Indexed OCR Text

Pages 601-620

٦٠١
(٢) - بَابٌ مَنْ حَلَفَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ - حديث رقم (٤٢٥٢)
يدلّ عليه، ولا في قواعد الشرع، ولا للعقل مجالٌ في تقدير الكفّارات، فهو
تحكّم، وأبعد من هذا قولُ من قال من الحنفيّة: إن المراد بها كفّارة اليمين،
وهذا فاسدٌ قطعاً؛ لأن كفّارة اليمين ما هي صدقة فقط، بل عتقٌ، أو كسوةٌ، أو
إطعامٌ، فإن لم يجد فصيامٌ، فكيف يصحّ أن يقال: أطلق الصدقة، وهو يُريد به
إطعام عشرة مساكين، وأنه مخيّرٌ بينه وبين غيره، من الخصال المذكورة معه في
الآية؟. وأيضاً فإنه لا يتمشّى على أصل الحنفيّة المتقدّم الذكر، فإنهم قالوا: لا
تجب الكفّارة إلا بالحنث في قوله: يهوديّ، أو نصرانيّ، إلى غير ذلك، مما
ذكروه، وهذا حكم معلّقٌ على نطق بقولٍ ليس فيه يمين، ولا التزام، وإنما هو
استدعاء للمقامرة، فأين الأرض من السماء؟، والعرش من الثرى؟. انتهى كلام
القرطبيّ تَخْثُ، وهو تحقيق نفيس جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع، والمآب.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َُّه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢٥٢/٢ و٤٢٥٣] (١٦٤٧)، و(البخاريّ) في
((التفسير)) (٤٨٦٠) و((الأدب)) (٦١٠٧) و((الاستئذان)) (٦٣٠١) و((الأيمان
والنذور)) (٦٦٥٠)، و(أبو داود) في ((الأيمان والنذور)) (٣٢٤٧)، و(الترمذيّ)
في ((النذور والأيمان)) (١٥٤٥)، و(النسائيّ) في ((الأيمان والنذور)) (٧/ ٧)
و((الكبرى)) (١٢٥/٣ و٢٤٦/٦ و٤٧٤)، و(ابن ماجه) في ((الكفّارات))
(٢٠٩٦)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٤٦٩/٨)، و(أحمد) في («مسنده)» (٢/
٣٠٩)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٧/٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١/
١٩٧)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٨/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٤٩/١٣)، و(الطبرانيّ) في ((مسند الشاميين)) (٢٧/٣) و((الأوسط)) (٧٣/٩)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٤٨/١ و٣٠/١٠) و((المعرفة)) (٢٤٢/١)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:

٦٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
١ - (منها): بيان حكم الحلف باللات والْعُزّى، وهو وجوب قول: ((لا
إله إلا الله)) على من حلف بذلك.
٢ - (ومنها): تحريم الحلف بالأصنام، والأوثان، وغيرها مما يعظّم من
دون الله رمبت .
٣ - (ومنها): تحريم القمار، كما نصّ الله عليه في كتابه المبين، حيث
قال تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِنَّمَ اْخَّرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَصَابُ وَآلْأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ
﴾ [المائدة: ٩٠].
٩٠
فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
٤ - (ومنها): أن من طلب من آخر أن يقامره، وجب عليه أن يتصدّق
بشيء من ماله؛ كفّارة لمعصيته، وأما ما قاله السنديّ تبعاً لغيره من أن التصدّق
مندوب، غير صحيح، بل الأصحّ أنه واجب، كما تقدّم تحقيقه في كلام
القرطبيّ رَّتُهُ؛ كما أن قول: ((لا إله إلا الله)) الماضي واجبٌ؛ وذلك لأنه أتى
به الأمر، وأَمْرُ الشارع للوجوب ما لم يوجد له صارف، وليس له هنا صارف،
فتنبه .
٥ - (ومنها): ما قال ابن بطال(١)، عن المهلَّب: أمره وَلّ للحالف
باللات والعزَّى بقوله: لا إله إلا الله؛ خشيةَ أن يستديم حاله على ما قال،
فيُخشَى عليه من حبوط عمله فيما نطق به، من كلمة الكفر بعد الإيمان، قال:
ومثله قوله : ((لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن))، فنفى عنه الإيمان في
حالة الزنا خاصّةً. انتهى.
وقال في موضع آخر: ليس في هذا الحديث إطلاق الحلف بغير الله،
وإنما فيه تعليم من نَسِيَ، أو جَهِلَ، فحَلَف بذلك أن يبادر إلى ما يُكَفّر عنه ما
وقع فيه، وحاصله أنه أرشد من تلفظ بشيء مما لا ينبغي له التلفظ به، أن يبادر
إلى ما يرفع الحرج عن القائل أن لو قال ذلك قاصداً إلى معنى ما قال.
قال الحافظ: ومناسبة الأمر بالصدقة لمن قال: أقامرك، من حيث إنه
أراد إخراج المال في الباطل، فأمر بإخراجه في الحقّ. انتهى (٢).
(١) راجع: ((شرح البخاريّ)) لابن بطال ٢٩١/٩.
(٢) ((الفتح)) ٦٨٣/١٣، كتاب ((الأدب)) رقم (٦١٠٧).

٦٠٣
(٢) - بَابٌ مَنْ حَلَفَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ - حديث رقم (٤٢٥٢)
٦ - (ومنها): أن القاضي عياضاً كَّتُ قال: في هذا الحديث حجة
للجمهور أن العزم على المعصية إذا استقرّ في القلب كان ذنباً يُكتب عليه،
بخلاف الخاطر الذي لا يستمرّ(١).
وتعقّبه الحافظ، فقال: ولا أدري من أين أخذ ذلك مع التصريح في
الحديث بصدور القول حيث نطق بقوله: ((تعال أُقامرك))، فدعاه إلى المعصية،
والقمار حرامٌ باتفاق، فالدعاء إلى فعله حرام، فليس هنا عزمٌ مجرّد(٢).
٧ - (ومنها): ما في ((الفتح)): قال جمهور العلماء: مَن حَلَف باللات
والْعُزَّى، أو غيرهما من الأصنام، أو قال: إن فعلت كذا فأنا يهوديّ، أو
نصرانيّ، أو بريء من الإسلام، أو من النبيّ وَّ لم تنعقد يمينه، وعليه أن
يستغفر الله تعالى، ولا كفارة عليه، ويستحبّ أن يقول: لا إله إلا الله، وعن
الحنفية: تجب الكفارة إلا في مثل قوله: أنا مبتدعٌ، أو بريء من النبيّ وَّر،
واحتَجُوا بإيجاب الكفارة على المظاهِر مع أن الظهار منكر من القول وزور،
كما قال الله تعالى، والحلف بهذه الأشياء منكر.
وتُعُقّب بهذا الخبر؛ لأنه لم يُذْكَر فيه إلا الأمر بـ((لا إله إلا الله))، ولم
يذكر فيه كفارة، والأصل عدمها حتى يقام الدليل، وأما القياس على الظهار فلا
يصحّ؛ لأنهم لم يوجبوا فيه كفارة الظهار، واستثنوا أشياء لم يوجبوا فيها كفارة
أصلاً مع أنه منكر من القول.
وقال النوويّ في ((الأذكار)): الحلف بما ذُكِر حرام، تجب التوبة منه،
وسبقه إلى ذلك الماورديّ وغيره، ولم يتعرضوا لوجوب قول: لا إله إلا الله،
وهو ظاهر الخبر، وبه جزم ابن درياس في ((شرح المهذَّب)). انتهى(٣).
٨ - (ومنها): ما قاله البغويّ في ((شرح السُّنَّة)) تبعاً للخطابيّ: في هذا
الحديث دليل على أن لا كفارة على من حلف بغير الإسلام، وإن أثم به، لكن
تلزمه التوبة؛ لأنه ولي أمره بكلمة التوحيد، فأشار إلى أن عقوبته تختص بذنبه،
(١) راجع: ((الإعلام)) ١٩١٨/٣.
(٢) ((الفتح)) ٦٤٨/١٠ رقم (٤٨٦٠).
(٣) ((الفتح)) ٢٨٣/١٥، كتاب ((الأيمان والنذور)) رقم (٦٦٥٠).

