Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
(٥) - بَابُ الْوَقْفِ - حديث رقم (٤٢١٦)
والحاصل أن أكثر الرواة على أنه من مسند ابن عمر ◌ًا.
(أَرْضاً بِخَيْبَرَ) في رواية صخر بن جويرية عند البخاريّ أن اسمها تَمْغ،
وكذا لأحمد من رواية أيوب: أن عمر أصاب أرضاً من يهود بني حارثة، يقال
لها: ثَمْغ، ونحوه في رواية سعيد بن سالم عند النسائيّ، وكذا للدارقطنيّ من
طريق الدراورديّ، عن عبد الله بن عمر، وللطحاويّ من رواية يحيى بن سعيد،
ورَوَى عُمر بن شَبَّة بإسناد صحيح، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم،
أن عُمر رأى في المنام ثلاث ليال أن يتصدق بشَمْغ.
وللنسائيّ من رواية سفيان، عن عبد الله بن عمر، جاء عمر، فقال: يا
رسول الله إني أصبت مالاً، لم أُصِب مالاً مثله قط، كان لي مائة رأس،
فاشتريت بها مائة سهم من خيبر، من أهلها، فيَحْتَمِل أن تكون ثمغ من جملة
أراضي خيبر، وأن مقدارها كان مقدار مائة سهم، من السهام التي قسمها
النبيّ وَلو بين من شهد خيبر، وهذه المائة السهم غير المائة السهم التي كانت
لعمر بن الخطاب بخيبر التي حصَّلها من جزئه من الغنيمة وغيره.
وسيأتي بيان ذلك في صفة كتاب وقف عمر من عند أبي داود وغيره،
وذكر عمر بن شبة بإسناد ضعيف، عن محمد بن كعب، أن قصة عمر هذه
كانت في سنة سبع من الهجرة. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قول الحافظ: فيَحتَمل أن تكون تَمْغ من جملة
أراضي خيبر، فيه نظر، فإن السمهوديّ جعلها في كتابه ((وفاء الوفا)» من أراضي
المدينة، ودونك عبارته:
قال: ((ثمغ)) - بالفتح، والغين المعجمة - مال بخيبر لعمر بن
الخطّاب وظُه، قاله المجد؛ لحديث الدارقطنيّ: إن عمر أصاب أرضاً بخيبر،
يقال لها: ثَمْغ، فسأل النبيّ وَّ﴿، فقال له: ((احبس أصلها، وتصدّق بثمرتها))،
وفي رواية البخاريّ: أن عمر تصدّق بمال يقال له: ثَمْغ، وكان نخلاً،
الحدیث .
قال: لكن تقدّم في منازل يهود أن بني مزانة كانوا في شاميّ بني حارثة،
(١) ((الفتح)) ١٥/٧.

٤٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا
وأن من آطامهم هناك الأطم الذي يقال له الشعبان في ثمغ، صدقة عمر بن
الخطّاب وظُه، قاله ابن زبالة، وفي بعض طرق حديث صدقة عمر من رواية
ابن شبّة: أن عمر ◌ُه أصاب أرضاً من يهود بني حارثة، يقال لها: ثَمْغ.
وذكر الواقديّ اصطفاف أهل المدينة على الخندق في وقعة الحرّة، ثم
ذكر مبارزةً وقعت يومئذ في جهة ذباب إلى كومة أبي الحمراء، ثم قال: كومة
أبي الحمراء قرية من ثمغ.
وقال أبو عبيد البكريّ: ثمغ أرض تلقاء المدينة كانت لعمر.
وذكر ابن شبة في صدقات عمر بالمدينة، وغاير بينه وبين صدقته بخيبر،
وأورد کتاب صدقته، وفيه: ثمغ بالمدينة، وسهمه من خيبر.
وروى عن عمرو بن سعيد بن معاذ، قال: سألنا عن أول من حبس في
الإسلام، فقال قائل: صدقة رسول الله وَّل، وهذا قول الأنصار، وقال
المهاجرون: صدقة عمر، وذلك أن رسول الله ◌َ * أول ما قَدِم المدينة وجد
أرضاً واسعةً بزهرة لأهل رابح وحسيكة، وقد كانوا أُجْلوا عن المدينة قبل مقدم
النبيّ ◌َّ، وتركوا أرضاً واسعةً، منها براح، ومنها ما فيه واد لا يسقي، يقال
له: الحشاشين، وأعطى عمر منها ثَمْغاً، واشترى عمر إلى ذلك من قوم من
يهود، فكان مالاً معجباً، فسأل رسول الله وَ﴾، فقال: إن لي مالاً، وإني
أحبّه، فقال رسول الله وَّلفيه: ((احبس أصله، وسَبِّل ثمرته)).
فهذا كلّه صريح في كون ثمغ بالمدينة في شاميّها، فكأن في رواية
الدارقطنيّ من تصرّف بعض الرواة، أو أن كلّ من صدقتيه يسمى ثمغاً.
قال بعض المحقّقين: فالذي يتحصّل من جميع هذه الروايات أن ثمغاً
كانت بالمدينة، وكان عمر رظُه تصدّق به، وبالمائة سهم بخيبر جميعاً، فاقتصر
بعض الرواة على ثمغ، وبعضهم على أرضه بخيبر، وخلط بعضهم الأمرين،
فجعلوا ثمغ من أراضي خيبر، والظاهر أن هذا وَهْمٌ منهم، والله أعلم.
انتھی(١) .
قال الجامع: ومما يؤيّد ما تقدّم أن أهل اللغة تواردوا على جعلها من
(١) ((تكملة فتح الملهم)) ١٢٦/٢ - ١٢٧.

