Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ (٢) - بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالقُلُثِ - حديث رقم (٤٢٠١) وفيه استحباب عيادة المريض، وأنها مستحبة للإمام، كاستحبابها لآحاد الناس(١). (فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) قال في ((الفتح)): اتَّفَقَ أصحابُ الزهريّ على أن ذلك كان في حجة الوداع، إلا ابن عيينة، فقال: ((في فتح مكة))، أخرجه الترمذيّ وغيره من طريقه، واتَّفَقَ الحفاظ على أنه وَهِمَ فيه، وقد أخرجه البخاريّ في ((الفرائض)) من طريقه، فقال: ((بمكة))، ولم يذكر الفتح. قال الحافظ تَّتُهُ: وقد وجدت لابن عيينة مُستنداً فيه، وذلك فيما أخرجه أحمد، والبزار، والطبرانيّ، والبخاريّ في ((التاريخ))، وابن سعد من حديث عمرو بن القاريّ: ((أن رسول الله وَّ﴿ قَدِمَ، فَخَلَّف سعداً مريضاً حيث خرج إلى حُنين، فلما قَدِمَ من الجعرانة معتمراً دخل عليه، وهو مغلوبٌ، فقال: يا رسول الله إن لي مالاً، وإني أُورَثُ كلالةً، أفأوصي بمالي ... )) الحديث، وفيه: «قلت: يا رسول الله، أميت أنا بالدار التي خرجت منها مهاجراً؟ قال: لا، إني لأرجو أن يرفعك الله، حتى ينتفع بك أقوام)»، الحديث. فلعل ابن عُيينة انتقل ذهنه من حديث إلى حديث، ويمكن الجمع بين الروايتين بأن يكون ذلك وقع له مرّتين: مرةً عام الفتح، ومرةً عام حجة الوداع، ففي الأولى لم يكن له وارث من الأولاد أصلاً، وفي الثانية كانت له ابنة فقط، فالله أعلم. انتهى كلام الحافظ تَظُّهُ(٢). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الجمع الذي ذكره الحافظ تَظَّتُ جمع حسنٌّ، إلا أن الحديث المذكور ضعيفٌ؛ لأن في إسناده عمرو بن القاريّ، وهو مجهول(٣)، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم. (مِنْ وَجَع)؛ أي: لأجل وجع، فـ((من)) تعليليّة، و((الوَجَعُ)) بفتحتين، كالمرض وزناً وَّمعنًى، قال إبراهيم الحربيّ: الوَجَع اسم لكلّ مرض(٤)، وقال الفيّوميّ تَّتُهُ: وَجِعَ فلاناً رأسُهُ، أو بطنُهُ، يُجْعَل الإنسانُ مفعولاً، والعضو (١) ((شرح النوويّ)) ٧٦/١١. (٢) ((الفتح)) ٦٧٤/٦ - ٦٧٥. (٣) راجع: ((المسند)) المحقّق بإشراف الشيخ شعيب الأرنؤوط ١٢٥/٢٧. (٤) راجع: ((شرح النوويّ)) ٧٦/١١. ٣٦٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - کتاب الوصايا فاعلاً، وقد يجوز العكس، وكأنه على القلب؛ لفهم المعنى، يَوْجَعُ وَجَعاً، من باب تَعِبَ، فهو وَجِعٌ؛ أي: مريضٌ مُتَأَلِّمُ، ويقع الوَجَعُ على كلّ مرض، وجمعه: أَوْجَاعٌ، مثلُ سَبَبٍ وأسباب، ووِجَاعٌ أيضاً بالكسر، مثلُ جَبَلٍ وجِبَالٍ، وقومٌ وَجِعُونَ، وَوَجْعَى، مثلُ مَرْضَى، ونساء وَجِعَاتٌ، ووَجَاعَى، وربما قيل: أَوْجَعَهُ رأسُهُ، بالألف، والأصل: وَجَعَهُ أَلَمُ رأسه، وأَوْجَعَهُ ألم رأسه، لكنه حُذِف للعِلم به، وعلى هذا، فيقال: فلانٌ مَوْجُوعٌ، والأجود مَوْجُوعُ الرأسِ، وإذا قيل: زيد يَوْجَعُ رأسَهَ، بحذف المفعول انتصَبَ الرأسُ، وفي نصبه قولان: قال الفراء: وَجِعْتَ بَطْنَكَ، مثلُ رَشِدَتَ أَمْرَك، فالمعرفة هنا في معنى النكرة، وقال غير الفَّراءِ: نُصِبَ البطنُ بنزع الخافض، والأصل: وَجِعْتَ من بطنك، ورَشِدتَ في أمرك؛ لأن المفسّرات عند البصريّين لا تكون إلا نكرات، وهذا على القول بجعل الشخص مفعولاً واضح، أما إذا جُعِل الشخص فاعلاً، والعضو مفعولاً، فلا يُحتاج إلى هذا التّأويل، وتَوَجَّعَ: تشكّى، وتَوَجَّعْتُ له من كذا: رَثَيتُ له. انتهى كلام الفيّوميّ كَخَذُّهُ(١). (أَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ)؛ أي: قاربته، وأشرفتُ عليه، يقال: أشفى عليه، وأشاف، قاله الهرويّ، وقال ابن قتيبة: لا يقال: أشفى إلا في الشرّ. (٢) انتھی (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، بَلَغَنِي) وفي بعض النسخ: ((بَلَغَ بِي)) (مَا تَرَى) ((ما)) موصولة فاعل ((بلغ))، وقوله: (مِنَ الْوَجَعِ) بيان لـ((ما)) (وَأَنَا ذُو مَالٍ)؛ أي: كثير، فالتنوين للتعظيم، قال النوويّ كَّتُهُ: وفيه دليلٌ على إباحة جمع المال؛ لأن هذه الصيغة لا تُستعمل في العُرف إلا لمال كثير. انتهى(٣). وفيه جواز ذكر المريض ما يجده من شدّة الوجع؛ لغرض صحيح، من مداواة، أو دعاء صالح، أو وصية، أو استفتاء عن حاله، ونحو ذلك، وإنما (١) ((المصباح المنير)) ٦٤٨/٢ - ٦٤٩ وتقدّم نقل كلام الفيّوميّ هذا في هذا الشرح برقم (٣٧١/٦٦) وإنما أعدته؛ لطول العهد به، فتنبه. (٢) ((شرح النوويّ)) ٧٦/١١. (٣) ((شرح النوويّ)) ٧٦/١١. ٣٦٣ (٢) - بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالُّلُثِ - حديث رقم (٤٢٠١) يُكره من ذلك ما كان على سبيل التسخط ونحوه، فإنه قادح في أجر مرضه (١). (وَلَا يَرِثُنِي إِلَّ ابْنَةٌ) وفي نسخة: ((إلا بنتٌ)) (لِي وَاحِدَةٌ) وفي الرواية الآتية: ((وإنما يرثني ابنتي))، وفي رواية: ((ولم يكن له يومئذ إلا ابنة))، قال النوويّ وغيره: معناه: لا يرثني من الولد، أو من خواصّ الورثة، أو من النساء، وإلا فقد كان لسعد عصبات؛ لأنه من بني زُهْرة، وكانوا كثيراً، وقيل: معناه: لا يرثني من أصحاب الفروض، زاد في ((الفتح)): أو خصّها بالذكر على تقدير: لا يرثني ممن أخاف عليه الضياع والعجز إلا هي، أو ظنّ أنها ترث جميع المال، أو استكثر لها نصف التركة. قال الحافظ تَّتُهُ: وهذه البنت زعم بعض من أدركناه أن اسمها عائشة، فإن كان محفوظاً فهي غير عائشة بنت سعد التي روت هذا الحديث عنده، فهي تابعية عُمِّرت حتى أدركها مالك، ورَوَى عنها، وماتت سنة سبع عشرة، لكن لم يذكر أحد من النسابين