Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨١
(١) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى - حديث رقم (٤٢٤٦)
خلاف الأولى غير صحيح، بل مراد الترمذيّ بهذه العبارة التحريم، وعليك أن
تتّبع تراجمه بهذه العبارة في كثير من المحرّمات التي لا خلاف في تحريمها
تجده واضحاً، وذلك أن السلف لا يطلقون الكراهة إلا على الحرام، وهو
الموافق لكتاب الله؛ فإنه نُعَلَ قال - بعد ذكر عدّة محرّمات، من الشرك،
﴾ [الإسراء:
١٣٨
والقتل، والزنا، وغيرها -: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ، عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا
٣٨]، وإنّ من استعمل الكراهة لخلاف الأولى هم متأخرو الفقهاء، فتنبّه لذلك،
فإنه مزلّة أقدام، وقد ذكرت هذا البحث مستوفى في غير هذا المحلّ، ولله
الحمد والمنّة.
قال وليّ الدين: وقيّد ذلك - أي: القول بالكراهة - في ((شرح الترمذيّ))
بالحلف بغير اللات والعزّى، وملّة غير الإسلام، فأما الحلف بنحو هذا فهو
حرامٌ، وكأن ذلك لأنها قد عُظّمت بالعبادة. وقد قال أصحابنا: إنه لو اعتقد
الحالف بالمخلوق في المحلوف به من التعظيم ما يعتقده في الله تعالى كفر،
وعلى هذا يُحمل ما روي أن النبيّ وَلو قال: ((من حلف بغير الله، فقد كفر)).
انتھی .
فمعظّم اللات والعزّى كافرٌ؛ لأن تعظيمها لا يكون إلا للعبادة، بخلاف
مُعَظِّم الأنبياء، والملائكة، والكعبة، والآباء، والعلماء، والصالحين، لمعنى
غير العبادة، لا تحريم فيه، لكن الحلف به مكروه، أو محرّم على الخلاف في
ذلك؛ لورود النهي عنه، وحكمته أن حقيقة العظمة مختصّة بالله تعالى، كما
قال تعالى: ((الكبرياء ردائي، والعظمة إزاريّ ... ))، فلا ينبغي مضاهاة غيره به
في الألفاظ، وإن لم تُرَد تلك العظمة المخصوصة بالإله المعبود.
قال الجامع: قد عرفت فيما سبق أن الحقّ تعميم التحريم، فإن نصوص
التحريم لم تفرّق بين الأنبياء، والملائكة، والأصنام، واللات والعزّى، بل
قال : ((من حلف بغير الله فقد كفر)). فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله
تعالى أعلم.
قال: وأما الحلف بالنصرانيّة، ونحوها، فلا أشكّ في أنه كفر؛ لأن
تعظيمها بأيّ وجه كان يقتضي حقيّتها، وذلك كفر، إلا أن يتأول الحالف أنه
أراد تعظيمها حين كانت حقّاً قبل نسخها، فلا أكفّره حينئذ، ولكن أحكم عليه

٥٨٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
بالعصيان؛ لبشاعة هذا اللفظ، والتشبّه فيه بأهل الكفر والضلال، والله أعلم.
انتهى كلام الحافظ العراقيّ دَّتُهُ .
قال وليّ الدين: وهذا الذي ذكره أصحابنا، رواه الترمذيّ، عن ابن عمر
أنه سمع رجلاً يقول: لا والكعبة، فقال ابن عمر: لا تحلف بغير الله، فإني
سمعت رسول الله ﴿ يقول: ((من حلف بغير الله، فقد كفر))، أو ((أشرك))،
وقال الترمذيّ: هذا حديث حسن. وأخرجه الحاكم في ((مستدركه))، وقال: إنه
صحيح على شرط الشيخين، وهو في ((سنن أبي داود)) في رواية ابن العبد،
دون رواية اللؤلؤيّ.
وقال الترمذيّ: تفسير هذا الحديث عند بعض أهل العلم أن قوله:
((كفر))، أو ((أشرك)) على التغليظ، والحجة في ذلك حديث ابن عمر: ((إن الله
ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم))، وحديث أبي هريرة ظبه: ((من حلف، فقال في
حلفه: واللات والعزّى، فليقل: لا إله إلا الله))، وهذا مثل ما روي عن
النبيّ وَ لو أنه قال: ((الرياء شرك))، فقد فسّر أهل العلم هذه الآية: ﴿فَ كَانَ يَرْحُواْ
لِقَآءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَِحًا وَلَا يُشْرِكِ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَأْ﴾ الآية [الكهف: ١١٠]، قال:
لا یرائي. انتھی.
وقال ابن العربيّ: يريد به شرك الأعمال، وكفرها، ليس شرك الاعتقاد،
ولا كفره، كقوله وَله: ((من أبق من مواليه، فقد كفر))، ونسبة الكفر إلى النساء.
وفي ((مصنّف ابن أبي شيبة)) عن الحسن، قال: مرّ عمر بالزبير ﴿ها، وهو
يقول: لا، والكعبة، فرفع عمر الدّة، وقال: الكعبة، لا أمّ لك، تُطعمك،
وتسقيك؟. وهذا منقطع.
وعن عكرمة، قال: قال عمر رظلبه: حدّثت قوماً حديثاً، فقلت: لا،
وأبي، فقال رجل من خلفي: لا تحلفوا بآبائكم، قال: فالتفتّ، فإذا
رسول الله وَ﴿، فقال: ((إن أحدكم حلف بالمسيح هلك، والمسيح خيرٌ من
آبائكم)). وهذا منقطع أيضاً.
وعن كعب الأحبار أنه قال: إنكم تشركون، قالوا: وكيف، يا أبا
إسحاق؟، قال: يحلف الرجل: لا وأبي، لا وأبيك، لا لعمري، لا لَحياتي،
ولا وحرمة المسجد، لا والإسلام، وأشباهه من القول.