٦٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
ولم يوجب عليه في ماله شيئاً، وإنما أمره بالتوحيد؛ لأن الحلف باللات
والعزى يضاهي الكفّار، فأمره أن يتدارك بالتوحيد.
٩ - (ومنها): ما قال الطيبيّ تَخْتُهُ: الحكمة في ذكر القمار بعد الحلف
باللات أن من حلف باللات وافق الكفار في حلفهم، فأمر بالتوحيد، ومن دعا
إلى المقامرة وافقهم في لعبهم، فأمر بكفارة ذلك بالتصدق.
١٠ - (ومنها): ما قاله أيضاً: في الحديث أن من دعا إلى اللعب،
فكفارته أن يتصدق، ويتأكد ذلك في حقّ من لعب بطريق الأولى.
١١ - (ومنها): ما قال النوويّ تَخْذَلُهُ: فيه أن من عَزَم على المعصية حتى
استقرّ ذلك في قلبه، أو تكلّم بلسانه أنه تكتبه عليه الحفظة.
قال الحافظ تَخْلَمُهُ: كذا قال، وفي أخذ هذا الحكم من هذا الدليل وقفةٌ.
انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَفُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٥٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم، عَنِ
الأَوْزَاعِيِّ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: خُدَّثَنَا
عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَحَدِيثُ مَعْمَرٍ مِثْلُ
حَدِيثٍ يُونُسَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((فَلْيَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ))، وَفِي حَدِيثِ الأَوْزَاعِيِّ: ((مَنْ
حَلَفَ بِاللََّتِ وَالْعُزَّى))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) الْهَرَويّ، ثمّ الْحَدَثانيّ، أبو محمد، صدوقٌ في
نفسه، إلا أنه عَمِيَ، فصار يُلَقَّن ما ليس من حديثه، من قُدماء [١٠] (ت٢٤٠)
وله مائة سنة (م ت) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٧.
٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم) القُرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقة، لكنه
كثير التدليس والتسوية [٨] (ت٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٨/١٠.
(١) ((الفتح)) ٢٨٣/١٥ رقم (٦٦٥٠).

٦٠٥
(٢) - بَابٌ مَنْ حَلَفَ بِاللََّتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ - حديث رقم (٤٢٥٣)
٣ - (الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه،
ثقةٌ جليلٌ [٧] (ت١٥٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.
[تنبيه]: رواية معمر، عن الزهريّ ساقها عبد الرّزّاق في ((مصنّفه))، فقال:
(١٥٩٣١) - عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن حميد بن
عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((من حَلَف،
فقال في حلفه: واللاتٍ، فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تَعَالَ
أُقامرْك، فليتصدق بشيء)). انتهى(١).
وأما رواية الأوزاعيّ، عن الزهريّ، فقد ساقها البخاريّ تَّتُ في
((صحیحه))، فقال:
(٥٧٥٦) - حدّثني إِسْحَاقُ، أخبرنا أبو الْمُغِيرَةِ، حدثنا الْأَوْزَاعِيُّ، حدّثنا
الزُّهْرِيُّ، عن حُمَيْدٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ، قال: قال رسول اللهِ وَلَهُ: ((من حَلَفَ
مِنْكُمْ، فقال في حَلِفِهِ: بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى، فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إلا الله، وَمَنْ قال
◌ِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ، فَلْيَتَصَدَّقْ)). انتهى(٢)، والله تعالى أعلم.
(قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِمُ: هَذَا الْحَرْفُ - يَعْنِي قَوْلَهُ: ((تَعَالَ أُقَامِرْكَ،
فَلْيَتَصَدَّقْ)) - لَا يَرْوِبِهِ أَحَدٌ غَيْرُ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: وَلِلزُّهْرِيِّ نَحْوٌ مِنْ تِسْعِينَ حَدِيثاً،
يَرْوِيِهِ عَنِ النَّبِّ ◌ََّ، لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ أَحَدٌ، بِأَسَانِدَ جِيَادٍ).
وقوله: (قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ) هو صاحب الكتاب، وقوله: (مُسْلِمٌ) بدل مما
قبله؛ أي: مسلم بن الحجّاج (هَذَا الْحَرْفُ - يَعْنِي قَوْلَهُ: ((تَعَالَ أُقَامِرْكَ،
فَلْيَتَصَدَّقْ))) أراد بالحرف الجملة (لَا يَرْوِيهِ أَحَدٌ غَيْرُ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: وَلِلزُّهْرِيِّ
نَحْوٌ مِنْ تِسْعِينَ حَدِيثاً) وقع في بعض النسخ: ((من سبعين حرفاً))، والظاهر أنه
تصحيف، والصواب ((تسعين))، كما في معظم النسخ، فتنبّه.
(يَرْوِيِهِ عَنِ النَّبِيِّ وََّ، لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ)؛ أي: في الحديث المذكور، وفي
بعض النسخ: ((فيها))؛ أي: في تلك الأحاديث (أَحَدٌ، بِأَسَانِيدَ جِیَادٍ).
(١) مصنف عبد الرزاق ٤٦٩/٨.
(٢) صحيح البخاري ٢٢٦٤/٥.

