Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
(٦) - بَابُ تَرْكِ الْوَصِيَّةِ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ - حديث رقم (٤٢١٩)
الوصية واجبة على النَّاس، وأن ذلك الحكم لم يُنسخ، وفيه بُعد.
ثم إن ابن أبي أوفى غَفَل عمَّا أوصى به النبيّ وَّ، وهي وصايا كثيرة؛
فمنها: أنه قال: ((لا يقتسم ورثتي ديناراً ولا درهماً))، رواه مسلم، و((لا
نورث، ما تركنا صدقة))، متّفقٌ عليه، وقال عند موته: ((لا يبقين دينان بجزيرة
العرب، وأخرجوا المشركين منها، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجیزهم))، رواه
مالك في الموطإ، وكان من آخر ما وصَّى به - وهو ما يفيض - أن قال:
((الصلاة وما ملكت أيمانكم))، وهذه كلها وصايا منه ربَّر، ذَهِل ابن أبي أوفى
عنها .
وذكر ابن إسحاق: أن النبيّ ◌َ ر أوصى عند موته لجماعة من قبائل
العرب بجِدَاد أوساقٍ من تمر سهمه بخيبر، ذكره في ((السيرة))، ولم يذكر ابن
أبي أوفى من جملة ما وصَّى به النبيّ وَّهِ إلا كتابَ الله، إمَّا ذهولاً، وإما
اقتصاراً عليه؛ لأنه أعظمُ، وأهمُّ من كل ما وصَّى به، وأيضاً: فإذا استوصى
النَّاس بكتاب الله، فعملوا به قاموا بكل ما أوصى به، والله تعالى أعلم.
(١)
انتھی(١).
(قُلْتُ: فَلِمَ كُتِبَ) بالبناء للمفعول؛ أي: كيف أوجب الله تعالى (عَلَى
الْمُسْلِمِينَ الْوَصِيَّةُ؟) بالرفع على أنه نائب فاعل ((كُتب))، قال النوويّ: ((مراد
السائل بقوله: ((فلم كُتب ... إلخ)) قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ
اَلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًّا الْوَصِيَّةُ﴾ الآية [البقرة: ١٨٠]، وهذه الآية منسوخة عند
الجمهور، ويَحْتَمِل أن السائل أراد بكتب الوصيّة الندب إليها))، والله أعلم (٢).
(أَوْ فَلِمَ أُمِرُوا بِالْوَصِيَّةِ؟) لفظ البخاريّ: ((كيف كُتب على الناس الوصيّة؟
أو قال: كيف أُمروا بها؟)).
فأو: للشكّ من الراوي، هل قال: كيف كُتب على المسلمين الوصية، أو
قال: فلِمَ أمروا بالوصيّة؟ زاد البخاريّ في ((فضائل القرآن)): (ولم يوص))،
وبذلك يتمّ الاعتراض؛ أي: كيف يؤمر المسلمون بشيء، ولا يفعله النبيّ وَّة؟.
قال النوويّ نَّثُ: لعل ابن أبي أوفى أراد لم يوص بثلث ماله، ولا
(١) ((المفهم)) ٤ /٥٥٦ - ٥٥٧.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٨٨/١١.

٤٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا
رَُّه، ولا إلى غيره،
غيره؛ لأنه لم يترك بعده مالاً، ولا أوصى إلى عليّ
بخلاف ما تزعمه الشيعة، وأما الأرض التي كانت له {َّ* بخيبر، وفَدَك، فقد
سَبّلها في حياته، ونجّز الصدقة بها على المسلمين(١).
وأما السلاح والبغلة ونحو ذلك، فقد أخبر بأنها لا تورث عنه، بل جميع
ما يَخلُفه صدقةٌ، فلم يبق بعد ذلك ما يوصي به، من الجهة المالية، وأما
الوصايا بغير ذلك، فلم يُرد ابن أبي أوفى نفيها .
قال في ((الفتح)): ويَحْتَمِل أن يكون المنفيّ وصيته إلى عليّ
صرعنه
بالخلافة، كما وقع التصريح به في حديث عائشة ثا الذي بعده، ويؤيده ما
وقع في رواية الدارميّ عن محمد بن يوسف، وكذلك عند ابن ماجه، وأبي
عوانة، في آخر حديث الباب: ((قال طلحة: فقال هُزَيل بن شُرَحْبِيل: أبو بكر
كان يتأمّر على وصيّ رسول الله وَّهِ، وَدّ أبو بكر أنه كان وَجَد عهداً من
رسول الله وَ﴿، فخَزَمَ أنفه بخزام))، وهُزَيل هذا - بالزاي مصغراً - أحد كبار
التابعين، ومن ثقات أهل الكوفة، فدلّ هذا على أنه كان في الحديث قرينة
تُشعر بتخصيص السؤال بالوصية بالخلافة، ونحو ذلك، لا مطلق الوصية.
قال الحافظ: أخرج ابن حبان الحديث من طريق ابن عيينة، عن مالك بن
مِغْوَل، بلفظٍ يزيل الإشكال، فقال: سئل ابن أبي أوفى، هل أوصى
رسول الله وَلا؟ قال: ما ترك شيئاً يوصي فيه، قيل: فكيف أُمر الناس بالوصية؟
ولم یوص، قال: أوصى بكتاب الله.
وقال القرطبيّ: استبعاد طلحة واضحٌ؛ لأنه أطلق، فلو أراد شيئاً بعينه
لخصّه به، فاعترضه بأن الله كتب على المسلمين الوصية، وأُمروا بها، فكيف
لم يفعلها النبيّ وَّو؟ فأجابه بما يدلّ على أنه أطلق في موضع التقييد، قال:
وهذا يشعر بأن ابن أبي أوفى، وطلحة بن مصرِّف كانا يعتقدان أن الوصية
واجبة، كذا قال. انتهى.
(قَالَ) عبد الله بن أبي أوفى رَبُهُ (أَوْصَى) النبيّ وَّ (بِكِتَابِ اللهِ رَّ)؛
(١) ((شرح النوويّ)) ٨٨/١١.