٥٨٣
(١) - بَابُ النَّهْىِ عَنِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى - حديث رقم (٤٢٤٦)
وعن القاسم بن مُخيمِرةَ قال: ما أبالي حلفت بحياة رجل، أو بالصليب،
رواها كلها ابن أبي شيبة. انتهى كلام وليّ الدين تَُّ(١).
وقال في ((الفتح)): قال ابن المنذر: اختلف أهل العلم في معنى النهي
عن الحلف بغير الله، فقالت طائفة: هو خاصّ بالأيمان التي كان أهل الجاهليّة
يحلفون بها تعظيماً لغير الله تعالى، كاللات، والعزّى، والآباء، فهذه يأثم
الحالف بها، ولا كفّارة فيها، وأما ما كان يؤول إلى تعظيم الله، كقوله: وحقٌ
النبيّ، والإسلام، والحجّ، والعمرة، والهدي، والصدقة، والعتق، ونحوها،
مما يراد به تعظيم الله، والقربة إليه، فليس داخلاً في النهي.
وممن قال بذلك أبو عُبيد، وطائفة، ممن لقيناه، واحتجّوا بما جاء عن
الصحابة من إيجابهم على الحالف بالعتق، والهدي، والصدقة ما أوجبوه مع
كونهم رأوا النهي المذكور، فدلّ على أن ذلك عندهم ليس على عمومه، إذ لو
كان عاماً لنهوا عن ذلك، ولم يوجبوا فيه شيئاً. انتهى.
وتعقّبه ابن عبد البرّ بأن ذكر هذه الأشياء، وإن كانت بصورة الحلف،
فليست يميناً في الحقيقة، وإنما خرج على الاتّساع، ولا يمين في الحقيقة إلا
بالله. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة السادسة): في أقوال أهل العلم في الجمع بين أحاديث النهي
عن الحلف بغير الله تعالى، وبين قول النبيّ وَّ للأعرابيّ: ((أفلح وأبيه إن
صدق))، فقد أجابوا عن ذلك بأجوبة:
[أحدها]: تضعيف هذا الحديث، وإن كان في ((الصحيح))، قال ابن
عبد البرّ: هذه لفظة غير محفوظة في هذا الحديث من حديث من يُحتجّ به،
وقد روى هذا الحديث مالكٌ وغيره، لم يقولوا ذلك، وقد روي عن إسماعيل بن
جعفر هذا الحديث، وفيه: ((أفلح والله، إن صدق، أو دخل الجنّة والله إن
صدق))، وهذا أولى من رواية من روى: ((وأبيه))؛ لأنها لفظة منكرة، تردّها
الآثار الصحاح. انتهى.
(١) ((طرح التثريب)) ١٤٢/٧ - ١٤٤.
(٢) ((الفتح)) ٢٧٨/١٥ - ٢٨١ رقم (٦٦٤٦).

٥٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
وزعم بعضهم أن بعض الرواة عنه صحّف قوله: ((وأبيه)) من قوله:
((والله))، وهو محتملٌ، ولكن مثل ذلك لا يثبت بالاحتمال، وقد ثبت مثل ذلك
من لفظ أبي بكر الصدّيق ◌ُ في قصّة السارق الذي سَرَق حلي ابنته، فقال في
حقّه: ((وأبيك ما ليلك بليل سارق)). أخرجه في ((الموظّا)) وغيره.
قال السهيليّ: وقد ورد نحوه في حديث آخر مرفوع، قال للذي سأل:
أيّ الصدقة أعظم أجراً؟ فقال: ((أما وأبيك لَتُنََّنَّهُ)»، أخرجه مسلم.
فإذا ثبت ذلك، فيجاب بأجوبة:
[الأول]: أن هذا اللفظ كان يجري على ألسنتهم من غير أن يقصدوا به
الفَسَم، والنهي إنما ورد في حقّ من قصد حقيقة الحلف، وإلى هذا جنح
البيهقيّ، وقال النوويّ: إنه الجواب المرضيّ.
[الثاني]: أنه كان يقع على وجهين: أحدهما: للتعظيم، والآخر للتأكيد،
والنهي إنما وقع عن الأول، فمن أمثلة ما وقع في كلامهم للتأكيد، لا للتعظيم
قول الشاعر:
لَعَمْرُ أَبِي الْوَاشِينَ إِنِّي أُحِبُّهَا
وقول الآخر [من الطويل]:
فَإِنْ تَكُ لَيْلَى اسْتَوْدَعَتْنِي أَمَانَةً فَلَا وَأَبِي أَعْدَائِهَا لَا أُذِيعُهَا
فلا يُظنّ أن قائل ذلك قصد تعظيم والد أعدائها، كما لم يقصد الآخر
تعظيم والد من وَشَى به، فدلّ على أن القصد بذلك تأكيد الكلام، لا التعظيم.
وقال البيضاويّ: هذا اللفظ من جملة ما يُزاد في الكلام لمجرّد التقرير،
والتأكيد، ولا يُراد به القسم، كما تزاد صيغة النداء لمجرّد الاختصاص، دون
القصد إلى النداء.
وقد تُعقّب الجواب بأن ظاهر سياق حديث عمر يدلّ على أنه كان
يحلّفه؛ لأن في بعض طرقه أنه كان يقول: لا وأبي، لا وأبي، فقيل له: لا
تحلفوا، فلولا أنه بصيغة الحلف ما صادف النهي محلّاً، ومن ثمّ قال بعضهم:
وهو :
[الجواب الثالث]: إن هذا كان جائزاً، ثمّ نسخ، قاله الماورديّ، وحكاه
البيهقيّ، وقال السبكيّ: أكثر الشّرّاح عليه، حتى قال ابن العربيّ: ورُوي أنه وَله

