Indexed OCR Text

Pages 621-640

٦٢١
(٣) - بَابُ نَذْبٍ مَنْ حَلَفَ بَمِيناً، فَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٢٥٥)
والثوريّ تأخيرها بعد الحنث، قال عياض: ومنع بعض المالكيّة تقديم كفّارة
حنث المعصية؛ لأن فيه إعانة على المعصية. وردّه الجمهور.
قال ابن المنذر: واحتُجّ للجمهور بأن اختلاف ألفاظ حديثي أبي موسى،
وعبد الرحمن بن سمرة ﴿ما لا يدلّ على تعيين أحد الأمرين، وإنما أمر
الحالف بأمرين، فإذا أتى بهما جميعاً، فقد فعل ما أُمر به، وإذا لم يدلّ الخبر
على المنع، فلم يبق إلا طريق النظر، فاحتُجّ للجمهور بأن عقد اليمين لَمّا كان
يحلّه الاستثناء، وهو كلام، فلأن تحلّه الكفّارة، وهي فعل ماليّ، أو بدنيّ
أولى. ويرجّح قولهم أيضاً بالكثرة. وذكر أبو الحسن ابن القصّار، وتبعه
عياضٌ، وجماعةٌ أن عدّة من قال بجواز تقديم الكفّارة أربعة عشر صحابيّاً،
وتبعهم فقهاء الأمصار، إلا أبا حنيفة، مع أنه قال فيمن أخرج ظبية من الحرم
إلى الحلّ، فولدت أولاداً، ثم ماتت في يده هي وأولادها أن عليه جزاءها،
وجزاء أولادها، لكن إن كان حين إخراجها أدّى جزاءها لم يكن عليه في
أولادها شيء، مع أن الجزاء الذي أخرجه عنها كان قبل أن تلد أولادها،
فيحتاج إلى الفرق، بل الجواز في كفّارة اليمين أولى.
وقال ابن حزم: أجاز الحنفيّة تعجيل الزكاة قبل الحول، وتقديم زكاة
الزرع، وأجازوا تقديم كفّارة القتل قبل موت المجنيّ عليه.
واحتجّ الشافعيّ بأن الصيام من حقوق الأبدان، ولا يجوز تقديمها قبل
وقتها؛ كالصلاة والصيام، بخلاف العتق، والكسوة، والإطعام، فإنها من حقوق
الأموال، فيجوز تقديمها؛ كالزكاة، ولفظ الشافعيّ في ((الأمّ)): إن كفّر بالإطعام
قبل الحنث رجوت أن يُجزىء عنه، وأما الصوم فلا؛ لأن حقوق المال يجوز
تقديمها، بخلاف العبادات، فإنها لا تقدّم على وقتها؛ كالصلاة، والصوم،
وكذا لو حجّ الصغير، والعبد، لا يجزىء عنهما إذا بلغ، أو عتق.
وقال في موضع آخر: من حلف، فأراد أن يحنث، فأحبّ إليّ أن لا
يكفّر حتى يَحَنَثَ، فإن كفّر قبل الحنث أجزأ، وساق نحوه، مبسوطاً .
وادّعى الطحاويّ أن إلحاق الكفّارة بالكفّارة أولى من إلحاق الإطعام
بالزكاة. وأجيب بالمنع، وأيضاً فالفرق الذي أشار إليه الشافعيّ بين حقّ
المال، وحقّ البدن ظاهر جدّاً، وإنما خصّ منه الشافعيّ الصيام بالدليل

٦٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
المذكور. ويؤخذ من نصّ الشافعيّ أن الأولى تقديم الحنث على الكفّارة، وفي
مذهبه وجهٌ، اختَلَف فيه الترجيح أن كفّارة المعصية يُستحبّ تقديمها.
قال عياضٌ: الخلاف في جواز تقديم الكفّارة مبنيٌّ على أن الكفّارة
رخصةٌ لحلّ اليمين، أو لتكفير مأثمها بالحنث، فعند الجمهور أنها رخصةٌ،
شرعها الله لحلّ ما عقد من اليمين، فلذلك تجزىء قبلُ وبعدُ.
قال المازريّ: للكفّارة ثلاث حالات:
[أحدها]: قبل الحلف، فلا تجزىء اتفاقاً .
[ثانيها]: بعد الحلف والحنث، فتجزىء اتفاقاً .
[ثالثها]: بعد الحلف، وقبل الحنث، ففيها الخلاف. وقد اختلف لفظ
الحديث، فقدّم الكفّارة مرّةً، وأخّرها أُخرى، لكن بحرف الواو الذي لا يوجب
ترتيباً، ومن منع رأى أنها لم تجز، فصارت كالتطوّع، والتطوّع لا يُجزىء عن
الواجب.
وقال الباجيّ، وابن التين، وجماعة: الروايتان دالّتان على الجواز؛ لأن
الواو لا ترتّب، قال ابن التين: فلو كان تقديم الكفّارة لا يجزىء لَأَ بانه،
ولقال: فليأت، ثم ليكفّر؛ لأن تأخير البيان عن الحاجة لا يجوز، فلما تركهم
على مقتضى اللسان دلّ على الجواز، قال: وأما الفاء في قوله: ((فأت الذي
هو خير، وكفّر عن يمينك))، فهي كالفاء الذي في قوله: ((فكفّر عن يمينك،
وائت الذي هو خير))، ولو لم تأت الثانية لَمَا دلّت الفاء على الترتيب؛ لأنها
أبانت ما يفعله بعد الحلف، وهما شيئان: كفّارة، وحنث، ولا ترتيب فيهما،
وهو كمن قال: إذا دخلت الدار، فكل، واشرب.
قال الحافظ: قد ورد في بعض الطرق بلفظ: ((ثمّ)) التي تقتضي الترتيب،
عند أبي داود، والنسائيّ في حديث الباب، ولفظ أبو داود من طريق سعيد بن
أبي عَروبة، عن قتادة، عن الحسن، به: ((كفّر عن يمينك، ثم ائت الذي هو
خير))، وقد أخرجه مسلم من هذا الوجه، لكن أحال بلفظ المتن على ما قبله.
وأخرجه أبو عوانة في ((صحيحه)) من طريق سعيد كأبي داود. وأخرجه النسائيّ
من رواية جرير بن حازم، عن الحسن مثله. لكن أخرجه البخاريّ، ومسلم،
من رواية جرير بالواو، وهو في حديث عائشة عند الحاكم أيضاً بلفظ: (ثمّ)).