٤٤٣
(٦) - بَابُ تَرْكِ الْوَصِيَّةِ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ - حديث رقم (٤٢١٩)
أي: بالتمسك به، والعمل بمقتضاه، ولعله أشار لقوله والحلو: ((تركت فيكم ما إن
تمسكتم به لم تضلّوا، کتاب الله)).
قال الحافظ: وأما ما صحّ في مسلم وغيره أنه وَلقر أوصى عند موته
بثلاث: ((لا يَبْقَيَنّ بجزيرة العرب دينان))، وفي لفظ: ((أخرجوا اليهود من
جزيرة العرب))، وقوله: ((أجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم به))، ولم يذكر
الراوي الثالثة، وكذا ما ثبت في النسائيّ أنه وُّ كان آخر ما تكلم به:
((الصلاةَ، وما ملكت أيمانكم))، وغير ذلك من الأحاديث التي يمكن حصرها
بالتتبع، فالظاهر أن ابن أبي أوفى لم يُرِد نفيه، ولعله اقتصر على الوصية
بكتاب الله؛ لكونه أعظم وأهمّ، ولأن فيه تبيان كل شيء، إما بطريق النصّ،
وإما بطريق الاستنباط، فإذا اتَّبَع الناسُ ما في الكتاب، عَمِلوا بكل ما أمرهم
النبيّ وَّهُ به؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَالَنَّكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية [الحشر: ٧]،
أو يكون لم يَحضُر شيئاً من الوصايا المذكورة، أو لم يستحضرها حالَ
قوله.
والأولى أنه إنما أراد بالنفي الوصية بالخلافة، أو بالمال، وساغ إطلاق
النفي، أما في الأول فبقرينة الحال، وأما في الثاني فلأنه المتبادر عرفاً، وقد
صحّ عن ابن عباس ﴿ّ أنّهِ وَل﴿ لم يوص، أخرجه ابن أبي شيبة، من طريق
أرقم بن شُرَحْبيل عنه، مع أن ابن عباس هو الذي رَوَى حديث أنه وَّ هِ أوصى
بثلاث، والجمع بينهما على ما تقدم.
وقال الكرمانيّ(١): قوله: ((أوصى بكتاب الله)) الباء زائدة؛ أي: أمر
بذلك، وأطلق الوصية على سبيل المشاكلة، فلا منافاة بين النفي والإثبات.
قال الحافظ: ولا يخفى بُعْد ما قال، وتكلفه، ثم قال: أو المنفيّ الوصية
بالمال، أو الإمامة، والمثبت الوصية بكتاب الله؛ أي: بما في كتاب الله أن
يُعْمَل به. انتهى، وهذا الأخير هو المعتمد. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((شرح البخاريّ)) للكرمانيّ ٦٠/١١.
(٢) ((الفتح)) ٦/ ٦٧٠ - ٦٧١.

٤٤٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
كُ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن أبي أوفى
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢١٩/٦ و٤٢٢٠] (١٦٣٤)، و(البخاريّ) في
((الوصايا)) (٢٧٤٠) و((المغازي)) (٤٤٦٠) و((فضائل القرآن)) (٥٠٢٢)،
و(الترمذيّ) في ((الوصايا)) (٢١١٩)، و(النسائيّ) في ((الوصايا)) (٢٤٠/٦)
و(«الكبرى» (١٠١/٤)، و(ابن ماجه) في ((الوصايا)) (٢٦٩٦)، و(ابن أبي شيبة)
في ((مصنّفه)) (٢٢٨/٦)، و(الحميديّ) في («مسنده)) (٣١٥/٢)، و(أحمد) في
(مسنده)) (٣٥٤/٤ و٣٥٥ و٣٨١)، و(الدارميّ) في ((الوصايا)) (٣١٨٠)، و(أبو
عوانة) في ((مسنده)) (٤٧٥/٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٨٢/١٣)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٦٦/٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز ترك الوصيّة لمن ليس له شيء يوصي فيه.
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ وَّله من الإعراض عن الدنيا، بحيث
إنه لم يترك شيئاً يوصي به، بل خرج فارغ القلب واليد منها .
٣ - (ومنها): شدّة عنايته وَّل بالتمسّك بكتاب الله تعالى، بحيث إنه كان
من أواخر ما أوصى به أمته.
ـُّ من البحث عن سننه وَّر، ولو في
٤ - (ومنها): ما كان عليه السلف
حال موته، حتى يستنّوا بها، ويحكّموها في جميع أحوالهم، محياهم،
ومماتهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٢٠] (.) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح)
وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ،
غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثٍ وَكِيعٍ: قُلْتُ: فَكَيْفَ أُمِرَ النَّاسُ بِالْوَصِيَّةِ؟ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ
ثُمَيْرٍ: قُلْتُ: كَيْفَ كُتِبََّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْوَصِيَّةُ؟).

٤٤٥
(٦) - بَابُ تَرْكِ الْوَصِيَّةِ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ - حديث رقم (٤٢٢١)
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلهم تقدّموا في الباب، وقبل ثلاثة أبواب، و((ابن نُمير)) هو: محمد بن
عبد الله بن نمير.
[تنبيه]: رواية وكيع، عن مالك بن مِغْول ساقها أبو بكر بن أبي شيبة في
((مصنّفه))، فقال:
(٣٠٩٣٩) - حدّثنا وكيع، عن مالك بن مِغْوَل، عن طلحة، قال: قلت
لابن أبي أوفى: أوصى رسول الله وَله؟ قال: لا، قلت: فكيف أمر الناس
بالوصية؟ قال: أوصى بكتاب الله. انتهى(١).
وساقها الإمام أحمد في («مسنده)) مطوّلةً، فقال:
(١٩٤٢٧) - حدثنا عبد اللهِ، حدثني أبي، ثنا وَكِيعٌ، ثنا مَالِكُ بن مِغْوَلٍ،
عن طَلْحَةَ بن مُصَرِّفٍ، قال: قلت لِعَبْدِ اللهِ بن أبي أَوْفَى: أَوْصَى النبي ◌َّ
بشيء؟ قال: لَا، قلت: فَكَيْفَ أَمَرَ الْمُسْلِمِينَ بِالْوَصِيَّةِ؟ قال: أَوْصَى
بِكِتَابِ اللهِ وَى، قال مَالِكُ بن مِغْوَلٍ: قال طَلْحَةُ: وقال الهذيل بن شُرَحْبِيلَ:
أبو بَكْرٍ ◌َ ◌ُه كان يَتَأْمَّرُ على وَصِيِّ رسول اللهِ وَهِ، وَدَّ أبو بَكْرِ رَُّهُ أَنْه وَجَدَ
مع رسول اللهِ وَ﴿ عَهْدَاً فَخُزِمَ أَنْفُهُ بِخِزَامِ (٢) .
وأما رواية عبد الله بن نُمير، عن مالك بن مِغول، فلم أجد من ساقها
بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْذِفُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٢١] (١٦٣٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
نُمَيْرٍ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا
أَبِي، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي وَائِلِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ
عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا تَرََكَ رَسُولُ اللهِ نَِّ دِينَاراً، وَلَا دِرْهَماً، وَلَّا شَاةً، وَلَا بَعِيراً، وَلَا
أَوْصَی پِشَيْءٍ).
(١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٢٢٨/٦.
(٢) ((مسند أحمد بن حنبل)) ٣٨١/٤.