٤٢٣
(٥) - بَابُ الْوَقْفِ - حديث رقم (٤٢١٦)
أراضي المدينة، فقال المجد في ((القاموس)): ثمغ - بالفتح ـ مال بالمدينة
لعمر رغبته وقفه. انتهى(١).
وقال ابن الأثير في ((النهاية)): ثَمغ، وصِرمة ابن الأكوع مالان معروفان
بالمدينة، كانا لعمر بن الخطّاب وظه، فوقفهما. انتهى (٢)، وكذا قال ابن
منظور في ((لسان العرب))(٣).
والحاصل أن الصواب كون تَمْغ من أراضي المدينة، لا من خيبر،
فليُتُنّه، والله تعالى أعلم بالصواب.
(فَأَتَى النَّبِيَّ وَلِ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا)؛ أي: يطلب الأمر الذي يأمره به بَّ، من
الوقف أو غيره (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضاً بِخَيْبَرَ، لَمْ أُصِبْ مَالاً قَطُّ
هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْهُ)؛ أي: أجود، والنفيس: الشيء الجيّد الْمُغْتَبَط به، يقال:
نَفْسَ - بفتح النون، وضم الفاء - نَفَاسةً: كَرُمَ فهو نفيسٌ، وأنفس إنفاساً مثله،
فهو مُنفسٌ، ونَفِست به، مثلُ ضَنِنْتُ به لنفاسته وزناً ومعنّى، قاله الفيّوميّ (٤).
وقال الداوديّ: سُمِّ نفيساً؛ لأنه يأخذ بالنَّفْس، وفي رواية صخر بن
جُويرية عند البخاريّ: ((إني استفدت مالاً وهو عندي نفيس، فأردت أن أتصدق
به))، وقد تقدّم في مرسل أبي بكر بن حزم أنه رأى في المنام الأمر بذلك،
ووقع في رواية للدارقطنيّ، إسنادها ضعيف: أن عمر قال: يا رسول الله، إني
نذرت أن أتصدق بمالي. ولم يثبت هذا، وإنما كان صدقة تطوع، كما سيأتي
من حكاية لفظ كتاب الوقف المذكور - إن شاء الله تعالى - أفاده في
((الفتح))(٥).
(فَمَا تَأْمُرُنِي بِهِ)؟ وفي رواية للبخاريّ: ((فكيف تأمرني به؟»، وفي رواية:
((أن عمر استشار رسول الله ﴿ ﴿ في أن يتصدّق)) (قَالَ) وَّهِ ((إِنْ شِئْتَ) الأجر،
والمثوبة عند الله رَك (حَبَسْتَ) بتخفيف الموحّدة (أَصْلَهَا)؛ أي: وقفت تلك
(١) ((القاموس المحيط)) ص ١٨٠.
(٢) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٢٢٢/١.
(٣) ((لسان العرب)) ٤٢٣/٨.
(٥) راجع: ((الفتح)) ١٥/٧.
(٤) ((المصباح المنير)) ٦١٧/٢.

٤٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا
الأرض، يقال: حَبَسَ الشيءَ في كذا: إذا خصّه له، ومن هنا سُمّي الوقف
حبيساً (وَتَصَدَّقْتَ بِهَا)))؛ أي: تصدّقت بما يخرج منها من المنافع، يوضّح هذا
المعنى ما في رواية عبيد الله بن عمر: ((احبس أصلها، وسَبِّل ثمرتها))، وفي
رواية يحيى بن سعيد: ((تصدّق بثمره، وحبّس أصله))، والتسبيل الإباحة؛ كأنك
جعلت عليه طريقاً مطروقّة، كذا في ((مجمع البحار))، وقال السنديّ: قوله:
((وسَبِّلْ)) بتشديد الباء؛ أي: اجعل ثمرتها في سبيل الله، ومنه يقال: الوقف
المسبَّل؛ يعني: الوقف المباح.
(قَالَ) ابن عمر (فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ، أَصْلُهَا)؛ أي: بشرط أن
أصل هذا الوقف لا يجوز بيعه (وَلَا يُبْتَاعُ) كذا في نسخة، وهو الصواب؛ أي:
لا يجوز شراؤه، ووقع في أكثر النسخ: ((ولا يباع))، وفي المتن البولاقيّ: ((ولا
تباع))، وكلاهما غلطٌ، وتكرار(١)، فليُتنبّه.
زاد الدارقطنيّ من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع: ((حَبِيسٌ ما دامت
السماوات والأرض)).
قال في ((الفتح)): كذا لأكثر الرواة عن نافع، ولم يختلفوا فيه عن ابن
عون، إلا ما وقع عند الطحاويّ، من طريق سعيد بن سفيان الجحدريّ، عن
ابن عون، فذكره بلفظ صخر بن جويرية الآتي، والجحدريّ إنما رواه عن
صخر، لا عن ابن عون، قال السبكيّ: اغتبطتُ بما وقع في رواية يحيى بن
سعيد، عن نافع، عند البيهقيّ: ((تصدّقْ بثمره، وحبسن أصله، لا يباع، ولا
يورث))، وهذا ظاهره أن الشرط من كلام النبيّ وَلاو، بخلاف بقية الروايات،
فإن الشرط فيها ظاهره أنه من كلام عمر بنظُه، ووقع في رواية صخر بن
جويرية عند البخاريّ، بلفظ: ((فقال النبيّ وَ﴾: تصدّق بأصله، لا يُباع، ولا
يوهب، ولا يورث، ولكن يُنفق بثمره))، وهي أتمّ الروايات، وأصرحها في
المقصود، فعَزْوها إلى البخاريّ أولى، وقد علّقه البخاريّ في المزارعة بلفظ:
(قال النبيّ وَّ لعمر: تَصَدَّق بأصله، لا يباع، ولا يوهب، ولكن ليُنفق ثمره،
فَتَصَدَّق به))، فهذا صريح في كونه مرفوعاً، وعلى تقدير كون الشرط من قول
(١) راجع ما كتب في هامش: النسخة التركيّة ٧٤/٥.

٤٢٥
(٥) - بَابُ الْوَقْفِ - حديث رقم (٤٢١٦)
عمر، لكنه ما فعله إلا لِمَا فهمه من النبيّ وَّر، حيث قال له: ((احبس أصلها،
وسَبِّلْ ثمرتها)).
وقوله: ((تصدّقْ)) بصيغة أمر، وقوله: ((فتصدّق)) بصيغة الفعل الماضي.
(١)
انتھی(١).
قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة القول في هذا أن أكثر الرواة عن نافع
جعلوا الشرط من كلام عمر نظريته، وبعضهم جعله مرفوعاً .
فمنهم: صخر بن جويرية، عند البخاريّ في الوصايا، ولفظه: ((فقال
النبيّ وَله: تصدّق بأصله، لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، ولكن يُنفق ثمره)).
ومنهم: أبو عاصم، وسعيد الجحدريّ، عند الطحاويّ، ولفظهما: ((قال:
إن شئت حبست أصلها، لا تباع، ولا توهب))، قال أبو عاصم: وأُراه قال:
((لا تورث)).
ومنهم: يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عند الطحاويّ، والبيهقيّ، ولفظه:
((فقال له النبيّ ◌َلّر: تصدّق بثمره، واحبس أصله، لا يباع، ولا يورث))، ولفظ
الطحاويّ: ((تصدّق به، تقسم ثمره، وتحبس أصله، لا تباع، ولا توهب)).
فهؤلاء الأربعة: صخر، وأبو عاصم، وسعيد الجحدريّ، ويحيى بن
سعيد كلهم رووه عن نافع، وجعلوه من كلام النبيّ ◌َّ، ولا مانع - كما قال
بعض المحققين (٢) - من أن يكون من كلامه وَله، ومن كلام عمر ته أيضاً،
فذكر بعض الرواة ما لم يذكره الآخر، فَيُحمل على أنه وَّ قال هذا الشرط
حين نفّذ وقفه فعلاً، والله تعالى أعلم.
أوّلاً ، ثم قاله عمر
(وَلَا يُورَثُ، وَلَا يُوهَبُ، قَالَ) ابن عمر (فَتَصَدَّقَ عُمَرُ فِي الْفُقَرَاءِ، وَفِي
الْقُرْبَى، وَفِي الرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ اللهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالضَّيْفِ) زاد في رواية
أزهر السمان: ((وفي المساكين))، وجميع هؤلاء الأصناف إلا الضيف، هم
المذكورون في آية الزكاة، وقد تقدّم بيانهم في ((كتاب الزكاة)).
وأما ((القربى)) فقال القرطبيّ: فظاهره أنه أراد به قرابته، ويَحْتَمِل أن يريد
(١) ((الفتح)) ١٦/٧.
(٢) راجع ما كتبه صاحب: ((تكملة فتح الملهم)) ١٢٠/٢.