٦٢٣
(٣) - بَابُ نَذْبٍ مَنْ حَلَفَ يَمِيناً، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٢٥٦)
وفي حديث أمّ سلمة عند الطبرانيّ نحوه، ولفظه: ((فليكفّر عن يمينه، ثم ليفعل
الذي هو خیر)). انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما تقدّم من الأدلة أن ما ذهب
إليه الجمهور، من جواز التكفير قبل الحنث هو الأرجح؛ لقوّة دليله، كما سبق
تقريره، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الخامسة): اختُلف: هل كفّر النبيّ وَلّ عن يمينه المذكور؟ كما
اختلف: هل كفّر في قصّة حلفه على شرب العسل، أو على غشيانه مارية ضَّا؟
فُرُوي عن الحسن البصريّ كَُّ أنه قال: لم يُكفّر أصلاً؛ لأنه مغفور له، وإنما
نزلت كفّارة اليمين تعليماً للأمة. وتُعُقّب بما أخرجه الترمذيّ من حديث
عمر رُه في قصّة حلفه على العسل، أو مارية، فعاتبه الله، وجعل له كفّارة
يمين. وهذا ظاهر في أنه كفّر، وإن كان ليس نصّاً في ردّ ما ادّعاه الحسن،
وظاهر قوله أيضاً في حديث الباب: ((وكفّرت عن يميني)) أنه لا يترك ذلك،
ودعوى أن ذلك كلّه للتشريع بعيد. قاله في ((الفتح)»(١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدّاً.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٥٦] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الأَشْعَرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ
الْهَمْدَانِيُّ - وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ - قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ،
عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: أَرْسَلَنِي أَصْحَابِي إِلَى رَسُولِ اللهِوَهِ أَسْأَلُهُ لَهُمُ الْحُمْلَانَ،
إِذْ هُمْ مَعَهُ فِي جَيْشِ الْعُسْرَةِ - وَهِيَ غَزْوَةُ تَبُوَكَ - فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّ أَصْحَابِي
أَرْسَلُونِي إِلَيْكَ لِتَحْمِلَهُمْ، فَقَالَ: ((وَاللهِ لَا أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَيْءٍ))، وَوَافَقْتُهُ وَهُوَ
غَضْبَانُ، وَلَا أَشْعُرُ، فَرَجَعْتُ حَزِيناً مِنْ مَنْعِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، وَمِنْ مَخَافَةٍ أَنْ يَكُونَ
رَسُولُ اللهِ وَلَ﴿ قَدْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ عَلَيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى أَصْحَابِي، فَأَخْبَرْتُهُمُ الَّذِي
قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ، فَلَمْ أَلْبَتْ(٢) إِلَّا سُوَيْعَةً، إِذْ سَمِعْتُ بِلَالاً يُنَادِي: أَيْ
(١) راجع: ((الفتح)) ٤١٠/١٥.
(٢) وفي بعض النسخ: ((فلم يلبث)).

٦٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ، فَأَجَبْتُهُ، فَقَالَ: أَجِبْ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَدْعُوَكَ، فَلَمَّا أَتَيْتُ
رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ: ((خُذْ هَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ، وَهَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ، وَهَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ - لِسِتَّةِ
أَبْعِرَةٍ ابْتَاعَهُنَّ حِينَئِذٍ مِنْ سَعْدٍ - فَانْطَلِقْ بِهِنَّ إِلَى أَصْحَابِكَ، فَقُلْ: إِنَّ اللهَ - أَوْ
قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ - يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ، فَارْكَبُوهُنَّ))، قَالَ أَبُو مُوسَى:
فَانْطَلَقْتُ إِلَى أَصْحَابِي بِهِنَّ، فَقُلْتُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ،
وَلَكِنْ وَاللهِ لَا أَدَعُكُمْ حَتَّى يَنْطَلِقَ مَعِي بَعْضُكُمْ إِلَى مَنْ سَمِعَ مَقَالَةَ رَسُولِ اللهِ وَهـ
حِينَ سَأَلْتُهُ لَكُمْ، وَمَنْعَهُ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ، ثُمَّ إِعْطَاءَهُ إِيَّاتَ بَعْدَ ذَلِكَ، لَا تَظُنُّوا أَنِّي
حَدَّثْتُكُمْ شَيْئاً لَمْ يَقُلْهُ، فَقَالُوا لِي (١): وَاللهِ إِنَّكَ عِنْدَنَا لَمُصَدَّقٌ، وَلَنَفْعَلَنَّ مَا
أَحْبَيْتَ، فَانْطَلَقَ أَبُو مُوسَى بِنَفَرِ مِنْهُمْ، حَتَّى أَتَوُا الَّذِينَ سَمِعُوا قَوْلَ رَسُولِ اللهِوَِّ،
وَمَنْعَهُ إِيَّاهُمْ، ثُمَّ إِعْطَاءَهُمْ بَعْدُ، فَحَدَّثُوهُمْ بِمَا حَدَّثَهُمْ بِهِ أَبُو مُوسَى سَوَاءً).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادِ الأَشْعَرِيُّ) هو: عبد الله بن بَرّاد بن يوسف بن أبي
بُرْدة بن أبي موسى الأشعريّ، أبو عامر الكوفيّ، صدوقٌ [١٠] (خت م ٤)
تقدم في ((الإيمان)» ٦/ ٥١.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ) أبو كريب، تقدّم قبل باب.
٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة، تقدّم أيضاً قبل باب.
٤ - (بُرَيْدُ) بن عبد الله بن أبي بُرْدة بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، ثقةٌ
[٦] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦/ ١٧١.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه مسلسلٌ بالكوفيين، من أوله إلى آخره، ولا ينافي هذا ما تقدّم من
جعلنا السند الماضي مسلسلاً بالبصريين؛ لأن أبا موسى ه سكن الكوفة
والبصرة، وكذا وَلَده، وأنه مسلسل أيضاً بأسرة واحدة غير أبي أسامة،
(١) وفي نسخة: ((فقالوا: لا والله)).

٦٢٥
(٣) - بَابُ نَدْبٍ مَنْ حَلَفَ يَمِيناً، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٢٥٦)
فعبد الله بن برّاد من نسل أبي موسى ظه، كما أسلفته في نسبه، وبريد حفيد
ـه .
أبي بردة، وهو ولد أبي موسی
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ ◌َظُهُ أنه (قَالَ: أَرْسَلَنِي أَصْحَابِي إِلَى
رَسُولِ اللهِ وَلِّ أَسْأَلُّهُ لَهُمُ الْحُمْلَانَ) بضمّ الحاء المهملة؛ أي: الشيء الذي
يركبون عليه، ويحملهم، قاله في ((الفتح)).
وقال في ((القاموس))، و((شرحه)): ((الْحُمْلانُ بالضمّ: ما يُحْمَل عليه، من
الدوابّ في الهبَة خاصّةً، كذا في ((المحكم))، و((الْعُباب))، قال الليث: ويكون
الْحُمْلان أجراً لما يُحمَل، زاد الصغانيّ: وحُمْلانُ الدراهم في اصطلاح
الصاغة: ما يُحْمَلُ على الدراهم من الْغِشِّ؛ تسمية بالمصدر، وهو مجاز)).
انتھی(١).
وقال ابن الأثير تَُّهُ: الْحُمْلان: مصدر حَمَلَ يَحْمِلِ حُمْلاناً، وذلك
لأنهم أرسلوه يطلب منه شيئاً يركبون عليه. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: ما تقدّم من ((القاموس))، و((شرحه)) أولى وأقرب
من تفسير ابن الأثير، فتأملٌ.
(إِذْ هُمْ) ((إذ)) ظرف متعلّق بمقدَّر؛ أي: يركبونه وقت كونهم (مَعَهُ) ◌َّـ
(فِي جَيْشِ الْعُسْرَةِ) - بمهملتين الأولى مضمومة، وبعدها سكون - مأخوذ من
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أَثَّبَعُوهُ فِ سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ الآية [التوبة: ١١٧]، وهي غزوة
تبوك كما بيّنه بقوله: (وَهِيَ غَزْوَةُ تَبُوَكَ) وفي حديث ابن عباس: ((قيل لعمر:
حدّثنا عن شأن ساعة العسرة، قال: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فأصابنا
عطش ... )) الحديث، أخرجه ابن خزيمة، وفي تفسير عبد الرزاق: عن معمر،
عن ابن عقيل قال: ((خرجوا في قلّة من الظّهر، وفي حرّ شديد، حتى كانوا
ينحرون البعير، فيشربون ما في كَرْشه من الماء، فكان ذلك عُسْرة من الماء،
(١) ((تاج العروس من جواهر القاموس)) ٢٨٨/٧.
(٢) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٤٤٣/١.