٥٨٥
(١) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى - حديث رقم (٤٢٤٦)
كان يحلف بأبيه حتى نُهي عن ذلك، قال: وترجمة أبي داود تدلّ على ذلك.
يعني قوله: ((باب الحلف بالآباء))، ثم أورد الحديث المرفوع الذي فيه: ((أفلح
وأبيه، إن صدق))، قال السهيليّ: ولا يصحّ؛ لأنه لا يُظنّ بالنبيّ وَّ أنه كان
يحلف بغير الله، ولا يُقسم بكافر، تالله إنّ ذلك لبعيد من شیمته.
وقال المنذريّ: دعوى النسخ ضعيفة؛ لإمكان الجمع، ولعدم تحقّق
التاريخ.
[والجواب الرابع]: أن في الجواب حذفاً، تقديره: أفلح وربّ أبيه، قاله
البيهقيّ، وقد تقدّم.
[الخامس]: أنه للتعجّب، قاله السهيليّ، قال: ويدلّ عليه أنه لم يرد بلفظ
((أبي))، وإنما ورد بلفظ ((وأبيه)) بالإضافة إلى ضمير المخاطب حاضراً، أو
غائباً .
[السادس]: أن ذلك خاصّ بالشارع، دون غيره من أمّته.
وتُعُقّب بأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال، قاله في ((الفتح)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أرجح الأقوال قول من قال: إنه
لمجرّد التأكيد لا للتعظيم، كالبيتين السابقين، وكقول الآخر [من الطويل]:
لِأَهْجُوَهَا لَمَّا هَجَتْنِي مُحَارِبُ
أَطِيبُ سَفَاهَاً مِنْ سَفَاهَةِ رَأْيِهَا
وَنَفْسِيَ عَنْ ذَاكَ الْمَقَامِ لَرَاغِبُ
فَلَا وَأَبِيهَا إِنَّنِي بِعَشِيرَتِي
فإنه محالٌ أن يُقسم بأبي من يهجوه على سبيل الإعظام لحقّه، في أمثلة
كثيرة، والنهي إنما ورد في التعظيم.
والحاصل أن ما وقع في الحديث المذكور من قوله: ((أفلح وأبيه)) من
هذا النوع، وما تقدّم من التعقّب بأن ظاهر سياق حديث عمر يدلّ على أنه كان
يحلفه ... إلخ، فنقول: نعم إنه كان حالفاً به، على الوجه المذموم، كما هو
عادة قريش، فنهاه الشارع من أجل هذا، وأما استعماله وَل# فليس من هذا
الباب، بل من النوع الآخر الذي هو مجرد التأكيد، فافهم الفرق بينهما تُرشَدْ،
والله الهادي إلى سواء السبيل.

٥٨٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٤٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي،
عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ
حُمَيْدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ
مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثٍ عُقَيْلِ: مَا حَلَفْتُ بِهَا مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَلِ يَنْهَى
عَنْهَا، وَلَا تَكَلَّمْتُ بِهَا، وَلَمْ يَقُلُّ: ذَاكِراً وَلَا آثِراً).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ) الْفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الله
المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت٢٤٨) (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢١١/٢٦.
٢ - (أَبُوهُ) شُعيب بن الليث بن سعد الفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الملك
المصريّ، ثقةٌ نبيلٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (ت١٩٩) (م د س) تقدم في ((الإيمان))
٢٦/ ٢١١.
٣ - (جَدُّهُ) الليث بن سعد الإمام المصريّ المشهور، تقدّم قريباً.
٤ - (عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ) بن عَقِيل الأيليّ، أبو خالد الأمويّ مولاهم،
نزيل المدينة، ثم الشام، ثمّ مصر، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت١٤٤) على الصحيح (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ١٣٣/٨.
٥ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل بابين.
٦ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الْكِسّيّ، تقدّم قريباً.
٧ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام تقدّم قبل باب.
٨ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضاً قريباً.
و «الزهريُّ)) ذُکر قبله.
[تنبيه]: رواية عُقيل بن خالد، عن الزهريّ، ساقها أبو عوانة في
((مسنده))، فقال:
(٥٨٩٧) - حدثنا يوسف بن مسلم، قثنا حجاج، قئنا الليث، حدّثني
عُقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر
أخبره، أن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله وَالله يقول: ((إن الله ينهاكم
أن تحلفوا بآبائكم))، قال عمر: فوالله ما حلفت بها منذ يوم سمعت من

٥٨٧
(١) - بَابُ النَّهْىٍ عَنِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى - حديث رقم (٤٢٤٨ - ٤٢٤٩)
رسول الله وَيلهينهى عنها، ولا تكلمت بها. انتهى (١).
ورواية معمر، عن الزهريّ، ساقها عبد بن حُميد في ((مسنده))، فقال:
(٩) - أخبرنا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن الزهريّ، عن سالم، عن
ابن عمر، عن عمر، قال: سمعني رسول الله ◌َ﴿ أحلف بأبي، فقال:
((إن الله مك ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم))، قال عمر: فوالله ما حلفت بها ذاكراً
ولا آثراً. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٤٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ
حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِم، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:
سَمِعَ النَّبِيُّ وَّهِ عُمَرَ، وَهُوَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، بِمِثْلِ رِوَايَةٍ يُونُسَ، وَمَغْمَرٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم قريباً.
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) النسائيّ، ثم البغدادي، تقدّم قبل بابين.
٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ) تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، ولله
الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذِفُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٤٩] - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
رُمْح - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَليم
أَنَّهُ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي رَكْبٍ، وَعُمَرُ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ(٣)، فَنَادَاهُمْ
(١) ((مسند أبي عوانة)) ٢٤/٤.
(٢) «مسند عبد بن حميد)) ٢٤/١.
(٣) وفي نسخة: ((في ركب، وهو يحلف بأبيه)).

