشهير تَظُه، تقدّم أيضاً في الباب
الماضي.
٤ - (شيبانُ بنُ فرّوخَ) الأبلي، تقدم في ((الإيمان)) ١٢/ ١٥٧.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تَخْذُ، وهو (٢٨٢) من رباعيّات الكتاب، وأنه
مسلسلٌ بالبصريين، وبالتحديث من أوله إلى آخره.
شرح الحديث:
عن الْحَسَنِ البصريّ تَخْلُ، أنه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ)
،
هكذا صرّح الحسن بالتحديث في هذه الرواية، وفي رواية أبي عوانة من طريق
إبراهيم بن صدقة، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن عبد الرحمن بن
سمرة، وكان غزا معه كَابُل شَتْوَةً، أو شَتْوَتَيْن، وكذا للطبراني من طريق أبي
حمزة إسحاق بن الربيع، عن الحسن، لكن بلفظ: ((غزونا مع عبد الرحمن بن
سمرة)). (قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ لَا تَسْأَلِ) ((لا))
ناهية، ولذا جُزم الفعل بعدها، وكُسرت اللام؛ لالتقاء الساكنين، وذكر القاري
أنه روي بالنفي؛ يعني: أن ((لا)) نافية، فهذه إن صحّت الرواية بها، فالفعل
يكون مرفوعاً، ولكن النفي في مثل هذا للنهي البليغ، كما مرّ غير مرّة (الإِمَارَةَ)
بكسر الهمزة؛ أي: الحكومة، وقال ابن الملقّن تَّتُهُ: الإمارة بكسر الهمزة:
الولاية عامّةً كانت، أو خاصّةً، ويدخل فيها القضاء، والْحِسْبةُ، وغيرها، وفيها
لغة أخرى: إِمْرة، بسكون الميم، أما الأمارة بالفتح، فالعلامة، وأما الأَمَرة،
بفتح الميم، فالمرّة الواحدة من الأمر. انتهى (١).
وقال الفيّوميّ تَظْثُ: والإِمْرة، والإمارة بكسر الهمزة: الولاية، يقال: أَمَرَ
(١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٢٤١/٩ - ٢٤٢.

٦٦٣
(٣) - بَابُ نَدْبٍ مَنْ خَلَفَ يَمِيناً، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٢٧٣)
على القوم يأمُر، من باب قتل، فهو أمير، والجمع: الأمراء، ويُعدّى
بالتضعيف، فيقال: أَمّرته تأميراً، والأمارة: العلامة وزناً ومعنّى، ولك عليّ
أَمْرة لا أعصيها بالفتح؛ أي: مرّةٌ واحدةٌ. انتهى(١).
وقال المجد ◌ََّثُ: الأَمْرُ: مصدر أَمَرَ علينا، مثلثةً: إذا وَلِيَ، والاسم:
الإِمْرةُ بالكسر، وقول الجوهريّ: مصدرٌ، وَهَمِّ، وله عليّ أَمْرَةٌ مطاعة، بالفتح
للمرّة منه؛ أي: له عليّ أَمْرةٌ أُطيعه فها. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد أفادت عبارة المجد تَّتُ أن أَمَر مثلّث،
فيكون من باب ضرب، ونصر، وكرُم، فتنبّه.
(فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا) بالبناء للمفعول، وفي لفظ: ((إن أُوتِيتَها))، وهو بمعناه
(عَنْ مَسْأَلَةٍ)؛ أي: بعد سؤلك إياها، فـ((عن)) بمعنى (بعد))، أو المعنى: إعطاء
صادراً عن مسألة (وُكِلْتَ إِلَيْهَا) بضمّ الواو، وكسر الكاف مخفّفةً، وفتح التاء
للمخاطب؛ أي: خُلِّيتَ إليها، وتُركت معها من غير إعانة فيها .
وقال ابن الملقّن رَُّ: معنى ((وُكِلتَ إليها)): لم تُعَن عليها؛ أي: لا
يكون فيك كفاية لها، ومَن هذا شأنه لا يُولَّى، يقال: وَكَلَهُ إلى نفسه وَكْلاً،
وؤُكُولاً، قال: وفي كثير من نُسخ مسلم بدل الواو همزة، وقال القاضي
عياض: هو في أكثرها كذلك، والصواب بالواو. انتهى (٣).
(وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرٍ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا) بالبناء للمفعول؛ أي:
أعانك الله وَت على تلك الإمارة، قال الطيبيّ تَخَُّهُ: معناه: أن الإمارة أمر
شاقٌ لا يَخرُج عن عهدتها إلا أفراد الرجال، فلا تسألها عن تشرّف نفس،
فإنك إن سألتها تُركتَ معها، فلا يُعينك الله تعالى عليها، وإن أوتيتها عن غير
مسألة أعانك الله تعالى عليها .
قال الجامع عفا الله عنه: وسيأتي البحث في مسألة الإمارة في ((كتاب
الإمارة)) - إن شاء الله تعالى -.
(١) ((المصباح المنير)) ٢٢/١.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص ٦٠.
(٣) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٢٤٢/٩.