٦٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
وفي الظّهر، وفي النفقة، فسميت غزوة العسرة، وتبوك المشهور فيها عدم
الصرف؛ للتأنيث والعلمية، ومن صرفها أراد الموضع، ووقعت تسميتها بذلك
في الأحاديث الصحيحة، منها حديث مسلم: (إنكم ستأتون غداً عين تبوك))،
وكذا أخرجه أحمد، والبزار، من حديث حذيفة، وقيل: سميت بذلك لقوله وله
للرجلين اللذين سبقاه إلى العين: ((ما زلتما تبوكانها منذ اليوم))، قال ابن قتيبة:
فبذلك سميت عين تبوك، والَبَوْك كالْحَفْر. انتهى.
والحديث المذكور عند مالك، ومسلم بغير هذا اللفظ، أخرجاه من
حديث معاذ بن جبل: ((إنهم خرجوا في عام تبوك مع النبيّ وَّر، فقال: ((إنكم
ستأتون غداً إن شاء الله تعالى عين تبوك، فمن جاءها فلا يمس من مائها
شيئاً))، فجئناها وقد سبق إليها رجلان، والعين مثل الشراك تَبِضّ بشيء من
ماء ... )) فذكر الحديث في غسل رسول الله وَطير وجهه ويديه بشيء من مائها،
ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء كثير، فاستقى الناس.
وبينها وبين المدينة من جهة الشام أربع عشرة مرحلة، وبينها وبين دمشق
إحدى عشرة مرحلة.
وكان السبب فيها ما ذكره ابن سعد، وشيخه، وغيره، قالوا: بلغ
المسلمين من الأنباط الذين يَقْدَمون بالزيت من الشام إلى المدينة أن الروم
جَمَعَت جموعاً، وأجلبت معهم لَخْم وجُذَام، وغيرهم من مُتَنَصِّرة العرب،
وجاءت مقدمتهم إلى الْبَلْقاء، فَتَدَب النبيّ وَّر الناس إلى الخروج، وأعلمهم
بجهة غزوهم، كما سيأتي في الكلام على حديث كعب بن مالك
ورَوَى الطبرانيّ من حديث عمران بن حصين ظّ قال: كانت نصارى
العرب كتبت إلى هِرَفْل أن هذا الرجل الذي خرج يَدَّعي النبوة هلك، وأصابتهم
سنون، فهَلَكت أموالهم، فبعث رجلاً من عظمائهم، يقال له قباذ، وجَهَّز معه
أربعين ألفاً، فبلغ النبيّ بَّر ذلك، ولم يكن للناس قوة، وكان عثمان قد جَهَّز
عِيراً إلى الشام، فقال: يا رسول الله هذه مائتا بعير بأقتابها وأحلاسها، ومائتا
أوقية، قال: فسمعته يقول: ((لا يَضُرّ عثمان ما عَمِلَ بعدها))، وأخرجه
الترمذيّ، والحاكم، من حديث عبد الرحمن بن حبان نحوه.
وذكر أبو سعيد في ((شرف المصطفى))، والبيهقيّ في ((الدلائل))، من طريق

٦٢٧
(٣) - بَابُ نَذْبٍ مَنْ خَلَفَ يَمِيناً، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٢٥٦)
شهر بن حَوْشب، عن عبد الرحمن بن غَنْم: أن اليهود قالوا: يا أبا القاسم إن
كنت صادقاً فالْحَقْ بالشام، فإنها أرض المحشر، وأرض الأنبياء، فغزا تبوك لا
يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله تعالى الآيات من سورة بني إسرائيل:
﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوَ مِنْهَا﴾ الآية [الإسراء: ٧٦]. انتهى،
وإسناده حسنٌ، مع کونه مرسلاً.
(فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّ أَصْحَابِي أَرْسَلُونِي إِلَيْكَ لِتَحْمِلَهُمْ)؛ أي: لتعطيهم
ما يَحملون عليه أنفسهم، وأثقالهم (فَقَالَ) وَ لِ ((وَاللهِ لَا أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَيٍْ))
وفي رواية للبخاريّ: ((لا أجد ما أحملكم عليه))، وفي رواية موسى بن عقبة،
عن ابن شهاب: ((وجاء نفر كلهم معسر يستحملونه، لا يحبون التخلف عنه،
فقال: لا أجد، قال: ومن هؤلاء نفر من الأنصار، ومن بني مزينة))، وفي
مغازي ابن إسحاق: أن البكائين سبعة نفر: سالم بن عمير، وأبو ليلى بن
كعب، وعمرو بن الحمام، وعبد الله بن مُغَفَّل، وقيل: ابن غنمة، وعلية بن
زيد، وهرمي بن عبد الله، وعِرْباض بن سارية، وسلمة بن صخر، قال: فبلغني
أن أبا ياسر اليهوديّ، وقيل: ابن يامين جَهَّز أبا ليلى، وابن مغفل، وقيل: كان
في البكائين بنو مُقَرِّن السبعة: مَعْقِلٌ، وإخوته، قاله في (الفتح))(١).
(وَوَافَقْتُهُ وَهُوَ غَضْبَانٌ) قال القرطبيّ تَُّ: حلفه في تلك الحال يدلّ
لمالك على صحّة قوله بلزوم حكم اليمين الواقعة في حال الغضب، وهو له
حجة على الشافعيّ حيث قال: إنها لا تلزم، ويدلّ أيضاً على قول مالك حديث
عديّ بن حاتم الآتي. انتهى (٢).
(وَلَا أَشْعُرُ) بضمّ العين، من باب قَعَد؛ أي: لا أعلم بغضبه نَّهِ (فَرَجَعْتُ
حَزِيناً مِنْ مَنْعِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، وَمِنْ مَخَافَةٍ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ قَدْ وَجَدَ) بفتح
الواو والجيم، من باب وَعَدَ، يقال: وَجَدَ عليه مَوْجِدةً: إذا غضب (فِي نَفْسِهِ
عَلَيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى أَصْحَابِي، فَأَخْبَرْتُهُمُ الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللهِهِ، فَلَمْ أَلْبَثْ)
بصيغة المتكلّم، وفي نسخة: ((فلم يلبث)) بصيغة الغائب؛ أي: لم يتأخّر (إِلَّا
سُوَيْعَةً) تصغير ساعة للتقليل؛ أي: إلا زمناً قليلاً (إِذْ سَمِعْتُ بِلَالاً) هو
(١) ((الفتح)) ١١٢/٨.
(٢) ((المفهم)) ٦٣٠/٤ - ٦٣١.