٥٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَلَا إِنَّ اللهَ رَكْ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفاً
فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ، أَوْ لِيَصْمُتْ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ) بن المهاجر، تقدّم قريباً.
٣ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، تقدّم قريباً.
والباقيان ذُكرا في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف ◌َذَثُ، وهو (٢٨٠) من رباعيّات الكتاب.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن عمر ظْهَا (عَنْ رَسُولِ اللهِنَّهِ أَنَّهُ أَدْرََكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ)
قال الحافظ ◌َّتُهُ: هذا السياق يقتضي أن الخبر من مسند ابن عمر، وكذا وقع
في رواية عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: ولم أر عن نافع في ذلك
اختلافاً إلا ما حَكَى يعقوب بن شيبة أن عبد الله بن عمر الْعُمَريّ الضعيف المكبر
رواه عن نافع، فقال: عن ابن عمر، عن عمر، قال: ورواه عبيد الله بن عمر
العمريّ المصغر الثقة، عن نافع، فلم يقل فيه: عن عمر، وهكذا رواه الثقات،
عن نافع، لكن وقع في رواية أيوب، عن نافع، أن عمر لم يقل فيه: عن ابن
عمر، وقد أخرجه مسلم من طريق أيوب، فذكره، وأخرجه أيضاً عن جماعة من
أصحاب نافع بموافقة مالك، ووقع للمزيّ في ((الأطراف)) أنه وقع في رواية
عبد الكريم عن نافع، عن ابن عمر في ((مسند عمر))، وهو مُعتَرَضٌ، فإن مسلماً
ساق أسانيده فيه إلى سبعة أنفس، من أصحاب نافع، منهم عبد الكريم، ثم قال
سبعتهم: عن نافع، عن ابن عمر، بمثل هذه القصة، وقد أورد المزيّ طرق الستة
الآخرين في ((مسند ابن عمر)) على الصواب، ووقع الاختلاف في رواية سالم بن
عبد الله بن عمر، عن أبيه (١)، وقد تقدّم بيان ذلك مفصّلاً، والله تعالى أعلم.
(١) ((الفتح)) ٢٧٣/١٥ - ٢٧٤، كتاب ((الأيمان والنذور)) رقم (٦٦٤٦).

٥٨٩
(١) - بَابُ النَّهْيٍ عَنِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى - حديث رقم (٤٢٤٩)
(فِي رَکْبٍ) - بفتح، فسکون -: جمع راكب، كصاحب وصَحْبٍ، ويُجمع
أيضاً على رُكْبَان.
وفي ((مسند يعقوب بن شيبة)) من طريق ابن عباس، عن عمر: ((بينا أنا
راكب، أسير في غَزَاة، مع رسول الله (وَلِّ)).
(وَعُمَرُ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ) وفي نسخة: ((في ركب، وهو يحلف بأبيه))، وفي
رواية سفيان بن عيينة، عن ابن شهاب أن رسول الله وَ﴾ٌ سَمِعَ عمر، وهو
يحلف بأبيه، وهو يقول: وأبي، وأبي، وفي رواية إسماعيل بن جعفر، عن
عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، من الزيادة: ((وكانت قريش تحلف بآبائها)).
(فَنَادَاهُمْ)؛ أي: الركبَ (رَسُولُ اللهِ وَفيِ: ((أَلَا) بفتح الهمزة، وتخفيف
اللام: أداة استفتاح وتنبيه (إِنَّ اللهَ رَتْ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ) ووقع في
((مصنف ابن أبي شيبة)) من طريق عكرمة قال: قال عمر: حَدَّثتُ قوماً حديثاً،
فقلت: لا وأبي، فقال رجل من خلفي: ((لا تحلفوا بآبائكم))، فالتفتّ، فإذا
رسول الله ﴿ يقول: ((لو أن أحدكم حلف بالمسيح هلك، والمسيح خير من
آبائكم))، قال الحافظ: وهذا مرسل يتقوى بشواهده. انتهى.
(فَمَنْ كَانَ حَالِفاً فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ، أَوْ لِيَصْمُتْ))) بضمّ الميم، يقال: صَمَتَ
يَصْمُتُ صَمْتاً، من باب نصر: إذا سكت، وصُمُوتاً، وصُمَاتاً، فهو صامتٌ،
وأصمته غيره، وربّما استُعمل الرباعيّ لازماً أيضاً، قاله الفيّوميّ تَظْذَهُ(١).
قال في ((الفتح)): قال العلماء: السرّ في النهي عن الحلف بغير الله أن
الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده، وظاهر
الحديث تخصيص الحلف بالله خاصّةً، لكن قد اتَّفَقَ الفقهاء على أن اليمين
تنعقد بالله، وذاته، وصفاته العليّة، واختلفوا في انعقادها ببعض الصفات، كما
سبق، وكأن المراد بقوله: ((بالله)) الذاتُ، لا خصوص لفظ ((الله))، وأما اليمين
بغير ذلك، فقد ثبت المنع فيها، وهل المنع للتحريم؟ قولان عند المالكية، كذا
قال ابن دقيق العيد، والمشهور عندهم الكراهة، والخلاف أيضاً عند الحنابلة،
لكن المشهور عندهم التحريم، وبه جزم الظاهرية.
(١) ((المصباح المنير)) ٣٤٦/١ - ٣٤٧.

٥٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
قال الجامع عفا الله عنه: كونه للتحريم، كما هو المشهور عند الحنابلة،
وجزم به الظاهريّة هو الأرجح؛ لظهور حجته، كما لا يخفى على من تأمّل
بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
وقال ابن عبد البرّ: لا يجوز الحلف بغير الله بالإجماع، ومراده بنفي
الجواز الكراهة، أعمّ من التحريم والتنزيه، فإنه قال في موضع آخر: أجمع
العلماء على أن اليمين بغير الله مكروهة، منهيّ عنها، لا يجوز لأحد الحلف
بها، والخلاف موجود عند الشافعية، من أجل قول الشافعيّ: أخشى أن يكون
الحلف بغير الله معصية، فأشعر بالتردد، وجمهور أصحابه على أنه للتنزيه.
وقال إمام الحرمين: المذهب القطع بالكراهة، وجزم غيره بالتفصيل، فإن
اعتقد في المحلوف فيه من التعظيم ما يعتقده في الله حَرُم الحلف به، وكان
بذلك الاعتقاد كافراً، وعليه يتنزل الحديث المذكور، وأما إذا حلف بغير الله
لاعتقاده تعظيم المحلوف به على ما يليق به من التعظيم، فلا يكفر بذلك، ولا
تنعقد یمینه .
وقال الماورديّ: لا يجوز لأحد أن يُحَلِّف أحداً بغير الله، لا بطلاق،
ولا عَتَاق، ولا نذر، وإذا حَلَّف الحاكم أحداً بشيء من ذلك وجب عزله؛
لجهله. انتھی(١).
والحديث متفقٌ عليه، وقد مضی تمام شرحه، وبیان مسائله قبل حدیثین،
ولله الحمد والمنّة، وله الفضل والنعمة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّقُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٥٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح)
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى - وَهُوَ الْقَطََّنُ - عَنْ عُبَيْدِ الهِ (ح) وَحَدَّثَنِي
بِشْرُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا
أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ
إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَمَيَّةَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكِ، أَخْبَرَنَا الضَّخَُّ،
(١) ((الفتح)) ٢٧٤/١٥ - ٢٧٥ رقم (٦٦٤٦).