٤٤٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير، الكوفيّ، ثقةٌ من أثبت الناس
في حديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] (ت١٩٥) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ٤/ ١١٧.
٢ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد
الكوفيّ، ثقةٌ حافظ، عارف بالقراءة، وَرِعٌ، لكنه يدلّس [٥] (ت١٤٧) (ع) تقدّم
في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٧.
٣ - (أَبُو وَائِلٍ) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ مخضرم [٢]
(ت٨٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧.
٤ - (مَسْرُوقُ) بن الأجدع بن مالك الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ،
ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ مخضرمٌ [٢] (ت٢ أو٦٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٧/٢٧.
٥ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق ◌ِ﴿هَا، أم المؤمنين، تقدّمت قبل بابين.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره إلا عائشة ◌َّا، فمدنيّة، وفيه
ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: الأعمش، عن أبي وائل، عن
مسروق، ورواية الأخيرين من رواية الأقران؛ إذ هما من المخضرمين، وفيه
عائشة ﴿نا من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث.
شرح الحديث :
(عَنْ عَائِشَةَ) أمّ المؤمنين ◌َّ أنها (قَالَتْ: مَا) نافية (تَرَكَ رَسُولُ اللهِ وَ
دِينَاراً) قال: قال المجد تَذَتُ: الدينار: مُعَرَّبٌ، أصله دِنَّار، فأُبدلت من
إحداهما ياءٌ؛ لئلا يلتبس بالمصادر؛ ككِذّاب. انتهى(١).
وقال الفيّومِيّ رَّتُهُ: الدِّينَارُ: معروف، والمشهور في الكتب أن أصله
دِنَّارٌ بالتضعيف، فأُبدل حرفَ علة؛ للتخفيف، ولهذا يُرَدّ في الجمع إلى أصله،
(١) ((القاموس المحيط)) ص٤٤٩.

٤٤٧
(٦) - بَابُ تَرْكِ الْوَصِيَّةِ لِمَنْ لَيْسَ لَّهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ - حديث رقم (٤٢٢١)
فيقال: دَنَانِيرٌ، وبعضهم يقول: هو فِيعَالٌ، وهو مردود بأنه لو كان كذلك
لؤُجِدت الياء في الجمع، كما ثبتت في دِيمَاس ودَیَامیس، ودِیباج ودَیابیج،
وشبهه، والدِّينَارُ: وزنُ إحدى وسبعين شعيرةً ونصفَ شعيرة تقريباً؛ بناءً على أن
الدّانِقِ ثماني حبات وخُمسا حبةٍ، وإن قيل: الدّانِقِ ثماني حبات، فَالدِّينَارُ ثمانٍ
وستون، وأربعة أسباع حبة، والدِّينَارُ: هو المثقال. انتهى(١).
(وَلَا دِرْهَماً) قال المجد كَظْتُ: الدّرهم؛ كمِنْبر، ومِحْراب، وزِبْرِجٍ:
معروف، جمعه دراهم، ودراهیم. انتھی(٢).
وقال الفيّوميّ تَظْذُ: الدِّرْهَمُ الإِسْلامِيُّ: اسم للمضروب من الفضة، وهو
مُعَرَّب، وزنه فِعْلَلٌ - بكسر الفاء، وفتح اللام - في اللغة المشهورة، وقد تکسر
هاؤه، فيقال: دِرْهَمٌ؛ حملاً على الأوزان الغالبة، والدِّرْهَمُ: ستة دَوَانق،
والدِّرْهَمُ: نصف دينار وخُمسه، وكانت الدراهم في الجاهلية مختلفة، فكان
بعضها خِفافاً، وهي الطبرية، كلّ درهم منها أربعة دوانيق، وهي طبرية الشام،
وبعضها ثقالاً، كلّ درهم ثمانية دوانيق، وكانت تسمى العبدية، وقيل: البغلية،
نسبةٌ إلى مَلِك، يقال له: رأس الْبَغْل، فجُمِع الخفيف والثقيل، وجُعلا درهمين
متساويين، فجاء كلّ درهم ستة دوانيق، ويقال: إنّ عمر رُبه هو الذي فعل ذلك؛
لأنه لما أراد جِباية الخراج طلب بالوزن الثقيل، فصعُب على الرعيّة، وأراد الجمع
بين المصالح، فطلب الْحُسّاب، فخلطوا الوزنين، واستخرجوا هذا الوزن، وقيل:
كان بعض الدراهم وزن عشرين قيراطاً، وتسمى وزنَ عشرة، وبعضها وزنَ خمسة،
وبعضها وزنَ اثني عشر، وتسمى وزنَ ستة، فجمعوا من الأوزان الثلاثة هذا
الوزن، فكان ثلثها، ويسمى وزنَ سبعة؛ لأنك إذا جمعت عشرة دراهم من كلّ
صنف، كان الجميع أحداً وعشرين مثقالاً، وثلث الجميع سبعة مثاقيل، قال:
القيراط نصف دانق، والدانق حبتا خُرْنُوب، فيكون الدرهم اثنتي عشرة حبةَ
خُرْنُوب، وهذا أحد الأوزان قبل الإسلام، وأما الدرهم الإسلاميّ فهو ستّ عشرة
حبةَ خُرنوب، فيكون الدانق حبة خرنوب وثلث حبة خرنوب. انتهى(٣).
(١) ((المصباح المنير)) ٢٠٠/١ - ٢٠١.
(٣) ((المصباح المنير)) ١٩٣/١ - ١٩٤.
(٢) ((القاموس المحيط)» ص٤٢٨.