٦٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
الصحابيّ الشهير، مؤذّن رسول الله وَ ◌ّ المتوفّى سنة (١٧) أو (١٨) وقيل غير
ذلك. (يُنَادِي: أَيْ عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ) ((أي)) حرف نداء قيل: للأوسط، وقيل:
للبعيد، وإلى هذا أشرت في ((التحفة المرضيّة)) حيث قلت:
ذِي الْبُعْدِ وَالتَّفْسِيرَ أَيْضاً قَدْ رَأَوْ
((أَيْ)) لِنَدَا الأَوْسَطِ أَوْ ذِي قُرْبٍ أَوْ
(فَأَجَبْتُهُ، فَقَالَ: أَجِبْ رَسُولَ اللهِ وَ﴿) وقوله: (يَدْعُوَكَ) جملة حاليّة من
(رسول الله (وَّ) (فَلَمَّا أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ لِّ قَالَ: ((خُذْ هَذَبْنِ الْقَرِينَيْنِ)؛ أي:
الجملين المشدود أحدهما إلى الآخر، وقيل: النظيرين المتساويين (وَهَذَيْنِ
الْقَرِينَيْنِ، وَهَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ)، وقوله: (لِتَّةِ أَبْعِرَةٍ) بيان لما تكرّر من قوله: ((هذين
القرینین)).
وقال في ((الفتح)): وفي رواية أبي ذرّ، عن المستملي: ((هاتين القرينتين))؛
أي: الناقتين، وتقدّم أنه وَلهو أمر لهم بخمسٍ ذَوْد، وقال هنا: ((لستة أبعرة))،
فإما تعددت القصة، أو زادهم على الخمس واحداً، وأما قوله: ((هاتين
القرينتين، وهاتين القرينتين))، فيَحْتَمِل أن يكون اختصاراً من الراوي، أو كانت
الأولى اثنتين، والثانية أربعة؛ لأن القرين يصدق على الواحد، وعلى الأكثر،
وأما الرواية التي فيها: ((هذين القرينين))، فذَكَّر، ثم أنَّث، فالأُولى على إرادة
البعير، والثانية على إرادة الاختصاص، لا على الوصفية. انتهى(١).
(ابْتَاعَهُنَّ حِينَئِذٍ مِنْ سَعْدٍ) تقدّم أن سعداً هذا لم يُعْرَف (فَانْطَلِقْ بِهِنَّ إِلَى
أَصْحَابِكَ، فَقُلْ: إِنَّ اللهَ - أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَلهـ ــ
يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ، فَارْكَبُوهُنَّ)) في الحديث استحباب حنث الحالف في
يمينه، إذا رأى غيرها خيراً منها، كما سبق البحث فيه مستوفّى، وانعقاد اليمين
في الغضب.
(قَالَ أَبُو مُوسَى) رَبِهِ (فَانْطَلَقْتُ إِلَى أَصْحَابِي بِهِنَّ)؛ أي: بتلك القرينات
(فَقُلْتُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ، وَلَكِنْ وَاللهِ لَا أَدَعُكُمْ)؛ أي:
أترككم (حَتَّى يَنْطَلِقَ مَعي بَعْضُكُمْ إِلَى مَنْ سَمِعَ مَقَالَةَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ حِينَ سَأَلْتُهُ
لَكُمْ، وَمَنْعَهُ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ، ثُمَّ إِعْطَاءَهُ إِيَّتَ بَعْدَ ذَلِكَ، لَا تَظُنُّوا)؛ أي: إنما طلبت
(١) ((الفتح)) ٩/ ٥٥٧ - ٥٥٨.

٦٢٩
(٣) - بَابُ نَدْبٍ مَنْ حَلَفَ يَمِيناً، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٢٥٧)
منكم هذا؛ لئلا تظنّوا (أَنِي حَدَّثْتُكُمْ شَيْئاً لَمْ يَقُلْهُ) وَّهِ (فَقَالُوا لِي: وَاللّهِ) وفي
بعض النسخ: ((فقالوا: لا، والله)) (إِنَّكَ عِنْدَنَا لَمُصَدَّقٌ، وَلَنَفْعَلَنَّ مَا أَحْبَيْتَ)؛
أي: لكن مع كونك مصدّقاً عندنا لنذهبنّ معك، حتى نسمع ما طلبت سماعه
(فَانْطَلَقَ أَبُو مُوسَى بِنَفَرِ مِنْهُمْ، حَتَّى أَتَوُا الَّذِينَ سَمِعُوا قَوْلَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، وَمَنْعَهُ
إِيَّاهُمْ، ثُمَّ إِعْطَاءَهُمْ بَعْدُ، فَحَدَّثُوهُمْ بِمَا حَدَّثَهُمْ بِهِ أَبُو مُوسَى سَوَاءً)؛ أي: من
غير زيادة، ولا نقص.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، وبيان مسائله في
الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة، وله الفضل والنعمة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٥٧] ( ... ) - (حَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِي: ابْنَ
زَيْدٍ - عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، وَعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ زَهْدَمِ الْجَرْمِيِّ -
قَالَ أَيُّوبُ: وَأَنَا لِحَدِيثِ الْقَاسِمِ أَحْفَظُ مِنِّي لَحَدِيثٍ أَبِيِّ قِلَابَةَ - قَالَّ: كُنَّا عِنْدَ
أَبِي مُوسَى، فَدَعَا بِمَائِدَتِهِ، وَعَلَّيْهَا لَحْمُ دَجَاجٍ، فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللهِ،
أَحْمَرُ، شَبِيهُ بِالْمَوَالِي، فَقَالَ لَهُ: هَلُمَّ، فَتَلَكَّأَ، فَقَالَ: هَلُمَّ، فَإِنِّي قَدْ رَأَبْتُ
رَسُولَ اللهِ وَيِّ يَأْكُلُ مِنْهُ، فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئاً، فَقَذِرْتُهُ، فَحَلَفْتُ أَنْ
لَا أَطْعَمَهُ، فَقَالَ: هَلُمَّ، أُحَدَّثْكَ عَنْ ذَلِكَ، إِنِّي أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَه فِي رَهٍْ مِنَ
الأَشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ، فَقَالَ: (وَاللهِ لَا أَحْمِلُكُمْ، وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ»،
فَلَبِثْنَا مَا شَاءَ اللهُ، فَأَتِيَ رَسُولُ الهِ لَهَ بِنَهْبٍ إِبِلِ، فَدَعَا بِنَا، فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسٍ ذَوْدٍ،
◌ُرِّ الذُّرَى، قَالَ: فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضِ: أَغْفَلْنَا رَسُولَ اللهِ وَهِ يَمِينَهُ، لَا
يُبَارَكُ لَنَا، فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا أَتَيْنَاكَ نَسْتَحْمِلُكَ، وَإِنَّكَ حَلَقْتَ
أَنْ لَا تَحْمِلَنَا، ثُمَّ حَمَلْتَنَا، أَفَتَسِيتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((إِنِّي وَاللهِ - إِنْ شَاءَ اللهُ -
لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، إِلَّ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَتَحَلَّلْتُهَا،
فَانْطَلِقُوا، فَإِنَّمَا حَمَلَّكُمُ اللهُ رَّتٍ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ) سليمان بن داود الزهرانيّ، تقدّم قريباً.

٦٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (أَيُّوبُ) السَّختيانيّ، تقدّم قبل باب.
٤ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد بن عمرو، تقدّم قريباً.
٥ - (الْقَاسِمُ بْنُ عَاصِم) التميميّ، ويقال: الْكُلَيْنِيّ - بنون بعد التحتانيّة -
ويقال: الليثيّ البصريّ، ثقةٌ(١) [٤].
رَوَى عن رافع بن خَدِيجٍ، وَزَهْدَم بن مُضَرِّب الْجَرْميّ، وسعيد بن
المسيِّب، وعطاء الخراسانيّ.
وروى عنه أيوب السختيانيّ، وحميد الطويل، وخالد الحذاء، ذكره ابن
حبان في ((الثقات)).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في ((المراسيل))، والترمذيّ في
((الشمائل))، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٦ - (زَهْدَمُ الْجَرْمِيُّ) هو: زَهْدَم - بوزن جعفر - ابن مُضَرِّب الأزديّ
الْجَرْميّ، أبو مسلم البصريّ، ثقةٌ [٣].
روى عن أبي موسى، وعمران بن حصین، وابن عباس .
وروى عنه أبو قلابة، وأبو جمرة الضُّبَعيّ، والقاسم بن عاصم التميميّ،
وأبو السَّلِيل ضُرَيب بن نُقَير، وقتادة، ومَطَر الورّاق، وغيرهم.
قال العجليّ: تابعيّ ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا
الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٦٤٩) وأعاده بعده، وحديث (٢٥٣٥): ((إن
خيركم قرني، ثم الذين يلونهم ... )) الحديث، وكذا له عند الباقين هذان
الحديثان فقط .
و((أبو موسى الأشعريّ ﴿ته)) ذُكر قبله.
(١) قال في ((التقريب)): مقبول، وعندي أنه ثقةٌ؛ لأنه روى عن جماعة، وروى عنه
جماعة، وأخرج له الشيخان، ووثقه ابن حبّان، فليُتنبّه.