٥٩١
(١) - بَابُ الَّهْىِ عَنِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى - حديث رقم (٤٢٥٠)
وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ،
عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ نَافِعِ، ثُنِ ابْنِ عُمَرَ، بِمِثْلٍ
هَذِهِ الْقِصَّةِ، عَنِ النَّبِّ ◌ََّ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة وعشرون:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٢ - (أَبُوه) عبد الله بن نمير، تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (يَحْيَى الْقَطَّانُ) ابن سعيد الإمام الشهير، تقدّم قريباً.
٥ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر الْعُمريّ المدنيّ الفقيه، تقدّم أيضاً قريباً.
٦ - (بِشْرُ بْنُ هِلَالٍ) الصّوّاف، أبو محمد النُّمَيريّ البصريّ، ثقةٌ [١٠].
رَوَى عن جعفر بن سليمان، وعبد الوارث بن سعيد، ويزيد بن زُريع،
ويحيى القطان، وغيرهم.
وروى عنه الجماعة، إلا البخاريّ، وإسحاق الْكَوْسَج، وبَقِيّ بن مَخْلَد،
وحرب الكرمانيّ، وابن خزيمة، وأبو حاتم.
قال أبو حاتم: محله الصدق، وكان أيقظ من بشر بن معاذ، ووَثَّقه
النسائيّ في أسماء شيوخه، وأبو عليّ الجيانيّ في أسماء شيوخ أبي داود، وقال
ابن حبان في ((الثقات)): يُغْرِب.
وقال ابن أبي عاصم: مات سنة (٢٤٧).
روى عنه المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا
برقم (١٦٤٦)، وحديث (٢١٨٦): ((باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك ... ))
الحدیث.
٧ - (عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان تقدّم قريباً .
٨ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة السَّخْتِيانيّ، تقدّم قبل بابين.
٩ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة،
تقدّم قريباً.
١٠ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة، تقدّم أيضاً قريباً.

٥٩٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
١١ - (الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ) المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثم الكوفيّ،
ء
صدوقٌ عارف بالمغازي، ورُمي برأي الخوارج [٦] (ت١٥١) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٣٦١/٦٤.
١٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعدنيّ، ثم المكيّ،
تقدّم قبل بابين.
١٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ) بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أميّة الأمويّ،
ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت١٤٤) أو قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٢/٧.
١٤ - (ابْنُ أَبِي فُدَيْك) محمد بن إسماعيل بن مسلم المدنيّ، تقدّم قريباً.
١٥ - (الضَّخَّاكُ) بن عثمان بن عبد الله بن خالد بن حِزَام الأسديّ الْحِزَاميّ،
أبو عثمان المدنيّ، صدوقٌ يَهِم [٧] (م ٤) تقدم في ((الحيض)) ١٦ / ٧٧٤.
١٦ - (ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن
أبي ذئب القرشيّ العامريّ، أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [٧] (ت ٨
أو ١٥٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩٣/٦.
١٧ - (عَبْدُ الْكَرِيم) بن مالك الْجَزَريّ، أبو سعيد الأمويّ مولاهم،
الْخِضْرميّ، ثقة ثبتٌ حافظَ [٥](١) (ت١٢٧) (ع) تقدم في ((الصيام)) ٢٦٠٩/١٥.
والباقون ذكروا في الباب.
وقوله: (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) هو العمريّ، وهو شيخ عبد الله بن نمير، ویحیی
القطّان، وكان الأولى للمصنّف تَُّ، كما جرت به عادته أن يقول في مثل هذا:
كلاهما عن عبيد الله؛ لئلا يُتوهّم أن عبد الله بن نُمير ممن روى مع السبعة عن
نافع، وهذا وإن كان واضحاً؛ لأنه لم يلق نافعاً، إلا أنه ربّما يشتبه على من لا
دراية له بطبقات الراوة، وما أكثرهم في هذا الزمن، بل وقبله بفترة طويلة، فقد قلّ
من يعتني بهذا الفنّ، وصار فنّاً مهجوراً، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقوله: (كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ نَافِعٍ ... إلخ)؛ يعني: أن هؤلاء السبعة، وهم:
عبيد الله العمريّ، وأيوب السّخْتيَانيّ، والوليد بن كثير، وإسماعيل بن أُميّة،
(١) جعله في ((التقريب)) من السادسة، وعندي أنه من الخامسة؛ لأنه رأى أنساً
كما في ((تهذيب التهذيب))، فتنبّه.
،

٥٩٣
(١) - بَابُ النَّهْىٍ عَنِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى - حديث رقم (٤٢٥٠)
والضّاك بن عثمان، وابن أبي ذئب، وعبد الكريم الْجَزَريّ رووا هذا الحديث
عن نافع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﴿ُهَا بِمِثْلِ قِصَّةِ عمر ◌َّه السابقة، عَنِ النَّبِيِّ وَلِهِ.
وقوله: (بِمِثْلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ، عَنِ النَّبِيِّ وَعليه) أراد به أن هؤلاء السبعة رووه
عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ وَّر، فجعلوه من مسند ابن عمر، لا من
مسند عمر پا، فتنبه.
[تنبيه]: رواية عبد الله بن نُمير، عن عبيد الله العمريّ، عن نافع ساقها
الإمام أحمد ◌َّتُهُ في ((مسنده))، فقال:
(٦٢٨٨) - ثنا ابن نُمَيْرٍ، ثنا عُبَيْدُ اللهِ، عن نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، قال:
أَدْرَكَ رسول اللهِ وَِّ عُمَرَ بِن الْخَطَّابِ، وهو في رَكْبٍ، وهو يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فقال
النبيّ وَّ: ((أَلَا إن اللهَ يَنْهَاكُمْ أن تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَلْيَحْلِفْ حَالَفٌ بِاللهِ، أو
لِیَسْكُتْ)). انتهى(١).
وأما رواية يحيى القطّان، عن عبيد الله، فساقها النسائيّ ◌َُّ في
((الكبرى))، فقال:
(٧٦٦٣) - أخبرنا عبيد الله بن سعيد، قال: ثنا يحيى، عن عبيد الله، عن
نافع، عن عبد الله، أن رسول الله وَ ﴾ أدرك عمر في ركب يحلف بأبيه، فقال:
((إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفاً فليحلف بالله، أو ليسكت)).
انتھی(٢) .
وأما رواية أيوب السَّخْتيانيّ، عن عبيد الله، فساقها الطبرانيّ كَّتُهُ في
((الأوسط))، فقال:
(٨٤٦٣) - حدّثنا معاذ، قال: نا عبد الرحمن بن المبارك، قال: نا
وهيب بن خالد، قال: نا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر: أن
النبيّ وَ ◌ّ سمعه، وهو في ركب، وهو يقول: وأبي، فقال رسول الله وَلّ:
((إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله، أو ليسكت)).
قال: لم يرو هذا الحديث عن أيوب إلا وهيب، تفرد به عبد الرحمن بن
المبارك. انتهى (٣).
(١) ((مسند أحمد بن حنبل)) ٢/ ١٤٢.
(٣) ((المعجم الأوسط)) ٢٢٣/٨.
(٢) (سنن النسائي الكبرى)) ٤/ ٣٩٤.