٤٤٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - کتاب الوصايا
(وَلَا شَاةً) قال المجد: الشاة الواحدة من الغنم، للذكر والأنثى، أو يكون
من الضأن، والمعز، والِّبَاء، والبقرِ، والنَّعام، وحُمُر الوحش، والمرأةُ،
جمعه: شاءٌ، أصله: شاهٌ، وشِيَاهُ، وشِواه، وأشاوِهُ. انتهى(١).
وقال الفيّوميّ: الشاة من الغنم يقع على الذكر والأنثى، فيقال: هذا شاةٌ
للذَّكَرِ، وهذه شاةٌ للأنثى، وشاةٌ ذَكَرٌ، وشاةٌ أُنثى، وتصغيرها شُوَيهةٌ، والجمع:
شاءٌ - بالهمزة - وشياهٌ بالهاء؛ رُجُوعاً إلى الأصل، كما قيل: شَفَةٌ وشفاءٌ،
ويقال: أصلها شاهةُ، مثلُ عاهَةٍ. انتهى(٢) .
(وَلَا بَعِيراً) قال المجد تَخْذُ: البَعِير - بالفتح - وقد تُكسر الباءُ: الجمل
البازِلُ، أو الْجِذَعُ، وقد يكون للأنثى، والحمارُ، وكلُّ ما يَحْمِلُ، جمعه:
أبعرةٌ، وأباعرُ، وأباعيرُ، وبُعْران - بالضم - وبِعْران - بالكسر. انتهى(٣).
وقال الفيّوميّ كَُّ(٤): البَعِيرُ: مثلُ الإنسان، يقع على الذكر والأنثى،
يقال: حَلَبْتُ بَعِيرِي، والجَمَلُ: بمنزلة الرجل يختص بالذكر، والنَّاقَةُ: بمنزلة
المرأة تختص بالأنثى، والبَكْرُ والبَكْرَةُ: مثلُ الفتى والفتاة، والقَلُوصُ:
كالجارية، هكذا حكاه جماعة، منهم: ابن السِّكِّيت، والأزهريّ، وابن جني،
ثم قال الأزهريّ: هذا كلام العرب، ولكن لا يعرفه إلا خواص أهل العلم
باللغة، ووقع في كلام الشافعيّ كَّثُ في الوصية: لو قال: أعطوه بعيراً لم يكن
لهم أن يعطوه ناقة، فحَمَلَ البعير على الجمل، ووجهه أن الوصية مبنية على
عُرف الناس، لا على مُحْتَمَلات اللغة التي لا يعرفها إلا الخواصّ، وحَكَى في
(كفاية المتحفظ)) معنى ما تقدم، ثم قال: وإنما يقال: جملٌ، أو ناقةٌ إذا أربعا،
فأما قبل ذلك فيقال: قَعُودٌ، وبَكْرٌ، وبَكْرَةٌ، وقَلُوصُ، وجمع البَعِيرِ: أَبْعِرَةٌ،
وأَبَاعِرُ، ويُعْرَانُ بالضم(٥). انتهى(٦).
(١) ((القاموس المحيط)) ص٧١٩.
(٢) ((المصباح المنير)) ٣٢٨/١.
(٣) ((القاموس المحيط)) ص١١٦ - ١١٧.
(٤) عبارة ((المصباح)) تقدّم نقلها في هذا الشرح في ((باب التيمّم))، وإنما أعدته؛ لطول
العهد به، فتنبه.
(٥) تقدّم عن ((القاموس)) أنه يكسر أيضاً. (٦) ((المصباح المنير)) ٥٣/١.

٤٤٩
(٦) - بَابُ تَرْكِ الْوَصِيَّةِ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ - حديث رقم (٤٢٢٢)
(وَلَا أَوْصَى بِشَيْءٍ)؛ أي: مما يتعلّق بالمال كما يدلّ عليه أول الحديث،
أو بالخلافة إلى عليّ ظالله، كما تزعمه الشيعة.
وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: أرادت عائشة ﴿يُّهَا الوصيّةَ بشيء من أمر الخلافة،
بدليل الحديث المذكور بعده أنهم لَمّا ذكروا أن عليّاً وَظُبه كان وصيّاً قالت:
ومتى أوصى إليه؟ وذكرت الحديث. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة غيّا هذا من أفراد المصنّف تَخْذّلهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢٢١/٦ و٤٢٢٢] (١٦٣٥)، و(أبو داود) في
(الوصايا)) (٢٨٦٣)، و(الترمذيّ) في ((الشمائل)) (٤٠٥)، و(النسائيّ) في
((الوصايا)) (٢٤٠/٦) و((الكبرى)) (١٠١/٤)، و(ابن ماجه) في ((سننه)) (٢٦٩٥)،
و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٢٨/٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٤/٦ و١٣٦
و١٨٧)، و(ابن راهويه) في («مسنده)) (٧٨٩/٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣/
٤٧٤)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (١٦٤/٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(١٤/ ٢٨٣ و٥٧٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٦٦/٦)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٢٢] (.) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ،
وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كُلُّهُمْ عَنْ جَرِيرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمِ، أَخْبَرَنَا عِيسَى
- وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ - جَمِيعاً عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِيَ شَيْبَةَ) أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٩)
(خ م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٦/٣٥.
(١) ((المفهم)) ٤/ ٥٥٧.

٤٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - کتاب الوصايا
٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ
وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت١٨٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٤ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم) المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت٢٥٧) أو
بعدها (م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٥/٤.
٥ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ مأمونٌ [٨]
(ت١٨٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
والباقيان ذُكرا في الباب، وقبله.
[تنبيه]: رواية جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش ساقها ابن راهويه في
((مسنده))، فقال:
(١٤١٩) - أخبرنا جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن أبي وائل،
عن مسروق، عن عائشة، قالت: تُوُفّ رسول الله وَّرَ، ولم يترك ديناراً، ولا
درهماً، ولا شاةً، ولا بعيراً، ولا أوصى بشيء. انتهى(١).
وأما رواية عيسى بن يونس، عن الأعمش، فلم أجد من ساقها، فليُنظر،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٢٣] (١٦٣٦) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ -
وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى - قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ ابْنِ عَوٍْ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ،
عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: ذَكَرُوا عِنْدَ عَائِشَةَ أَنَّ عَلِيّاً كَانَ وَصِيّاً، فَقَالَتْ: مَتَّى
أَوْصَى إِلَيْهِ؟ فَقَدْ كُنْتُ مُسْنِدَتَهُ إِلَى صَدْرِي - أَوْ قَالَتْ: حَجْرِي - فَدَعَا بِالطَّسْتِ،
فَلَقَدِ انْخَنَثَ فِي حَجْرِي، وَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُ مَاتَ، فَمَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ؟).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) تقدّم قريباً.
٢ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله، تقدّم في الباب الماضي.
(١) ((مسند إسحاق بن راهويه)) ٧٨٩/٣.

٤٥١
(٦) - بَابُ تَرْكِ الْوَصِيَّةِ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ - حديث رقم (٤٢٢٣)
٣ - (إِبْرَاهِيمُ) بنُ يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيه،
يرسل كثيراً [٥] (ت١٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٢.
٤ - (الأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ) بن قيس النخعيّ، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن
الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ مكثرٌ مخضرم [٢] (ت٤ أو ٧٥) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٧٤/٣٢.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض، فإن ابن عون من الطبقة
الخامسة على الصحيح؛ لأنه رأى أنساً ظُه؛ كالأعمش، وفيه رواية الراوي
عن خاله، فإن الأسود خال لإبراهيم، وفيه عائشة ثها من المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ) النخعيّ، أنه (قَالَ: ذَكَرُوا)؛ أي: القوم الحاضرون
(عِنْدَ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ﴿ّا (أَنَّ عَلِيّاً)؛ أي: ابن أبي طالب تَظُهُ (كَانَ
وَصِيّاً)، وفي رواية النسائيّ: ((إن النبيّ وَ ﴿ أوصى إلى عليّ))؛ أي: عَهِدَ إليه
بالخلافة، يقال: أوصاه، ووَصّاه توصيةً: عَهِدَ إليه والاسم: الوَصَاة،
والوصاية، والوَصيّةُ، وهو الموصى به أيضاً، والوَصِيّ: الموصِي والموصَى،
وهي وصيّ أيضاً، جمعه أوصياء، ولا يثنى ولا يجمع، قاله المجد ◌َُّهُ .
والمعنى: أنه ◌َ﴿ل جعل عليَّ بن أبي طالب رَُّهُ وَصِيّه، وأمره أن يكون
خليفته من بعده.
والحاصل: أنهم ذكروا عند عائشة رضيّا أنه وَلّ أوصى لعلي بالخلافة في
مرض موته فأنكرت ذلك (فَقَالَتْ: مَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ؟)؛ أي: في أي وقت من أوقات
مرضه أوصى إليه؟ (فَقَدْ كُنْتُ مُسْنِدَتَهُ) اسم فاعل، من أسند الشيءَ إلى الشيء، قال
الفيّوميّ ◌َّلُهُ: سَنَدتُ إلى الشيء، من باب قَعَدَ، وسَنِدتُ أَسْنَدُ، من باب تَعِبَ
لغةٌ، واستندت إليه بمعنَى، ويُعدَّى بالهمزة، فيقال: أسندته إلى الشيء، فسَنَدَ هو،
وما يُسْتند إليه مِسْنَدٌ، بكسر الميم، ومُسْنَدٌ، بضمّها، والجمع مساند. انتهى (١).
(١) ((المصباح المنير)) ٢٩١/١.