٦٣١
(٣) - بَابُ نَذْبٍ مَنْ حَلَفَ يَمِيناً، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٢٥٧)
شرح الحديث:
(عَنْ أَيُّوبَ) بن أبي تميمة السّختيانيّ، وفي رواية أحمد: عن عبد الله بن
الوليد، عن سفيان: حدّثنا أيوب، حدّثني أبو قلابة (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) عبد الله بن
زيد (وَعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَاصِم) هكذا جمع حماد بن زيد بين أبي قلابة،
والقاسم بن عاصم، وكذا هوَّ عند البخاريّ في ((فرض الخمس))، وكذا قال
وهيب: عن أيوب عنهما، كما يأتي عند مسلم، ورواه سفيان الثوريّ، عند
البخاريّ، وابن عيينة عند مسلم، كلاهما عن أيوب، عن أبي قلابة، وهكذا
قال عبد السلام بن حرب عند البخاريّ: عن أيوب، وقال عبد الوارث عنده:
عن أيوب، عن القاسم بدل أبي قلابة، وكذا قال ابن علية، عن أيوب(١).
(عَنْ زَهْدَم) بفتح الزاي، بوزن جعفر، هو ابن مُضَرِّب - بفتح الضاد
المعجمة، وكسر الراء المشدّدة، بعدها موحّدةٍ (الْجَرْمِيّ) بفتح الجيم، وإسكان
الراء: نسبة إلى جَرْم، وهي قبيلة، وهو: جَرْم بن زَيّان بن عمران بن الحاف بن
قُضاعة، قاله في ((اللباب))(٢) .
[تنبيه]: قال في ((الفتح)»: زهدم هذا ليس له في البخاريّ سوی حدیثين:
هذا الحديث، وقد أخرجه في مواضع له، وحديث آخر أخرجه عن عمران بن
حصين في ((المناقب))، وذكره في مواضع أخرى أيضاً. انتهى.
وقال في القاسم بن عاصم التميميّ: ليس له في البخاريّ سوى هذا
الحديث، فقد أورده عنه في مواضع مقروناً ومفرداً مختصراً ومطولاً، مشتملاً
على قصّة الرجل الذي امتنع من أكل الدجاج، وحلف على ذلك، وفتوى أبي
موسى له بأن يُكَفِّر عن يمينه، ويأكل، وقَصّ له الحديث في ذلك، وسببه، وهو
طلبهم من النبيّ وَّر أن يحملهم. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: أما زهدم، فقد أسلفت آنفاً أنه ليس له عند
المصنّف، ولا عند البخاريّ، والترمذيّ، والنسائيّ إلا هذان الحديثان.
(١) راجع: ((الفتح)) ٤٩٤/١٢، كتاب ((الذبائح والصيد)) رقم (٥٥١٧ و٥٥١٨).
(٢) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٢٧٣/١.
(٣) ((الفتح)) ١٢ /٤٩٥.

٦٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
وأما القاسم، فقد أسلفت أنه ليس له عند المصنّف إلا هذا الحديث،
فتنبه .
(قَالَ أَيُّوبُ) السَّخْتيانيّ (وَأَنَا لِحَدِيثِ الْقَاسِمِ أَحْفَظُ مِنِّي لِحَدِيثٍ أَبِي
قِلَابَةَ)؛ يعني: أن حفظه حديث القاسم أتمّ من حفظَه لحديث أبي قلابة (قَالَ)
زَهْدم (كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ ◌َظُهُ (فَدَعَا بِمَائِدَتِهِ، وَعَلَيْهَا لَحْمُ دَجَاجٍ)
هو اسم جنس، مُثَلِّث الدال، ذكره المنذريّ في ((الحاشية))، وابن مالك
وغيرهما، ولم يحك النوويّ الضم، والواحدة دجاجة مثلثةً أيضاً، وقيل: إن
الضم فيه ضعيف، قال الجوهريّ: دخلتها الهاء للوحدة، مثل الحمامة، وأفاد
إبراهيم الحربيّ في ((غريب الحديث)) أن الدِّجَاج بالكسر: اسم للذكران دون
الإناث، والواحد منها دِيكٌ، وبالفتح الإناث، دون الذكران، والواحدة دَجَاجة
بالفتح أيضاً، قال: وسُمّي به لإسراعه في الإقبال والإدبار، من دَجٌ يَدِجُ: إذا
أسرع.
ودجاجة اسم امرأة، وهي بالفتح فقط، ويسمى بها الْكُبّة من الْغَزْل، قاله
في ((الفتح)»(١).
(فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللهِ) هو اسم قبيلة يقال لهم أيضاً: تيم اللات،
وهم من قُضاعة (أَحْمَرُ، شَبِيهُ بِالْمَوَالِي)؛ أي: بالعجم، قال الداوديّ: يعني:
أنه من سبي الروم، قال الحافظ: كذا قال، فإن كان اطّلَع على نقل في ذلك،
وإلا فلا اختصاص لذلك بالروم دون الْفُرْس، أو النَّبط، أو الديلم. انتهى (٢).
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): هذا الرجل هو زَهْدَم الراوي، أبهم نفسه، فقد
أخرج الترمذيّ من طريق قتادة، عن زهدم، قال: ((دخلت على أبي موسى،
وهو يأكل دجاجاً، فقال: ادْنُ، فَكُلْ، فإني رأيت رسول الله (وَ ﴿ يأكله))
مختصراً، وقد أشكل هذا؛ لكونه وُصِف الرجل في رواية الباب بأنه من بني
تيم الله، وزهدم من بني جَرْم، فقال بعض الناس: الظاهر أنهما امتنعا معاً:
زهدم، والرجل التيميّ، وحَمَلَهُ على دعوى التعدد استبعاد أن يكون الشخص
(١) ((الفتح)) ٤٩٣/١٢ - ٤٩٤، رقم (٥٥١٧ و٥٥١٨).
(٢) ((الفتح)) ٤٠٦/١٥ رقم (٦٧٢١ و٦٧٢٢).