٦٠٦
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
قال في ((الفتح)) بعد نقل كلام مسلم هذا ما نصّه: وإنما قَيَّد التفرد بقوله:
((تعال أقامرك))؛ لأن لبقية الحديث شاهداً من حديث سعد بن أبي وقاص نظبه،
يستفاد منه سبب حديث أبي هريرة ظه، أخرجه النسائيّ بسند قويّ، قال: كنا
حديثي عهد بجاهلية، فحلفت باللات والعزى، فذكرت ذلك لرسول الله وَل غيره،
فقال: ((قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد، وهو على
كل شيء قدير، وانفُتْ عن شمالك، وتعوَّذ بالله، ثم لا تَعُدْ))، فيمكن أن يكون
المراد بقوله في حديث أبي هريرة: ((فليقل: لا إله إلا الله)) إلى آخر الذكر
المذكور إلى قوله قدير، ويَحْتَمِل الاكتفاء بـ((لا إله إلا الله))؛ لأنها كلمة
التوحيد، والزيادة المذكورة في حديث سعد تأكيدٌ. انتهى(١)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخَذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٥٤] (١٦٤٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى،
عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ:
(لَا تَحْلِفُوا بِالطَّوَاغِي، وَلَا بِآبَائِكُمْ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم
ابن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٥) (خ م د س ق)
تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
٢ - (عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقة [٨]
(ت١٨٩) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥/ ٥٥٧.
٣ - (هِشَامُ) بن حسّان الأزديّ الْقُرْدوسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، من
أثبت الناس في ابن سيرين، وفي روايته عن الحسن وعطاء مقال؛ لأنه قيل:
كان يرسل عنهما [٦] (ت٧ أو ١٤٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥.
٤ - (الْحَسَنُ) بن أبي الحسن يسار الأنصاريّ مولاهم، أبو سعيد
(١) ((الفتح)) ٢٧١/١٤، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٣٠١).

٦٠٧
(٢) - بَابٌ مَنْ حَلَفَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ - حديث رقم (٤٢٥٤)
البصريّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ مشهورٌ، يرسل كثيراً، ويدلّس رأس [٤] (ت١١٠) وقد
قارب التسعين (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٦.
٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ) بن حَبِيب بن عبد شمس الْعَبْشميّ، أبو سعيد،
صحابيّ، من مسلمة الفتح، يقال: کان اسمه: عبد کلال، افتتح سِجِسْتان، ثم سكن
البصرة، ومات بها سنة خمسين، أو بعدها (ع) تقدم في ((الكسوف)) ٢١١٨/٥.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخه، فکوفيّ، ورجاله رجال الجماعة،
سوى شيخه أيضاً، فما أخرج له الترمذيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ) ◌َبه أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: (لَا
تَحْلِفُوا بِالطَّوَاغِي) قال أهل اللغة والغريب: الطواغي هي الأصنام، واحدها
طاغية، ومنه: ((هذه طاغية دَوْس))؛ أي: صنمهم، ومعبودهم، سُمِّي بإسم
المصدر؛ لطغيان الكفار بعبادته؛ لأنه سبب طغيانهم وكفرهم، وكلُّ ما جاوز
الحد في تعظيم أو غيره فقد طَغَى، فالطغيان المجاوزة للحد، ومنه قوله تعالى:
﴿لَمَّا طَغَا الْمَاءُ﴾ الآية [الحاقّة: ١١]؛ أي: جاوز الحدّ، وقيل: يجوز أن يكون
المراد بالطواغي هنا مَنْ طَغَى من الكفّار، وجاوز القدر المعتاد في الشرّ، وهم
عظماؤهم، وفي رواية النسائيّ وغيره: ((لا تحلفوا بالطواغيت)) بالتاء، وهو
جمع طاغوت، وهو الصنم، ويطلق على الشيطان أيضاً، ويكون الطاغوت
واحداً، وجمعاً، ومذَّراً، ومؤنثاً، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ أَجْتَبُواْ الَّغُوتَ أَنْ
يَعْبُدُوهَا﴾ الآية [الزمر: ١٧]، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الَّاغُوتِ وَقَدْ
أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ﴾ الآية [النساء: ٦٠]، قاله النوويّ دَظُّهُ(١).
وقال الفيّوميّ تَخْتُ: الطاغوتُ: تاؤها زائدة، وهي مشتقّة من طغا،
والطاغوت يُذكّر، ويؤنّث، والاسم الطغيان، وهو مجاوزة الحدّ، وكلّ شيء
جاوز المقدار والحدَّ في العصيان، فهو طاغ، وأطغيته: جعلته طاغياً، وطغا
(١) ((شرح النوويّ)) ١٠٨/١١.

٦٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
السيل: ارتفع حتى جاوز الحدّ في الكثرة، والطاغوت: الشيطان، وهو في
تقدير فَعَلُوت بفتح العين، لكن قُدّمت اللام موضع العين، واللامُ واوٌ محرّكةٌ،
مفتوحٌ ما قبلها، فقُلبت ألفاً، فبقي في تقدير فَلَعُوت، وهو من الطغيان. قاله
الزمخشريّ. انتهى(١) .
وقال أبو العبّاس القرطبيّ تَّتُهُ ما نصّه: الطواغي: جمع طاغية،
كالرَّوَابي: جمع رابية، والدَّوالي: جمع دالية، وهي مأخوذ من الطغيان، وهو
الزيادة على الحدّ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَا كَفَا الْمَآءُ حَمَلْتَكُمْ فِي الْمَرِيَةِ
الآية [الحاقّة: ١١]؛ أي: زاد. قال: والطواغي، والطواغيت: كلّ معبود
سوى الله تعالى. قال: وقد تقرّر أن اليمين بذلك محرّم، وعلى ذلك فلا كفّارة
فيه عند الجمهور؛ لأجل الحلف بها، ولا لأجل الحنث فيها، أما الأول؛
فلأن النبيّ ◌َّه قد قال: ((من قال: واللات والعزّى، فليقل: لا إله إلا الله))،
ولم يذكر كفّارةً، ولو كانت لوجب تبيينها لتعيّن الحاجة لذلك. وأما الثاني،
فليست بيمين منعقدة، ولا مشروعة، فيلزمَ بالحنث فيها الكفّارة، وقد شذّ بعض
الأئمّة(٢)، وتناقض فيما إذا قال: أُشرك بالله، أو أكفُر بالله، أو هو يهوديٌّ، أو
نصرانيّ، أو بريء من الإسلام، أو من النبيّ وَلّ، أو من القرآن، وما أشبه
ذلك، فقال: هي أيمانٌ يلزم بها كفّارةٌ إذا حنِثَ فيها، أما شذوذه، فلأنه لا
سلف له فيه من الصحابة، ولا موافق له من أئمّة الفتوى فيما أعلم. وأما
تناقضه، فلأنه قال: لو قال: واليهوديّةِ، والنصرانيّة، والنبيِّ، والكعبةِ، لم
يجب عليه كفّارة عنده، مع أنها على صيغ الأيمان اللغويّة، فأوجب الكفّارة
فيما لا يُقال عليه يمين، لا لغةً، ولا شرعاً، ولا هو من ألفاظها، ولو عكس
لكان أولى، وأمسّ، ولا حجة له في آية كفّارة اليمين؛ إذ تلك الكلمات ليست
أيماناً، كما بيّاه، ولو سلّمنا أنها أيمان، فليست بمنعقدة، فلا يتناولها العموم،
ثم يلزم بحكم العموم أن يوجب الكفّارة في كلّ ما يقال عليه يمينٌ لغةً،
وعرفاً، ولم يقل بذلك، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ كَّتُهُ بتصرّف
يسير، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
(١) ((المصباح المنير)) ٣٧٣/٢ - ٣٧٤.
(٢) هو الإمام أبو حنيفة كَُّ.

