Indexed OCR Text

Pages 641-660

٦٤١
(٣) - بَابُ نَدْبٍ مَنْ حَلَفَ يَمِيناً، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٢٥٩)
وقوله: (وُدٌّ) بفتح الواو، وضمّها، وتشديد الدال المهملة: مصدر وَدّه:
إذا أحبّه، يقال: وَدِدته أَوَدّه، من باب تَعِبَ وَدّاً بفتح الواو، وضمّها: أحببته،
والاسم الْمَوَدّة، قاله الفيّومِيّ ◌َُّهُ(١).
وقوله: (وَإِخَاٌ) بكسر الهمزة: مصدر آخاه إخاءً ومؤاخاةً: إذا اتّخذه صاحباً.
[تنبيه]: رواية عبد الوهّاب الثقفيّ، عن أيوب السختيانيّ هذه ساقها
البخاريّ تَخْشُ في ((صحيحه))، فقال:
(٦٢٧٣) - حدّثنا قُتَيْبَةُ، حدّثنا عبد الْوَهَّابِ، عن أَيُّوبَ، عن أبي قِلَابَةَ،
وَالْقَاسِمِ الثَّمِيمِيِّ، عن زَهْدَم، قال: كان بين هذا الْحَيِّ من جَرْمِ، وَبَيْنَ
الْأَشْعَرِيِّينَ وُذِّ وَإِخَاءٌ، فَكُنَّا عِنْدَ أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، فَقُرِّبَ إليه طَعَامٌ، فيه
لَحْمُ دَجَاجٍ، وَعِنْدَهُ رَجُلٌ من بَنِي تَيْمِ اللهِ أَحْمَرُ، كَأَنَّهُ من الْمَوَالِي، فَدَعَاهُ إلى
الطَّعَامِ، فقال: إني رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شيئاً فَقَذِرْتُهُ، فَحَلَفْتُ أَنْ لَا آكله، فقال: قُمْ،
فَلَأُ حَدِّثَنَّكَ عن ذَاكَ، إني أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَه فِي نَفَرِ من الْأَشْعَرِيِّينَ، نَسْتَحْمِلُهُ،
فقال: ((والله لَا أَحْمِلُكُمْ، وما عِنْدِي ما أَحْمِلُكُمْ عليه))، فَأَتِيَ رسول اللهِ وَل
بِنَهْبٍ إِيلٍ، فَسَأَلَ عَنَّا، فقال: ((أَيْنَ النَّفَرُ الْأَشْعَرِيُّونَ؟)) فَأَمَرَ لنا بِخَمْسٍ ذَوْدٍ غُرِّ
الذُّرَى، فلما انْطَلَقْنَا، قُلْنَا: ما صَنَعْنَا، حَلَفَ رسول اللهِ وَّهِ لَا يَحْمِلُنَا، وما
عِنْدَهُ ما يَحْمِلُنَا، ثُمَّ حَمَلَنَا، تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَمِينَهُ، والله لَا نُفْلِحُ أَبَداً،
فَرَجَعْنَا إليه، فَقُلْنَا له: إِنَّا أَتَيْنَاكَ لِتَحْمِلَنَا، فَحَلَفْتَ أَنْ لَا تَحْمِلَنَا، وما عِنْدَكَ ما
تَحْمِلُنَا، فقال: ((إني لَسْتُ أنا حَمَلْتُكُمْ، وَلَكِنَّ اللّهَ حَمَلَكُمْ، والله لَا أَحْلِفُ على
يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْراً منها، إلا أَتَيْتُ الذي هو خَيْرٌ، وَتَحَلَّلْتُّهَا)). انتهى(٢)،
والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٥٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
وَابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْقَاسِمِ الثَّمِيمِيِّ، عَنْ زَهْدَمِ
(١) ((المصباح المنير)) ٦٥٣/٢.
(٢) ((صحيح البخاريّ)) ٦/ ٢٤٥٠.

٦٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
الْجَرْمِيِّ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ
زَهْدَمِ الْجَرْمِيِّ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا
وُهَيْبٍّ، حَدَّثَنَا أَيُوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، وَالْقَاسِمِ، عَنْ زَهْدَم الْجَرْمِيِّ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ
أَبِي مُوسَى، وَاقْتَصُوا جَمِيعاً الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ حَمَّدٍ بْنِ زَيْدٍ).
رجال هذا الإسناد: اثنا عشر:
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم قبل باب.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) تقدّم قبل أربعة أبواب.
٥ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قبل باب.
٦ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق بن جعفر الصّغَانيّ،
نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٧٠) (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١١٦/٤.
٧ - (عَقَّانُ بْنُ مُسْلِم) بن عبد الله الباهليّ، أبو عثمان الصفّار البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ، قال ابن المدينيّ: كان إذا شكّ في حرف من الحديث تركه، وربّما
وَهِمَ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٠) (ع) تقدم في ((المقدمة ٦/ ٤٤.
٨ - (وُهَيْبُ) بن خالد بن عجلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ، تغيّر قليلاً بآخره [٧] (ت١٦٥) أو بعدها (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة))
جـ٢ ص٤١٣.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (وَاقْتَصُّوا جَمِيعاً الْحَدِيثَ ... إلخ) الظاهر أن الضمير لإسماعيل
ابن عُليّة، وسفيان بن عيينة، ووُهيب بن خالد، ويَحتَمِل أن يكون لشيوخه
الخمسة، والأول هو الذي أولى؛ لأنه يؤيّده قوله: ((بمعنى حديث حماد بن
زيد)»، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية إسماعيل ابن عُليّة، عن أيوب السختيانيّ، ساقها
البخاريّ تَظْلُ في ((صحيحه))، فقال:
(٦٣٤٢) - حدّثنا عَلِيُّ بن حُجْرٍ، حدثنا إِسْمَاعِيلُ بن إبراهيم، عن أَيُّوبَ،