٦٦٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
(وَإِذَا حَلَقْتَ عَلَى بَمِينٍ) تقدّم توجيهه في الكلام على حديث أبي موسى
الأشعريّ رظُبه قريباً في قوله: ((لا أحلف على يمين)).
وقد اختُلِف فيما تضمّنه حديث عبد الرحمن بن سمرة ربه، هل لأحد
الحكمين تعلّقٌ بالآخر، أو لا؟ فقيل: له به تعلُّقٌّ، وذلك أن أحد الشقين أن
يُعْطَى الإمارة من غير مسألة، فقد لا يكون له فيها أَرَبِّ، فيمتنع، فَيُلْزَمُ،
فيَحْلِف، فأُمِر أن يَنظُر، ثم يفعل الذي هو أولى، فإن كان في الجانب الذي
حَلَفَ على تركه، فيَحْنَثُ، ويُكَفِّر، ويأتي مثلُهُ في الشق الآخر، قاله في
(الفتح))(١) .
(فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا)؛ أي: رأيت غير المحلوف عليه، قال في
((الفتح)): وظاهر الكلام عود الضمير على اليمين، ولا يصحّ عوده على اليمين
بمعناها الحقيقيّ، بل بمعناها المجازيّ، كما تقدم، والمراد بالرؤية هنا:
الاعتقاديّة، لا البصريّة.
قال القاضي عياض ◌َخَّتُ: معناه إذا ظهر له أن الفعل، أو الترك خير له
في دنياه، أو آخرته، أو أوفق لمراده وشهوته، ما لم يكن إِثْماً.
قال الحافظ رَّتُهُ: ما تقدّم في حديث عديّ بن حاتم رَظُه: ((فرأى غيرها
أتقى لله، فليأت التقوى))، يُشعر بقصر ذلك على ما فيه طاعة.
قال: وينقسم المأمور به أربعة أقسام: إن كان المحلوف عليه فعلاً،
فكان الترك أولى، أو كان المحلوف عليه تركاً، فكان الفعل أولى، أو كان كلٌّ
منهما فعلاً، وتركاً، لكن يدخل القسمان الأخيران في القسمين الأولين؛ لأن
مِن لازم فعل أحد الشيئين، أو تركه، تركَ الآخر، أو فعله. انتهى (٢).
(فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَانْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ))) كذا لكثير من الرواة، ووقع
للأكثر منهم بلفظ: ((فأت الذي هو خير، وكفّر عن يمينك))، وقد تقدّم ذكر من
رواه بلفظ: ((ثم ائت الذي هو خير))، ووقع في رواية عمرو بن شعيب، عن
أبيه، عن جدّه، عند أبي داود: «فرأى غيرها خيراً منها، فَلْيَدْعها، وليأت الذي
(١) ((الفتح)) ٤١٦/١٥ ((كتاب كفّارات الأيمان)) رقم (٦٧٢١ - ٦٧٢٢).
(٢) ((الفتح)) ٤١٦/١٥ رقم (٦٧٢١).

٦٦٥
(٣) - بَابُ نَدْبٍ مَنْ حَلَفَ يَمِيناً، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٢٧٣)
هو خير، فإن كفارتها تركُها))، فأشار أبو داود إلى ضعفه، وقال: الأحاديث
كلها: ((فليُكَفِّر عن يمينه))، إلا شيئاً لا يُعبأ به، قال الحافظ: كأنه يشير إلى
حديث يحيى بن عبيد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة ظُه، رفعه: ((مَن حَلَفَ،
فرأى غيرها خيراً منها، فليأت الذي هو خير، فهو كفارته))، ويحيى ضعيف
جدّاً .
قال: وقد وقع في حديث عديّ بن حاتم عند مسلم ما يوهم ذلك، وأنه
أخرجه بلفظ: ((مَن حَلَف على يمين، فرأى غيرها خيراً منها، فليأت الذي هو
خير، وليترك يمينه))، هكذا أخرجه من وجهين، ولم يذكر الكفارة(١)، ولكن
أخرجه من وجه آخر بلفظ: «فرأى خيراً منها، فليكفّرها، وليأت الذي هو
خير))، ومداره في الطرُق كلها على عبد العزيز بن رُفيع، عن تميم بن طَرَفَة،
عن عديّ، والذي زاد ذلك حافظ، فهو المعتمد.
قال الشافعيّ تَخْذَثُ: في الأمر بالكفارة مع تعمد الحنث دلالةٌ على
مشروعية الكفارة في اليمين الغموس؛ لأنها يمين حانثة، واستدلّ به على أن
الحالف يجب عليه فعل أيّ الأمرين كان أولى، من المضيّ في حلفه، أو
الحنث والكفارة، وانفصل عنه من قال: إن الأمر فيه للندب بما مضى في قصة
الأعرابيّ الذي قال: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، فقال: أفلح إن صدق،
فلم يأمره بالحنث والكفارة، مع أن حلفه على ترك الزيادة مرجوح بالنسبة إلى
فعلها. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الرحمن بن سَمُرة ◌َُّه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢٧٣/٣ و٤٢٧٤] (١٦٥٢) و((الإمارة)) [٤٧٠٧
و٤٧٠٨]، و(البخاريّ) في ((الأيمان والنذور)) (٦٦٢٢) و((كفّارات الأيمان))
(١) لكن الرواية الثانية ليس فيها: ((وليترك يمينه))، فتنبّه.
(٢) ((الفتح)) ٤١٦/١٥ - ٤١٧، كتاب ((كفّارات الأيمان)) رقم (٦٧٢١).

٦٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
(٦٧٢٢)، و((الأحكام)) (٧١٤٦ و٧١٤٧)، و(أبو داود) في ((الأيمان والنذور))
(٣٢٧٧ و٣٢٧٨)، و(الترمذيّ) في ((النذور والأيمان)) (١٥٢٩)، و(النسائيّ) في
((الأيمان والنذور)) (١٠/٧ و١١ و١٢) و((آداب القضاء)) (٢٢٥/٨) و((الكبرى))
(٤٦٣/٣ و٤٦٤ و٢٢٦/٥)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٣٢٠/١١)،
و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٣٥١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٧٥/٢
و٤١٩/٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٦١/٥ و٦٢ و٦٣)، و(الدارميّ) في ((سننه))
(١٨٦/٢)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٩٢٩ و٩٩٨)، و(ابن حبّان) في
(صحيحه)) (٤٣٤٨)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٨٥/٣)، و(أبو عوانة) في
(مسنده)) (٣٥/٤ و٣٦ و٣٧ و٣٨ و٣٧٦ و٣٧٧ و٣٧٨)، و(الطبرانيّ) في
(الأوسط)) (٩/١ و١٨٥ و٨٠/٢ و٨٤ و١٤١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٠/
٣١ و٥٠ و٥٢ و١٠٠) و((المعرفة)) (٣١٠/٧ و٣١٩) و((الصغرى)) (٤٧٤/٨)،
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): حديث عبد الرحمن بن سمرة ظه هذا مداره على
الحسن البصريّ رحمه الله تعالى، وقد رواه عنه الجمّ الغفير:
فقد أخرجه المصنّف رواية جرير بن حازم، وسماك بن عطيّة، ويونس بن
عُبيد، وهشام بن حسّان، وقتادة كلهم عن الحسن، وأخرجه النسائيّ من رواية
سليمان بن طرخان، ومنصور بن زاذان، وعبد الله بن عون، ومنصور بن
المعتمر، كلهم عنه.
ورواه عنه سماك بن حرب عند الطبرانيّ في ((الكبير))، وحُميدٌ الطويل عند
مسلم، وهشام بن حسّان عند أبي نعيم في ((مستخرجه على مسلم))، والربيع
وهو ابن مسلم على ما جزم به الدمياطيّ في ((حاشيته))، وقال الحافظ: والذي
يغلب على ظني أنه ابن صَبِيح، فقد وقع لنا في ((الشيرانيّات)) من رواية شبابة،
عن الربيع بن صَبِيح - بوزن عَظِيم - عن الحسن، وأخرجه أبو عوانة، من طريق
الأسود بن عامر، عن الربيع بن صَبِيح، وأخرجه الطبرانيّ، من رواية مسلم بن
إبراهيم، حدّثنا قرّة بن خالد، والمبارك بن فَضَالة، والربيع بن صَبِيح، قالوا:
حدّثنا الحسن به.
قال: ووقع لنا من رواية الربيع غير منسوب عن الحسن، أخرجه الحافظ