٤٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا
به قرابة النبيّ ®، المذكورين في الخمس والفيء، وفيه بُعد؛ لأنه أطلق على
ذلك الحبس صدقة، وهم قد حُرموا الصدقة، إلا إن تنزّلنا على أن الذي حُرموه
هي الصدقة الواجبة فقط، والرافع لهذا الاحتمال الوقوف على ما صنع في
صدقة عمر ظُه، فينبغي أن يُبحث عن ذلك، والأولى حمله على قرابة
عمر رُه الخاصّة به، والله أعلم. انتهى(١).
وأما ((الضيف)) فمعروف، وهو من يَنزل بقوم يُريد القِرَى منهم.
(لَا جُنَاحَ)؛ أي: لا إثم (عَلَى مَنْ وَلِيَهَا)؛ أي: من قام باستثمار تلك
الأرض، وتنميتها (أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ)؛ أي: يأكل من ريعها بالمعروف؛
أي: بحسب ما يتحمله رَيع الوقف على الوجه المعتاد(٢).
وقال القرطبيّ كَّتُ: هذا رفعٌ للحرج عن الوالي عليها، والعامل في تلك
الصدقة في الأكل منها، على ما جرت به عادة العمال في الحيطان من أكلهم
من ثمرها حالة عملهم فيها، فإن المنع من ذلك نادرٌ، وامتناع العامل من ذلك
أندر، حتى لو اشتَرط ربّ الحائط على العامل فيه أن لا يأكل لَاسْتُقْبِحَ ذلك
عادةً وشرعاً، وعلى ذلك فيكون المراد بالمعروف: القدر الذي يدفع الحاجة،
ويردّ الشهوة، غير أكل بسرف، ولا نهمة، ولا متّخذاً خيانةً، ولا خُبْنة.
وقيل: مراد عمر ◌ُبنه بذلك أن يأكل العامل منها بقدر عمله، وفيه بُعْدٌ؛
لأنه لا يصحّ ذلك حتى يُتأول ((يأكل)) بمعنى ((يأخذ))؛ لأن العامل إنما يأخذ
أجرته، فيتصرّف فيها بما شاء من بيع، أو أكل، أو غير ذلك، و((أكل)) بمعنى
((أخذ)) على خلاف الأصل؛ ولأن مساق اللفظ لا يُشعر بقصدٍ إلى أن تلك
الإباحة إنما هي بحسب العمل، وبقدره، فتأمله، لا سيّما وقد أردف عليه:
((ويطعم صديقاً، غير متأثّل مالاً))؛ يعني: صديقاً للوالي عليها، وللعامل فيها،
ويَحْتَمِل صديقاً للمحبّس، وفيه بُعْدٌ. انتهى (٣).
(أَوْ يُطْعِمَ) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، مبنيّاً للفاعل، وفي رواية للبخاريّ:
((أو يُؤْكِلَ)) بإسكان الواو، وهي بمعنى يُطعِم، وقوله: (صَدِيقاً) مفعول به
(١) ((المفهم)) ٤ / ٦٠٢.
(٣) ((المفهم)) ٤/ ٦٠٢ - ٦٠٣.
(٢) راجع: ((عمدة القاري)) ٦/ ٤٦٩.

٤٢٧
(٥) - بَابُ الْوَقْفِ - حديث رقم (٤٢١٦)
لـ((يُطعِم))، والمراد: صديق الوالي على الوقف، ويَحْتَمِل أن يكون صديق
الواقف، وفيه بُعْدٌ، بل الظاهر هو الأول، كما مرّ قريباً.
(غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ) بنصب ((غير)) على الحال، من فاعل ((يأكل))؛ أي: غير
متّجر فيه، قال في ((الفتح)): والمعنى غير متّخذ منها مالاً؛ أي: ملكاً،
والمراد: أنه لا يتملّك شيئاً من رقابها .
(قَالَ) ابن عون الراوي عن نافع (فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ مُحَمَّداً)؛ يعني:
ابن سيرين، وفي رواية الدارقطنيّ من طريق أبي أسامة، عن ابن عون، قال:
ذكرتُ حديث نافع لابن سيرين، فذكره.
(فَلَمَّا بَلَغْتُ هَذَا الْمَكَانَ) الإشارة إلى قوله: (غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ، قَالَ
مُحَمَّدٌ) ابن سيرين (غَيْرَ مُتَأَثّلِ مَالاً) والمتأثّل - بمثنّاة، ثم مثلّثة مشدّدة، بينهما
همزة: هو المتّخذ، والتأثّل: اتخاذ أصل المال حتى كأنه عنده قديم، قال امرؤ
القيس [من الطويل]:
وَلَكِنَّمَا أَسْعَى لِمَجْدٍ مُؤَثَّلٍ
وَقَدْ يُدْرِكُ الْمَجْدَ الْمُؤَثَّلَ أَمْثَالِي
أي: المجد القديم المؤصّل، وأَثْلَةُ كلّ شيء أصله، وفيه ما يدلّ على أنه
يجوز الحبس على الأغنياء، قاله القرطبيّ تَظُّهُ(١).
وقال في ((الفتح)): واشتراط نفي التأثّل يُقوّي ما ذهب إليه من قال:
المراد من قوله: ((يأكل بالمعروف)) حقيقة الأكل، لا الأخذ من مال الوقف
بقدر العمالة. انتهى.
وزاد أحمد من طريق حمّاد بن زيد، عن أيوب، فذكر الحديث، قال
حماد: وزعم عمرو بن دينار أن عبد الله بن عمر، كان يُهدي إلى عبد الله بن
صفوان من صدقة عمر ◌ًا، وكذا رواه عمر بن شبّة من طريق حماد بن زيد،
عن عمر، وزاد عمر بن شبّة، عن يزيد بن هارون، عن ابن عون في آخر هذا
الحديث: ((وأوصى بها عمر إلى حفصة، أم المؤمنين، ثم إلى الأكابر من آل
عمر»، ونحوه في رواية عبيد الله بن عمر عند الدارقطنيّ، وفي رواية أيوب،
عن نافع عند أحمد: ((يليه ذوو الرأي من آل عمر))، فكأنه كان أوّلاً شرط أن
(١) ((المفهم)) ٦٠٣/٤.