٦٠٩
(٣) - بَابُ نَدْبٍ مَنْ حَلَفَ يَمِيناً، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٢٥٥)
(وَلَا) تحلفوا (پِآبَائِكُمْ)) تقدّم شرحه مستونَی في شرح حديث عمر
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
الحقة ،
مضحكة
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الرحمن بن سمرة ظُه هذا من أفراد
المصنّف نَظَالُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢٥٤/٢] (١٦٤٨)، و(النسائيّ) في («الأيمان
والنذور)) (٣٨٠١) و((الكبرى)) (٤٧١٥)، و(ابن ماجه) في ((الكفّارات)) (٢٠٩٥)،
و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّقه)) (٣٧٥/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٦٢/٥)، وبقيّة
متعلّقات الحديث من الفوائد وغيرها تقدّمت قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٣) - (بَابُ نَذْبٍ مَنْ حَلَفَ يَمِيناً، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا،
أَنْ يَأْتِيَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَيُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَخَذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٥٥] (١٦٤٩) - (حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَيَحْيَى بْنُ
حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ - وَاللَّفْظُ لِخَلَفٍ - قَالُوا: حَدَّثَنَاً حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ غَيْلَانَ بْنِ
جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ◌ََّ فِي رَهْطٍ
مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ، فَقَالَ: ((وَاللهِ لَا أَحْمِلُكُمْ، وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ»،
قَالَ: فَلَبِثْنَا مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ أَتِيَ بِإِبِلٍ، فَأَمَرَ لَنَا بِثَلَاثِ ذَوْدٍ، غُرِّ الذُّرَى، فَلَمَّا
انْطَلَقْنَا قُلْنَا - أَوْ قَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ -: لَا يُبَارِكُ اللهُ لَنَا، أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ وَلِ
نَسْتَحْمِلُهُ، فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا، ثُمَّ حَمَلَنَا، فَأَتَوْهُ، فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: (مَا أَنَا
حَمَلْتُكُمْ، وَلَكِنَّ اللهَ حَمَلَكُمْ، وَإِنِّي وَاللهِ - إِنْ شَاءَ اللهُ - لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، ثُمَّ
أَرَى خَيْراً مِنْهَا، إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ بَمِينِي، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ))).

٦١٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (خَلَفُ بْنُ هِشَام) بن ثعلب البزّار المقرىء البغداديّ، ثقةٌ، له
اختيارات في القراءات [١٠] (ت٢٢٩) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٤/٦.
٢ - (قُتَيْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب.
٣ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٨) أو بعدها
(م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦٥.
٤ - (حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهم الْجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةُ ثبتٌ
فقيه، من كبار [٨] (ت١٧٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥.
٥ - (غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ) الْمِعْوليّ الأزديّ البصريّ، ثقةٌ [٥] (ت١٢٩) (ع)
تقدم في ((الطهارة)) ٥٩٨/١٥.
٦ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ، قيل: اسمه عامر، وقيل:
الحارث، ثقةٌ [٣] (ت١٠٤) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧١/١٦.
٧ - (أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حضّار الصحابيّ
الشهير، أَمّره عمر، ثم عثمان، وهو أحد الْحَكَمين بصفّين، مات سنة (٥٠) أو
بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧١/١٦.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه مسلسل بالبصريين من شيخه يحيى بن حبيب، وخلف بغداديّ، وقتيبة
بغلانيّ، وأبو موسى ربه كان أمير البصرة، ووُلد له أبو بردة هناك، وفيه رواية
تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة
،
قال فيه النبيّ وَّر: ((إن عبد الله بن قيس أعطي مزماراً من مزامير آل داود
))،
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس ظُه (الأَشْعَرِيِّ) نسبة إلى أشعر قبيلة
مشهورة من اليمن، والأشعر هو: نبت بن أُدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن
زيد بن كهلان بن سبأ، وإنما قيل له: الأشعر؛ لأن أمه ولدته، والشعر على

٦١١
(٣) - بَابُ نَدْبٍ مَنْ حَلَفَ يَمِيناً، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٢٥٥)
بدنه، قاله في ((اللباب))(١). أنه (قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ وَلِ فِي رَهْطٍ) بفتح، فسكون؛
أي: جماعة، قال الفيّوميّ ◌َّتُهُ: الرَّهْط: ما دون عشرةٍ من الرجال، ليس فيهم
امرأة، وسكون الهاء أفصح من فتحها، وهو جمع لا واحد له من لفظه، وقيل:
الرَّهْطُ من سبعة إلى عشرة، وما دون السبعة إلى الثلاثة نَفَرٌ، وقال أبو زيد:
الرَّهْطُ، والنَّفَرُ: ما دون العشرة من الرجال، وقال ثعلب أيضاً: الرَّهْطُ،
وَالنَّفَرُ، وَالقَوْمُ، وَالمَعْشَرُ، وَالعَشِيرَةُ: معناهم الجمع، لا واحد لهم من
لفظهم، وهو للرجال دون النساء، وقال ابن السِّكِّيت: الرَّهْطُ، وَالْعَشِيرَةُ:
بمعنَّى، ويقال: الرَّهْطُ: ما فوق العشرة إلى الأربعين، قاله الأصمعيّ في
((كتاب الضاد والظاء))، ونقله ابن فارس أيضاً، ورَهْطُ الرجل: قومُهُ، وقبيلته
الْأَقربونَ. انتهى(٢).
وفي رواية للبخاريّ من طريق عبد السلام بن حرب، عن أيوب بلفظ:
((إنا أتينا النبيّ (َّ﴿ نفرٌ من الأشعريين))، فاستَدَلّ به ابن مالك لصحّة قول
الأخفش: يجوز أن يُبدل الظاهر من ضمير الحاضر بدل كلّ من كلّ، وحمل
عليه قوله تعالى: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ اُلْقِيَمَةِ لَا رَيْبَ فِيْهِ اُلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ﴾
الآية [الأنعام: ١٢]، قال ابن مالك: واحترزت بقولي بدل كلّ من كلّ عن
البعض، والاشتمال، فذلك جائز اتفاقاً، وإليه أشار في ((الخلاصة)) بقوله:
وَمِنْ ضَمِيرِ الْحَاضِرِ الَّاهِرَ لَا تُبْدِلْهُ إِلَّا مَا إِحَاطَةً جَلَا
كَأَنَّكَ ابْتِهَاجَكَ اسْتَمَالًا
أَوِ اقْتَضَى بَعْضاً أَوِ اشْتِمَالًا
ولَمَّا حكاه الطيبيّ أقرّه، وقال: هو عند علماء البديع يُسمَّى التجريد،
لكن تعقّب الحافظ ذلك، وقال: لا يحسن الاستشهاد به، إلا لو اتفقت الرواة،
والواقع أنه بهذا اللفظ انفرد به عبد السلام، وقد أخرجه البخاريّ في مواضع
أخرى بإثبات ((في))، فقال في معظمها: ((في رهط))، كما هي رواية ابن عُليّة،
عن أيوب في ((كفّارات الأيمان))، وفي بعضها: ((في نفر))، كما هي رواية
حماد، عن أيوب في ((فرض الخمس)). انتهى(٣).
(١) ((اللباب فى تهذيب الأنساب)) ٦٤/١.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢٤١/١ - ٢٤٢.
(٣) ((الفتح)) ١٥/ ٤٠٧.