٤٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا
وقولها: (إِلَى صَدْرِي) متعلّق بـ(مسندته))، قال الجوهريّ كَّلُ: الصّدْر:
واحد الصدور، وهو مذكّرٌ، وإنما قال الأعشى [من الطويل]:
وَيَشْرَقُ بِالْقَوْلِ الذَّي قَدْ أَذَعْتَهُ كَمَا شَرِقَتْ صَدْرُ الْقَنَاةِ مِنَ الدَّمِ
فأنّثه على المعنى؛ لأن صدر القناة من القناة، وهذا كقولهم: ذهبت
بعض أصابعه؛ لأنهم يؤنّئون الاسم المضاف إلى المؤنّث. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك في
«الخلاصة)) حیث قال:
وَرُبَّمَ أَكْسَبَ ثَانٍ أَوَّلَا تَأْنِيثاً إِنْ كَانَ لِحَذْفٍ مُوهَلَا
(أَوْ قَالَتْ: حَجْرِي) ((أو)) للشكّ من الراوي، هل قالت: ((صدري))، أو
قالت: ((حجري))، و((الْحَجْر)) بالفتح والكسر: حِضْنُ الإنسان(٢)، أفاده المجد،
وقال الفيّومي: وحِجْرُ الإنسان بالفتح، وقد يُكسر: حِضْنُهُ، وهو ما دون إبطه
إلى الْكَشْح، وهو في حِجْره؛ أي: كَنَفه، وحمايته، والجمع: حُجُور.
انتھی
(٣)
(فَدَعَا)؛ أي: طَلَب النبيّ وَّ (بِالطَّسْتِ) قال في ((اللسان)): الطَّسْتُ من
آنية الصُّفْرِ أُنثى، وقد تُذَكَّر، قال الجوهريّ: الطَّسْتُ: الطَّسُّ بلغة طَيٍِّ، أُبدل
من إِحدى السينين تاءٌ؛ للاستثقال، فإِذا جَمَعْتَ، أَو صَغَّرْتَ، رددتَ السين؛
لأنك فصَلْتَ بينهما بأَلْف، أَو ياء، فقلت: طِساسٌ، وطُسَيْسٌ. انتهى (٤).
وقال الفيّوميّ: ((الطَّسْتُ)) قال ابن قتيبة: أصلها طَسٌّ، فأبدل من أحد
المضعفين تاءٌ؛ لثقل اجتماع المثلين؛ لأنه يقال في الجمع: طِسَاسٌ، مثل سَهْمِ
وسَهِامٍ، وفي التصغير: ◌ُسَيْسَةٌ، وجمعت أيضاً على ◌ُسُوسٍ باعتبار الأصل،
وعلىّ ◌ُسُوتٍ باعتبار اللفظ، قال ابن الأنباريّ: قال الفراء: كلام العرب
طَسَّةٌ، وقد يقال: طَسٌّ، بغير هاء، وهي مؤنثة، وطيّء تقول: طَسْتٌ، كما
(١) ((الصحاح)) ص٥٨٢.
(٢) ((الْحِضنُ)) بالكسر: ما دون الإبط إلى الْكَشْح، أو الصدرُ، والعضدان، وما بينهما،
وجانب الشيء، وناحيته، جمعه: أحضان. انتهى. ((القاموس المحيط)» ص٢٦٨.
(٣) ((المصباح المنير)) ١٢١/١ - ١٢٢.
(٤) ((لسان العرب)) ٥٨/٢.

٤٥٣
(٦) - بَابُ تَرْكِ الْوَصِيَّةِ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ - حديث رقم (٤٢٢٣)
قالوا في لُصّ: لُصْتُ، ونُقِل عن بعضهم التذكير والتأنيث، فيقال: هو الطَّسَّةُ،
والطّسْتُ، وهي: الطَّسَّةُ، والطَّسْتُ، وقال الزجاج: التأنيث أكثر كلام العرب،
وجمعها: طَسَّاتٌ على لفظها، وقال السجستانيّ: هي أعجمية مُعَرَّبَةٌ، ولهذا
قال الأزهريّ: هي دخيلة في كلام العرب؛ لأن التاء والطاء لا يجتمعان في
كلمة عربية. انتهى (١).
وإنما دعا ﴿ بالطست؛ ليبول فيه، ففي رواية النسائيّ: ((لقد دعا
بالطست؛ ليبول فيه))، وعند الإسماعيليّ إنما دعا ((ليتفُل فيها)، قال في
((الفتح)): ويمكن الجمع بينهما بأن النبيّ وَّ﴿ دعا بالطست، ولم يُبيّن غرضه،
فتردّدت عائشة ◌َّا أنه وَ* دعا ليبول فيها، أو ليتفُل فيها، فذكر بعض الرواة
ما لم يذكره الآخر. انتهى.
قال الجامع: ويَحْتَمل أن يكون دعا للغرضين جميعاً؛ لأن تلك الحالة
كثيراً ما يصحبها هذان الأمران، فتأمل، والله تعالى أعلم.
(فَلَقَدِ انْخَنَثَ فِي حَجْرِي)؛ أي: مال ◌َّهِ إلى حجري؛ لاسترخاء أعضائه،
ولفظ النسائيّ: ((فانخنث نفسه))؛ أي: مالت نفسه الشريفة، وقال ابن الأثير تَّهُ؛
أي: انْكَسر، وانْثَنَى؛ لاسْتِرخاء أعضائه ◌َِّ عند الموت. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ: وقولها ((انخنث))؛ أي: مال؛ تعني: حين مات،
والمخنَّث من الرجال: هو الذي يميل، ويتثنى تشبُّهاً بالنساء، واختناث السقاء:
هو إمالةُ فمه بعضه على بعض، وتليينه؛ ليُشربَ منه(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: في هذا الحديث بيان صريح أنه ◌ّ مات في
حجر عائشة خيّا، وأما ما أورده الحاكم، وابن سعد من بعض الروايات أنه وَله
توقّي في حجر عليّ بن أبي طالب، فإنها روايات ضعيفة لا تقوم بمثلها
الحجة، ولا تخلو من راو ضعيف، أو شيعيّ، فلا يُعارَض بها ما ثبت في
((الصحيحين))، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتهوّر بتقليد ذوي الاعتساف، والله تعالى
الهادي إلى سواء السبيل.
(١) ((المصباح المنير)) ٣٧٢/٢.
(٣) ((المفهم)) ٤/ ٥٥٧.
(٢) ((النهاية في غريب الأثر)) ١٥٨/٢.