٥٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
قال الجامع عفا الله عنه: دعواه تفرّد وُهيب بالرواية عن أيوب يردّه ما
وقع عند مسلم هنا من رواية عبد الوارث بن سعيد، عن أيوب، فتنبّه، والله
تعالى أعلم.
وأما رواية الوليد بن كثير، عن نافع، فقد ساقها البيهقيّ ◌َّثُ في
(الکبری))، فقال:
(١٩٦١٠) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا:
ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الحميد الحارثيّ، ثنا أبو
أسامة، عن الوليد بن كثير، حدّثني نافع مولى عبد الله بن عمر، أن ابن
عمر ﴿ًّا حدّثهم أن رسول اللهِ وَ ﴿ أدرك عمر ﴿به، وهو في رَكُب، وهو
يحلف بأبيه، فلما سمعه رسول الله وَ ل﴿ل قال: ((مَهْلاً، فإن الله قد نهاكم أن
تحلفوا بآبائكم، من حلف فليحلف بالله، أو ليسكت)). انتهى(١).
وأما رواية إسماعيل بن أُميّة، عن نافع، فساقها الْحُميديّ تَُّ في
(«مسنده))، فقال :
(٦٨٦) - حدّثنا الحميديّ(٢)، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا إسماعيل بن
أمية، عن نافع، عن ابن عمر قال: أدرك رسول الله وَ ﴿ عمر، وهو في سفره،
وهو يقول: وأبي، وأبي، فقال: ((ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن
كان حالفاً فليحلف بالله، أو ليَضْمُت)). انتهى(٣).
وأما رواية ابن أبي ذئب، عن نافع، فقد ساقها أبو عوانة تَُّهُ في
((مسنده))، فقال:
(٥٩٠٥) - حدّثنا أبو عُثْبة أحمد بن الفرج الحمصيّ، قثنا ابن أبي فُديك،
عن ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله وَلقد أدرك عمر، وهو
في ركب، وهو يحلف بأبيه، فقال: ((إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان
حالفاً فليحلف بالله، أو ليسكت)). انتهى (٤).
(١) ((سنن البيهقي الكبرى)) ٢٨/١٠.
(٢) هذا قول الراوي عن الحميديّ، فتنبّه.
(٣) ((مسند الحميديّ)) ٣٠١/٢.
(٤) ((مسند أبي عوانة)) ٢٦/٤.

٥٩٥
(١) - بَابُ النَّهْىٍ عَنِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى - حديث رقم (٤٢٥٠)
وأما رواية عبد الكريم الجزريّ، عن نافع، فقد ساقها أيضاً أبو
عوانة لَّتُهُ في ((مسنده))، إلا أنه قال: عبد الكريم بن أبي المخارق، فقال:
(٥٨٩٨) - حدّثنا الدَّبَرِيّ، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال:
أخبرني عبد الكريم بن أبي الْمُخارق، أن نافعاً أخبره، عن ابن عمر، عن
عمر، قال: سمعني النبيّ وَلقر أحلف بأبي، فقال: ((يا عمر لا تحلف بأبيك،
احلف بالله، ولا تحلف بغير الله))، قال: فما حلفت بعدُ إلا بالله، ورآني أبول
قائماً، قال: ((يا عمر لا تبل قائماً))، قال: فما بُلْتُ قائما بعدُ. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر صنيع المصنّف ◌َخَّلهُ يقتضي أن عبد الكريم
هو الجزريّ المتّفق على كونه ثقةً، وأن روايته كرواية الستة الذين عُطف عليهم
هو، فيكون ممن جعل الحديث من مسند ابن عمر ◌ًا، لا من مسند
عمر ظُه، وهو الذي أشار إليه الحافظ تَُّ فيما مرّ مما نقلته عن ((الفتح))،
وكذلك صرّح الحافظ المزيّ كَُّ في ((تحفة الأشراف)»(٢) أنه عبد الكريم بن
مالك الْجَزَريّ، إلا أنه جعله ممن جعلوا الحديث من مسند عمر
ـه ،
فاعترض عليه الحافظ في كلامه السابق.
وأما صنيع أبي عوانة تَخُّْ في هذه الرواية فصريحة أنه عبد الكريم بن
أبي المخارق المتّفق على ضعفه، وأنه جعل الحديث من مسند عمر، لا من
مسند ابن عمر ظه، وأن سياقه فيه من الزيادة البول قائماً، وهو بهذا السياق
ضعيف، وقد ذكرت البحث عنه في ((الطهارة)) من ((شرح النسائيّ))، فراجعه
تستفد .
وخلاصة البحث أن الرواية التي ساقها أبو عوانة غير الرواية التي أحالها
مسلم على رواية الليث عن نافع، فإنها من رواية عبد الكريم الجزري الثقة
الحافظ، وأن متنها هو المتن الذي رواه الليث وغيره، وأنه من مسند ابن
عمر ها.
ومما يؤيّد هذا أن المصنّف تَخْذَلُ لو أراد رواية عبد الكريم بن أبي
الْمُخارق لأشار إلى ما فيها من المخالفة، وزيادة قصّة البول؛ لأن المحلّ محلّ
(١) ((مسند أبي عوانة)) ٢٥/٤.
(٢) راجع: ((تحفة الأشراف)) ٦/ ١١٧.