٦١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
(مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ)؛ أي: نطلب منه ما يحملنا من الإبل، ويَحمل
أثقالنا (فَقَالَ) وَِّ ((وَاللهِ لَا أَحْمِلُكُمْ) إنما قال هذا القول المؤكّد؛ لأنهم أتوه
في وقت غضبه، كما سيأتي قول أبي موسى: ((ووافقته، وهو غضبان، ولا
أشعر))، وقال القرطبيّ تَظّثهُ: فيه جواز اليمين عند المنع، وردّ السائل الملْحِف
عند تعذّر الإسعاف، وتأديبه بنوع من الإغلاظ بالقول (وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ
عَلَيْهِ)))؛ أي: ليس عندي شيء من الإبل أحملكم عليه، وإنما ذكر وَلّ هذه
(فَلَبِثْنَا
الجملة - والله أعلم - اعتذاراً، وبياناً لسبب حلفه (قَالَ) أبو موسى ◌َّ ◌ُه
مَا شَاءَ اللهُ)؛ أي: من الوقت، وفي الرواية التالية: ((فلم ألبث إلا سُويعةً)) (ثُمَّ
أُتِيَ بِإِبِلٍ) بكسر الهمزة، والموحّدة: اسم جمع لا واحد لها، وهي مؤنثة؛ لأن
اسم الجمع الذي لا واحد له من لفظه إذا كان لِمَا لا يعقل يلزمه التأنيث،
وتدخله الهاء إذا صُغِّر، نحو أُبَيْلَةٍ، وغُنيمة، وسُمع إسكان الباء للتخفيف، ومن
التأنيث وإسكان الباء قول أبي النّجم:
والإِبْلُ لا تَصْلُح للبُسْتانِ وحَّتِ الإِبْلُ إلى الأوطانِ
والجمع: آبالٌ، وأَبيلٌ، وِزَانُ عبيد، وإذا تُنِّي، أو جُمع، فالمراد
قَطِيعان، أو قَطِيعات، وكذلك أسماء الجموع، نحو أبقار، وأغنام، والإِبلُ بناءٌ
نادرٌ، قال سيبويه: لم يجئ على فِعِل بكسر الفاء والعين من الأسماء إلا
حرفان: إِبل، وحِبر، وهو القَلَح، ومن الصفات إلا حرف، وهي امرأة بِلْزٌ،
وهي الضخمة، وبعض الأئمة يذكر ألفاظاً غير ذلك، لم يثبت نقلها عن
سيبويه، ذكره الفيّوميّ كَذُّهُ(١).
[تنبيه]: رواية مسلم بلفظ ((إبل))، ووقع في بعض الرواية عند البخاريّ
بلفظ: ((بشائل))، قال في ((الفتح)): قوله: ((فأتي بإبل))، كذا للأكثر، ووقع هنا
في رواية الأصيليّ، وكذا لأبي ذَرّ عن السرخسيّ، والمستملي: ((بشائل)) - بعد
الموحّدة شين معجمة، وبعد الألف تحتانية مهموزة، ثم لام - قال ابن
بطال(٢): إن صحت، فأظنها شوائل، كأنه ظنّ أن لفظ ((شائل)) خاصّ بالمفرد،
(١) ((المصباح المنير)) ١/ ٢.
(٢) ((شرح ابن بطال على البخاريّ)) ١٨٥/٦.

٦١٣
(٣) - بَابُ نَدْبٍ مَنْ حَلَفَ يَمِيناً، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٢٥٥)
وليس كذلك، بل هو اسم جنس، وقال ابن التين: جاء هكذا بلفظ الواحد،
والمراد به الجمع، كالسامر، وقال صاحب ((العين)): ناقة شائلة، ونُوقٌ شائلٌ
التي جَفّ لبنها، وشَوَّلَتِ الإبل - بالتشديد - لَصِقَت بطونها بظهورها، وقال
الخطابيّ: ناقة شائل قَلّ لبنها، وأصله من شال الشيءُ: إذا ارتفع، كالميزان،
والجمع شَوْل، كصاحب وصَحْب، وجاء شوائل جمع شائل، وفيما نُقِل من
خطّ الدمياطيّ الحافظ: الشائل الناقة التي تَشُول بذنبها للقاح، وليس لها لبن،
والجمع شُوَّلٌ - بالتشديد - كراكع ورُبَّع، وحَكَى قاسم بن ثابت في ((الدلائل))
عن الأصمعيّ: إذا أتى على الناقة من يوم حملها سبعة أشهر جَفّ لبنها، فهي
شائلة، والجمع شَوْلٌ - بالتخفيف - وإذا شالت بذنبها بعد اللقاح، فهي شائل،
والجمع شُوَّلٌ - بالتشديد - وهذا تحقيق بالغٌ، وأما ما وقع في ((المطالع)) إن
شائل جمع شائلة، فليس بجيِّد. انتهى(١).
وقوله أيضاً: (أَتِيَ بِإِبِل) بالبناء للمفعول. وفي رواية: ((فأتي رسولُ الله وَله
بنَهب إبل)) - بفتح النون، وسكون الهاء، بعدها موحّدة -؛ أي: غنيمة، وأصله
ما يؤخذ اختطافاً بحسب السبق إليه على غير تسوية بين الآخذين. وفي رواية
بريدة، عن أبي بُردة أنه ﴿ ابتاع الإبل التي حَمَل عليها الأشعريين من
سعد (٢)، وفي الجمع بينها وبين رواية الباب عُسْرٌ، لكن يَحْتَمِل أن تكون
الغنيمة لَمّا حصَلت حصل لسعد منها القدر المذكور، فابتاع النبيّ بَّر منه
نصيبه، فحملهم عليه، قاله في ((الفتح))(٣).
(فَأَمَرَ لَنَا)؛ أي: أمر أن نُعطى ذلك، وفي رواية ابن عُليّة عند البخاريّ:
((فقيل: أين الأشعريّون؟ فأتينا، فأمر لنا))، وفي رواية حماد: ((وأتي بنهب إبل،
فسأل عنّا، فقال: أين النفر الأشعريّون؟ فأمر لنا))، وفي رواية بُرَيد: ((فلم ألبث
(١) ((الفتح)) ٣٩٤/١٥ - ٣٩٥، كتاب ((كفّارات الأيمان)) رقم (٢٧١٨).
(٢) قال في ((الفتح)) ٥٥٨/٩: لم يتعيّن لي من هو سعد إلى الآن، إلا أنه يهجس في
خاطري أنه سعد بن عبادة. انتهى.
قال الجامع: كونه يهجس في خاطره لا يكفي في كونه هو، فليتأمّل.
(٣) ((الفتح)) ٤٠٨/١٥.
٠,٠