٤٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا
(وَمَا شَعَرْتُ) بفتح العين؛ أي: علمت، يقال: شعرتُ بالشيء أشعُر
شُعُوراً، من باب قَعَد، وشِعْراً، وشِعْرةً - بكسرهما -: عَلِمتُ(١)؛ أي: وما
علمت (أَنَّهُ) بَِّ (مَاتَ، فَمَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ؟) إلى عليّ ◌َُه كما يزعمون، فهذا
استفهام إنكاريّ لزعمهم، ولفظ النسائيّ: ((فإلى من أوصى؟))؛ أي: إلى أي
شخص عَهِد النبيّ ◌َّ بالخلافة؟ تريد بذلك الإنكار على من قالوا: إنه رَليل
أوصى إلى عليّ رَظُه بالخلافة في مرض موته، وقد استندت في نفي ذلك إلى
ملازمتها له في مرض موته إلى أن مات في حجرها، ولم يقع منه شيء من
ذلك، فساغ لها نفي ذلك؛ لكونه منحصراً في مجالس معيّنة لم تغب عن شيء
منها .
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: وقد أكثرَ الشِّيعةُ والرَّوافض من الأحاديث الباطلة
الكاذبة، واخترعوا نصوصاً على استخلاف النبيّ وله عليّاً، وادعوا أنَّها تواترت
عندهم، وهذا كلَّه كذبٌ مركبٌ، ولو كان شيء من ذلك صحيحاً، أو معروفاً
عند الصحابة ته يوم السَّقيفة لذكروه، ولرجعوا إليه، ولذكره عليٍّ ◌َُّّهُ مُحتجّاً
لنفسه، ولَمَا حَلّ أن يسكت عن مثل ذلك بوجه، فإنَّه حقّ الله تعالى، وحق
نبِّه ◌َ﴿، وحقّ المسلمين، ثم ما يُعْلَم من عظيم عِلْم عليٍّ ◌َظُه، وصلابته في
الدين، وشجاعته يقتضي ألا يتَِّي أحداً في دين الله كما لم يتَّقِ معاويةً، وأهل
الشام حين خالفوه، ثم إنه لما قُتِل عثمان ◌َبه ولَّى المسلمون باجتهادهم عليّاً،
ولم يذكر هو، ولا أحدٌ منهم نصّاً في ذلك، فعُلم قطعاً كذب من ادّعاه، وما
التوفيق إلا من عند الله. انتهى (٢).
وقال في ((الفتح)): قال القرطبيّ(٣): كانت الشيعة قد وضعوا أحاديث في
أن النبيّ وَّ أوصى بالخلافة لعليّ ◌َظُه، فَرَدّ عليهم جماعة من الصحابة
ذلك، وكذا مَن بعدهم، فمن ذلك ما استَدَلّت به عائشة ◌ّا في هذا الحديث،
ومن ذلك أن عليّاً لم يَدَّع ذلك لنفسه، ولا بعد أن وَلِي الخلافة، ولا ذكره
(١) ((المصباح)) ٣١٥/١.
(٢) ((المفهم)) ٤/ ٥٥٧.
(٣) قال الجامع: كلام القرطبيّ قد سبق نقله بنصّه، وأما ما ذكره في ((الفتح))، فإنما
تصرّف في كلامه، وصاغه بما فهمه منه، فتنبّه.

٤٥٥
(٦) - بَابُ تَرْكِ الْوَصِيَّةِ لِمَنْ لَيْسَ لَّهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ - حديث رقم (٤٢٢٣)
أحد من الصحابة يوم السقيفة، وهؤلاء تنقَّصُوا عليّاً من حيث قصدوا تعظيمه؛
لأنهم نسبوه مع شجاعته العظمى، وصلابته في الدين إلى المداهنة، والتَّقِيّة،
والإعراض عن طلب حقّه، مع قدرته على ذلك.
وقال غيره: الذي يظهر أنهم ذكروا عندها أنه أوصى له بالخلافة في
مرض موته، فلذلك ساغ لها إنكار ذلك، واستندت إلى ملازمتها له في مرض
موته إلى أن مات في حجرها، ولم يقع منه شيء من ذلك، فساغ لها نفي
ذلك؛ لكونه منحصراً في مجالس معيَّنة، لم تَغِبْ عن شيء منها .
وقد أخرج أحمد، وابن ماجه بسند قويّ، وصححه، من رواية أرقم بن
شُرَحبيل، عن ابن عباس ها، في أثناء حديث، فيه أمر النبيّ ◌َّ في مرضه أبا
بكر، أن يصلي بالناس، قال في آخر الحديث: مات رسول الله وَليلتر، ولم
يوص.
وسيأتي في الوفاة النبوية عن عمر رضيه: مات رسول الله وَّة، ولم يستخلف.
وأخرج أحمد، والبيهقيّ في ((الدلائل)) من طريق الأسود بن قيس، عن
عمرو بن أبي سفيان، عن عليّ أنه لما ظهر يوم الجمل قال: يا أيها الناس، إن
رسول الله وَّ لم يَعْهَد إلينا في هذه الإمارة شيئاً ... الحديث.
وأما الوصايا بغير الخلافة، فوردت في عدة أحاديث يجتمع منها أشياء،
سنذكرها في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة طوّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢٢٣/٦] (١٦٣٦)، و(البخاريّ) في ((الوصايا))
(٢٧٤١) و((المغازي)) (٤٤٥٩)، و(الترمذيّ) في ((الشمائل)) (٣٨٦)، و(النسائيّ)
في ((الطهارة)) (٣٢/١) و((الوصايا)) (٢٤٠/٦ و٢٤١)، و(ابن ماجه) في
((الجنائز)) (١٦٢٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٢/٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(٤٧٤/٣)، والله تعالى أعلم.