٦٦٧
(٣) - بَابُ نَدْبٍ مَنْ خَلَفَ بَمِيناً، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٢٧٣)
يوسف بن خليل في الجزء الذي جمع فيه طُرُق هذا الحديث، من طريق وكيع،
عن الربيع، عن الحسن، وهذا يَحْتَمِل أن يكون هو الربيع بن صَبِيح المذكور،
ويَحْتَمِل أن يكون الربيع بن مسلم.
وأخرجه أبو عوانة من طريق عليّ بن زيد بن جُدْعان، ومن طريق
إسماعيل بن مسلم، ومن طريق إسماعيل بن أبي خالد، كلهم عن الحسن.
وأخرجه الطبرانيّ في ((المعجم الكبير)) عن نحو الأربعين من أصحاب
الحسن، فيهم ممن لم يتقدم ذكره: يزيد بن إبراهيم، وأبو الأشهب، واسمه
جعفر بن حَيّان، وثابت البنانيّ، وحبيب بن الشهيد، وخُليد بن دُعْلُج، وأبو
عمرو بن العلاء، ومحمد بن نوح، وعبد الرحمن السّرّاج، وعُرْفُطة، والمعلى بن
زياد، وصفوان بن سُليم، ومعاوية بن عبد الكريم، وزياد مولى مصعب، وسهل
السراج، وشبيب بن شيبة، وعمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء، ومحمد بن
عقبة، والأشعث بن سوّار، والأشعث بن عبد الملك، والحسن بن دينار،
والحسن بن ذكوان، وسفيان بن حسين، والسريّ بن يحيى، وأبو عَقيل
الدورقيّ، وعباد بن راشد، وعباد بن كثير، فهؤلاء أربعة وأربعون نفساً.
وقد خرّج طرقه الحافظ عبد القادر الرُّهاويّ في ((الأربعين البلدانّات)) له
عن سبعة وعشرين نفساً من الرواة عن الحسن، فيهم ممن لم يتقدّم ذكره:
يحيى بن أبي كثير، وإسرائيل أبو موسى، ووائل بن داود، وعبد الله بن عون،
وقرّة بن خالد، وأبو خالد الجزّار، وأبو عبيدة الباجيّ، وخالد الحذّاء، وعوف
الأعرابيّ، وحمّاد بن نَجِيح، ويونس بن يزيد، ومطر الورّاق، وعليّ بن رفاعة،
ومسلم بن أبي الذّيّال، والعوّام بن جُويرية، وعقيل بن صبيح، وکثیر بن زياد،
وسودة بن أبي العالية. ثم قال: رواه عن الحسن العدد الكثير من أهل مكة،
والمدينة، والبصرة، والكوفة، والشام، ولعلهم يزيدون على الخمسين.
ثم ذكر طرقه الحافظ يوسف بن خليل، عن أكثر من ستّين نفساً، عن
الحسن، عن عبد الرحمن بن سمرة په.
وسرد الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن ابن الحافظ أبي عبد الله بن منده
في ((تذكرته)) أسماء من رواه عن الحسن، فبلغوا مائة وثمانين نفساً، وزيادة. ثم
قال: رواه عن النبيّ وَّ مع عبد الرحمن بن سمرة: عبدُ الله بن عمرو، وأبو

٦٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
موسى، وأبو الدرداء، وأبو هريرة، وأنس، وعديّ بن حاتم، وعائشة، وأم
سلمة، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وأبو
سعيد الخدريّ، وعمران بن حُصین. انتهى.
ولما أخرج الترمذيّ حديث عبد الرحمن بن سمرة، قال: وفي الباب،
فذكر الثمانية المذكورين أوّلاً، وأهمل خمسة، واستدركهم الحافظ العراقيّ في
((شرح الترمذيّ))، إلا ابن مسعود، وابن عمر، وزاد معاوية بن الحكم،
وعوف بن مالك الْجُشَميَّ والد أبي الأحوص، وأُذينة والد عبد الرحمن،
فكملوا ستة عشر نفساً .
قال الحافظ رحمه الله تعالى: أحاديث المذكورين كلّها فيما يتعلّق
باليمين، وليس في حديث واحد منهم: ((لا تسأل الإمارة)»، لكن سأذكر من
روى معنى ذلك عن النبيّ بَير في ((كتاب الأحكام))، إن شاء الله تعالى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وأنا سأذكر ما ذكره الحافظ في ((كتاب
الإمارة)) - في ((باب النهي عن طلب الإمارة، والحرص عليها)) - إن شاء الله
تعالی ۔.
قال: ولم يذكر ابن منده أن أحداً رواه عن عبد الرحمن بن سمرة غير
الحسن، لكن ذكر عبد القادر أن محمد بن سيرين رواه عن عبد الرحمن، ثم
أسند من طريق أبي عامر الخرّاز عن الحسن، وابن سيرين أن النبيّ وَّ قال
لعبد الرحمن بن سمرة: ((لا تسأل الإمارة ... )) الحديث، وقال: غريبٌ ما كتبته
إلا من هذا الوجه، والمحفوظ رواية الحسن، عن عبد الرحمن. انتهى.
قال الحافظ: وهذا مع ما في سنده من ضعف، ليس فيه التصريح برواية
ابن سيرين عن عبد الرحمن.
وأخرجه يوسف بن خليل الحافظ من رواية عكرمة مولى ابن عبّاس، عن
عبد الرحمن بن سمرة، أورده من ((المعجم الأوسط)) للطبرانيّ، وهو في ترجمة
محمد بن عليّ المروزيّ بسنده إلى عكرمة، قال: كان اسم عبد الرحمن بن
سمرة: عبد كلوب، فسمّاه رسول الله وَّهِ عبد الرحمن، فمرّ به، وهو يتوضّأ،
فقال: ((تعال يا عبد الرحمن، لا تطلب الإمارة ... )) الحديث، وهذا لم يصرّح
فيه عكرمة بأنه حمله عن عبد الرحمن، لكنه مُحْتَمِلٌ.