٦١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
إلا سُويعة، إذ سمعت بلالاً ينادي، أين عبد الله بن قيس؟ فأجبته، فقال: أجب
رسول الله ﴿* يدعوك، فلما أتيته، قال: خذ)).
(بِثَلَاثِ ذَوْدٍ) قال النوويّ تَُّ: هو من إضافة الشيء إلى نفسه، وقد
يحتجّ به من يُطلق الذّود على الواحد، قال: وقوله: ((بثلاث))، ووقع في الرواية
الأخيرة: ((بثلاثة ذود))، بإثبات الهاء، وهو صحيح، يعود إلى معنى الإبل، وهو
الأبعرة. انتهى كلام النوويّ كَذَثُهُ(١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((بثلاث ذَود)) كذا لأبي ذرّ، ولغيره: ((بثلاثة
ذَوْد))، وقيل: الصواب الأول؛ لأن الذّود مؤنثٌ، ووُجِّه بأنه إنما ذكّره باعتبار
لفظ الذود، أو أنه يُطلق على الذكور والإناث، أو الرواية بالتنوين، والذود إما
بدلٌ، فيكون مجروراً، أو مستأنف، فيكون مرفوعاً .
و((الذَّوْد)) - بفتح الذال المعجمة، وسكون الواو، بعدها مهملةٌ -: من
الثلاث إلى العشر. وقيل: إلى السبع. وقيل: من الاثنين إلى التسع من النُّوق،
قال في ((الصحاح)): لا واحد له من لفظه، والكثير أَذْوَاد، والأكثر على أنه
خاصّ بالإناث، وقد يُطلق على الذكور، أو على أعمّ من ذلك، كما في
قوله ◌َّ ر: ((ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة)). ويؤخذ من هذا
الحديث أيضاً أن الذود يُطلق على الواحد، بخلاف ما أطلق الجوهريّ.
انتھی .
ووقع في رواية بلفظ: ((خمس ذود)) قال النوويّ: لا منافاة بينهما، إذ
ليس في ذكر الثلاث نفي للخمس، والزيادة مقبولة. انتهى.
وقال في ((الفتح)): قال ابن التين: الله أعلم أيهما يصحّ. قال الحافظ:
لعلّ الجمع بينهما يحصل من الرواية التي بلفظ: ((خذ هذين القرينين، وهذين
القرينين، وهذين القرينين))، فلعلّ رواية الثلاث باعتبار ثلاثة أزواج، ورواية
الخمس باعتبار أن أحد الأزواج كان قرينه تبعاً، فاعتدّ به تارة، ولم يعتدّ به
أُخرى.
ويمكن الجمع بأنه أمر لهم بثلاث ذَوْد أوّلاً، ثم زادهم اثنين، فإن لفظ
(١) ((شرح النوويّ)) ١٠٩/١١.

٦١٥
(٣) - بَابُ نَذْبٍ مَنْ حَلَفَ يَمِيناً، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، ... إلخ- حديث رقم (٤٢٥٥)
زَهْدَمِ: ((ثم أتي بنهب ذَوْد، غُرِّ الذُّرَى، فأعطاني خمس ذود))، فوقعت في
رواية زَهْدَم جملة ما أعطاهم، وفي رواية غيلان، عن أبي بردة مبدأ ما أمر لهم
به، ولم يذكر الزيادة. وأما رواية ((خذ هذين القرينين ثلاث مرار))، وفي لفظ:
(ستة أبعرة)) فيمكن أن تكون السادسة تبعاً، ولم تكن ذروتها موصوفة بذلك،
كما تقدّم. انتهى(١).
(غُرِّ الذُّرَى) قال النوويّ كَذَثُ: أما الذُّرَى فبضم الذال، وكسرها، وفتح
الراء المخففة: جمع ذُرْوَة بكسر الذال وضمها، وذُروة كلِّ شيء أعلاه، والمراد
هنا الأسنمة، وأما الْغُرّ: فهي البيض، وكذلك البقع المراد بها البيض، وأصلها
ما كان فيه بياض وسواد، ومعناه: أمر لنا بإبل بِيضٍ الأسنمة. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ كَُّهُ: قوله: ((غُرِّ الذُّرى)) غرُّ: جمع أغرَّ، وأصله: الذي
في جبهته بياض من الخيل. و(الذُّرَى)): جمع ذُروة، وهي: من كل شيء
أعلاه. والمراد بـ ((غُرّ الذُّرى)): أن تلك الإبل كانت بيض الأسنمة. وقد
روي: (بُقْعُ الذَّرى))؛ أي: فيها لُمَعّ بِيضٌ وسُودٌ. ومنه قيل: الغراب الأبقع،
والشَّاة البقعاء: إذا كانا كذلك. انتهى (٣).
(فَلَمَّا انْطَلَقْنَا)؛ أي: ذهبنا من عند النبيّ ◌َّ. وفي رواية: ((فاندفعنا))،
وفي رواية: ((فلبثنا غير بعيد)) (قُلْنَا - أَوْ قَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ -: ) ((أو)) للشكّ من
الراوي، وفي رواية للبخاريّ: ((فقلت لأصحابي))، وفي رواية: ((قلنا: ما
صنعنا))، فيجمع على أنهم تكلّموا فيما بينهم، والبادىء هو أبو موسى بنظُه (لَا
يُبَارِكُ اللهُ لَنَا)؛ أي: فيما أعطانا رسول الله وَّه من الذَّوْد، إن سكتنا عن ذلك،
ولم نعرّفه، ثم بيّن سبب عدم البركة بقوله: (أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ وَهِ نَسْتَحْمِلُهُ،
فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا، ثُمَّ حَمَلَنَا)؛ أي: بعد الحلف، فإن هذا مما لا يرضاه الله،
وفي رواية ابن عليّة: ((نسي رسول الله وَله يمينه، والله لئن تغفّلنا رسول الله وَله
يمينه، لا نُفلح أبداً))، وفي رواية عبد السلام: ((فلما قبضناها، قلنا: تغفّلنا
رسول الله (* يمينه، لا نفلح أبداً)).
(١) راجع: ((الفتح)) ٣٩٥/١٥ رقم (٦٧١٨).
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٠٩/١١.
(٣) ((المفهم)) ٦٢٨/٤.