٦٣٣
(٣) - بَابُ نَذْبٍ مَنْ حَلَفَ بَمِيناً، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٢٥٧)
الواحد ينسب إلى تيم الله، وإلى جرم، ولا بُعْد في ذلك، بل قد أخرج أحمد
الحديث المذكور عن عبد الله بن الوليد، هو العدنيّ، عن سفيان، هو الثوريّ،
فقال في روايته: ((عن رجل من بني تيم الله، يقال له: زهدم، قال: كنا عند
أبي موسى، فأَتِيّ بلحم دجاج))، فعلى هذا فلعل زهدماً كان تارةً يُنسب إلى بني
جَرْم، وتارةً إلى بني تيم الله، وجرم قبيلة في قضاعة، يُنسبون إلى جَرْم بن زَبّان
- بزاي، ومُؤَخَّدة ثقيلة - ابن عمران بن الحاف بن قُضاعة، وتيم الله بطن من
بني كلب، وهم قبيلة في قُضاعة أيضاً، ينسبون إلى تيم الله بن رُفَيدة - براء،
وفاء، مصغراً - ابن ثور بن كلب بن وَبَرَة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن
الحاف بن قُضاعة، فحلوان عمّ جَرْم.
قال الرشاطيّ في ((الأنساب)): وكثيراً ما يَنسُبُون الرجل إلى أعمامه.
قال الحافظ: وربما أبهم الرجل نفسه، كما تقدم في عدة مواضع، فلا
بُعْد في أن يكون زهدم صاحبَ القصّة، والأصل عدم التعدد.
وقد أخرج البيهقيّ من طريق الفِرْيابيّ، عن الثوريّ بسنده المذكور في هذا
الباب إلى زَهْدَم: قال: ((رأيت أبا موسى يأكل الدجاج، فدعاني، فقلت: إني
رأيته يأكل نتناً، قال: اذْنُهُ، فَكُلْ))، فذكر الحديث المرفوع.
ومن طريق الصَّعْقِ بن حَزْن، عن مطر الورّاق، عن زَهْدَم، قال: ((دخلت
على أبي موسى، وهو يأكل لحم دجاج، فقال: ادن، فكُلْ، فقلت: إني حلفت
لا آكله)) الحديث، وقد أخرجه مسلم عن شيبان بن فَرُّوخ عن الصعق، لكن لم
يسق لفظه، وكذا أخرجه أبو عوانة في ((صحيحه) من وجه آخر، عن زهدم
نحوه، وقال فيه: ((فقال لي: ادن، فكل، فقلت: إني لا أريده)) الحديث.
فهذه عِدَّة طُرُق صَرَّح زهدم فيها بأنه صاحب القصّة، فهو المعتمد.
ولا يَعْكُر عليه إلا ما وقع في (الصحيحين)) مما ظاهره المغايرة بين
زهدم، والممتنع من أكل الدجاج، ففي رواية: ((عن زهدم: كنا عند أبي
موسى، فدخل رجل من بني تيم الله أحمر، شبيه بالموالي، فقال: هَلُمّ فتلكأ)»
الحديث، فإن ظاهره أن الداخل دخل، وزهدم جالس عند أبي موسى، لكن
يجوز أن يكون مراد زهدم بقوله: ((كنا)) قومه الذين دخلوا قبله على أبي موسى،
وهذا مجاز قد استَعْمَل غيره مثله، كقول ثابت البنانيّ: خطبنا عمران بن

٦٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
حصين؛ أي: خطب أهل البصرة، ولم يدرك ثابت خطبة عمران المذكورة،
فَيَحْتَمِل أن يكون زهدم دخل، فجرى له ما ذُكر، وغاية ما فيه أنه أبهم نفسه،
ولا عجب فيه، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ تَّتُهُ، وهو بحث لا بأس فيه،
وإن كان فيه نوع تكلّف، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ) أبو موسى ◌َّه (لَّهُ)؛ أي: لهذا الرجل الداخل عليه (هَلُمَّ)؛ أي:
احضر، قال الفيّوميّ تَّتُهُ: هَلُمَّ كلمة بمعنى الدعاء إلى الشيء، كما يقال:
تَعَال، قال الخليل: أصله: لُمَّ، من الضم والجمع، ومنه: لَمَّ الله شَعْتَهُ، وكأن
المنادِي أراد: لُمَّ نفسَك إلينا، و((هَا)) للتّنبيه، وحُذِفت الألف تخفيفاً؛ لكثرة
الاستعمال، وجُعلا اسماً واحداً، وقيل: أصلها: هَلْ أُمَّ؛ أي: قُصِد، فنُقِلت
حركة الهمزة إلى اللام، وسقطت، ثم جُعلا كلمة واحدة للدعاء، وأهل الحجاز
ينادون بها بلفظ واحد للمذكر، والمؤنث، والمفرد، والجمع، وعليه قوله
تعالى: ﴿وَالْقَيِنَ لِإِخْوَنِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨]، وفي لغة نجد تَلحقها
الضمائرُ، وتُطَابَقُ، فيقال: هَلُمِّي، وهَلُمَّا، وهَلُمُّوا، وهَلْمُمْنَ؛ لأنهم يجعلونها
فعلاً، فيلحقونها الضمائر، كما يلحقونها قُمْ، وقوما، وقوموا، وقمن، وقال
أبو زيد: استعمالها بلفظ واحد للجميع من لغة عُقيل، وعليه قيسٌ بعدُ، وإلحاق
الضمائر من لغة بني تميم، وعليه أكثر العرب، وتستعمل لازمة، نحو: ﴿هَلْمَّ
إِلَيْنًا﴾ [الأحزاب: ١٨]؛ أي: أقبل، ومتعدية، نحو ﴿هَلُّ شُهَدَاءَكُمُ﴾
[الأنعام: ١٥٠]؛ أي: أحضروهم. انتهى(١).
(فَتَلَكَّأَ)؛ أي: أبطأ، وتأخّر عن الحضور، قال في ((القاموس)): وتلكّأَ
(هَلُمَّ، فَإِنِّي) الفاء
عليه: اعتَلَّ، وعنه: أبطأ. انتهى(٢). (فَقَالَ) أبو موسى
للتعليل؛ أي: إنما أمرتك بذلك لأني (قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَأْكُلُ مِنْهُ)؛ أي:
من لحم الدجاج، وفيه إباحة لحم الدجاج، وملاذّ الأطعمة، قاله النوويّ دَّتُهُ،
وقال في ((الفتح)): ويستفاد من الحديث جواز أكل الطيبات على الموائد،
واستخدام الكبير من يباشر له نقل طعامه، ووضعه بين يديه، قال القرطبيّ: ولا
يناقض ذلك الزهد، ولا ينقصه؛ خلافاً لبعض المتقشِّفة.
(١) ((المصباح المنير)) ٦٣٩/٢ - ٦٤٠.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص١١٨٥.

٦٣٥
(٣) - بَابُ نَدْبٍ مَنْ حَلَفَ يَمِيناً، فَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٢٥٧)
وتعقّبه الحافظ، فقال: والجواز ظاهر، وأما كونه لا ينقص الزهد، ففيه
وقفةٌ. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أنه لا وقفة في ذلك؛ فإن أفضل
الزاهدين، وهو النبيّ وَل﴿ كان يفعله، فإنه قد أكل الطيّبات، من لحم الدجاج
وغيره، وكان يُخدَم، ويُنقَل الطعام إليه، فهل نقص زهده بذلك؟، فتبصّر، والله
تعالى أعلم.
(فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئاً، فَقَذِرْتُهُ) بكسر الذال المعجمة؛ أي:
كرِهته، والْقَذَرُ بفتحتين: الوَسَخ، وهو مصدر قَذِر الشيءُ، فهو قَذِرٌ، من باب
تَعِبَ: إذا لم يكن نظيفاً، وقَذِرته، من باب تَعِبَ أيَضاً، واستقذرته، وتقذّرته:
كَرِهته لوسَخه، وأقذرته بالألف: وجدتُّهُ كذلك، قاله الفيّوميّ(٢).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((إني رأيته يأكل شيئاً، فقذِرته)) بكسر الذال
المعجمة، وفي رواية أبي عوانة: ((إني رأيتها تأكل قَذِراً))، وكأنه ظن أنها
أكثرت من ذلك، بحيث صارت جلّالةً، فَبَيَّن له أبو موسى أنها ليست كذلك،
أو أنه لا يلزم من كون تلك الدجاجة التي رآها كذلك، أن يكون كل الدجاج
كذلك. انتهى(٣).
(فَحَلَفْتُ أَنْ لَا أَطْعَمَهُ، فَقَالَ) أبو موسى (هَلُمَّ، أُحَدِّثْكَ عَنْ ذَلِكَ) بجزم
((أُحَدّث)) على أنه جواب الأمر (إِنِّي أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِوَّهِ فِي رَهْطٍ مِنَ
الأَشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ)؛ أي: نطلب منه الْحُملان (فَقَالَ: ((وَاللهِ لَا أَحْمِلُكُمْ، وَمَا
عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ))، فَلَبِثْنَا مَا شَاءَ اللهُ، فَأَتِيَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ بِنَهْبِ إِبِلِ) قال
أهل اللغة: النَّهْبُ: الغنيمة، وهو بفتح النون، وجمعه نِهابٌ، بكسرها، وَنُهُوبٌ
بضمّها، وهو مصدر، بمعنى المنهوب، كالخلق بمعنى المخلوق، قاله
النوويّ تَخْذُ(٤).
وقال الفيّومِيّ ◌َّتُ: نَهَبْتُهُ نَهْباً، من باب نَفَعَ، وانْتَهَبْتُهُ انْتِهَاباً، فهو
(١) ((الفتح)) ٤٠٦/١٥.
(٢) ((المصباح المنير)) ٤٩٤/٢.
(٣) ((الفتح)) ٤٩٧/١٢، كتاب ((الذبائح والصيد)) رقم (٥٥١٧).
(٤) ((شرح النوويّ)) ١١٢/١١.