٤٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا
النظر فيه لذوي الرأي من أهله، ثم عيّن عند وصيّته لحفصة، وقد بيّن ذلك
عمر بن شبّة، عن أبي غسّان المدنيّ، قال: هذه نسخة صدقة عمر، أخذتها من
كتابه الذي عند آل عمر، فنسختها حرفاً حرفاً: ((هذا ما كتب عبد الله عمر أمير
المؤمنين في ثمغ، أنه إلى حفصة، ما عاشت، تُنفق ثمره حيث أراها الله، فإن
تُوفّيت، فإلى ذوي الرأي من أهلها)).
فذكر الشرط كله نحو الذي تقدّم في الحديث المرفوع، ثم قال: ((والمائة
وسق الذي أطعمني النبيّ وَّ، فإنها مع ثَمْغ على سَنَنه الذي أمرت به، وإن
شاء وليّ ثمغ أن يشتري من ثمره رقيقاً يعملون فيه فعل.
وكتب مُعيقيب، وشهد عبد الله بن الأرقم))، وكذا أخرج أبو داود في
روايته نحو هذا، وذكرا جميعاً كتاباً آخر نحو هذا الكتاب، وفيه من الزيادة:
((وصرمة بن الأكوع، والعبد الذي فيه صدقة كذلك)).
وهذا يقتضي أن عمر إنما كتب كتاب وقفه في خلافته؛ لأن مُعيقيباً كان
كاتبه في زمن خلافته، وقد وصفه فيه بأنه أمير المؤمنين، فيَحْتَمِل أن يكون
وقفه في زمن النبيّ وَل﴿ باللفظ، وتولّى هو النظر عليه إلى أن حضرته الوصيّة،
فكتب حينئذ الكتاب، ويَحْتَمِل أن يكون أخّر وقفيّته، ولم يقع منه قبل ذلك إلا
استشارته فى كيفيته.
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى بُعد الاحتمال الثاني، فإن سياق
الروايات تردّه، فالحقّ الاحتمال الأول، فتبصّر.
وقد روى الطحاويّ، وابن عبد البرّ من طريق مالك، عن ابن شهاب،
قال: ((وقال عمر: لولا أني ذكرت صدقتي لرسول الله وَ ل﴿ لردَدْتها))، فهذا يُشعر
بالاحتمال الثاني، وأنه لم يُنجز الوقف إلا عند وصيته.
قال الجامع: هذا السياق، لا إشعار فيه لِمَا ذكره، بل هو مشعر بعكسه،
فإن قوله: ((صدقتي)) ظاهر في كونها في ذلك الوقت صدقةً، لا أنه أخّر
التصدّق بها إلى أن حضرته الوفاة، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
(قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: وَأَنْبَأَنِي)؛ أي: أخبرني (مَنْ قَرَأَ هَذَا الْكِتَابَ) لم يُسمّ
القارىء (أَنَّ فِيهِ غَيْرَ مُتَأَثَّلِ مَالاً)؛ أي: كما قال ابن سيرين، وفي رواية الترمذيّ
من طريق ابن عليّة، عن ابن عون: ((حدّثني رجلٌ أنه قرأها في قطعة أديم

٤٢٩
(٥) - بَابُ الْوَقْفِ - حديث رقم (٤٢١٦)
أحمر))، قال ابن عليّة: وأنا قرأتها عند ابن عُبيد الله بن عمر كذلك، وقد أخرج
أبو داود صفة كتاب وقف عمر ربه من طريق يحيى بن سعيد الأنصاريّ، قال:
((نسخها لي عبد الله بن عبد الحميد بن عبد الله بن عمر))، فذكره، وفيه: ((غير
متأثّل)).
واستدلّ الطحاويّ بقول عمر ظُبه المتقدّم، حيث قال: (لرددتها)) لأبي
حنيفة، وزفر في أن إيقاف الأرض لا يمنع من الرجوع فيها، وأن الذي منع
عمر ظُه من الرجوع كونه ذكره للنبيّ وَّ﴾، فكره أن يفارقه على أمر، ثم
يُخالفه إلى غيره.
ولا حجة فيما ذُكر لوجهين:
[أحدهما]: أنه منقطع؛ لأن ابن شهاب لم يدرك عمر
[ثانيهما]: أنه يَحْتَمِل ما تقدّم، ويَحْتَمِل أن يكون عمر كان يرى بصحّة
الوقف ولزومه، إلا إن شرط الواقف الرجوع، فله أن يرجع، وقد روى
الطحاويّ عن عليّ ◌َبه مثل ذلك، فلا حجة فيه لمن قال بأن الوقف غير
لازم، مع إمكان هذا الاحتمال، وإن ثبت هذا الاحتمال كان حجة لمن قال
بصحّة تعليق الوقف، وهو عند المالكيّة، وبه قال ابن سُريج، وقال: تعود
منافعه بعد المدّة المعيّنة إليه، ثم إلى ورثته، فلو كان للتعليق مآلاً صحّ اتفاقاً،
كما لو قال: وقفته على زيد سنة، ثم على الفقراء(١)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر ظُه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٤٢١٦ و٤٢١٧ و ٤٢١٨] (١٦٣٢ و١٦٣٣)،
و(البخاريّ) في ((الشروط)) (٢٧٣٧ و(الوصايا)) (٢٧٦٤ و٢٧٧٢ و٢٧٧٣ و٢٧٧٨)،
و(أبو داود) في ((الوصايا)) (٢٨٧٨)، و(الترمذيّ) في ((الأحكام)) (١٣٧٥)،
(١) راجع: ((الفتح)) ١٨/٧.

٤٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا
و(النسائيّ) في ((الإحباس)) (٢٣٠/٦ و٢٣١) و((الكبرى)) (٩٣/٤ و٩٤)، و(ابن
ماجه) في ((الأحكام)) (٢٣٩٦ و ٢٣٩٧)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤/ ٣٥٠
و٢٨٣/٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٢/٢ و٥٥)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى))
(١٠٠/١)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١١٧/٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٢٦٤/١١)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٣٢٨/٤)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني
الآثار)) (٩٥/٤)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (١٨٧/٤ - ١٨٨)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (١٥٨/٦ -١٥٩) و((المعرفة)) (٥٤٥/٤)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة))
(٢١٩٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده(١):
١ - (منها): مشروعيّة الوقف، وسيأتي بيان اختلاف العلماء فيه في
المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٢ - (ومنها): جواز ذكر الولد أباه باسمه المجرّد من غير كنية، ولا لقب.
٣ - (ومنها): استحباب استشارة أهل العلم والدِّين والفضل في طرق
الخير، سواء كانت دينيّةً، أو دنيويّة، وأن المشير يُشير بأحسن ما يظهر له في
جميع الأمور.
٤ - (ومنها): أن فيه فضيلة ظاهرة لعمر نظّه، حيث رَغِبَ في العمل
بقوله تعالى: ﴿لَن نَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢].
٥ - (ومنها): أن فيه فضل الصدقة الجارية.
٦ - (ومنها): صحة شروط الواقف، واتباعه فيها، وأنه لا يشترط تعيين
المصرف لفظاً .
٧ - (ومنها): أن الوقف لا يكون إلا فيما له أصل يدوم الانتفاع به، فلا
يصحّ وقف ما لا يدوم الانتفاع به؛ كالطعام، هكذا قيل، وهو محلّ نظر.
٨ - (ومنها): مشروعيّة كتابة الوقف، وقد ساق أبو داود تَخُّْ نصّ كتابة
وقف عمر رظُه في ((سننه))، فقال:
(١) المراد فوائد حديث قصّة وقف عمر ظله، لا بقيد ما ساقه المصنّف، بل بجميع
الروايات المختلفة التي أشرنا إليها في أثناء الشرح، فتنبّه.