٥٩٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
حاجة، وإيضاح، ومن عادته تَخْتُ العناية بمثل هذه الاختلافات، مع أن ابن
أبي الْمُخارق من الضعفاء المشهورين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٥١] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ،
وَابْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -
وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ نَّهِ: (مَنْ كَانَ حَالِفاً فَلَا يَحْلِفْ إِلَّ بِالهِ»، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَحْلِفُ
بِآبَائِهَا، فَقَالَ: ((لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَار) مولى ابن عمر المدنيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبل أربعة
أحاديث، ولله الحمد والمنّة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيفِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٢) - (بَابٌ مَنْ حَلَفَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٥٢] (١٦٤٧) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ
(ح) وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ بَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ
شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ، فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: بِاللَّاتِ، فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ،
وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ، فَلْيَتَصَدَّقْ))).

٥٩٧
(٢) - بَابٌ مَنْ حَلَفَ بِاللَّتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ - حديث رقم (٤٢٥٢)
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣]
(ت١٠٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦.
٢ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َظُه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غیر شیخیه، فالأول تفرّد به هو وأبو
داود، والنسائيّ، وابن ماجه، والثاني تفرّد به هو، والنسائيّ، وابن ماجه، وأن
نصفه الأول مسلسل بالمصريين، والثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ عن
تابعيّ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َتْهَ، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (( مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ،
فَقَالَ: بِاللَّاتِ) وفي الرواية التالية: ((من حلف باللات وَالْعُزَّى))؛ أي: قال في
حلفه: باللات والْعُزَّى؛ أي: أحلف بهما إما بالجمع، أو بإفراد أحدهما؛
أي: بلا قصد، بل جرى على لسانه، كما جرت العادة بينهم بذلك؛ حيث
كانوا قريبي عهد بجاهليّة.
أخرج البخاريّ في ((صحيحه)) من طريق أبي الأشهب ـ جعفر بن حيّان -،
عن أبي الجوزاء - أوس بن عبد الله -، عن ابن عبّاس ◌ِّ في قوله ((اللات،
والعُزّى)): كان اللات رجلاً يَلُتُّ سويق الحاجّ. قال في ((الفتح)): قال
الإسماعيليّ: هذا التفسير على قراءة من قرأ (اللاتّ)) بتشديد التاء. قال
الحافظ: وليس بلازم، بل يَحْتَمِل أن يكون هذا أصله، وخُفّف لكثرة
الاستعمال، والجمهور على القراءة بالتخفيف. وقد روي التشديد عن قراءة ابن
عبّاس، وجماعة من أتباعه، ورُويت عن ابن كثير أيضاً، والمشهور عنه
التخفیف کالجمهور.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن
ابن عبّاس، ولفظه فيه زيادة: ((كان يلُتّ السويق على الْحَجَر، فلا يشرب منه

٥٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
أحدٌ إلا سَمِنَ، فعبدوه)). واختلف في اسم هذا الرجل، فروى الفاكهيّ من
طريق مجاهد، قال: كان رجلٌ في الجاهليّة على صخرة بالطائف، وعليها له
غنمٌ، فكان يسلو من رِسْلها، ويأخذ من زبيب الطائف، والأقط، فيجعل منه
حَيْساً، ويُطعم من يمرّ به من الناس، فلَمّا مات عبدوه))، وكان مجاهد يقرأ
((اللات)) مشدّدةً.
ومن طريق ابن جُريج نحوه، قال: وزعم بعض الناس أنه عامر بن الطّرِب.
انتهى، وهو - بفتح الظاء المشالة، وكسر الراء، ثم موحّدة - وهو الْعُدْوانيّ - بضمّ
المهملة، وسكون الدال ـ وكان حَگمَ العرب في زمانه، وفيه يقول شاعرهم:
وَمِنَّا حَكَمٌ يَقْضِي وَلَا يُنْقَضُ مَا يَقْضِي
وحَكَى السهيليّ أنه عمرو بن لُحَيّ بن قمعة بن إلياس بن مضر، قال:
ويقال: هو عمرو بن لُحَيّ، وهو ربيعة بن حارثة، وهو والد خُزاعة. انتهى.
قال: وحرّف بعض الشرّاح كلام السهيليّ، وظنّ أن ربيعة بن حارثة قول
آخر في اسم اللات، وليس كذلك، وإنما ربيعة بن حارثة اسم لُحيّ فيما قيل،
والصحيح أن اللات غير عمرو بن لُحيّ، فقد أخرج الفاكهيّ من وجه آخر، عن
ابن عبّاس أن اللات لَمّا مات قال لهم عمرو بن لُحيّ: إنه لم يمت، ولكنّه
دخل الصخرة، فعبدوها، وبنوا عليها بيتاً، وقد ثبت أن عمرو بن لُحيّ هو
الذي حمل العرب على عبادة الأصنام.
وحكى ابن الكلبيّ أن اسمه صرمة بن غنم، وكانت اللاتّ بالطائف.
وقيل: بنخلة. وقيل: بعكاظ، والأول أصحّ.
وقد أخرجه الفاكهيّ أيضاً من طريق مِقسم، عن ابن عبّاس، قال هشام بن
الكلبيّ: كانت مناة أقدم من اللات، فهدمها عليّ عام الفتح بأمر النبيّ ◌َّ،
وكانت اللات أحدث من مناة، فهدمها المغيرة بن شعبة بأمر النبيّ وَّ لمّا
أسلمت ثقيف، وكانت العزّى أحدث من اللات، وكان الذي اتّخذها ظالم بن
سعد بوادي نخلة فوق ذات عرق، فهدمها خالد بن الوليد بأمر النبيّ وَ لقّ عام
الفتح. انتهى(١).
(١) ((الفتح) ٦٤٦/١٠ - ٦٤٧، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٨٦٠).