٦٤٣
(٣) - بَابُ نَدْبٍ مَنْ حَلَفَ يَمِيناً، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٢٥٩)
عن الْقَاسِمِ الْتَّمِيمِيِّ، عن زَهْدَمِ الْجَرْمِيِّ، قال: كنا عِنْدَ أبي مُوسَى، وكان بَيْنَنَا
وَبَيْنَ هذا الْحَيِّ من جَرْمِ إِخَاءٌ، وَمَعْرُوفٌ، قال: فَقُدِّمَ طعامه، قال: وَقُدِّمَ في
طَعَامِهِ لَحْمُ دَجَاجٍ، قَالَ: وفي الْقَوْمِ رَجُلٌ من بَنِي تَيْمِ اللهِ أَحْمَرُ، كَأَنَّهُ مَوْلَى،
قال: فلم يَدْنُ، فقال له أبو مُوسَى: ادْنُ، فَإِنِّي قد رَأَيت رَسُولَ اللهِ وَلِ يَأْكُلُ
منه، قال: إني رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شيئاً، قَذِرْتُهُ، فَحَلَفْتُ أَنْ لَا أَطْعَمَهُ أَبَداً، فقال: ادْنُ
أُخْبِرْكَ عن ذلك، أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ وَّهَ فِي رَهْطٍ من الْأَشْعَرِيِّينَ أَسْتَحْمِلُهُ، وهو
يَقْسِمُ نَعَماً من نَعَمِ الصَّدَقَةِ، قال أَيُّوبُ: أَحْسِبُهُ قال: وهو غَضْبَانُ، قال: والله
لَا أَحْمِلُكُمْ، وما عِنْدِي ما أَحْمِلُكُمْ عليه، قال: فَانْطَلَقْنَا، فأتى رسول اللهِ وَله
بِنَهْبِ إِيلٍ، فَقِيلَ: أَيْنَ هَؤُلَاءِ الْأَشْعَرِيُّونَ؟ فَأَتَيْنَا، فَأَمَرَ لنا بِخَمْسٍ ذَوْدٍ، غُرِّ
الذرى، قال: فَانْدَفَعْنَا، فقلت لِأَصْحَابِي: أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ وَِّ نَسْتَحْمِلُهُ، فَحَلَفَ
أَنْ لَا يَحْمِلَنَا، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْنَا، فَحَمَلَنَا، نَسِيَ رسول اللهِ وَهِ يَمِينَهُ، والله لَئِنْ
تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللهِ وَهِ يَمِينَهُ لَا نُفْلِحُ أَبَداً، ارْجِعُوا بِنَا إلى رسول اللهِ وَهِ،
فَلْنُذَكِّرْهُ يَمِينَهُ، فَرَجَعْنَا، فَقُلْنَا: يا رَسُولَ اللهِ أَتَيْنَاكَ نَسْتَحْمِلُكَ، فَحَلَفْتَ أَنْ لَا
تَحْمِلَنَا، ثُمَّ حَمَلْتَنَا، فَظَنَنَّا، أو فَعَرَفْنَا أَنَّكَ نَسِيتَ يَمِينَكَ، قال: ((انْطَلِقُوا، فَإِنَّمَا
حَمَلَكُمُ الله، إني والله - إن شَاءَ الله - لَا أَحْلِفُ على يَمِينِ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْراً
منها، إلا أَتَيْتُ الذي هو خَيْرٌ، وَتَحَلَّلْتُهَا)). انتهى(١).
وأما رواية سفيان بن عيينة، عن أيوب، فساقها الحميديّ تَّثُهُ في
((مسنده))، فقال:
(٧٦٦) - حدّثنا الحميديّ، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا أيوب، عن أبي
قلابة، عن زهدم، عن أبي موسى الأشعريّ، قال: أتينا رسول الله وَله
نستحمله، فأُتي بذَوْدٍ غُرّ الذّرَى، فقلنا: يا رسول الله احملنا، فحلف أن لا
يحملنا، ثم أتي بذود أخرى، فقلنا: يا رسول الله احملنا، فحملنا، فلما أدبرنا
قلنا: ماذا صنعنا؟ تغفلنا رسول الله يمينه، فأتينا رسول الله وَله، فذَكَرْنا ذلك
(١) ((صحيح البخاريّ)) ٦/ ٢٤٧١.

٦٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
له، فقال رسول الله وَ﴾: ((إني لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيراً منها،
إلا أتيت الذي هو خير، وكَفَّرت عن يميني)). انتهى(١) .
وأما رواية وُهيب بن خالد، عن أيوب، فساقها البيهقيّ في ((الكبرى))،
فقال :
(١٩٧٣٣) - وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أنبأ أبو بكر أحمد بن
سلمان الفقيه، ثنا محمد بن العباس المؤدِّب، ثنا عفان، ثنا وُهيب، ثنا أيوب،
عن أبي قلابة، وعن القاسم التميميّ، عن زهدم الجرميّ، قال: كان بيننا وبين
الأشعريين إخاء، قال: فكنا عند أبي موسى، فقَرَّب إلينا طعاماً فيه لحم
دجاج، وفي القوم رجل أحمر شبيه بالموالي، من تيم الله، فقال أبو موسى:
اذْنُ فكل - يعني - فقال: إني رأيته يأكل نتناً، فحلفت أن لا أطعمه أبداً،
فقال: إني رأيت رسول الله وَّلم يأكل منه، ثم حَدّث أنه أتى رسول الله وَل في
نفر من الأشعريين يستحمله، فأتاه وهو يَقسِم ذَوْداً من إبل الصدقة، فقلت: يا
رسول الله احملنا، وهو غضبان، فقال: ((والله لا أحملكم، ولا أجد ما
أحملكم عليه))، ثم أتي بنَهْبِ ذَوْدٍ غُرّ الذَّرَى، فأعطانا رسول الله وَّل خمس
ذود غُرّ الذرى، فقلت: تغفلنا رسول الله وَل﴿ لا نفلح أبداً، فأتيناه، فقلنا: يا
رسول الله كنتَ حلفتَ أن لا تحملنا، فقال: ((إني لست أنا حملتكم، ولكن الله
حملكم، والله لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيراً منها، إلا أتيت الذي هو
خير، وتحللت عن يميني)). انتهى (٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْلَفُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٦٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُوخَ، حَدَّثَنَا الصَّعْقُ - يَعْنِي: ابْنَ
حَزْنٍ - حَدَّثَنَا مَطَرُ الْوَرَّاقُ، حَدَّثَنَا زَهْدَمْ الْجَرْمِيُّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُوسَى،
وَهُوَ يَأْكُلُ لَحْمَ دَجَاجٍ(٣)، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ، وَزَادَ فِيهِ: قَالَ: ((إِنِّي
وَاللهِ مَا نَسِيتُهَا))).
(١) ((مسند الحميديّ)) ٣٣٨/٢.
(٣) وفي نسخة: ((لحم الدجاج)).
(٢) ((سنن البيهقي الكبرى)) ٥٠/١٠.