٤٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا
(المسألة الثالثة): هذا الحديث صريح في كونه وَ * مات في حجر
عائشة رضيّا، وأما ما روي أنه وَّ مات في حجر عليّ فليس بثابت، بل هو مما
روّجه الرافضة، وأهل الباطل، ولقد أجاد الحافظ تَخُّْ في ردّه، حيث قال - بعد
ذكر حديث عائشة المذكور هنا - ما نصّه: هذا الحديث يعارض ما أخرجه
الحاكم، وابن سعد من طُرُق أن النبيّ وَّ مات ورأسه في حجر عليّ، وكل
طريق منها لا يخلو من شِيعِيّ، فلا يلتفت إليهم، وقد رأيت بيان حال
الأحاديث التي أشرت إليها؛ دفعاً لتوهّم التعصب.
قال ابن سعد: ((ذِكرُ من قال: تُؤُفّي في حجر عليّ))، وساق من حديث
جابر: سأل كعب الأحبار عليّاً: ما كان آخر ما تكلم به وَ له؟ فقال: أسندته إلى
صدري، فوضع رأسه على منكبي، فقال: ((الصلاة الصلاة))، فقال كعب: كذلك
آخر عهد الأنبياء. وفي سنده الواقديّ، وحَرَام بن عثمان، وهما متروکان.
وعن الواقديّ عن عبد الله بن محمد بن عمر بن عليّ، عن أبيه، عن
جدّه، قال: قال رسول الله وَل﴿ في مرضه: ((ادعوا إليّ أخي))، فدعي له عليّ،
فقال: ((ادنُ مني))، قال: فلم يزل مستنداً إليّ، وإنه ليكلمني حتى نزل به، وتَقُل
في حجري، فصِحْتُ: يا عباس أدركني، فإني هالك، فجاء العباس، فكان
جهدهما جميعاً أن أضجعاه. فيه انقطاع، مع الواقديّ، وعبد الله فیه لین.
وبه عن أبيه، عن عليّ بن الحسين: ((قُبِض، ورأسه في حجر عليّ))، فيه
انقطاع. وعن الواقديّ، عن أبي الحويرث، عن أبيه، عن الشعبيّ: ((مات،
ورأسه في حجر عليّ))، فيه الواقديّ والانقطاع، وأبو الحويرث اسمه
عبد الرحمن بن معاوية بن الحارث المدنيّ، قال مالك: ليس بثقة، وأبوه لا
يُعرف حاله.
وعن الواقديّ، عن سليمان بن داود بن الحصين، عن أبيه، عن أبي
غطفان: سألت ابن عباس، قال: تُوُفّي رسول الله وَّة، وهو إلى صدر عليّ،
قال: فقلت: فإن عروة حدّثني عن عائشة، قالت: تُوُفّي النبيّ ◌ٍَّ بين سَخْري،
ونَحْري، فقال ابن عباس: لقد تُوُفّي، وإنه لمستند إلى صدر عليّ، وهو الذي
غسَّله، وأخي الفضل، وأَبِي أَبَى أن يحضر. فيه الواقديّ، وسليمان لا يُعرف

٤٥٧
(٦) - بَابُ تَرْكِ الْوَصِيَّةِ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ - حديث رقم (٤٢٢٣)
حاله، وأبو غطفان - بفتح المعجمة، ثم المهملة - اسمه سعد، وهو مشهور
بكنيته، وثقه النسائيّ.
وأخرج الحاكم في ((الإكليل)) من طريق حبة الْعَدنيّ، عن عليّ: أسندته
إلى صدري، فسالت نفسه. وحبة ضعيف.
ومن حديث أم سلمة، قالت: عليّ آخرهم عهداً برسول الله وَ﴾،
والحديث عن عائشة أثبت من هذا، ولعلها أرادت آخر الرجال به عهداً.
قال: ويمكن الجمع بأن يكون عليّ آخرهم عهداً به، وأنه لم يفارقه حتى
مال، فلما مال ظنّ أنه مات، ثم أفاق بعد أن توجه، فأسندته عائشة بعده إلى
صدرها، فقُبِض، ووقع عند أحمد من طريق يزيد بن بابنوس - بموحدتين،
بينهما ألف غير مهموز، وبعد الثانية المفتوحة نون مضمومة، ثم واو ساكنة، ثم
سين مهملة - في أثناء حديث: فبينما رأسه ذات يوم على منكبي(١)، إذ مال
رأسه نحو رأسي، فظننت أنه يريد من رأسي حاجة، فخرجت من فيه نقطة
باردة، فوقعت على ثغرة نحري، فاقشعر لها جلدي، وظننت أنه غُشي عليه،
فسجيته ثوباً. انتهى ما في ((الفتح)) (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قول الحافظ: ((ويمكن الجمع بأن يكون عليّ
آخرهم عهداً به ... إلخ)) لا يخفى ضعف هذا الجمع، وكونه تكلّفاً بارداً، مع
أنه لا حاجة إلى الجمع أصلاً، حيث تبيّن أن حديث عائشة فيّا الذي اتفق
الشيخان على إخراجه في ((صحيحيهما))، هو المعوّل عليه، وأما الأحاديث
الواردة في معارضته التي تقدّم بيانها فمما لا يُلتفت إليها؛ لأنها لا تثبت، كما
علمت حقيقتها، فلا تلتفت إلى أهل الأهواء، فإنهم لا يقبلون الجمع المذكور،
بل لا يلتفتون إلى حديث عائشة ﴿نا أصلاً؛ لأن مبنى أدلّتهم هواهم، فما
وافقه فهو الحقّ، وإن لم يثبت سنده، وما خالف فهو الباطل، وإن جاء بألف
طريق صحاح.
(١) هذا القول لعائشة ﴿نا، وليس من كلام عليّ، فالحديث متّصل بقصّة عائشة .
كما ساقه الإمام أحمد كثّفُ في ((مسنده)) مطوّلاً، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(٢) ((الفتح)) ٩/ ٦٠١ - ٦٠٢.
◌ّا،