٦١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
ووقع في الرواية التالية زيادة قول أبي موسى ظه لأصحابه: ((والله لا
أدعكم حتى ينطلق معي بعضكم إلى من سمع مقالة رسول الله (وَ ل9))، يعني في
منعهم أوّلاً، وإعطائهم ثانياً إلى آخر القصّة. قال القرطبيّ تَخُّْهُ: فيه استدراك
جبر خاطر السائل الذي يؤدّب على الحاجة بمطلوبه إذا تيسّر، وأن من أخذ
شيئاً يَعلَم أن المعطي لم يكن راضياً بإعطائه، لا يُبارك له فيه.
(فَأَتَوْهُ، فَأَخْبَرُوهُ) وفي رواية: قَالَ أَبُو مُوسَى: ((فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ وََّ، فَذَكَرْنَا
ذَلِكَ لَّهُ))، وفي رواية: ((فرجعنا، فقلنا: يا رسول الله أتيناك نستحملك، فحلفت
أن لا تحملنا، ثم حملتنا، فظننا، أو فعرفنا أنك نسيتَ يمينك، قال: انطلقوا،
فإنما حملكم الله ... )).
(فَقَالَ: ((مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ، وَلَكِنَّ اللهَ حَمَلَكُمْ) قال العلماء: المراد بذلك
إزالة المنّة عنهم، وإضافة النعمة لمالكها الأصليّ، ولم يُرد أنه لا صنع له
أصلاً في حملهم؛ لأنه لو أراد ذلك ما قال بعد ذلك: ((لا أحلف علی یمین،
فأرى غيرها خيراً منها، إلا أتيت الذي هو خير، وكفّرت)).
وقال المازريّ: معناه أن الله تعالى أعطاني ما حملتكم عليه، ولولا ذلك
لم يكن عندي ما أحملكم عليه.
وقيل: يحتمل أنه كان نسي يمينه، والناسي لا يُضاف إليه الفعل.
ويردّه التصريح بقوله: ((والله ما نسيتها))، كما سيأتي عند مسلم. وقيل:
المراد بالنفي عنه، والإثبات لله الإشارةُ إلى ما تفضّل الله به من الغنيمة
المذكورة؛ لأنها لم تكن بتسبّب من النبيّ وَ ◌ّر، ولا كان متطلّعاً إليها، ولا
منتظراً لها، فكان المعنى: ما أنا حملتكم لعدم ذلك أوّلاً، ولكن الله حملكم
بما ساقه إلينا من هذه الغنيمة، أفاده في ((الفتح))(١).
وقال القاضي عياض: ويجوز أن يكون أُوحي إليه أن يحملهم، أو يكون
المراد دخولهم في عموم من أمر الله تعالى بالقَسْم فيهم، والله أعلم. انتهى(٢).
(وَإِنِّي وَاللهِ - إِنْ شَاءَ اللهُ -) قال أبو موسى المدينيّ في كتابه ((الثمين في
استثناء اليمين)): لم يقع قوله: ((إن شاء الله)) في أكثر الطرق لحديث أبي
(١) راجع: ((الفتح)) ٤١١/١٥.
(٢) راجع: ((شرح النوويّ)) ١١٠/١١.

٦١٧
(٣) - بَابُ نَذْبٍ مَنْ حَلَفَ يَمِيناً، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٢٥٥)
موسى، وأشار إلى أنه وَ* قالها للتبرّك، لا للاستثناء. قال الحافظ: وهو
خلاف الظاهر.
(لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ)؛ أي: محلوف يمين، فأطلق عليه لفظ (يمين))؛
للملابسة، والمراد ما شأنه أن يكون محلوفاً عليه، فهو من مجاز الاستعارة،
ويجوز أن يكون فيه تضمين، فقد وقع في رواية: ((على أمر))، ويَحْتَمِل أن
تكون ((على)) بمعنى الباء، فقد وقع في رواية النسائيّ: ((إذا حلفت بيمين))،
ورُجّح الأول بقوله: ((فرأيت غيرها خيراً منها))؛ لأن الضمير في ((غيرها)) لا
یصحّ عوده علی الیمین.
وأجيب بأنه يعود على معناه المجازيّ للملابسة أيضاً.
وقال ابن الأثير في ((النهاية)): الحلف هو اليمين، فقوله: ((أحلف))؛ أي:
أعقد شيئاً بالعزم والنّة، وقوله: ((على يمين)) تأكيد لعقده، وإعلامٌ بأنه ليست
لغواً.
قال الطيبيّ: ويؤيّده رواية النسائيّ بلفظ: ((ما على الأرض يمين أَحلِف
عليها ... )) الحديث، قال: فقوله: ((أحلف عليها)) صفة مؤكّدة لليمين، نحو
أمسِ الدابرُ لا يعودُ؛ أي: فإني لا أحلف على حلف، قال: والمعنى: لا
أحلف يميناً جزماً، لا لغو فيها، ثم يظهر لي أمرٌ آخر يكون فعلُه أفضلَ من
المضيّ في اليمين المذكور إلا فعلته، وكفّرت عن يميني، قال: فعلى هذا يكون
قوله: ((على يمين)) مصدراً مؤكّداً لقوله: ((أحلف))، أفاده في ((الفتح))(١).
(ثُمَّ أَرَى خَيْراً مِنْهَا، إِلَّ كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ))) أخذ
النسائيّ تَخْلَثُ من هذه الرواية جواز الكفّارة قبل الحنث، فترجم عليه، فقال:
((الكفّارة قبل الحنث))، لكن تعقّبه السنديّ، فقال: فيه أن التقديم اللفظيّ لا
يدلّ على التقديم المعنويّ، والعطف بالواو لا يدلّ على الترتيب، فيجوز أن
يكون المتأخّر متقدّماً، نعم قد يُقال: الأمر في الرواية الآتية لا دلالة له على
وجوب تقديم الحنث، كما لا دلالة له على وجوب تقديم الكفّارة، ومقتضى
(١) راجع: ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٤٣٩/٨ للطيبيّ تخلفُهُ، و((الفتح)) ٤٠٩/١٥ -
٤١٠، رقم (٦٧٢١).