٦٤٥
(٣) - بَابُ نَدْبٍ مَنْ حَلَفَ يَمِيناً، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٢٦٠)
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُوخَ) الْحَبَطَيّ، أبو محمد الأُبُلّيّ، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي
بالقدر، من صغار [٩] (ت ٥ أو ٢٣٦) وله بضع وتسعون سنةً تقدم في
((الإيمان)) ١٢/ ١٥٧.
٢ - (الصَّعْقُ(١) بْنُ حَزْنٍ(٢)) بن قيس البكريّ، ثم العيشيّ، أبو عبد الله
البصريّ، صدوقٌ يَهِمُ، وكان زاهداً [٧].
رَوَى عن الحسن البصريّ، ومطر الورّاق، وقتادة، وأبي جمرة الضُّبَعيّ،
وغيرهم.
وروى عنه ابن المبارك، ويونس بن محمد، وأبو أسامة، ويزيد بن
هارون، وعارم، وموسى بن إسماعيل، وشيان بن فَرُّوخ، وغيرهم.
قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ليس به بأس، وقال الدُّوريّ،
عن ابن معين: ثقةٌ، وكذا قال أبو زرعة، وأبو داود، والنسائيّ، وقال أبو
حاتم: ما به بأسٌ، وقال الآجريّ، عن أبي داود: قُرّة فوقه، وقال محمد بن
الحسين بن أبي الجنيّ: حدّثنا عارم، عن الصعق، وكانوا يرونه من الأبدال،
وقال موسى بن إسماعيل: ثنا الصعق، وكان صدوقاً، وقال يعقوب بن سفيان:
صالح الحديث، وقال العجليّ: ثقةٌ، وقال الدارقطنيّ: ليس بالقويّ، وذكره
ابن حبان في ((الثقات))(٣).
أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد)»، والمصنّف، وأبو داود في
((المراسيل))، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث متابعةً.
٣ - (مَطَرُّ الْوَرَّاقُ) ابن طَهْمان السلميّ مولاهم، أبو رجاء الْخُرَاسانيّ،
سكن البصرة، صدوقٌ كثير الخطأ، وحديثه عن عطاء ضعيف [٦] (ت١٢٥)
وقيل غير ذلك (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٣/١.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) الفاعل ضمير مطر الورّاق.
(١) ((الصعق)) بفتح الصاد المهملة، وكسر العين المهملة، وإسكانها، والكسر أشهر،
قاله النوويّ في ((شرحه)) ١١٢/١١ - ١١٣.
(٢) بفتح الحاء المهملة، وسكون الزاي.
(٣) ((تهذيب التهذيب)) ٣٧٢/٤.

٦٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
وقوله: (بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ) كان الظاهر أن يقول: بنحو حديثهما بضمير
التثنية؛ لأنه يرجع إلى أبي قلابة، والقاسم بن عاصم التميميّ، إلا أن يكون
على قول من يقول: إن أقل الجمع اثنان.
ويَحْتَمل أن يكون فاعل ((وساق)) ضمير شيبان بن فرّوخ شيخه، وضمير
((حديثهم)) لشيوخه المذكورين في السند الماضي.
[تنبيه]: إسناد هذا الحديث مما استدركه الدارقطنيّ، فقال: الصعق،
ومطرٌ ليسا بالقويين، ومع ذلك فمطرٌ لم يسمعه من زهدم، وإنما رواه عن
القاسم بن عاصم عنه، قال ذلك ثابت بن حمّاد، عن مطر. انتهى.
قال النوويّ بعد ذكر كلام الدارقطنيّ المذكور ما نصّه: وهذا الاستدلال
فاسد؛ لأن مسلماً لم يذكره متأصلاً، وإنما ذكره متابعةً للطرق الصحيحة
السابقة، وقد سبق أن المتابعات يُحْتَمَل فيها الضعف؛ لأن الاعتماد على ما
قبلها، وقد سبق ذكر مسلم لهذه المسألة في أول خطبة كتابه، وشرحناه هناك،
وأنه يذكر بعض الأحاديث الضعيفة متابعةً للصحيحة، وأما قوله: إنهما ليسا
قويين، فقد خالفه الأكثرون، فقال يحيى بن معين، وأبو زرعة في الصعق: هو
ثقةٌ، وقال أبو حاتم: ما به بأس، وقال هؤلاء الثلاثة في مطر الوراق: هو
صالح، وإنما ضعفوا روايته عن عطاء خاصةً. انتهى كلام النوويّ كَّهُ(١).
وقال الحافظ الرشيد العطّار ◌َّتُهُ في ((غرر الفوائد)): أخرج مسلم في
((كتاب الأيمان)): حديث الصَّعْق بن حَزْن، عن مطر الورّاق، عن زهدم
الجرميّ، قال: دخلت على أبي موسى الأشعريّ، وهو يأكل لحم دجاج ..
الحدیث.
قال: وهذا الحديث أيضاً قد انتقده الحافظ أبو الحسن الدارقطنيّ،
وعاب على مسلم إخراجه من هذا الوجه، وقال: الصعق ومطر ليسا بالقويين،
ومع هذا لم يسمعه مطر من زهدم، إنما رواه عن القاسم بن عاصم، عنه، قال
ذلك ثابت بن حماد، عن مطر.
قال العطار: وهذا الحديث أيضاً قد أخرجه مسلم في (صحيحه)) من
(١) ((شرح النوويّ)) ١١٣/١١.