٤٣١
(٥) - بَابُ الْوَقْفِ - حديث رقم (٤٢١٦)
حدّثنا سليمان بن داود الْمَهْريّ، حدّثنا ابن وهب، أخبرني الليث، عن
يحيى بن سعيد، عن صدقة عمر بن الخطاب ظُه، قال: نسخها لي
عبد الحميد بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب:
((بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما كتب عبد الله، عمر، في ثَمْغ، فقصّ
من خبره نحو حديث نافع، قال: ((غير متأثل مالاً، فما عفا عنه من ثمره، فهو
للسائل والمحروم))، قال: وساق القصة، قال: وإن شاء وَلِيّ ثمغ، اشترى من
ثمره رقيقاً لعمله، وكتب معيقيب، وشهد عبد الله بن الأرقم:
بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به عبد الله عمر، أمير المؤمنين،
إن حَدَثَ به حَدَث، أن ثَمْغاً، وصِرْمَة ابن الأكوع، والعبد الذي فيه، والمائة
سهم التي بخيبر، ورقيقه الذي فيه، والمائة التي أطعمه محمد ال# بالوادي،
تليه حفصة، ما عاشت، ثم يليه ذو الرأي من أهلها، أن لا يباع، ولا يشترى،
ينفقه حيث رأى، من السائل، والمحروم، وذوي القربى، ولا حرج على من
وليه إن أكل، أو آكل، أو اشترى رقيقاً منه)).
٩ - (ومنها): أنه لا يكفي في الوقف لفظ الصدقة، سواء قال: تصدّقت
به بكذا، أو جعلته صدقةً حتى يُضيف إليها شيئاً آخر؛ لتردُّد الصدقة بين أن
تكون تمليك الرقبة، أو وقف المنفعة، فإذا أضاف إليها ما يميّز أحد المحتملين
صحّ، بخلاف ما لو قال: وقفتُ، أو حبستُ، فإنه صريحٌ في ذلك، على
الراجح، وقيل: الصريح الوقف خاصّة، وفيه نظرٌ؛ لثبوت التحبيس في قصّة
عمر نظراته هذه، نعم لو قال: تصدّقتُ بكذا على كذا، وذكر جهة عامّة صحّ،
وتمسّك من أجاز الاكتفاء بقوله: تصدّقتُ بكذا بما وقع في حديث الباب من
قوله: ((فتصدّق بها عمر))، ولا حجة في ذلك؛ لِمَا تقدّم من أنه أضاف إليها:
((لا تباع، ولا توهب)).
ويَحْتَمِل أيضاً أن يكون قوله: ((فتصدّق بها عمر)) راجعاً إلى الثمرة على
حذف مضاف؛ أي: فتصدّق بثمرتها، فليس فيه متعلَّقٌ لمن أثبت الوقف بلفظ
الصدقة، مجرّداً، وبهذا الاحتمال الثاني جزم القرطبيّ.
١٠ - (ومنها): جواز الوقف على الأغنياء؛ لأن ذوي القربى، والضيف،
لم يُقيّدا بالحاجة، وهو الأصحّ عند الشافعيّة.

٤٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا
١١ - (ومنها): أن للواقف أن يشترط لنفسه جزءاً من رَيْع الموقوف؛ لأن
عمر ربه شرط لمن ولي وقفه أن يأكل منه بالمعروف، ولم يستثن إن كان هو
الناظر، أو غيره، فدلّ على صحّة الشرط، وإذا جاز في المبهم الذي تعيّنه
العادة، كان فيما يعيّنه هو أجوز.
١٢ - (ومنها): جواز إسناد الوصيّة، والنظر على الوقف للمرأة، وتقديمها
على من هو من أقرانها من الرجال، حيث أسند عمر ذلك إلى حفصة
١٣ - (ومنها): جواز إسناد النظر إلى من لم يُسمّ، إذا وُصف بصفة معيّنة
تُمیّزه.
١٤ - (ومنها): أن الواقف يلي النظر على وقفه إذا لم يُسنده لغيره، قال
الشافعيّ تَثْثُهُ: لم يزل العدد الكثير من الصحابة، فمن بعدهم يَلُون أوقافهم،
نقل ذلك الألوف عن الألوف، لا يختلفون فيه.
١٥ - (ومنها): أنه استدلّ به على جواز الوقف على الوارث في مرض
الموت، فإن زاد على الثلث رُدّ، وإن خرج منه لزم، وهو إحدى الروايتين عن
أحمد؛ لأن عمر ظبه جعل النظر بعده لحفصة، وهي ممن يرثه، وجعل لمن
ولي وقفه أن يأكل منه.
وتُعُقّب بأن وقْف عمر ظُه صدر منه في حياة النبيّ ◌َّر، والذي أوصى
به إنما هو شرط النظر.
١٦ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن الواقف إذا شرط للناظر شيئاً أخذه،
وإن لم يشترطه له لم يجز، إلا إن دخل في صفة أهل الوقف؛ كالفقراء
والمساکین، فإن كان على معيّنین، ورضوا بذلك جاز.
١٧ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن تعليق الوقف لا يصحّ؛ لأن قوله:
((حبّس الأصل)) يناقض تأقيته، وعن مالك، وابن سُريج يصحّ.
١٨ - (ومنها): أنه استُدلّ بقوله: ((لا تباع)) على أن الوقف لا يُناقل به،
وعن أبي يوسف: إن شرط الواقف أنه إذا تعطّلت منافعه بِيعَ، وصُرف ثمنه في
غيره، ويوقف فيما سمي في الأول، وكذا إن شرط البيع إذا رأى الحظّ في نقله
إلى موضع آخر.