٦٣٦
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
مَنْهُوبٌ، والنُّهْبَةُ مثالُ غرفة، والنُّهْبَى بزيادة ألف التأنيث: اسم للمنهوب،
ويتعدى بالهمزة إلى ثان، فيقال: أَنْهَبْتُ زيداً المالَ، ويقال أيضاً: أَنْهَبْتُ المال
إِنْهَاباً: إذا جعلته نَهْباً يُغَار عليه، وهذا زمان النَّهْبِ؛ أي: الانتهاب، وهو
الغلبة على المال والقهر. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: إضافة نَهَب إلى إبل من إضافة الصفة إلى
الموصوف؛ أي: فأتي بإبل منهوبة، والله تعالى أعلم.
وقال في ((الفتح)): قوله: ((فأُتي رسولُ الله وَّر بنهب إبل)) بفتح النون،
وسكون الهاء، بعدها مُؤَخَّدة؛ أي: غنيمة، وأصله ما يؤخذ اختطافاً بحسب
السبق إليه على غير تسوية بين الآخذين، وفي رواية غيلان بن جرير، عن أبي
بردة، عن موسى بلفظ: ((فأُتي بإبل))، وفي روايةٍ: ((شائل))، وتقدم الكلام
عليها، وفي رواية بُريد، عن أبي بردة: أنه وََّ ابتاع الإبل التي حَمَل عليها
الأشعريين من سعد، وفي الجمع بينها وبين هذا الحديث عُسْرٌ، لكن يَحْتَمِل أن
تكون الغنيمة لَمّا حَصَلت حَصَل لسعد منها القدر المذكور، فابتاع النبيّ وَّرِ منه
نصیبه، فحملهم علیه. انتهى(١).
(فَدَعَا بِنَا)؛ أي: بأبي موسى، وأصحابه الأشعريين (فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسٍ ذَوْدٍ)
كذا وقع بإضافة ((خمس)) إلى ((ذَوْد))، واستنكره أبو البقاء في ((غريبه))، قال:
والصواب تنوين ((خمس))، وأن يكون ((ذود)) بدلاً من ((خمس))، فإنه لو كان بغير
تنوين لتغيّر المعنى؛ لأن العدد المضاف غير المضاف إليه، فيلزم أن يكون
خمس ذود خمسة عشر بعيراً؛ لأن الإبل الذود ثلاثة. انتهى.
وتعقّبه الحافظ، فقال: وما أدري كيف يحكم بفساد المعنى إذا كان العدد
كذا؟، وكون عدد الإبل خمسة عشر بعيراً، فما الذي يضرّ؟ وقد ثبت في بعض
طرقه: (خُذْ هذين القرينين، والقرينين)) إلى أن عَدّ ست مرات، والذي قاله إنما
يتم أن لو جاءت رواية صريحة أنه لم يعطهم سوى خمسة أبعرة، وعلى تقدير
ذلك فأطلق لفظ ذود على الواحد مجازاً، كإبل، وهذه الرواية الصحيحة لا
(١) ((الفتح)) ٤٠٨، كتاب ((الأيمان والنذور)) رقم (٦٧٢١).

٦٣٧
(٣) - بَابُ نَدْبٍ مَنْ حَلَفَ يَمِيناً، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٢٥٧)
تمنع إمكان التصوير. انتهى(١).
وقوله: (غُرِّ الذُّرَى) الْغُرّ: بضم المعجمة: جمع أَغَرّ، والأغرّ: الأبيض،
والذَّرَى: بضم المعجمة، والقصر: جمع ذُروة، وذروة كل شيء أعلاه،
والمراد هنا أسنمة الإبل، ولعلها كانت بيضاء حقيقةً، أو أراد وصفها بأنها لا
علة فيها، ولا دَبَرَ، ويجوز في ((غُرّ)) النصب والجر.
(قَالَ) أبو موسى (فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: أَغْفَلْنَا رَسُولَ اللهِ وَهـ
يَمِينَهُ) قال النوويّ كَّلُ: ((أغفلنا)) بإسكان اللام؛ أي: جعلناه غافلاً، ومعناه: كنّا
سبب غفلته عن يمينه، ونسيانه إياها، وما ذَكَّرناه إياها؛ أي: أخذنا ما أخذنا،
وهو ذاهلٌ عن يمينه. انتهى(٢). (لَا يُبَارَكُ لَنَا) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: لا
يبارك الله تعالى لنا فيما أعطانا بسسب إغفالنا له (فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ) وَِ (فَقُلْنَا: يَا
رَسُولَ اللهِ، إِنَّا أَتَيْنَكَ نَسْتَحْمِلُكَ، وَإِنَّكَ حَلَفْتَ أَنْ لَا تَحْمِلَنَا، ثُمَّ حَمَلْتَنَا، أَفَنَسِيتَ بَا
رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((إِنِّي وَاللهِ - إِنْ شَاءَ اللهُ - لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ)؛ أي: على شيء
محلوف عليه (فَأَرَى غَيْرَهَا)؛ أي: غير تلك اليمين، وأنّثِ الْضمير؛ لأن اليمين
مؤنّثة، كما تقدّم تحقيقه أول ((كتاب الأيمان)) (خَيْراً مِنْهَا، إِلَّا أَتَيْتُ)؛ أي: فعلت
الأمر (الَّذِي هُوَ خَيْرٌ) وقوله: (وَتَحَلَّلْتُهَا) قال في ((الفتح)): كذا في رواية حماد،
وعبد الوارث، وعبد الوهاب، كلهم عن أيوب، ولم يذكر في رواية عبد السلام:
((وتحللتها))، وكذا لم يذكرها أبو السَّلِيل، عن زهدم، عند مسلم، ووقع في رواية
غَيْلان، عن أبي بردة: ((إلا كَفَّرت عن يميني))، بدل ((وتحللتها))، وهو يُرَجِّح أحد
احتمالين أبداهما ابن دقيق العيد، ثانيهما: إتيان ما يقتضي الحنث، فإن التحلل
يقتضي سبق العقد، والعقد هو ما دلت عليه اليمين، من موافقة مقتضاها، فيكون
التحلل الإتيانَ بخلاف مقتضاها، لكن يلزم على هذا أن يكون فيه تكرارٌ؛ لوجود
قوله: ((أتيت الذي هو خير))، فإن إتيان الذي هو خير تحصل به مخالفة اليمين،
والتحلل منها، لكن يمكن أن تكون فائدته التصريح بالتحلل، وذَكَرَه بلفظ يناسب
الجواز صريحاً؛ ليكون أبلغ مما لو ذَكَره بالاستلزام.
(١) ((الفتح)) ٤٩٧/١٢ رقم (٥٥١٧ و٥٥١٨).
(٢) ((شرح النوويّ)) ١١٢/١١.