٦٦٩
(٣) - بَابُ نَذْبٍ مَنْ حَلَفَ يَمِيناً، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٢٧٣)
قال الطبرانيّ: لم يروه عن عكرمة، إلا عبد الله بن كيسان، ولا عنه إلا
ابنه إسحاق، تفرّد به أبو الدرداء عبد العزيز بن منيب.
قال الحافظ: عبد الله بن كيسان ضعّفه أبو حاتم الرازيّ، وابنه إسحاق
ليّه أبو أحمد الحاكم. انتهى(١). والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
١ - (منها): ما قاله الإمام ابن دقيق العيد تَخْذّثهُ: ظاهره يقتضي كراهية
سؤال الإمارة مطلقاً، والفقهاء تصرّفوا فيه بالقواعد الكلية، فمن كان متعيّناً
للولاية وجب عليه قبولها إن عُرِضت عليه، وطلبها إن لم تُعْرَض؛ لأنه فرض
كفاية، لا يتأدى إلا به فيتعين عليه القيام به، وكذا إذا لم يتعين، وكان أفضل
من غيره، ومنعنا ولاية المفضول مع وجود الفاضل.
وإن كان غيره أفضل منه، ولم نمنع تولية المفضول مع وجود الفاضل
فههنا يكره له أن يدخل في الولاية، وأن يسألها، وحَرَّم بعضهم الطلب، وكره
للإمام أن يوليه، وقال: إن ولاه انعقدت ولايته، وقد استخطئ فيما قال(٢).
ومن الفقهاء من أطلق القول بكراهية القضاء، لأحاديث وردت فيه.
انتھی .
فمن الأحاديث ما رواه أصحاب السنن، وصححه الحاكم، ووافقه
الذهبيّ عن بُريد بن الحصيب ظُبه، مرفوعاً: ((القضاة ثلاثة: اثنان في النار،
وواحد في الجنة: رجل عَلِم الحقَّ، فقضى به، فهو في الجنة، ورجل قضى
للناس على جهل، فهو في النار، ورجل عَرَف الحقّ، فجار في الحكم فهو في
النار)).
ومنها: حديث أبي هريرة رضيبه، مرفوعاً: ((من ولي القضاء، فقد ذُبح بغير
(١) راجع: ((الفتح)) ٤١٣/١٥ - ٤١٥، كتاب ((كفّارات الأيمان)) رقم (٦٧٢١).
(٢) أي: في طلبه الولاية؛ أي: قد أخطأ في طلبها مع النهي عنه، فارتكب ما نُهي
عنه، ويَحتَمِل أن الذي أخطأ هو البعض الذي حرّم الطلب، أو كره للإمام أن
يولّيه، كذا قيل، ولا يخفى أن الاحتمال الآخر هو المتعيّن، راجع: ((العدّة حاشية
العمدة» ٣٨٦/٤.

٦٧٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
سكين))، رواه أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه، وحسّنه الترمذيّ مع الغرابة،
وقال الحاكم: صحيح الإسناد.
مع أن بعض العلماء يؤوّل هذا على المدح، وقال: لاجتهاده في طلب
الحقّ، والظاهر أنه على الذمّ؛ لعجزه عن القيام، وعدم المُعِين له على الحقّ.
ومنها: قوله وَلهَ لأبي ذرّ ◌َُّه: ((لا تأمّرنّ على اثنين))، رواه مسلم.
ومنها: قوله : ((إنكم ستحرصون على الإمارة، وإنها ستكون ندامة،
وحسرة يوم القيامة، فنعم المرضعة، وبئست الفاطمة)) رواه البخاريّ.
قال العلامة ابن الملقّن تَخْذَلُهُ بعد ذكر ما تقدّم: ومن أصحابنا من قال:
القضاء من أعلى القربات، ومنهم إمام الحرمين، وابن الصبّاغ، والأحاديث
المحذّرة منه محمولة على الخائن، أو الجاهل، بدليل الحديث السالف:
((القضاة ثلاثة ... ))، وقال ابن الصبّاغ: الأحاديث المحذّرة دالّة على عِظَم قدره
حتى لا يُقدم عليه من لا يَثِقِ بنفسه، ويُحمَل حديث عبد الرحمن بن سَمُرة،
وما في معناه، كحديث أبي موسى في ((الصحيحين)): ((لن نستعمل في عملنا
هذا من أراده))، على من سأل لمجرّد الرئاسة والنُّبْل، ومن استحبّه فهو لمن
قصد به القربة، وبالغ إمام الحرمين وجماعة، فقالوا: القيام بفرض الكفاية
أحرى بإحراز الدرجات، وأعلى في قبول القربات من القيام بفرض العين، فإن
فاعل فرض العين وتاركه يختصّ الثواب والعقاب به، وفاعل فرض الكفاية
كافٍ نفسه، وسائر المخاطبين العقاب، وأمل أفضل الثواب.
وبالجملة فقد امتنع من الدخول فيه الشافعيّ كَّتُهُ حين استدعاه المأمون
ليولّيه قضاء الشرق والغرب، واقتدى به الصدر الأول من أصحابه، حتى إن أبا
عليّ بن خيران لَمّا طُلب للقضاء هَرَبَ، فخُتم على عقاره، وامتنع أيضاً أبو
حنيفة كَُّهُ حين استدعاه المنصور له، فضربه وحبسه، ثم أطلقه، وقيل: إن أبا
حنيفة ولي القضاء بالرُّصافة أيّاماً، والشافعيّ وليه بنجران من بلاد اليمن أيّاماً،
ولا يصحّ، ودخول معظم السلف من الصدر الأول فيه كان لعلمهم يقيناً أو ظّاً
بالقيام به لله، لا لشيء من حظوظ الدنيا، ووجود من يعينهم على الحقّ،
وامتناعُ الصدر الثاني والثالث؛ لِمَا فيه من الخطر، وعدم براءة الذمّة فيه،
وتحيّلوا على الامتناع منه بأسباب توهم الجنون، أو قلّة المروءة، وارتكبوا