٥٩٩
(٢) - بَابٌ مَنْ حَلَفَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ - حديث رقم (٤٢٥٢)
وقال أبو العبّاس القرطبيّ تَخْلَتُهُ: اللات، والعزّى، ومناة أصنامٌ ثلاثةٌ
كانت في جوف الكعبة. وقيل: اللات بالطائف، والعُزّى بغَطَفان، وهي التي
هدمها خالد بن الوليد، ومناة بقُدَيد. وقيل: بالمشلَّل. فأما اللات، فقيل: إنهم
أرادوا به تأنيث اسم الله تعالى. وقيل: أرادوا يسمّوا بعض آلهتهم باسم الله
تعالى، فصرف الله ألسنتهم عن ذلك، فقالوا: اللات؛ صيانة لذلك الاسم
العظيم أن يُسمّى به غيره، كما صرف ألسنتهم عن سبّ محمد ◌َّهَ إلى مُذَمَّم،
فكانوا إذا تكلّموا باسمه في غير السبّ، قالوا: محمد، فإذا أرادوا أن يسبّوه،
قالوا: مذمّم، حتى قال النبيّ وَّه: ((ألا تعجبون مما صرف الله عنّي من أذى
قريش؟ يسبّون مذمّماً، وأنا محمد))، رواه البخاريّ.
ولَمّا نشأ القوم على تعظيم تلك الأصنام، وعلى الحلف بها، وأنعم الله
عليهم بالإسلام، بقيت تلك الأسماء تجري على ألسنتهم من غير قصد للحلف
بها، فأمر النبيّ وَّ من نطق بذلك أن يقول بعده: لا إله إلا الله، تكفيراً لتلك
اللفظة، وتذكيراً من الغفلة، وإتماماً للنعمة. وخصَّ اللات بالذكر في هذا
الحديث؛ لأنها أكثر ما كانت تجري على ألسنتهم، وحكم غيرها من أسماء
آلهتهم حکمها؛ إذ لا فرق بينها .
والْعُزَّى تأنيث الأعزّ، كالْجُلَّى تأنيث الأجلّ. انتهى كلام
القرطبيّ كَقَّهُ(١).
(فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)؛ أي: استدراكاً لما فاته من تعظيم الله تعالى في
محلّه، ونفياً لِمَا تعاطى من تعظيم الأصنام صورةً، وأما من قصد الحلف
بالأصنام تعظيماً لها، فإنه كافر بلا خلاف، ـ نعوذ بالله تعالى من ذلك -.
وأخرج أحمد، والنسائيّ، وابن ماجه، وصححه ابن حبّان عن مصعب بن
سعد، عن أبيه، قال: كنا نَذْكُر بعض الأمر، وأنا حديث عهد بالجاهلية،
فحلفت باللات والعُزَّى، فقال لي أصحاب رسول الله وَطور: بئسما قلت، ائت
رسول الله ◌َ﴾، فأخبره، فإنا لا نراك إلا قد كفرت، فأتيته، فأخبرته، فقال
لي: ((قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ثلاثَ مرّات، وتعوّذ بالله من
(١) ((المفهم)) ٦٢٥/٤ - ٦٢٦.

٦٠٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأيمان
الشيطان ثلاثَ مرّات، واتْفُلْ عن يسارك ثلاث مرّات، ولا تَعُدْ له)).
وقال الخطابيّ: اليمين إنما تكون بالمعبود المعظّم، فإذا حلف باللات،
ونحوها، فقد ضاهى الكفّار، فأمر أن يتدارك بكلمة التوحيد. وقال ابن
العربيّ: من حلف بها جادّاً، فهو كافر، ومن قالها جاهلاً، أو ذاهلاً، يقول:
لا إله إلا الله، يكفّر الله عنه، ويردّ قلبه عن السهو إلى الذكر، ولسانه إلى
الحقّ، وينفي عنه ما جرى به من اللغو(١).
(وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أَقَامِرْلَكَ) بالجزم على أنه جواب الأمر، والمقامرة
مصدر قامره: إذا طلب كلّ منهما أن يَغْلِب على صاحبه في فعل أمر، أو قولٍ،
ليأخذ مالاً جَعَلاه للغالب منهما، وهذا حرام بالإجماع، إلا أنه استُثني منه نحو
سِبَاق الخيل، وقد استوفيت بحثه في ((شرح النسائيّ))، فراجعه، وبالله تعالى
التوفيق.
(فَلْيَتَصَدَّقْ))) قال الخطّابِيّ تَظْذُ: أي بالمال الذي كان يريد أن يقامر به.
وقيل: بصدقةٍ ما؛ لتكفّر عنه القول الذي جرى على لسانه. قال النوويّ كَّتُهُ:
وهذا هو الصواب، وعليه يدلّ ما في رواية مسلم: ((فليتصدّق بشيء))، وزعم
بعض الحنفيّة أنه يلزمه كفّارة یمین، وفيه ما فيه. انتهى.
وقال القرطبيّ تَّثُ: القول فيه كالقول في اللات؛ لأنهم كانوا اعتادوا
المقامرة، وهي من أكل المال بالباطل، ولمّا ذمها النبيّ ◌َّ بالغ في الزجر
عنها، وعن ذكرها، حتّى إذا ذكرها الإنسان طالباً للمقامرة بها أمره بصدقة.
والظاهر وجوبها عليه؛ لأنها كفّارة مأمور بها، وكذلك قول: لا إله
إلا الله على من قال: واللاتِ.
ثم هذه الصدقة غير محدودة، ولا مقدّرة، فيتصدّق بما تيسّر له مما
يصدق عليه الاسم، كالحال في صدقة مناجاة الرسول في قوله تعالى: ﴿يَأَيّا
الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا نَجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّعُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَنَّكُمْ صَدَقَةٌ﴾ الآية [المجادلة: ١٢]،
فإنها غير مقدّرة.
وقال الخطّابيّ: يتصدّق بقدر ما أراد أن يقامر به، وليس في اللفظ ما
(١) راجع: ((الفتح)) ٦٤٧/١٠، رقم (٤٨٦٠).