٦٤٧
(٣) - بَابُ نَذْبٍ مَنْ حَلَفَ يَمِيناً، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٢٦٠)
طرق صحاح متصلة، عن زهدم، عن أبي موسى، وطريق مطر التي انتقدها
الدار قطنيّ إنما أوردها مسلم في الشواهد لا في الأصول.
وإذا كان الحدیث متصلاً من وجه صحیح، ثم روي من وجه آخر دونه
في الصحة، وفي اتصاله نظر، فلا يؤثر ذلك في ثبوته واتصاله من الوجه
الآخر.
على أن مطراً قد قال فيه: حدّثنا زهدم، وليس هو ممن يُتَّهَم بالكذب،
لكنه سيئ الحفظ عندهم، وقد سئل عنه يحيى بن معين، فقال: صالح، وكذلك
قال أبو حاتم الرازي.
ويَحْتَمِل أن يكون مطر قد سمعه من القاسم بن عاصم، عن زهدم، كما
ذكر الدارقطنيّ، ثم لقي زهدماً، فسمعه منه، فحدّث به تارةً هكذا، وتارةً
هكذا، والله أعلم بالصواب. انتهى كلام الرشيد العطَّار ◌َّهُ(١)، وهو تحقيق
نفیس .
[تنبيه آخر]: رواية مطر الورّاق، عن زهدم الْجَرْميّ هذه ساقها
الطبرانيّ ◌َُّ في ((المعجم الصغير))، فقال:
(١٥٠) - حدّثنا أحمد بن إسماعيل الوساوسيّ البصريّ، حدّثنا شيبان بن
فَرُّوخ، حدّثنا الصَّعْقِ بن حَزْن العيشيّ، حدّثنا مَطَرٌ الورّاق، حدّثنا زَهْدم
الْجَرْميّ، قال: دخلت على أبي موسى الأشعريّ، وهو يأكل لحم دجاج،
فقال: هَلُمّ، فكُلْ، فقلت: إني حلفت لا آكل لحم الدجاج، فقال أبو موسى:
كُلْ، فإني رأيت رسول الله وَ ﴿ يأكل منه، وسأنبئك عن يمينك، أتيت
رسول الله ﴿ أنا وأصحابي - وأصحاب لي - نستحمله، فحلف أن لا يحملنا،
وما عنده حُمْلان، فوالله ما بَرِحْنا، حتى أتته قلائصُ، غُرّ الذَّرَى، فأمر لنا
بحُمْلان، فلما خرجنا ذَكَرْنا يمين رسول الله وَلّ، فرجعنا إليه، فقال: ((ما
رَدَّكم؟))، قلنا: ذَكَرْنا يمينك يا رسول الله، وخشينا أن تكون نسيتها، فقال ◌َله:
((إني والله ما نسيتها، ولكن من حلف على يمين، فرأى غيرها خيراً منها،
فليأت الذي هو خير، وليكفّر عن يمينه)).
(١) ((غرر الفوائد المجموعة)) (ص٣٣).

٦٤٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
وقال: ((لم يروه عن مطر إلا الصعق)). انتهى (١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخَذُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٦١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُلَيْمَانَ
التَّيْمِيِّ، عَنْ ضُرَيْبٍ بْنِ نُقَيْرِ الْقَيْسِيِّ، عَنْ زَهْدَم، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، قَالَ:
أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ وَِّ نَسْتَحْمِلُهُ، فَقَالَ: ((مَا عِنْدِيِّ مَا أَحْمِلُكُمْ، وَاللهِ مَا أَحْمِلُكُمْ))،
ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ وَهَ بِثَلَاثَةِ ذَوْدٍ بُقْعِ الذُّرَى، فَقُلْنَا: إِنَّا أَيْنَا رَسُولَ اللهِ وَهُ
نَسْتَحْمِلُهُ، فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا، فَأَتَيْنَاهُ، فَأَخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ: ((إِنِّي لَا أَحْلِفُ عَلَى
يَمِينٍ، أَرَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ))).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبّيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ) ابن طرخان، أبو المعتمر البصريّ، نزل في بني تيم،
فنُسب إليهم، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت١٤٣) وهو ابن (٩٧) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٣ - (ضُرَيْبُ بْنُ نُقَيْرِ الْقَيْسِيُّ) بتصغير الاسمين(٢)، أبو السليل الْجُريريّ،
ثقةٌ [٦] (م ٤) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٨٨٥/٤٥.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (بِثَلَاثَةِ ذَوْدٍ) تقدّم الجمع بينه وبين رواية ((خمس ذود)) بأنّ ذِكْر
الأقلّ لا ينافي الأكثر، فلا تغفل.
وقوله: (بُقْعِ الذَّرَى) ((البُقْع)) - بضمّ الموحّدة، وسكون القاف، آخره عين
مهملة -: جمع أبقع، والمراد بها البِيض، وأصلها ما كان فيه بياض وسواد،
ومعناه هنا: أَمَر لنا بإبل بِيض الأسنمة، قاله النوويّ كَخَذْتُهُ(٣) .
(١) ((المعجم الصغير)) (الروض الداني) ١٠٦/١، وأخرجه أيضاً البيهقيّ في ((السنن
الكبرى)) ٣١/١٠.
(٢) قال النوويّ كَلَتُهُ: أما ((ضُرَيب))، فبضاد معجمة مصغّر، و((نُقَير)) بضمّ النون، وفتح
القاف، وآخره راء، هذا هو المشهور المعروف عن أكثر الرواة في كتب الأسماء، ورواه
بعضهم بالفاء، وقيل: نُفَيل بالفاء، وآخره لام. انتهى. ((شرح النوويّ)) ١١٣/١١.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٠٩/١١.

٦٤٩
(٣) - بَابُ نَدْبٍ مَنْ حَلَفَ بَمِيناً، فَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٢٦٢)
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان المسائل المتعلّقة به في
شرح حديث أول الباب، ولله الحمد والمنّة، وله الفضل والنعمة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظْلُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٦٢] (.) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى التَّيْمِيّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ،
عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنَا أَبُو السَّلِيلِ، عَنْ زَهْدَم، يُحَدَّثُهُ عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: كُنَّا مُشَاةً،
فَأَتَيْنَا نَبِيَّ اللّهِ ◌َِّ نَسْتَحْمِلُه، بِنَحْوِ حَدِيثٍ جَرِیٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى التَّيْمِيّ) أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [١٠]
(ت٢٤٥) (م قد ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٥٠٣/٩٢.
وقوله: (التَّيْمِيّ) هكذا معظم النسخ، ووقع في النسخة الهنديّة:
((التميمي))، بميمين، ولم أر في ((التهذيبين)) لا هذا، ولا هذا، وإنما ذكر
فيهما: ((القيسيّ))، فقط، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
٢ - (الْمُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ، يُلقّب بالطُّفيل،
ثقةٌ، من كبار [٩] (ت١٨٧) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٥/١.
والباقون ذُكروا قبله، و((أبو السَّليل)) - بفتح السين المهملة، وكسر اللام -
هو ضُريب بن نُقير المذكور في السند الماضي.
[تنبيه]: رواية المعتمر بن سليمان، عن أبيه هذه ساقها ابن حبّان في
((صحيحه)، فقال:
(٤٣٥٤) - أخبرنا عمر بن محمد الهمدانيّ، قال: حدّثنا محمد بن
عبد الأعلى، قال: حدّثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: حدّثنا أبو
السَّلِيل، عن زهدم، عن أبي موسى الأشعريّ، قال: كنا مُشَاةً، فأتينا نبي الله وَيه
نستحمله، فقال: ((والله لا أحملكم اليوم - أو قال : - والله لا أحملكم))، قال:
فلما رجعنا إلى المنزل - أو قال: حين رجعنا إلى المنزل - أتاه قطيع من إبل،
فإذا قد بعث إلينا بثلاثٍ بُقْع الذَّرَى، قال بعضنا لبعض: أنركب، وقد حلف
رسول الله ◌َ*؟! فأتيناه، فقلنا: يا نبي الله إنك قد حلفت، قال: ((إني والله ما
أحملكم، إنما حملكم الله، وما على الأرض من يمين أحلف عليها، ثم أرى