٦٣٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
وقد يقال: إن الثاني أقوى؛ لأن التأسيس أولى من التأكيد، وقيل: معنى
((تحللتها)): خرجت من حُرمتها إلى ما يَحِلّ منها، وذلك يكون بالكفّارة، وقد
يكون بالاستثناء بشرطه السابق، لكن لا يتجه في هذه القصّة، إلا إن كان وقع
منه استثناء لم يشعروا به، كأن يكون قال: إن شاء الله مثلاً، أو قال: والله لا
أحملكم إلا إن حصل شيء، ولذلك قال: ((وما عندي ما أحملكم)) (١).
(فَانْطَلِقُوا)؛ أي: اذهبوا إلى رحالكم (فَإِنَّمَا حَمَلَكُمُ اللهُ رَّ))) قال
العلماء: المراد بذلك إزالة المنة عنهم، وإضافة النعمة لمالكها الأصليّ، ولم
يُرِد أنه لا صُنْعَ له أصلاً في حملهم؛ لأنه لو أراد ذلك ما قال بعد ذلك: ((لا
أحلف على يمين، فأرى غيرها خيراً منها، إلا أتيت الذي هو خير، وكفّرت
عن يميني)).
وقال المازريّ: معنى قوله: ((إن الله حملكم)): إن الله أعطاني ما حملتكم
عليه، ولولا ذلك لم يكن عندي ما حملتكم عليه، وقيل: يَحْتَمِل أنه كان نسي
يمينه، والناسي لا يضاف إليه الفعل، ويُرُدّه التصريح في هذه الرواية بقوله:
((والله ما نسيتها))، وقيل: المراد بالنفي عنه، والإثبات الله الإشارة إلى ما
تفضل الله به من الغنيمة المذكورة؛ لأنها لم تكن بتسبب من النبيّ وَّر، ولا
كان متطلِّعاً إليها، ولا منتظراً لها، فكأن المعنى: ما أنا حملتكم؛ لعدم ذلك
أوّلاً، ولكن الله حملكم بما ساقه إلينا من هذه الغنيمة، ذكره في ((الفتح)) (٢).
[تنبيه]: وفي هذا الحديث من الفوائد: جواز دخول المرء على صديقه
في حال أكله، واستدناء صاحب الطعام الداخل، وعرضه الطعام عليه، ولو
كان قليلاً؛ لأن اجتماع الجماعة على الطعام سبب للبركة فيه؛ وفيه جواز أكل
الدجاج إنسيةً، ووحشيةً، وهو بالاتفاق، إلا عن بعض المتعمقين على سبيل
الورع، إلا أن بعضهم استثنى الجلَّالة، وهي ما تأكل الأقذار، وظاهر صنيع
أبي موسى ربه أنه لم يبال بذلك.
والجلالة: عبارة عن الدابة التي تأكل الْجِلَّة - بكسر الجيم، وتشديد اللام
(١) ((الفتح)) ٤١٠/١٥ - ٤١١ رقم (٦٧٢١).
(٢) ((الفتح)) ٤١١/١٥، كتاب ((الأيمان والنذور)) رقم (٦٧٢١ و٦٧٢٢).

٦٣٩
(٣) - بَابُ نَدْبٍ مَنْ حَلَفَ يَمِيناً، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٢٥٧)
- وهي البعر، واذَّعَى ابن حزم اختصاص الجلّالة بذوات الأربع، والمعروف
التعميم.
وقد أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح، عن ابن عمر ټ أنه كان يحبس
الدجاجة الجلّالة ثلاثاً، وقال مالك، والليث: لا بأس بأكل الجلّالة من
الدجاج وغيره، وإنما جاء النهي عنها للتقذّر، وقد ورد النهي عن أكل الجلّالة
من طرُق، أصحها ما أخرجه الترمذيّ، وصححه، وأبو داود، والنسائيّ، من
طريق قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس : ((أن النبيّ وَّ نَهَى عن
الْمُجَثَّمة، وعن لبن الجلّالة، وعن الشرب من في السِّقَاء)).
قال الحافظ: وهو على شرط البخاريّ في رجاله، إلا أن أيوب رواه عن
عكرمة، فقال: عن أبي هريرة، وأخرجه البيهقيّ، والبزار، من وجه آخر عن
أبي هريرة : ((نَهَى رسول الله وَله عن الجلّالة، وعن شرب ألبانها،
وأكلها، ورکوبها)).
ولابن أبي شيبة بسند حسن، عن جابر ظُه: (نَهَى رسول اللهِ وَُّ عن
الجلَّالة أن يؤكل لحمها، أو يُشْرَب لبنها))، ولأبي داود، والنسائيّ من حديث
عبد الله بن عمرو بن العاص ظه: ((نَهَى رسول الله وَّه يوم خيبر عن لحوم
الحمر الأهلية، وعن الجلالة، عن ركوبها، وأكل لحمها))، وسنده حسن.
وقد أطلق الشافعية كراهة أكل الجلالة إذا تغيّر لحمها بأكل النجاسة،
وفي وجه: إذا أكثرت من ذلك، ورجّح أكثرهم أنها كراهة تنزيه، وهو قضية
صنيع أبي موسى، ومن حجتهم أن العلف الطاهر إذا صار في كرشها تنجس،
فلا تتغذى إلا بالنجاسة، ومع ذلك، فلا يُحكم على اللحم واللبن بالنجاسة،
فكذلك هذا .
وتُعُقّب بأن العلف الطاهر إذا تنجس بالمجاورة جاز إطعامه للدابة؛ لأنها
إذا أكلته لا تتغذى بالنجاسة، وإنما تتغذى بالعلف، بخلاف الجلَّالة.
وذهب جماعة من الشافعية، وهو قول الحنابلة إلى أن النهي للتحريم،
وبه جزم ابن دقيق العيد عن الفقهاء، وهو الذي صححه أبو إسحاق المروزيّ،
والقفال، وإمام الحرمين، والبغويّ، والغزاليّ، وألحقوا بلبنها ولحمها بيضها .
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذهب إليه هؤلاء الجماعة، من أن

٦٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
النهي للتحريم هو الظاهر؛ لظواهر النصوص المتقدّمة، فتأمّل، والله تعالى
أعلم.
وفي معنى الجلّالة ما يتغذى بالنجس، كالشاة ترضع من كَلْبة، والمعتبر
في جواز أكل الجلالة زوال رائحة النجاسة، بعد أن تُعْلف بالشيء الطاهر على
الصحيح، وجاء عن السلف فيه توقيت، فعند ابن أبي شيبة، عن ابن عمر أنه
كان يحبس الدجاجة الجلَّالة ثلاثاً، كما تقدم، وأخرج البيهقيّ بسند فيه نظر،
عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً: أنها لا تؤكل حتى تُعْلَف أربعين يوماً.
انتھی(١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى بيان المسائل المتعلّقة به قبل حديث،
ولله الحمد والمنّة، وله الفضل والنعمة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٥٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ
أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، وَالْقَاسِمِ التَّمِيمِيِّ، عَنْ زَهْدَمَ الْجَرْمِيِّ، قَالَ: كَانَ بَيْنَ هَذَا
الْحَيِّ مِنْ جَرْمٌ، وَبَيْنَ الأَشْعَرِيِّينَ وُدٍّ وَإِخَالٌ، فَكُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ،
فَقُرِّبَ إِلَيْهِ طَعَامٌّ، فِيهِ لَحْمُ دَجَاجٍ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، تقدّم قبل
باب.
٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ) ابن عبد المجيد، تقدّم قبل أربعة أبواب.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (كَانَ بَيْنَ هَذَا الْحَيِّ) بفتح الحاء المهملة، وتشديد التحتانيّة؛
معناه: القبيلة.
وقوله: (مِنْ جَرْم) بفتح، فسكون: اسم قبيلة، كما تقدّم، والجارّ
والمجرور بيان لـ((الحيّ)ً.
(١) ((الفتح)) ٤٩٧/١٢ - ٤٩٨ رقم (٥٥١٧ و٥٥١٨).