٦١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
الإطلاق دليل للمطلوب، وعلى هذا فقول من أوجب تقديم الحنث مخالف
لهذا الإطلاق، فلا بدّ له من دليل يُعارض هذا الإطلاق، ويترجّح عليه حتى
يستقيم الأخذ به، وتركُ هذا الإطلاق. انتهى كلام السنديّ ◌َُّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تحقيق الخلاف في هذه المسألة في
المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ ◌ُه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢٥٥/٣ و٤٢٥٦ و ٤٢٥٧ و ٤٢٥٨ و٤٢٥٩
و٤٢٦٠ و٤٢٦١ و٤٢٦٢] (١٦٤٩)، و(البخاريّ) في ((فرض الخمس)) (٣١٣٣)
و((المغازي)) (٤٣٨٥) و((الذبائح والصيد)) (٥٥١٧) و((الأيمان والنذور)) (٦٦٤٩ و
٦٦٨٠)، وفي ((كفارات الأيمان)) (٦٧٢١) و((التوحيد)) (٧٥٥٥)، و(أبو داود)
في ((الأيمان والنذور)) (٣٢٧٦) مختصراً، و(الترمذيّ) في ((الأطعمة)) (١٨٢٦)
وفي ((الشمائل)) (١٤٨)، و(النسائيّ) في ((الأيمان والنذور)) (٣٨٠٦ و٣٨٠٧)
و((كتاب الصيد والذبائح)) (٤٣٧٣ و٤٣٧٤) و((الكبرى)) (٤٧٢٠ و٤٧٢١ و٤٨٥٨
و٤٨٥٩)، و(ابن ماجه) في ((الكفّارات)) (٢١٠٧)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده))
(٦٨/١)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٣٣٨/٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه))
(٨١/٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٩٨/٤ و٤٠١ و٤١٨)، و(ابن حبّان) في
(صحيحه)) (٤٣٥١ و٤٣٥٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٢٩/١٣)،
و(الرويانيّ) في ((مسنده)) (٣٦٩/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣١/٤ و٣٣
و٣٥ و٤٠)، و(الحاكم) في ((مستدركه)) (٣٣٤/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى))
(٣١/١٠ - ٣٢ و٥١ - ٥٢) و((المعرفة)) (٣٢١/٧) و((الصغرى)) (٤٤٦/٨
و٤٧٣)، والله تعالى أعلم.
(١) ((شرح السنديّ على النسائيّ)) ٩/٧ - ١٠.

٦١٩
(٣) - بَابُ نَذْبٍ مَنْ حَلَفَ يَمِيناً، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤٢٥٥)
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن من حلف على يمين، فرأى غيرها خيراً منها عليه أن
يأتي الذي هو خير، ويكفّر عن يمينه.
٢ - (ومنها): أن بعضهم استدلّ به على جواز التكفير قبل الحنث، وفيه
اختلافٌ بين العلماء، سنفصّله في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٣ - (ومنها): أنه يدلّ على جواز اليمين عند التبرّم.
٤ - (ومنها): انعقاد اليمين في حال الغضب.
٥ - (ومنها): جواز ردّ السائل المثقل عند تعذّر الإسعاف.
٦ - (ومنها): مشروعيّة تأديب السائل إذا لم يتيسّر للمسؤول إعطاؤه بنوع
من إغلاظ القول، وذلك أنهم سألوه وَّر في حال تحقّق فيها أنه لم يكن عنده
شيء، فأدّبهم بذلك القول، ثم إنه وَّه بقي مترقّباً لما يُسعِف به طَلِبَتَهم، ويَجبُرُ
به انكسارهم، فلَمّا يسّر الله تعالى عليه ذلك أعطاهم، وجبرهم على مُقتضى
كرم خُلُقه الكريم وَّر، قاله القرطبيّ تَخْذَهُ(١).
٧ - (ومنها): أن من حلف على فعل شيء، أو تركه، وكان الحنث خيراً
من التمادي على اليمين، عليه أن يحنث عن يمينه، وتلزمه الكفّارة، وهذا متّفقٌ
عليه .
٨ - (ومنها): أن الإمام البخاريّ تَخْلُ ترجم لهذا الحديث في ((كتاب
التوحيد)) من ((صحيحه)) بقوله: ((قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ
٩٦
[الصافات: ٩٦]))، وأراد أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، وهذا مذهب أهل
السُّنَّة؛ خلافاً للمعتزلة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم التكفير قبل الحنث:
قال النوويّ تَخُّ: أجمعوا على أنه لا تجب الكفّارة قبل الحنث، وعلى
أنه يجوز تأخيرها عن الحنث، وعلى أنه لا يجوز تقديمها على اليمين،
واختلفوا في جوازها بعد اليمين وقبل الحنث، فجوّزها مالكٌ، والأوزاعيّ،
والثوريّ، والشافعيّ، وأربعة عشر صحابيّاً، وجماعات من التابعين، وهو قول
(١) ((المفهم)) ٦٢٩/٤.

٦٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
جماهير العلماء، لكن قالوا: يستحبّ كونها بعد الحنث، واستثنى الشافعيّ
التكفير بالصوم، فقال: لا يجوز قبل الحنث؛ لأنه عبادة بدنيّة، فلا يجوز
تقديمها على وقتها؛ كالصلاة، وصوم رمضان، وأما التكفير بالمال، فيجوز
تقديمه كما يجوز تعجيل الزكاة. واستثنى بعض أصحابنا حنث المعصية، فقال:
لا يجوز تقديم كفّارته؛ لأن فيه إعانة على المعصية، والجمهور على إجزائها
كغير المعصية.
وقال أبو حنيفة، وأصحابه، وأشهب المالكيّ: لا يجوز تقديم الكفّارة
على الحنث بكلّ حال. ودليل الجمهور ظواهر هذه الأحاديث، والقياس على
تعجيل الزكاة. انتهى كلام النوويّ تَذَلُهُ(١).
وقال في ((الفتح)): قال ابن المنذر: رأى ربيعة، والأوزاعيّ، ومالك،
والليث، وسائر فقهاء الأمصار غير أهل الرأي أن الكفّارة تجزىء قبل الحنث،
إلا أن الشافعيّ استثنى الصيام، فقال: لا يُجزىء إلا بعد الحنث. وقال
أصحاب الرأي: لا تجزىء الكفّارة قبل الحنث. ونقل الباجيّ عن مالك وغيره
روايتين، واستثنى بعضهم عن مالك الصدقة، والعتق، ووافق الحنفيّة أشهب من
المالكيّة، وداود الظاهريّ، وخالفه ابن حزم، واحتج لهم الطحاويّ بقوله
تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَنْكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ الآية [المائدة: ٨٩]، فإن المراد إذا
حلفتم، فحيثتم، وردّه مخالفوه، فقالوا: بل التقدير: فأردتم الحنث، وأولى من
ذلك أن يقال: التقدير أعمّ من ذلك، فليس أحد التقديرين بأولى من الآخر.
واحتجّوا أيضاً بأن ظاهر الآية أن الكفّارة وجبت بنفس اليمين. وردّه من
أجاز بأنها لو كانت بنفس اليمين لم تسقط عمن لم يحنث اتفاقاً .
واحتجّوا أيضاً بأن الكفّارة بعد الحنث فرضٌ، وإخراجها قبله تطوّعٌ، فلا
يقوم التطوّع مقام الفرض.
وانفصل عنه من أجاز بأنه يشترط إرادة الحنث، وإلا فلا يجزىء، كما
في تقديم الزكاة. وقال عياض: اتفقوا على أن الكفّارة لا تجب إلا بالحنث،
وأنه يجوز تأخيرها بعد الحنث، واستحبّ مالكٌ، والشافعيّ، والأوزاعيّ،
(١) ((شرح النوويّ)) ١٠٨/١١ - ١٠٩.