٦٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
خيراً منها، إلا أتيتها - أو أتيته )). انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٦٣] (١٦٥٠) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةً
الْفَزَارِيُّ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَعْتَمَ
رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ بَهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، فَوَجَدَ الصِّبْيَةَ قَدْ نَامُوا، فَأَتَاهُ أَهْلُهُ
بِطَعَامِهِ، فَحَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ أَجْلِ صِبْيَتِهِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ، فَأَكَلَ، فَأَتَّى رَسُولَ اللهِ وَّى،
فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً
مِنْهَا، فَلْيَأْتِهَا، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ)(٢)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (مَرْوَانُ بْنُ مُعَّاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ) أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ثم
دمشق، ثقةٌ حافظٌ، كان يدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت١٩٣) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٨/ ١٣٧.
٣ - (يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ) اليشكريّ، أبو إسماعيل، أو أبو مُنَين الكوفيّ،
صدوقٌ يُخطىء [٦] (بخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٩/ ١٤٢.
٤ - (أَبُو حَازِمِ) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٩/ ١٤٢.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ)
تقدم فى ((المقدمة)) ٤/٢.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َنْهَ أنه (قَالَ: أَعْتَمَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ◌َِّهِ)؛ أي: تأخّر
عنده إلى عَتَمَة الليل، وهي شدّة ظلمته، ولعله يريد بذلك أنه صلى مع
رسول الله ◌َ﴿ العتمة، وكان النبيّ وَلّ أخرها منتظراً للناس، فإنَّه وَ ﴿ كان إذا
رآهم قد اجتمعوا عجّل، وإذا رآهم قد أبطؤوا أخّر؛ يعني: في العشاء
الآخرة(٣).
(١) ((صحيح ابن حبان)) ١٠/ ١٩٦.
(٣) ((المفهم)) ٤/ ٦٣١.
(٢) وفي نسخة: ((وليكفّر يمينه)).

٦٥١
(٣) - بَابُ نَدْبٍ مَنْ حَلَفَ يَمِيناً، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٢٦٣)
[تنبيه]: قال صاحب ((التنبيه)): لا أعرف الرجل المذكور، ولا أهله،
وصبيته. انتهى(١).
(ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، فَوَجَدَ الصِّبْيَةَ) بكسر الصاد المهملة: جمع صَبيّ،
وهو الصغير، ويُجمع أيضاً على صِبيان (قَدْ نَامُوا، فَأَتَاهُ أَهْلُهُ بِطَعَامِهِ، فَحَلَفَ لَا
يَأْكُلُ مِنْ أَجْلِ صِبْيَتِهِ)؛ أي: من أجل أنهم ناموا قبل الأكل (ثُمَّ بَدَا لَهُ)؛ أي:
ظهر لهذا الرجل أن يأكل بعدما حَلَف (فَأَكَلَ، فَأَتَّى رَسُولَ اللهِ وَِّ، فَذَكَرَ ذَلِكَ
لَهُ)؛ أي: أَكْلِه بعد الحلف (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ)؛ أي:
على أمر محلوف عليه (فَرَأَى غَيْرَهَا) أنّث الضمير؛ لكون اليمين مؤنَّثة (خَيْراً
مِنْهَا، فَلْيَأْتِهَا)؛ أي: فليفعل الشيء المحلوف عليه (وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ))) وفي
نسخة: ((وليكفّر يمينه))، وفي الرواية الآتية: («فليُكفّر عن يمينه، وليفعل الذي
هو خير))، قال القرطبيّ كَّتُهُ: هذا أمرٌ من النبيّ وَله بتقديم الكفَّارة على
الحنث، وهو نصٌّ في الردِّ على أبي حنيفة، فإن أقلّ مراتب هذا الأمر أن يكون
من باب الإرشاد إلى المصلحة، وأقلّ مراتب المصلحة أن تكون مباحة،
فالكفارة قبل الحنث جائزة مجزية، وقد تضافر على هذا المعنى فعل النبيّ وَل
المتقدِّم في حديث أبي موسى ربه، وأمره هذا، وكذلك حديث عديّ هُه
الآتي بعد هذا .
قال: وقوله: ((فليفعل الذي هو خير))؛ أي: الذي هو أكثر خيراً؛ أي:
الذي هو أصلح، يعني: من الاستمرار على موجب اليمين، أو ما يخالف ذلك
مما يحنث به، والأصلح تارة يكون من جهة الثواب وكثرته، وهو الذي أشار
إليه في حديث عديّ رُه، حيث قال: ((فليأت التقوى))، وقد يكون من حيث
المصلحة الراجحة الدنيويَّة التي تطرأ عليه بسبب تركها حرجٌ ومشقّةٌ، وهي التي
أشار إليها النبيّ وَلل بقوله: ((لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من
أن يكفّر))، رواه مسلم، يعني بذلك أن استمراره على مقتضى يمينه إذا أفضى به
إلى الحرج - وهو المشقة - قد يفضي به إلى أن يأثم، فالأولى به أن يفعل ما
(١) (تنبيه المعلم)) (ص٢٧٩).

٦٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
شرع الله له من تحنيثه نفسه، وفعل الكفارة. انتهى(١)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا من أفراد المصنّف تَخْذُّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢٦٣/٣ و٤٢٦٤ و٤٢٦٥ و٤٢٦٦] (١٦٥٠)،
و(الترمذيّ) في ((النذور والأيمان)) (١٥٣٠)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٤٧٨/٢)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٦١/٢)، و(أبو عوانة) في (مسنده)) (٣٨/٤ - ٣٩)،
و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٣٤٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٣٢/٩ و١٠/
٣٢ و٥٣) و((المعرفة)) (٣٢١/٧) و((الصغرى)) (٤٧٧/٨)، و(البغويّ) في ((شرح
السُّنَّة)) (٢٤٣٨)، وفوائد الحديث تقدّمت، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٦٤] ( .. ) - وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
مَالِكَ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَاهـ
قَالَ: ((مَنْ حَلَفَ عَلَى بَمِينٍ، فَرَّأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا (٢)، فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ،
وَلْيَفْعَلْ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم قريباً.
٢ - (سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِح) أبو يزيد المدنيّ، صدوقٌ تغيّر بآخره [٦]
(ت١٣٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦١/١٤.
٣ - (أَبُوهُ) أبو صالح ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣]
(ت١٠٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
والباقون ذكروا في الباب، وقبل بابين.
(١) ((المفهم)) ٤ / ٦٣١ - ٦٣٢.
(٢) وفي نسخة: ((فرأى خيراً منها)).