٦٧١
(٣) - بَابُ نَدْبٍ مَنْ حَلَفَ يَمِيناً، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٢٧٣)
ذلك؛ للخلاص من المحرم، أو المكروه. انتهى كلام ابن الملقّن دَخْذَّثهُ(١).
٢ - (ومنها): أن في الحديث إشارةً إلى ألطاف الله تعالى بالعبد فيما
قضاه وقدّره، وأوجبه عليه بالإعانة على إصابة الصواب في فعله وقوله، تفضلاً
زائداً على مجرد التكليف والهداية إلى النجدين، فإنه لما كان خطر الولاية
عظيماً، بسبب أمور في الوالي، وبسبب أمور خارجة عنه كان طلبها تكلّفاً،
ودخولاً في غرر عظيم، فهو جدير بعدم العون، ولما كانت إذا أتت من غير
مسألة لم يكن فيها هذا التكلف كانت جديرة بالعون على أعبائها وأثقالها، قال
ابن دقيق العيد تخّثهُ: وهي مسألة أصولية، كثر فيها الكلام في فنّها، والذي
يحتاج إليه في الحديث ما أشرنا إليه الآن (٢).
٣ - (ومنها): أن من يتعاطى أمراً سولت له نفسه أنه أهلٌ له لا يقوم به،
بخلاف من عجَّز نفسه وقصرها عن ذلك، وهذا من ثمرات التواضع، فإن من
سأل الإمارة لم يسألها إلا وهو يرى نفسه أهلاً لها، فيوكل إليها، فلا يُعان،
ويُخذل(٣) .
٤ - (ومنها): أن فيه بيانَ كرم الله رَك على عباده في عدم الوقوف عند
الأيمان، وبأنه يَحْنَث فيها؛ لئلا يؤدّي ذلك إلى المنع من الخير، وترك البرّ(٤).
٥ - (ومنها): أن للحديث تعلقاً بالتكفير قبل الحنث، ومن يقول بجوازه
قد يتعلق بالبداءة بقوله وصله: ((فكفّر عن يمينك، وأُتِ الذي هو خير))، قال ابن
دقيق العيد تَخْلُهُ: وهذا ضعيف؛ لأن الواو لا تقتضي الترتيب، والمعطوف
والمعطوف عليه بها كالجملة الواحدة.
وليس بجيد طريقة من يقول في مثل هذا إن الفاء تقضي الترتيب
والتعقيب، فيقتضي ذلك أن يكون التكفير مستعقباً لرؤية الخير في الحنث، فإذا
استعقبه التكفير تأخر الحنث ضرورة، وإنما قلنا: ((إنه ليس بجيد))؛ لِمَا بيّناه من
حكم الواو فلا فرق بين قولنا: ((فكفِّر، وأُتِ الذي هو خير)) وبين قولنا:
(١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٩/ ٢٤٣ - ٢٤٤.
(٢) راجع: ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٢٤٥/٩.
(٣) ((الإعلام)) ٢٤٥/٩.
(٤) ((الإعلام)) ٢٤٨/٩.

٦٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
((فافعل هذين))، ولو قال كذلك لم يقتض ترتيباً ولا تقديماً، فكذلك إذا أتى
بالواو .
وهذه الطريقة التي أشرنا إليها ذكرها بعض الفقهاء في اشتراط الترتيب في
الوضوء، وقال: إن الآية تقتضي تقديم غسل الوجه، بسبب الفاء، وإذا وجب
تقديم غسل الوجه وجب الترتيب في بقية الأعضاء اتفاقاً، وهو ضعيف لِمَا
بیناه.
٦ - (ومنها): أن الحديث يقتضي تأخير مصلحة الوفاء بمقتضى اليمين إذا
كان غيره خيراً، بنصّه.
وأما مفهومه: فقد يشير بأن الوفاء بمقتضى اليمين عند عدم رؤية الخير
في غيرها مطلوب، وقد تنازع المفسرون في معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ اللّهَ
عُرْضَةٌ لِأَيْمَنِكُمْ أَنْ تَبَرُوا﴾ الآية [البقرة: ٢٢٤]، وحمله بعضهم على ما دلّ
عليه الحديث، ويكون معنى ((عرضة))؛ أي: مانعاً، و((أن تبروا)) بتقدير: من أن
تبروا(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: وقع في بعض النسخ في آخر هذا الحديث ما نصّه: (قَالَ أَبُو
أَحْمَدَ الْجُلُودِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَاسَرْجَسِيُّ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، بِهَذَا
الْحَدِيثِ) هكذا في معظم النسخ، ووقع في النسخة الهنديّة: ((قال أبو أحمد
الْجُلوديّ: نا أبو العبّاس الْمَاسَرْجسيّ، قال: نا شيبان بن فَرُوخَ، ثنا جرير بن
حازم، بهذا الإسناد)).
قال النوويّ دَخْذَلُهُ: ومراده أنه علا برجل. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: معنى هذا الكلام أن أبا أحمد الجلوديّ روى
هذا الحديث عن أبي إسحاق إبراهيم محمد بن سفيان، عن مسلم، عن
شيبان بن فرّوخ، فكان بينه وبين شيبان واسطتان، فلما رواه، عن
الماسرجسيّ، عن شيبان كان بينه وبين شيبان واسطة واحدة، فَعَلا برجل، والله
تعالى أعلم.
(١) ((إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام)) ١١٦/٣ - ١١٨.