٤٣٣
(٥) - بَابُ الْوَقْفِ - حديث رقم (٤٢١٦)
١٩ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على جواز وقف المشاع؛ لأن المائة سهم
التي كانت لعمر بخيبر لم تكن منقسمة.
٢٠ - (ومنها): أن فيه أنه لا سراية في الأرض الموقوفة، بخلاف العتق،
ولم يُنقل أن الوقف سرى من حصّة عمر إلى غيرها من باقي الأرض.
وحكى بعض المتأخّرين، عن بعض الشافعيّة أنه حكم فيه بالسراية، وهو
شاذ منكر.
٢١ - (ومنها): أنه استدلّ به على أن خيبر فُتحت عنوة، وقد أشبعنا
الكلام على هذا البحث في غير هذا الموضع.
٢٢ - (ومنها): أنه يستنبط منه صحّة الوقف على النفس، وهو قول ابن
أبي ليلى، وأبي يوسف، وأحمد في الأرجح عنه، وقال به من المالكيّة ابن
شعبان، وجمهورهم على المنع، إلا إذا استثنى لنفسه شيئاً يسيراً، بحيث لا
يتّهم أنه قصد حرمان ورثته، ومن الشافعيّة ابن سُريج، وطائفةٌ، وصنّف فيه
محمد بن عبد الله الأنصاريّ، شيخ البخاريّ جزءاً ضخماً، واستدلّ له بقصّة
عمر هذه، وبقصّة راكب البَدَنة، وبحديث أنسٌ رَظ ◌ُبه في أنه وَلّ أعتق صفيّة،
وجعل عتقها صداقها، ووجه الاستدلال به أنه أخرجها عن مُلكه بالعتق، وردّها
إليه بالشرط، وقد تقدّم البحث فيه في ((كتاب النكاح)) مستوفّى، وبقصّة
عثمان رَُّه في بئر رومة، حيث قال له النبيّ وَر: ((من يشتري بئر رومة،
فیجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين ... )) الحديث، وهو صحيح.
واحتجّ المانعون بقوله في حديث عمر هذا: ((سبّل الثمرة))، وتسبيل الثمرة
تملیکه للغیر، والإنسان لا یتمكّن من تمليك نفسه لنفسه.
وتُعُقّب بأن امتناع ذلك غير مستحيل، ومنعُه تمليكه لنفسه إنما هو لعدم
الفائدة، والفائدة في الوقف حاصلة؛ لأن استحقاقه إياه مُلكاً غير استحقاقه إياه
وقفاً، ولا سيّما إذا ذكر له مالاً آخر، فإنه حكم آخر، يستفاد من ذلك الوقف.
واحتجّوا أيضاً بأن الذي يدلّ عليه حديث الباب أن عمر اشترط لناظر
وقفه أن يأكل منه بقدر عُمالته، ولذلك منعه أن يتّخذ لنفسه منه مالاً، فلو كان
يؤخذ منه صحّة الوقف على النفس لم يمنعه من الاتخاذ، وكأنه اشترط لنفسه
أمراً لو سكت عنه لكان يستحقّه لقيامه، وهذا على أرجح قولي العلماء أن

٤٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا
الواقف إذا لم يشترط للناظر قَدْر عمله جاز له بقدر عمله، ولو اشترط الواقف
لنفسه النظر، واشترط أجرة، ففي صحّة هذا الشرط عند الشافعيّة خلاف؛
كالهاشميّ إذا عمل في الزكاة، هل يأخذ من سهم العاملين؟ والراجح الجواز،
ويؤيّده حديث عثمان ◌ُبه المذكور، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب .
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الوقف:
قال في ((الفتح)): حديث عمر به هذا أصل في مشروعيّة الوقف، قال
أحمد: حدّثنا حماد - وهو ابن خالد - حدّثنا عبد الله - وهو العمريّ -، عن
نافع، عن ابن عمر، قال: ((أول صدقة - أي: موقوفة - كانت في الإسلام
صدقة عمر)).
وروى عمر بن شبّة، عن عمرو بن سعد بن معاذ، قال: ((سألنا عن أول
حبس في الإسلام، فقال المهاجرون: صدقة عمر، وقال الأنصار: صدقة
رسول الله (َّلتر))، وفي إسناده الواقديّ.
وفي ((مغازي الواقديّ)): أن أول صدقة موقوفة، كانت في الإسلام أراضي
مُخيريق - بالمعجمة، مصغّراً - التي أوصى بها للنبيّ وَّرَ، فوقفها النبيّ ◌َّل.
قال الترمذيّ: لا نعلم بين الصحابة، والمتقدّمين، من أهل العلم، خلافاً
في جواز وقف الأرضين، وجاء عن شُريح أنه أنكر الحبس، ومنهم من تأوّله،
وقال أبو حنيفة: لا يلزم، وخالفه جميع أصحابه، إلا زفر بن الهذيل، فحَكَى
الطحاويّ، عن عيسى بن أبان، قال: كان أبو يوسف يُجيز بيع الوقف، فبلغه
حديث عمر هذا، فقال: من سمع هذا من ابن عون؟ فحدّثه به ابن عُليّة،
فقال: هذا لا يسع أحداً خلافه، ولو بلغ أبا حنيفة لقال به، فرجع عن بيع
الوقف حتى صار كأنه لا خلاف فيه بين أحد. انتهى.
ومع حكاية الطحاويّ هذا، فقد انتصر كعادته، فقال: قوله في قصّة
عمر: ((حبّس الأصل، وسبّل الثمرة)) لا يستلزم التأبيد، بل يَحْتَمِل أن يكون
أراد مدّة اختياره لذلك. انتهى.
ولا يخفى ضَعف هذا التأويل، ولا يُفهم من قوله: ((وقفت، وحبست))