٦٥٣
(٣) - بَابُ نَدْبٍ مَنْ حَلَفَ يَمِيناً، فَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٢٦٥ -٤٢٦٦)
والحديث من أفراد المصنّف، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله، ولله
الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٦٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنِي
عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُطَّلِبٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَّأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، فَلْيَأْتِ
الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ أَبِي أَوَيْسٍ) هو: إسماعيل بن عبد الله بن عبد الله بن أُويس بن
مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد الله المدنيّ، صدوقٌ أخطأ في أحاديث
من حفظه [١٠] (ت٢٢٦) (خ م د ت ق) تقدم في ((الحج)) ١٧/ ٢٩٢١.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُطَّلِبِ) بن عبد الله بن حنطب المخزوميّ، أبو
طالب المدنيّ، صدوقٌ [٧] مات في خلافة المنصور (خت م ت ق) تقدم في
((الإيمان)) ٢١٣/٢٦.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث من أفراد المصنّف تَخْذَلُهُ، وقد مضى البحث فيه، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظُّْ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٦٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ،
حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ - يَعْنِي: ابْنَ بِلَالٍ - حَدَّثَنِي سُهَيْلٌ فِي هَذَا الإِسْنَادِ بِمَعْنَى حَدِيثٍ
مَالِكِ: ((فَلْيُكَفِّرْ يَمِينَهُ(١)، وَلْيَفْعَلِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ))).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن دينار القرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطحّانُ،
وربّما نسب لجدّه، ثقةٌ [١١] مات في حدود (٢٥٠) (م ت س ق) تقدم في
((الإيمان)) ١١٨/٤.
(١) وفي نسخة: ((فليكفّر عن يمينه)).

٦٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
٢ - (خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) الْقَطَوانيّ، أبو الهيثم البجليّ مولاهم الكوفيّ، صدوق
یتشيّع، وله أفراد، من كبار [١٠] (ت٢١٣) أو بعدها (خ م کد ت س ق) تقدم في
((الإيمان)) ٣٦٧/٦٥.
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب
المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت١٧٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٠/١٤.
و ((سُهَيْلٌ)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية سليمان بن بلال، عن سهيل بن أبي صالح هذه ساقها
البيهقيّ دَخْتُهُ في ((الكبرى))، فقال:
(١٩٧٤٧) - أخبرنا أبو القاسم عبد الخالق بن عليّ بن عبد الخالق
المؤذن، أنبأ أبو بكر محمد بن أحمد بن خنب، أنبأ أبو إسماعيل الترمذيّ، ثنا
أيوب بن سليمان بن بلال، حدّثني أبو بكر بن أبي أويس، حدّثني سليمان بن
بلال، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة به أن رسول الله وَل
قال: ((إذا حلف أحدكم بيمين، ثم رأى خيراً مما حَلَفَ عليه، فليكفر يمينه،
وليفعل الذي هو خير منه)). انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َُّ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٦٧] (١٦٥١) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَذَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ
- يَعْنِي: ابْنَ رُفَيْع - عَنْ تَمِيم بْنٍ طَرَفَةَ، قَالَ: جَاءَ سَائِلٌ إِلَى عَدِيِّ بْنِ حَاتِم،
فَسَأَلَهُ نَفَقَةً فِي ثَّمَنِ خَادِمِ، أَوْ فِي بَعْضٍ ثَمَنٍ خَادِمِ، فَقَالَ: لَيْسَ عِنْدِي مَّا
أُعْطِيكَ إِلَّا دِرْعِي وَمِغْفَرِي، فَأَكْتُبُ إِلَى أَهْلِي أَنْ يُعْطُوكَهَا، قَالَ: فَلَمْ يَرْضَ،
فَغَضِبَ عَدِّ، فَقَالَ: أَمَا وَاللهِ لَا أُعْطِيكَ شَيْئاً، ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ رَضِيَ، فَقَالَ: أَمَا
وَاللهِ لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: ((مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، ثُمَّ رَأَى أَنْقَى
لِلَّهِ مِنْهَا، فَلْيَأْتِ التَّقْوَى))، مَا حَنَّئْتُ بَمِينِي(٢)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْع) الأسديّ، أبو عبد الله المكيّ، نزيل الكوفة،
ثقةٌ [٤] (١٠٣) أو بعدها (ع) تقدم في ((الجمعة)) ٢٠١٠/١٥.
(١) ((سنن البيهقيّ الكبرى)) ٥٣/١٠.
(٢) وفي نسخة: ((ما حلّلتُ يميني)).