٦٧٣
(٣) - بَابُ نَدْبٍ مَنْ حَلَفَ يَمِيناً، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٢٧٣)
[تنبيه]: ((أبو أحمد الجلوديّ)) هذا هو تلميذ أبي إسحاق إبراهيم بن
محمد بن سفيان تلميذ الإمام مسلم، وهو: أبو أحمد محمد بن عيسى بن
محمد بن عبد الرحمن بن عمرويه بن منصور الزاهد النيسابوريّ الْجُلُوديّ
المتوفّى يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من ذي الحجة سنة (٣٦٨هـ) وهو ابن
(٨٠) سنةً، وقد تقدّمت ترجمته في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٦٤.
و((الْجُلوديّ)) بضم الميم واللام: نسبة إلى سكة الجلود بنيسابور، وقيل:
نسبة إلى جمع جِلْد، وتقدّم البحث فيه مستوفّى في ((شرح المقدّمة))، فراجعه
تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وأما أبو العبّاس الماسرجسيّ، فهو: أحمد بن محمد بن عبد الله بن
الحسن بن أحمد بن محمد بن الحسين المَاسَرْجِسيّ، ذكره الحاكم في
((التاريخ))، فقال: أبو العباس بن أبي نصر الماسرجسيّ ابن بنت الحسن بن
عيسى، فذكر شمائل سلفه، ومحاسنهم، وأما أبو العباس فإني لمّا خرّجت
الفوائد لأبيه، رأيت له سماعات كثيرة عن أبي حامد ابن الشَّرْقَيّ، ومكي بن
عبدان، وأقرانهما، وحدَّث أبو العباس بعد ذلك سنين، وتُؤُفّي في النصف من
شهر ربيع الأول سنة ثمان وسبعين وثلاث مئة، قاله السمعانيّ دَّثُ في
((الأنساب))(١) .
و((الْمَاسَرْجِسيّ)) بفتح السين المهملة، وسكون الراء، وكسر الجيم، آخره
سين مهملة: نسبة إلى ماسَرْجِس اسم لجدّ، قاله السمعانيّ(٢).
[تنبيه آخر]: رواية الجلوديّ هذه أخرجها البيهقيّ في ((السنن الكبرى))،
فقال :
(١٩٧٣٩) - وأخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهانيّ، أنبأ أبو
أحمد محمد بن عيسى الجلوديّ، حدثني أبو العباس الماسرجسيّ، ثنا شيبان بن
فروخ، ثنا جرير بن حازم، ثنا الحسن، ثنا عبد الرحمن بن سمرة ظته قال:
قال لي رسول الله وَله: ((يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة، فإنك إن
أعطيتها عن مسألة، وُكلت إليها، وإن أُعطيتها من غير مسألة، أُعنت عليها،
(١) ((الأنساب)) للسمعانيّ ٥٠/٥.
(٢) ((الأنساب)) ٤٨/٥.

٦٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
وإذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيراً منها، فكفِّر عن يمينك، وائت الذي
هو خير)). انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٧٤] ( .. ) - (حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ
يُونُسَ، وَمَنْصُورٍ، وَحُمَيْدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ،
عَنْ سِمَاكِ بْنِ عَطِيَّةَ، وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، وَهِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، فِي آخَرِينَ (ح) وَحَدَّثَنَا
عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ (ح) وَحَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَم الْعَمِّيُّ،
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، كُلُّهُمْ عَنِ الْحَسِّنِ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِّ ◌َّهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ الْمُعْتَمِرِ،
عَنْ أَبِهِ ذِكْرُ الإِمَارَةِ).
رجال هذا الإسناد: تسعة عشر:
١ - (هُشَيْمُ) بن بشير السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ
ثبتٌ، كثير التدليس، والإرسال الخفيّ [٧] (ت١٨٣) وقد قارب الثمانين (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٢ - (يُونُسُ) بن عبيد بن دينار الْعَبْديّ، أبو عبيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ
ورِعٌ [٥] (ت١٣٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧٣/٦.
٣ - (مَنْصُورُ) بن زاذان الثقفيّ، أبو المغيرة الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٦]
(ت١٢٠) على الصحيح (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠١٩/٣٥.
٤ - (حُمَيْدُ) بن أبي حميد الطويل، أبو عبيدة البصري، ثقة [٥] (ت٢
أو ١٤٣) وهو قائم يصلي، وله (٧٥) سنة (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٣٩/٢٣.
٥ - (أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ) فُضيل بن حسين البصريّ، ثقة حافظ [١٠]
(ت٢٣٧) وله أكثر من ثمانين سنة (خت م « ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧.
٦ - (سِمَاكُ بْنُ عَطِيَّةَ) البصريّ الْمِرْبديّ - بكسر الميم، وسكون الراء،
بعدها موحّدة - ثقةٌ [٦].
(١) ((سنن البيهقي الكبرى)) ١٠/ ٥٢.

٦٧٥
(٣) - بَابُ نَدْبٍ مَنْ حَلَفَ يَمِيناً، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٢٧٤)
رَوَى عن الحسن البصريّ، وعمرو بن دينار القهرمانيّ، وأيوب
السختيانيّ.
وروى عنه حماد بن زيد، وحرب بن ميمون، وهَيْئَم بن الربيع العقيليّ.
قال ابن معين: ثقةٌ، وقال حماد بن زيد: كان من جلساء أيوب، وقال
النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، وليس له في هذا الكتاب إلا
هذا الحديث، وأعاده في ((كتاب الإمارة)).
٧ - (هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ) القُردوسيّ، تقدّم في الباب الماضي.
٨ - (عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمِ الْعَمِّيُّ) أبو عبد الملك البصريّ، ثقة [١١] (تم د ت
ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٠/٢٧.
٩ - (سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ) الضُّبَعيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ صالح، ربما وَهِمَ
[٩] (ت٢٠٨) وله (٨٦) سنةً (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٦٠٨/٤.
١٠ - (سَعِيدُ) بن أبي عروبة مِهْران اليشكريّ مولاهم، أبو النضر
البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط، وكان من أثبت
الناس في قتادة [٦] (ت٦ أو١٥٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٧/٦.
[تنبيه]: وقع في جميع نسخ ((صحيح مسلم)) التي بين يديّ أن الراوي عن
قتادة هنا هو سعيد بن أبي عروبة، ووقع في ((تحفة الأشراف))(١) للحافظ
المزّيّ ◌َخْتُ بدله شعبة، ولا أدري من أين له ذلك، وكلاهما يرويان عن قتادة،
ويروي عنهما سعيد بن عامر، ولعله وقع له ذلك في نسخته، والله تعالى أعلم.
١١ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السّدوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتُ
يدلّس، رأس الطبقة [٤] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: رواية هشيم، عن يونس، ومنصور، وحميد، كلهم عن الحسن،
ساقها ابن حبّان في ((صحيحه))، فقال:
(٤٤٧٩) - أخبرنا محمد بن أبي عون، قال: حدّثنا عليّ بن حُجْر
:
(١) راجع: ((تحفة الأشراف)) ٦/ ٤٨٣ نسخة د. بشّار عوّاد.
:

٦٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
السعديّ، قال: حدّثنا هشيم، عن منصور بن زاذان، وحميد الطويل، ويونس بن
عبيد، جميعاً عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمرة القرشيّ، قال: قال
رسول الله : ((يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها عن مسألة،
وُكلت إليها، وإن أوتيتها عن غير مسألة أُعنت عليها، وإذا آليت على يمين،
ورأيت غيرها خيراً، فَأُتِ الذي هو خير، وكَفِّر عن يمينك)). انتهى(١).
وأما رواية سماك بن عطيّة، ويونس بن عبيد، وهشام بن حسّان، كلهم
عن الحسن، فساقها الطبرانيّ كَُّ في ((المعجم الأوسط))، فقال:
(٨٠٤٧) - حدّثنا موسى بن هارون، ثنا أبو كامل الجحدريّ، نا حماد بن
زيد، عن يونس، وسماك بن عطية، وهشام، في آخرين، عن الحسن، عن
عبد الرحمن بن سمرة، قال: قال لي رسول الله ويل ى: (يا عبد الرحمن لا تسأل
الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة، وُكلت إليها، وإن أُعطيتها عن غير
مسألة، أُعنت عليها، وإذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيراً منها، فأُتِ
الذي هو خير، وكَفِّر عن يمينك)).
قال: لم يرو هذا الحديث عن حماد بن زيد إلا أبو كامل. انتهى (٢).
وأما رواية المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الحسن، فساقها أبو
عوانة تَخّْثُ في ((مسنده))، فقال:
(٥٩٤٩) - حدّثنا أحمد بن يحيى الحلوانيّ، قئنا الفيض بن وثيق، قال:
سمعت المعتمر يحدث، قال: حدّثني أبي، عن الحسن، عن عبد الرحمن بن
سمرة، قال: قال النبيّ وَّل : ((إذا حلف أحدكم على يمين، فرأى غيرها خيراً
منها، فليَأْتِ الذي هو خير، فليكفِّر عن يمينه)). انتهى(٣).
وأما رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، فساقها الحافظ أحمد بن
عمرو بن الضحاك أبو بكر الشيبانيّ المتوفّى سنة (٢٨٧هـ) في ((الآحاد
والمثاني))، فقال:
(٥٦٨) - حدّثنا يحيى بن خلف، نا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة،
(١) ((صحيح ابن حبان)) ١٠/ ٣٣٢.
(٣) ((مسند أبي عوانة)) ٣٨/٤.
(٢) ((المعجم الأوسط)) ٨٧/٨ - ٨٦.

٦٧٧
(٤) - بَابُ الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ - حديث رقم (٤٢٧٥)
عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمرة عظته أن رسول الله وَ لو قال: ((لا تسأل
الإمارة، فإنك إن أُعطيتها عن مسألة، وُكلت إليها، وإن أُعطيتها عن غير
مسألة، أُعنت عليها، وإذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيراً منها، فكَفِّر
عن يمينك، ثم اثْتِ الذي هو خير)). انتهى (١)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٤) - (بَابٌ الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٧٥] (١٦٥٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ - قَالَ يَحْيَى:
أَخْبَرَنَا هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، وَقَالَ عَمْرُو: حَدَّثَنَا هُشَيْمُ بْنُ
بَشِيرٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي صَالِح - عَنْ أَبِِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ ◌َِ: ((يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَّدُّقُكَ عَلَيْهِ صَاحِبُكَ))، وَقَالَ عَمْرٌو:
((يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُك))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي صَالِح) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ويقال له:
عبّاد، كما في الإسناد التالي، ليّنَّ الحديث [٦].
رَوَى عن أبيه، وسعيد بن جبير، وعنه ابن جريج، وهشيم، وابن أبي
ذئب، وعبد الله بن الوليد المزنيّ، وجابر بن سليم الزُّرَقيّ، وموسى بن يعقوب
الزَّمَعِيّ.
قال البخاريّ عن عليّ ابن المدينيّ: ليس بشيء، وقال ابن معين: ثقةٌ،
وقال أبو داود: عبّاد بن أبي صالح هو عبد الله، وقال البخاريّ في ((تاريخه
الصغير)): منكر الحديث، وقال الساجيّ، وتبعه الأزديّ: ثقة، إلا أنه رَوَى عن
أبيه ما لم يتابع عليه .
(١) ((الآحاد والمثاني)) ٤٠٩/١.

٦٧٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وليس له عندهم
إلا هذا الحديث، وأعاده المصنّف بعده.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وقبل بابين.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َُّهُ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((يَمِينُكَ) مبتدأ خبره
قوله: (عَلَى مَا يُصَدَّقُكَ عَلَيْهِ صَاحِبُكَ) قال القرطبيّ ◌َّتُهُ: يعني: أن يمينك
التي يجوز لك أن تحلفها؛ هي التي تكون صادقة في نفسها، بحيث لو اطّلع
عليها صاحبك لعَلِمَ أنها حقٌّ وصدقٌ، وأن ظاهر الأمر فيها كباطنه، وسِرَّه
كعَلَنِهِ، فيصَدِّقك فيما حلفت عليه، فهذا خطاب لمن أراد أن يُقْدِم على يمين،
فحقُّه أن يَعْرِض اليمين على نفسه، فإن رآها كما ذكرناه حلف إن شاء، وإلا
أمسك؛ فإنَّها لا تحل له، هذا فائدة هذا اللفظ.
فأمَّا قوله: ((اليمين على نيّة المستحلف)) فمقصوده: أن من توجّهت عليه
يمين في حق ادُّعي عليه به؛ فحلف على ذلك لفظاً، وهو ينوي غيره، لم تنفعه
نيَّته، ولا يخرج بها عن إثم تلك اليمين، ويظهر من كلام الأئمة على هذين
الحديثين: أن معنى الأول مردودٌ إلى الثاني، وما ذكرته أَوْلى إن شاء الله
تعالى، ويتبيَّن لك ذلك من سياق اللفظين. فتأملهما تجد ما ذكرته.
وإذا تقرر هذا؛ فاعلم: أن اليمين إما أن يتعلَّق بها حقّ لآدمي أو لا،
فإن لم يتعلَّق بها حق لآدمي، وجاء صاحبها مستفتياً، ولم يضبط بشهادة؛ فله
نيّته، قال القاضي: ولا خلاف في ذلك نعلمه، وأما إن حلف لغيره في حق
عليه؛ فلا خلاف أنه يُحكم عليه بظاهر يمينه إذا قامت عليه بيّنَة، سواء حلف
متبرعاً، أو مُسْتَحْلفاً، وأمَّا فيما بينه وبين الله تعالى: فاختلف فيه قول مالك
وأصحابه اختلافاً كثيراً، فقيل: على نية المحلوف له. وقيل: على نية الحالف،
وقيل: إن كان مستحلفاً؛ فاليمين على نيّة المحلوف له. وإن كان متبرعاً؛ فعلى
نيّة الحالف. وهو ظاهر قول مالك، وابن القاسم. وقيل: عكسه. وقيل: تنفعه
نيَّته فيما لا يقضى عليه فقط.
ورُوي عن مالك: إن كان على وجه المكر والخديعة؛ فهو آثم، وإن كان