٤٣٥
(٥) - بَابُ الْوَقْفِ - حديث رقم (٤٢١٦)
إلا التأبيد، حتى يصرّح بالشرط عند من يذهب إليه، وكأنه لم يقف على الرواية
التي فيها: ((حبيسٌ ما دامت السماوات والأرض)).
قال القرطبيّ: ردّ الوقف مخالف للإجماع، فلا يُلتفت إليه، وأحسن ما
يُعتذر به عمن ردّه ما قاله أبو يوسف، فإنه أعلم بأبي حنيفة من غيره.
وأشار الشافعيّ إلى أن الوقف من خصائص أهل الإسلام؛ أي: وقف
الأراضي والعقار، قال: ولا نعرف أن ذلك وقع في الجاهليّة، وحقيقة الوقف
شرعاً ورود صيغة تقطع تصرّف الواقف في رقبة الموقوف الذي يدوم الانتفاع
به، وتثبت صرف منفعته في جهة خير، قاله في ((الفتح))(١).
وقال أبو العباس القرطبيّ كَّثُ في ((المفهم)) ما حاصله: حديث عمر
50
دليلٌ للجمهور على جواز الحُبْس، وصحّته، وردٌّ على من شَذَّ، وَمَنَعَهُ، وهذا
خلافٌ لا يُلتفت إليه، فإن قائله خَرَقَ إجماع المسلمين في المساجد،
والسقايات؛ إذ لا خلاف في ذلك، وهو أيضاً حجة للجمهور على قولهم: إن
الْحُبْس لازم، وإن لم يقترن به حكم حاكم، وخالف في ذلك أبو حنيفة،
وزُفر، فقالا: لا يلزم، وهو عطيّةٌ يرجع فيها صاحبها، وتورث عنه، إلا أن
يحكم به حاكم، أو يكون مسجداً، أو سقاية، أو يوصي به، فیکون من ثلثه،
ووجه الحجة عليه من هذا الحديث أن عمر ظُه لَمّا فَهِم عن النبيّ وَّرِ إشارته
بالتحبيس بادر إلى ذلك بحضرة النبيّ وَ ﴾، وقال: إنه لا يباع، ولا يوهب، ولا
يورث، ثم إنه أمضى ذلك من غير أن يحكم به النبيّ ◌َّ، إذ لم يصدر من
النبيّ ◌َ﴿ أكثر من الإشارة.
قد أجمعت على ذلك من غیر خلاف بينهم فیه،
وأيضاً فإن الصحابة
فقد حبس الأئمة الأربعة، وطلحة، وزيد بن ثابت، والزبير، وابن عمر،
وخالد بن الوليد، وأبو رافع، وعائشة، وغيرهم ﴿ه، واستمرّت أحباسهم
معمولاً بها على وجه الدهر، من غير أن يقف شيء من ذلك على حكم حاكم،
ولم يُحك أن شيئاً من تلك الأحباس رجعت إلى المحبِّسٍ، ولا إلى ورثته.
ومن جهة المعنى، فإنها عطيّةٌ على وجه القربة، فتلزم؛ كالهبة للمساكين،
(١) ((الفتح)) ١٨/٧ - ١٩.

٤٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا
ولذي الرحم، وكالصدقة، ولأنه قد أُجمع على تحبيس المساجد من غير
حكم، ولا فرق بين تحبيسها، وتحبيس العقار، لا سيّما على الفقراء
والمساكين.
وإذا ثبت هذا، فالْحُبْس لازم في كلّ شيء، تمكن العطيّة فيه، واختُلف
عن مالك في تحبيس الحيوان؛ كالإبل، والخيل، على قولين: المنع، وبه قال
أبو حنيفة، وأبو يوسف. والصحّة، وبه قال الشافعيّ، وهو الصحيح؛ لأنه
عطيّةٌ على وجه القربة، يتكرّر أجرها؛ كالعقار وغيره؛ ولأن المسلمين على
شروطهم، وقد شرط صاحب الفرس في صدقته أنها لا تباع، ولا توهب، ولا
تورث، فینفذ شرطه.
قال: فإذا فهمت هذا، فاعلم أن الألفاظ الواقعة في هذا الباب إما أن
يقترن معها ما يدلّ على التأبيد، أو لا .
فالأول: نحو قوله: لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، أو أبداً، أو دائماً،
أو على مجهولين، أو على العقب، فهذا النوع لا يبالى بأي لفظ نُسق معه؛
لأنه يفيد ذلك المعنى؛ كقوله: وقفٌ، أو حبسٌ، أو صدقةٌ، أو عطيّةٌ.
والثاني: وهو إذا تجرّد عما يدلّ على ذلك، فلفظ الوقف صريح الباب،
فيقتضي التأبيد، والتحريم، ولم يختلف المذهب في ذلك. وفي الحبس
روايتان: إحداهما أنه كالوقف. والثانية: أنه يرجع إلى المحبّس بعد موت
المحبَّس عليه، والظاهر الأول؛ لأنه يُستعمل في ذلك شرعاً، وعرفاً .
وأما الصدقة، فالظاهر منها أنها تمليك الرقبة. وفي رواية أنها كالوقف،
وفيها بُعْد، إلا عند القرينة. واختلف فيما لو جمع بينهما، فقال: حُبْسٌ صدقةٌ،
والظاهر أن حكمه حكم الْحُبُس، وصدقة تأكيدٌ. انتهى كلام القرطبيّ دَّثُهُ،
وهو بحث نفیس.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من ذكر المذاهب وأدلّتها أن
الحقّ ما ذهب إليه الجمهور من جواز الوقف مطلقاً، سواء كان عقاراً، أم
منقولاً؛ كالحيوان، أو المصاحف، أو نحو ذلك؛ لعموم الأدلة، وأن الوقف
لا يباع، ويوهب، ولا يورث، وإنما يُتّبع فيه شروط الواقف، كما دلّ عليه
حديث قصّة عمر ظُه، وما ذهب إليه أبو حنيفة، وبعض طائفة، من جواز

٤٣٧
(٥) - بَابُ الْوَقْفِ - حديث رقم (٤٢١٧)
الرجوع في الوقف، وجواز بيعه، ومنع الوقف في المنقولات، مما لا دليل
عليه، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء
السبيل.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢١٧] ( .. ) - (حَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ (ح)
وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا أَزْهَرُ السَّمَّانُ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ
أَبِي عَدِيٍّ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ ابْنٍ أَبِي زَائِدَةَ،
وَأَزْهَرَ انْتَهَى عِنْدَ قَوْلِهِ: ((أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقً، غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ))، وَلَمْ يُذْكَرْ مَا بَعْدَهُ،
وَحَدِيثُ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ فِيهِ مَا ذَكَرَ سُلَيْمٌ، قَوْلُهُ: فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ مُحَمَّداً
إِلَى آخِرِهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) يحيى بن زكريّا بن أبي زائدة الْهَمْدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ،
ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت٣ أو ١٨٤) وله (٩٣) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢١/٥.
٣ - (إِسْحَاقُ) بن راهويه، تقدّم قبل بابين.
٤ - (أَزْهَرُ السَّمَّانُ) ابن سعد، أبو بكر الباهليّ البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٣)
وهو ابن (٩٤) سنةً (خ م د ت س) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة)) ٢٦/ ١٣٤٤.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل بابين.
٦ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو
البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت١٩٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٨/٦.
و((ابن عون)) ذُكر قبله.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ... إلخ)؛ يعني: أن كلّ من يحيى بن أبي
زائدة، وأزهر السمّان، وابن أبي عديّ رووا هذا الحديث عن عبد الله بن عون
مثل رواية سُليم بن أخضر عنه.
[تنبيه]: رواية ابن أبي عديّ، عن ابن عون، ساقها ابن خزيمة في
(صحیحه))، فقال:

٤٣٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا
(٢٤٨٣) - حدّثنا أبو موسى محمد بن المثنى، حدّثنا ابن أبي عديّ، عن
ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر، أن عمر أصاب أرضاً بخيبر، فأتى النبيّ واله
ليستأمر فيها، قال: إني أصبت أرضاً بخيبر، لم أُصِب مالاً قط أنفس عندي
منه، فما تأمر به؟ قال: ((إن شئت حَبَسْتَ أصلها، وتصدقت بها))، قال:
فتصدق بها عمر أن لا تباع أصولها، لا تباع(١)، ولا توهب، ولا تورث،
فتصدق بها على الفقراء، والقربى، والرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل،
والضعيف(٢)، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يُطعم
صديقاً غير متمول فيها، قال ابن عون: فحدثت به محمداً، فقال: غير متأمل(٣)
مالاً، قال ابن عون: وحدّثني من قرأ الكتاب: غير متأثل مالاً. انتهى (٤).
وأما رواية يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وأزهر السمان كلاهما عن ابن
عون، فلم أجد من ساقهما بتمامهما، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف ◌َّثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢١٨] (١٦٣٣) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ
الْحَفَرِيُّ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ عَوْذٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ
عُمَرَ، قَالَ: أَصَبْتُ أَرْضاً مِنْ أَرْضِ خَيْبَرَ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِّنَّهِ، فَقُلْتُ: أَصَبْتُ
أَرْضاً، لَمْ أُصِبْ مَالاً أَحَبَّ إِلَيَّ، وَلَا أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهَا. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلٍ
حَدِيثِهِمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ: فَحَدَّثْتُ مُحَمَّداً وَمَا بَعْدَهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (سُفْيَانٌ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم أيضاً قبل بابين.
والباقون ذُكروا قبله.
(١) هكذا النسخة، ولعل الصواب: ((ولا تبتاع))، فليُحرّر.
(٢) هكذا النسخة: والظاهر أنه تصحيف من ((الضيف))، فليُحرّر.
(٣) هكذا النسخة، ((متأمل))، وهو تصحيف، والصواب: ((متأثّل))، فتنبّه.
(٤) ((صحيح ابن خزيمة)) ٤ / ١١٧.

٤٣٩
(٦) - بَابُ تَرْكِ الْوَصِيَّةِ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ - حديث رقم (٤٢١٩)
وقوله: (عَنْ عُمَرَ) فيه أنه من مسند عمر ◌َظُه، وقد تقدّم أن الثوريّ
وتابعه أبو إسحاق الفزاريّ، وسعيد بن سالم المكيّ خالفوا أكثر الرواة عن ابن
عون، فجعلوه من مسنده، والأكثرون على أنه من مسند ابن عمر ظًا، وهو
الأرجح، فتنبّه.
[تنبيه]: رواية الثوريّ، عن ابن عون هذه ساقها النسائيّ في ((المجتبى))، فقال:
(٣٥٩٧) - أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أَنْبَأَنَا أبو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ
عُمَرُ بن سَعْدٍ، عن سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عن ابن عَوْنٍ، عن نَافِعٍ، عن ابن عُمَرَ، عن
عُمَرَ، قال: أَصَبْتُ أَرْضاً من أَرْضِ خَيْبَرَ، فَأَتَيْتُ رَسُوَّلَ اللهِ وَلِّ، فقلت:
أَصَبْتُ أَرْضاً لم أُصِبْ مَالاً أَحَبَّ إِلَيّ، ولا أَنْفَسَ عِنْدِي منها، قال: ((إن شِئْتَ
تَصَدَّقْتَ بها))، فَتَصَدَّقَ بها على أَنْ لَا تُبَاعَ، ولا تُوهَبَ، في الْفُقَرَاءِ، وَذِي
الْقُرْبَى، وَالرِّقَابِ، وَالضَّيْفِ، وابن السَّبِيلِ، لَا جُنَاحَ على من وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ
بِالْمَعْرُوفِ، غير مُتَمَوِّلٍ مَالاً، وَيُطْعِمَ. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾.
(٦) - (بَابُ تَرْكِ الْوَصِيَّةِ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ)
وبالسند المتصل إلى المؤلّف رَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢١٩] (١٦٣٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى الثَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَالِك بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، قَالَ: سَأَلْتُ
عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى: هَلْ أَوْصَى رَسُولُ اللهِ نَّهِ؟، فَقَالَ: لَا، قُلْتُ: فَلِمَ كُتِبَ
عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْوَصِيَّةُ؟ أَوْ فَلِمَ أُمِرُوا بِالْوَصِيَّةِ؟ قَالَ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللهِ رَكَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) النيسابوريّ الإمام، تقدّم في الباب
الماضي .
(١) سنن النسائي ((المجتبى)) ٦/ ٢٣٠.

٤٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) تقدّم قريباً.
٣ - (مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ) أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧]
(ت١٥٩) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٦/١٠.
٤ - (طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ) بن عمرو بن كعب الياميّ الكوفيّ، ثقةٌ قارىءٌ
فاضلٌ [٥] (ت١١٢) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٦/١٠.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى) علقمة بن خالد بن الحارث الأسلميّ
الصحابيّ، شَهِد الْحُديبية، مات (٨٧) (ع) تقدم في ((الصلاة)) ٤١/ ١٠٧٢.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه مسلسل بالكوفيين من مالك، وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة
عُمِّر بعد النبيّ ◌َّ دهراً، وهو آخر من مات من الصحابة ﴿ بالكوفة.
شرح الحديث:
(عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ) - بكسر الميم، وسكون الغين المعجمة، وفتح
الواو - وذكر الترمذيّ أن مالك بن مغول تفرّد به (١). (عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ)
بكسر الراء المشدّدة، بصيغة اسم الفاعل، أنه (قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي
أَوْفَى) رَبُ (هَلْ أَوْصَى رَسُولُ اللهِ وَلِ) بشيء؟ (فَقَالَ) عبد الله بن أبي أوفى
(لَا)؛ أي: لم يوص بشيء، قال في ((الفتح)): هكذا أطلق الجواب، وكأنه فَهِم
أن السؤال وقع عن وصيّة خاصّة، فلذلك ساغ نفيها، لا أنه أراد نفي الوصيّة
مطلقاً؛ لأنه أثبت بعد ذلك أنه أوصى بكتاب الله. انتهى.
وقال القرطبيّ ◌َّتُهُ: قول طلحة لابن أبي أوفى: ((هل أوصى
رسول الله (ص)) ظاهره أنه سأله: هل كانت من النبيّ وَّ وصيَّةٌ بشيء من
الأشياء؛ لأنه لو أراد شيئاً واحداً لعيَّنه، فلمَّا لم يقيِّده بقي على إطلاقه، فأجابه
بنفي ذلك، فلمَّا سمع طلحة هذا النفي العام قال مستبعداً: كيف كُتب على
المسلمين الوصية؟ ومعناه: كيف ترك النبيّ ◌َ﴿ الوصية، والله تعالى قد كتبها
على الناس؟! وهذا يدل على أن طلحة، وابن أبي أوفى كانا يعتقدان أن
(١) راجع: ((الفتح)) ٦/ ٦٧٠.