٦٥٥
(٣) - بَابُ نَذْبٍ مَنْ حَلَفَ يَمِيناً، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٢٦٧)
٢ - (تَمِيمُ بْنُ طَرَفَةَ) الطائيّ الْمُسْلِيِّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت٩٥) (م د س
ق) تقدم في ((الصلاة)) ٢٧/ ٩٧١.
٣ - (عَدِيُّ بْنُ حَاتِم) بن عبد الله بن سعد بن الْحَشْرج الطائيّ، أبو طَرِيف
الصحابيّ الشهير، كان ممن ثبت على الإسلام في الردّة، وحضر فتوح العراق،
وحروب عليّ ◌َظُهُ، ومات ◌َظُهُ سنة (٦٨) وهو ابن (١٢٠) سنةً، وقيل:
وثمانين (ع) تقدم في ((الجمعة)) ٢٠١٠/١٥.
والباقيان ذُكرا في الباب، و((جرير)) هو: ابن عبد الحميد الضّيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ) بفتح الطاء المهملة، والراء أنه (قَالَ: جَاءَ سَائِلٌ)
قال صاحب ((الَتنبيه)): لا أعرف هذا السائل(١). (إِلَى عَدِيِّ بْنِ حَاتِم)
(فَسَأَلَهُ نَفَقَةً) قال المجد تَظْلَتُهُ: النفقة: ما تُنفقُه من الدراهم، ونحوها.
انتهى(٢)، والمعنى هنا: سأله مالاً يُنفقه (فِي ثَمَنِ خَادِم)؛ يعني: يشتري به عبداً
أو أمة للخدمة، والخادم يُطلق على الذكر والأنثى، قَّال الفيّومِيّ ◌َُّ: خَدَمَهُ
يَخْدْمُهُ خِدْمَةً، من بابي ضرب، ونصر، فهو خادم غلاماً كان أو جاريةً،
والخَادِمَةُ بالهاء في المؤنث قليل، والجمع: خَدَمٌ، وخُدَّامٌ، وقولهم: فُلانَةٌ
خَادِمَةٌ غَداً ليس بوصف حقيقيّ، والمعنى ستصير كذلك، كما يقال: حائضة
غداً، وأَخْدَمْتُهَا بالألف: أعطيتها خادماً، وخَدَّمْتُهَا بالتثقيل للمبالغة والتكثير،
واسْتَخْدَمْتُهُ: سألته أن يَخدمني، أو جعلته كذلك. انتهى(٣).
(أَوْ) للشكّ من الراوي (فِي بَعْضٍ ثَمَنِ خَادِمِ، فَقَالَ) عديّ ◌َُّه (لَيْسَ
عِنْدِي مَا أُعْطِيكَ إِلَّ دِرْعِي) بكسر الدال، وسكون ألراء، بعدها عين مهملة:
قال الفيّوميّ ◌َخْتُ: دِرْعُ الحديد مؤنثة في الأكثر، وتُصَغّر على دُرَيْعٍ، بغير هاء،
على غير قياس، وجاز أن يكون التصغير على لغة من ذكّر، وربماً قيل: دُرَيْعَةٌ
بالهاء، وجمعها: أَدْرُعٌ، ودُرُوٌ، وأَدْرَاعٌ، قال ابن الأثير: وهي الزَّرَدِيَّةُ، ودِرْعُ
(١) (تنبيه المعلم)) (ص ٢٨٠).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص١٣٠٦).
(٣) (المصباح المنير)) ١/ ١٦٥ بزيادة من (تاج العروس)) ٢٦٩/٨.

٦٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
المرأة: قميصها مذكَّر. انتهى(١).
(وَمِغْفَرِي) بكسر الميم، وسكون الغين المعجمة، بعدها راء: ما يُلبس
تحت البيضة(٢). (فَأَكْتُبُ إِلَى أَهْلِي أَنْ يُعْطُوكَهَا) كذا في معظم النسخ بإفراد
الضمير، فيعود إلى النفقة، ووقع في النسخة الهنديّة، بضمير التثنية، وهو
ظاهر؛ لأنه يعود إلى الدرع والمغفر، فتنبّه (قَالَ) الراوي، وهو طرفة (فَلَمْ
يَرْضَ)؛ أي: لم يرض ذلك السائل بما قاله عديّ ظُبه، إما استقلالاً لذلك،
وإما لغير ذلك (فَغَضِبَ عَدِيٌّ) ◌َهُ (فَقَالَ: أَمَا وَاللهِ لَا أُعْطِيكَ شَيْئًاً) قال
القرطبيّ تَظُّ: وغضبُ عديّ رَظُه في هذا الحديث ويمينه سببهما أن الرَّجل
السائل لم يرض بالدِّرع والمغفر مع أنه لم يكن عنده غيرهما، ويمينه في
الحديث الآتي، وما يفهم من غضبه فيه سببه فيما يظهر من مساق الحديث أن
عديّاً استقلَّ ما سُئِل منه، ألا ترى قوله: تسألني مائة درهم، وأنا ابن حاتم؟!
فكأنه قال: تسألني هذا الشيء اليسير، وأنا من عُرِفْتُ؛ أي: نحن معروفون
ببذل الكثير، فهذا سبب غير السبب الأول، هذا ظاهر الحديث، غير أن
القاضي عياضاً قال: معنى قوله عندي: وأنا ابن حاتم؛ أي: قد عُرِفت
بالجود، وورثتُهُ، ولا يمكنني ردُّ سائلٍ إلا لعذر، وقد سأله، ويعلم أنه ليس
عنده ما يعطيه، فكأنه أراد أن يُبَخِّله، فلذلك قال: والله لا أعطيك؛ إذ لم
يعذره.
قال القرطبيّ: وهذا المعنى إنما يليق بالحديث الأول، لا بالثاني،
فتأمَّلهما .
وفيه من الفقه: أن اليمين في الغضب لازمة كما تقدم. انتهى كلام
القرطبيّ ◌َّتُ(٣).
(ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ رَضِيَ)؛ أي: بما قاله عديّ رَظُهُ (فَقَالَ) عديّ ◌َلَهُ (أَمَا)
أداة استفتاح وتنبيه، كـ((ألا)) (وَاللهِ لَوْلًا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلَهِ يَقُولُ: ((مَنْ
حَلَفَ عَلَى بَمِينٍ، ثُمَّ رَأَى أَنْقَى لِلَّهِ مِنْهَا، فَلْيَأْتِ التَّقْوَى))) هو بمعنى الروايات
(١) ((المصباح المنير)) ١/ ١٩٢.
(٣) ((المفهم)) ٦٣٢/٤ - ٦٣٣.
(٢) ((المصباح المنير)) ٤٤٩/٢.

٦٥٧
(٣) - بَابُ نَذْبٍ مَنْ حَلَفَ يَمِيناً، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٢٦٨)
السابقة: ((فرأى خيراً منها، فليأت الذي هو خير))، كذا قال النوويّ كَّلُهُ، لكن
هذه الرواية مشعرة بقصر ذلك على ما فيه طاعة، ومفاد الرواية السابقة
العموم (١)، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.
(مَا) نافية (حَتَّقْتُ يَمِينِي)؛ أي: ما جعلتها ذات حِنث، بل بقِيتُ بارّاً
بها، وافياً بموجبها، وهو جواب (لولا)).
ووقع في بعض النسخ: ((ما حلّلتُ يميني))، وهو بمعناه، يقال: حَنِث في
يمينه يَحْنَثُ حِنْثاً، من عَلِم يعلم عِلْماً: إذا لم يَفِ بموجِبِهَا، فهو حانثٌ،
وحنّثته بالتشديد: جعلته حانثاً، والحِنْثُ: الذنب(٢)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عديّ بن حاتم ظ به هذا من أفراد المصنّف دَّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢٦٧/٣ و ٤٢٦٨ و٤٢٦٩ و٤٢٧٠ و٤٢٧١
و٤٢٧٢] (١٦٥١)، و(النسائيّ) في ((الأيمان والنذور)) (١٠/٧ - ١١) و((الكبرى))
(٤٧٢٧)، و(ابن ماجه) في ((الكفّارات)) (٢١٠٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤/
٢٥٦ و٢٥٧ و٢٥٨ و٢٥٩ و٣٧٨)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٣٤٥)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٤٣٤٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٢/٤)، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٦٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ تَمِيمٍ بْنِ طَرَفَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِم، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((مَنْ خُلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ
خَيْرٌ، وَلْيَتْرُكْ يَمِينَهُ))).
(١) راجع: ((حاشية النسخة التركيّة)) ٨٥/٥.
(٢) ((المصباح المنير)) ١٥٤/١.