٦٧٩
(٤) - بَابٌ الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ - حديث رقم (٤٢٧٥)
على وجه العُذر فلا، وعكسه ابن حبيب. ذكر هذه الأقوال كلها القاضي
عياض، وقال: ولا خلاف في أن الحالف بما يقتطع بها حق غيره ظالم، آثم،
(١)
حانث. انتهى(١).
وقال النوويّ تَخْذُ: هذا الحديث محمول على الحلف باستحلاف
القاضي، فإذا ادَّعَى رجل على رجل حقّاً، فحلّفه القاضي فحلّف، ووَرَّى،
فنوى غير ما نوى القاضي، انعقدت يمينه على ما نواه القاضي، ولا تنفعه
التورية، وهذا مجمع عليه، ودليله هذا الحديث، والإجماع، فأما إذا حَلَف
بغير استحلاف القاضي، ووَرَّى تنفعه التورية، ولا يحنث، سواء حَلَفَ ابتداءً
من غير تحليف، أو حلّفه غير القاضي، وغير نائبه في ذلك، ولا اعتبار بنيّة
المستحلِف غير القاضي.
وحاصله أن اليمين على نية الحالف في كل الأحوال، إلا إذا استحلفه
القاضي، أو نائبه في دعوى توجهت عليه، فتكون على نية المستحلف، وهو
مراد الحديث، أما إذا حَلَف عند القاضي من غير استحلاف القاضي في
دعوى، فالاعتبار بنية الحالف، وسواء في هذا كله اليمين بالله تعالى، أو
بالطلاق والعتاق، إلا أنه إذا حَلَّفه القاضي بالطلاق أو بالعتاق تنفعه التورية،
ويكون الاعتبار بنيّة الحالف؛ لأن القاضي ليس له التحليف بالطلاق والعتاق،
وإنما يستحلف بالله تعالى.
(واعلم): أن التورية، وإن كان لا يحنث بها فلا يجوز فعلها حيث يبطل
بها حقّ مستحقّ، وهذا مجمع عليه، هذا تفصيل مذهب الشافعيّ وأصحابه،
ونقل القاضي عياض عن مالك وأصحابه في ذلك اختلافاً وتفصيلاً، فقال: لا
خلاف بين العلماء أن الحالف من غير استحلاف، ومن غير تعلّق حقّ بيمينه له
نيّته، ويُقْبَل قوله، وأما إذا حلف لغيره في حقّ أو وثيقة متبرعاً أو بقضاء عليه،
فلا خلاف أنه يُحكم عليه بظاهر يمينه، سواء حلف متبرعاً باليمين، أو
باستحلاف، وأما فيما بينه وبين الله تعالى، فقيل: اليمين على نية المحلوف
له، وقيل: على نية الحالف، وقيل: إن كان مستحلَفاً فعلى نية المحلوف له،
(١) ((المفهم)) ٦٣٣/٤ - ٦٣٥.

٦٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
وإن كان متبرعاً باليمين فعلى نية الحالف، وهذا قول عبد الملك وسحنون،
وهو ظاهر قول مالك، وابن القاسم، وقيل: عكسه، وهي رواية يحيى عن ابن
القاسم، وقيل: تنفعه نيّته فيما لا يُقْضَى به عليه، ويفترق التبرع وغيره فيما
يُقْضَى به عليه، وهذا مروي عن ابن القاسم أيضاً، وحُكِي عن مالك أن ما كان
من ذلك على وجه المكر والخديعة، فهو فيه آثمٌ، حانتٌ، وما كان على وجه
العذر فلا بأس به، وقال ابن حبيب عن مالك: ما كان على وجه المكر
والخديعة فله نيّته، وما كان في حقّ فهو على نية المحلوف له، قال القاضي:
ولا خلاف في إثم الحالف بما يقع به حقّ غيره، وإن وَرَّى، والله أعلم.
(١)
انتھی(١).
وقال الإمام ابن حزم تَخّْلهُ: وأما من لزمته يمين لخصمه - وهو مبطل -
فلا ينتفع بتوريته، وهو عاص لله تعالى في جحوده الحق، عاص له في استدفاع
مطلب خصمه بتلك اليمين، فهو حالف يمين غموس، ولا بد، ثم أورد حديث
الباب، ثم قال: ولا يكون صاحب المرء إلا من له معه أمر يجمعهما
يصطحبان فيه، وليس إلا ذو الحق الذي له عليك يمين تؤديها إليه ولا بد.
وأما من لا يمين له عندك فليس صاحبك في تلك اليمين. انتهى(٢).
وقال الصنعانيّ تَخَّتُهُ: الحديث دليل على أن اليمين تكون على نية
المحلِّف، ولا ينفع فيها نية الحالف إذا نوى بها غير ما أظهره، وظاهره
الإطلاق، سواء كان المحلّف له الحاكم، أو المدَّعِي للحقّ، والمراد حيث كان
المحلّف له التحليف، كما يشير إليه قوله: ((على ما يصدقك به صاحبك))، فإنه
يفيد أن ذلك حيث كان للمحلِّف التحليف، وهو حيث كان صادقاً فيما ادّعاه
على الحالف، وأما لو كان على غير ذلك كانت النية نية الحالف، واعتبرت
الشافعية أن يكون المحلّف الحاكمَ، وإلا كانت النية نية الحالف. انتهى(٣).
وقال الشوكانيّ كَّتُهُ: في الحديث دَلِيلٌ على أَنَّ الاغْتِبَارَ بِقَصْدِ الْمُحَلِّفِ
من غَيْرِ فَرْقٍ بين أَنْ يَكُونَ الْمُحَلِّفُ هو الْحَاكِمَ أو الْغَرِيمَ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ
(١) ((شرح النوويّ)) ١١٩/١١ - ١٢٠.
(٣) ((سبل السلام)) ١٠٢/٤.
(٢) ((المحلّى)) ٨٤٩/٥.