٤٥٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا
أيها العقلاء ألا تسمعون إلى ما قاله فرعون في حقّ موسى ظلِّلا، وقومه؛
تمويهاً وتلبيساً على قومه: ﴿إِّ أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ
اٌلْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦]، زعم أن دينه هو الصلاح، وما جاء به موسى لظلّا هو
الفساد، وقال أيضاً: ﴿مَا أُرِيَكُمْ إِلَّا مَآ أَرَى وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَيِلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر:
٢٩]، زعم أن ما عليه هو الرشاد، وما جاء به موسى فعله هو الضلال، ﴿وَقَالَ
الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ، لِيُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ﴾ الآية [الأعراف: ١٢٧]،
زعموا أن ما أمرهم به فرعون هو الإصلاح، وما جاءهم به موسى لظل هو
الإفساد في الأرض.
تأملوا حقّ التأمل، كيف صوّر فرعون، والملأ من قومه موسى وأصحابه
الذين جاءوا بالحقّ من عند الله تعالى مفسدين في الأرض، وأروا الناس،
ولبّسوا عليهم أن الباطل الذي هم فيه هو الحقّ، وما أغنتهم التوراة بطولها،
والآيات التسع ببيانها شيئاً، بل ازدادوا بها عتوّاً، وتجبّراً في الأرض.
وهكذا أهل الضلال في كل مكان وزمانٍ يرون ضلالهم حقّاً، والحقّ
ضلالاً، ويرون أهلَ الحقّ مبطلين ضالّين، يُكَذَّب أهل الحقّ، ويُصَدَّق أهل
الباطل، مصيبة ما بعدها مصيبة، إنا لله، وإنا إليه راجعون، اللهم أرنا الحقّ
حقّاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، آمين.
(المسألة الرابعة): أشارت عائشة ﴿ّ في حديث الباب إلى ردّ ما
أشاعته الرافضة والشيعة من أن النبيّ وير أوصى إلى عليّ بالخلافة، وأن يُوفي
دیونه :
فمن ذلك: ما أخرجه العُقيليّ وغيره في ((الضعفاء)) في ترجمة حكيم بن
جُبير، من طريق عبد العزيز بن مروان، عن أبي هريرة، عن سلمان، أنه قال:
قلت: يا رسول الله إن الله لم يبعث نبيّاً إلا بَيَّن له من يلي بعده، فهل بَيَّن لك؟
قال: ((نعم، عليّ بن أبي طالب)).
ومن طريق جرير بن عبد الحميد، عن أشياخ من قومه، عن سلمان:
قلت: يا رسول الله مَن وصيك؟ قال: ((وصيي، وموضع سري، وخليفتي على
أهلي، وخير من أخلفه بعدي عليّ بن أبي طالب)).

٤٥٩
(٦) - بَابُ تَرْكِ الْوَصِيَّةِ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ - حديث رقم (٤٢٢٣)
ومن طريق أبي ربيعة الإياديّ، عن ابن بريدة، عن أبيه، رفعه: ((لكل نبيّ
وصيّ، وإن عليّاً وصيي، وولدي)).
ومن طريق عبد الله بن السائب، عن أبي ذرّ، رفعه: ((أنا خاتم النبيين،
وعليّ خاتم الأوصياء))، أوردها وغيرها ابن الجوزيّ في ((الموضوعات)).
ومن أکاذیب الرافضة أیضاً: ما رواه کثیر بن یحیی، وهو من كبارهم،
عن أبي عوانة، عن الأجلح، عن زيد بن عليّ بن الحسين، قال: لما كان اليوم
الذي تُوُفّي فيه رسول الله وَّهَ، فذكر قصةً طويلة، فيها: فدخل عليّ، فقامت
عائشة، فأكبّ عليه، فأخبره بألف باب مما يكون قبل يوم القيامة، يفتح كل
باب منها ألف باب. وهذا مرسل، أو معضل.
وله طريق أخرى موصولة عند ابن عدي في ((كتاب الضعفاء)) من حديث
عبد الله بن عمر، بسند وَاهٍ، ذكر هذا كله الحافظ في ((الفتح)) بعضه في ((كتاب
الوصايا))(١)، وبعضه في آخر ((كتاب المغازي)) ((باب آخر ما تكلّم به
النبيّ ◌َلـ(٢))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في وصيّة رسول الله وَطفو بغير الخلافة:
قال الحافظ تَخُّْ في ((الفتح)): وأما الوصايا بغير الخلافة فوردت في عدة
أحاديث، يجتمع منها أشياء:
(منها): حديث أخرجه أحمد، وهناد بن السريّ في ((الزهد))، وابن سعد
في ((الطبقات))، وابن خزيمة، كلهم من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة،
عن عائشة ينا: أن النبيّ وَ ﴿ قال في وجعه الذي مات فيه: ((ما فعلت
الذُّهَيبة؟(٣)) قلت: عندي، فقال: ((أنفقيها ... ))، الحديث.
(١) ((الفتح)) ٦/ ٦٧٢ - ٦٧٣.
(٢) ((الفتح)) ٦١٨/٩ - ٦١٩.
(٣) ((الذَّهَيبة)): تصغير الذهب، وأدخل الهاء فيها؛ لأن الذهب يؤنّث، والمؤنّث الثلاثيّ
إذا صُغِّر أُلحق في تصغيره الهاء، نحو قُويسة، وشُمية، قال في ((الخلاصة)):
وَاخْتِمْ بِتَا التَّأُنِيثِ مَا صَغَّرْتَ مِنْ
مُؤَنَّثٍ عَارٍ ثُلَاثِيٍّ كَاسِنّ)»
وقيل: هو تصغير ذهبة، على نيّة القطعة من الذهب، فصغرها على لفظها، والله
تعالى أعلم.

٤٦٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا
وأخرج ابن سعد من طريق أبي حازم، عن أبي سلمة، عن عائشة
نحوه، ومن وجه آخر، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، وزاد فيه: ((ابعثي
بها إلى عليّ بن أبي طالب؛ ليتصدّق بها)).
وفي ((المغازي)) لابن إسحاق روايةٍ يونس بن بكير عنه: حدّثني صالح بن
كيسان، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: لم يوص
رسول الله ﴿ عند موته إلا بثلاث: لكلٍّ من الداريين، والرهاويين،
والأشعريين، بجادّ(١) مائة وسق من خيبر، وأن لا يترك في جزيرة العرب
دينان، وأن يُنَفَّذ بعث أسامة.
وأخرج مسلم في حديث ابن عباس يا التالي: ((وأوصى بثلاث: أن
تجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ... )) الحديث.
وفي حديث ابن أبي أوفى الذي تقدّم أول الباب: ((أوصى بكتاب الله)).
وفي حديث أنس ظه عند النسائيّ، وأحمد، وابن سعد، واللفظ له:
((كانت عامّة وصية رسول الله وَ ﴿ حين حضره الموت الصلاةَ، وما ملكت
أيمانكم))، وله شاهد من حديث عليّ ◌َظُه عند أبي داود، وابن ماجه، وآخر
من رواية نعيم بن يزيد، عن عليّ: ((وأدّوا الزكاة بعد الصلاة))، أخرجه أحمد.
ولحديث أنس شاهدٌ آخر من حديث أم سلمة رَؤُّا عند النسائيّ، بسند
جيّد.
وأخرج سيف بن عمرٍ في ((الفتوح)) من طريق ابن أبي مليكة، عن
عائشة ◌َؤُها: أن النبيّ وَّ حَذّر من الفتن في مرض موته، ولزوم الجماعة(٢)
والطاعة.
وأخرج الواقديّ من مرسل العلاء بن عبد الرحمن: أنه وَلّ أوصى
فاطمة، فقال: ((قولي إذا مِتُّ: إنا لله، وإنا إليه راجعون)).
(١) ((الجادّ)) بالجيم، وتشديد الدال: بمعنى المجدود؛ أي: نخل يُجدّ منه ما يبلُغ مائة
وسق، قاله في ((النهاية)) ٢٤٤/١.
(٢) هكذا نسخة ((الفتح))، والعبارة ركيكة، ولعل الصواب: ((وأمر بلزوم الجماعة))، أو
نحو ذلك، فليُحرّر.