٦٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
رجال هذا الإسناد: ستةٌ :
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنْبَريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٣٧) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن حسّان بن نصر الْعَنْبَريّ، أبو المثنّى
البصريّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت١٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام المشهور، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَلْيَتْرُكْ يَمِينَهُ) معناه: فليحنث فيها، وليُكفّر عنها، والله تعالى
أعلم.
والحديث من أفراد المصنّف تَذَتُهُ، وقد مضى شرحه، ومسائله في
الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٦٩] ( ... ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفٍ
الْبَجَلِيُّ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ طَرِيفٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ
عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْع، عَنْ تَمِيم الطَّائِيِّ، عَنْ عَدِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ: ((إِذَا
خَلَفَ أَحَدُكُمْ عَلَى أَلْيَمِينِ، فَرَأَى خَيْراً مِنْهَا، فَلْيُكَفِّرْهَا، وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفٍ الْبَجَلِيُّ) أبو جعفر الكوفيّ، صدوقٌ، من صغار
[١٠] (ت٢٤٢) أو قبل ذلك (م د ت س) تقدم في ((الإيمان) ٩٠/ ٤٨٩.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ) بن غزوان الضبّيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن
الكوفيّ، ثقةٌ رُمي بالتشيّع [٩] (ت١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٨/٦٣.
٤ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث من أفراد المصنّف تَّتُهُ، وقد مضى البحث فيه مستوفَّى، ولله
الحمد والمنّة.

٦٥٩
(٣) - بَابُ نَذْبٍ مَنْ حَلَفَ يَمِيناً، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٢٧٠ - ٤٢٧١)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٧٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ
الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَبْعٍ، عَنْ تَمِيمِ الطَّائِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِّمِ، أَنَّهُ
سَمِعَ النَّبِيَّ نَّهِ يَقُولُ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (الشَّيْبَانِيُّ) سليمان بن أبي سليمان فيروز، أبو إسحاق الكوفيّ، ثقةٌ
[٥] مات في حدود (١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٥٩/٣٨.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث من أفراد المصنّف تَُّ، وقد مضى البحث فيه، ولله الحمد
والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َغَتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٧١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ، قَالَ:
سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِم، وَأَتَهُ رَجُلٌ يَسْأَلُهُ مِائَةَ دِرْهَمْ، فَقَالَ: تَسْأَلُنِي مِائَةَ دِرْهَم،
وَأَنَا ابْنُ حَاتِمِ؟ وَاللهِ لَّ أُعْطِيكَ، ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ:
((مَنْ حَلَفَ عَلَّى يَمِينٍ، ثُمَّ رَأَى خَيْراً مِنْهَا (١)، فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قريباً.
٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد المعروف ببندار، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغندر، تقدّم أيضاً قريباً .
٤ - (سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ) بن أوس بن خالد الذّهليّ البكريّ، أبو المغيرة
الكوفيّ، صدوقٌ تغيّر بآخره [٤] (ت١٢٣) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٥/٦٤.
والباقون ذُكروا قبله.
(١) وفي نسخة: ((ثم رأى غيرها خيراً منها)).

٦٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
وقوله: (تَسْأَلُنِي مِائَةَ دِرْهَم، وَأَنَا ابْنُ حَاتِم؟) الظاهر أن هذا من عديّ ـ
إنكار، واستقلال لِمَا سأله الَّسائل، فكأنه يَّقول: كيف تسألني هذا الشيء
اليسير، وأنا من عُرفتُ؟ أي: نحن معروفون ببذل الكثير، والله تعالى أعلم.
وكتب بعض الشرّاح ما حاصله: اختَلَف الشرّاح في تفسيره، فحاصل ما
قاله القرطبيّ تَخْتُ أن عديّ بن حاتم ﴿به استَقَلّ هذا السؤال، فكأنه قال:
تسألني هذا القدر اليسير، وأنا ابن حاتم الطائيّ المعروف ببذل الكثير
والسخاء؟.
وحاصل ما قاله القاضي عياض تَخّتُهُ: أن السائل سأله، وهو يعلم أنه
ليس عنده ما يُعطيه الآن، فكأن السائل أراد أن يُظهر بُخله ومنعه، فقال:
تسألني مائة درهم، وأنت تعلم أنها ليست عندي، وأنا ابن حاتم، فيشقّ عليّ
المنع، فلذلك قال: والله لا أعطيك شيئاً، ولم يعذره.
قال: ثم إن سبب اليمين في هذه الرواية غير ما ذُكر قبلُ في رواية جرير،
عن عبد العزيز بن رُفيع، وظاهر كلام القرطبيّ، وأبي الحسن السنديّ -
رحمهما الله - أنهما يَحمِلان الروايتين على واقعتين، قال: ولا يطمئنّ إليه
خاطري؛ لأن الحديث واحد، والراوي واحد، وكلتا الروايتين رواهما تميم بن
طَرَفَةَ، ومضمون كلّ منهما مماثل لمضمون الآخر.
قال: ويمكن التطبيق على تفسير القرطبيّ تَخَّهُ بأن السائل كان يريد أن
يُظهر بخله ومنعه، فسأله في حين كان يعلم أنه ليس عنده مائة درهم، فقال له
عديّ رظُه: تسألني مائة درهم في هذه الحال، ولكني ابن حاتم، فأكتب لك
إلى أهلي أن يعطوكها، فلما لم يرض بذلك عَرَف أنه لا يريد الخير، فحلف
على أن لا يعطيه، فذكر بعض الرواة ما لم يذكره الآخر، والله سبحانه وتعالى
أعلم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: لا بُعد في حمل الحديثين على واقعتين، بل هو
أولى من هذا التأويل المتكلّف، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم.
(١) (تكملة فتح الملهم)) ٢٠٢/٢.