لسعد بنتاً تُسَمَّى عائشة غير هذه، وذكروا أن أكبر بناته أم الحكم الكبرى، وأمها بنت شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زُهْرة، وذكروا له بنات أخرى أمهاتهنّ متأخرات الإسلام بعد الوفاة النبوية، فالظاهر أن البنت المشار إليها هي أم الحكم المذكورة؛ لتقدُّم تزويج سعد بأمها، قال: ولم أر من حَرَّر ذلك. انتهى كلام الحافظ تَذَتُهُ(٢). (أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلْنَيّ مَالِي؟) وفي الرواية الآتية: ((فقلت: أوصي بمالي كلّه؟))، قال في ((الفتح)): فأما التعبير بقوله: ((أفأ تصدّق))، فيَحْتَمِل التنجيزَ والتعليقَ، بخلاف ((أفأوصي))، لكن المخرج متّحد، فَيُحْمَل على التعليق للجمع بين الروايتين، وقد تمسّك بقوله: ((أتصدّق)) مَنْ جعلَ تبرّعات المريض من الثلث، وحملوه على المنجّزة، وفيه نظرٌ؛ لما بيّنته. وأما الاختلاف في السؤال، فكأنه سأل أوّلاً عن الكلّ، ثم سأل عن الثلثين، ثم سأل عن النصف، ثم سأل عن الثلث، وقد وقع مجموع ذلك في رواية جرير بن يزيد عند أحمد، وفي رواية بكير بن مِسمار عند النسائيّ، (١) ((شرح النوويّ)) ٧٦/١١. (٢) ((الفتح)) ٦٨١/٦، كتاب ((الوصايا)) رقم (٢٧٤٢). ٣٦٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا كلاهما عن عامر بن سعد، وكذا أوّلهما من طريق محمد بن سعد، عن أبيه، ومن طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن سعد. انتهى(١). وقال النوويّ كَُّ: قوله: ((أفأتصدق بثلثي مالي؟)) يَحْتَمِل أنه أراد بالصدقة الوصية، ويَحْتَمِل أنه أراد الصدقة المنجّزة، وهما عندنا، وعند العلماء كافّةً سواءٌ، لا ينفذ ما زاد على الثلث إلا برضا الوارث، وخالف أهل الظاهر فقالوا: للمريض مرض الموت أن يتصدق بكل ماله، ويتبرع به كالصحيح، ودليل الجمهور ظاهر حديث: ((الثلث كثير))، مع حديث الذي أعتق ستة أعبد في مرضه، فأعتق النبيّ وَّ اثنين، وأَرَقَّ أربعةً(٢)، رواه مسلم. (قَالَ) وَِّ (لَا)))؛ أي: لا ينبغي لك أن تتصدّق بثلثي مالك (قَالَ) سعد (قُلْتُ: أَفَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ؟)؛ أي: نصفه، وفي الرواية الآتية: ((قلت: فالنصفِ؟))، وهو بالجرّ عطفاً على قوله: ((بثلثي مالي))؛ أي: فأتصدّق بالنصف؟ وهذا رجّحه السهيليّ، وقال الزمخشريّ: هو بالنصب على تقدير فعل؛ أي: أُسمّي الشطر؟ أو: أُعيّن الشطر، ويجوز الرفع على تقدير: أيجوز الشطرُ. (قَالَ) وَّةِ ((لَا، الثُّلُثُ) هكذا هذه الرواية فيها اختصار، يوضّحه ما في الرواية الآتية: ((قال: فالثلث؟، قال: الثلث، والثلث كثير)). قال النوويّ كَّلُهُ: ((كثير)) بالمثلثة، وفي بعض الرواية بالموحّدة، وكلاهما صحيح، قال القاضي عياض: يجوز نصب ((الثلث)) الأول، ورفعه، أما النصب فعلى الإغراء، أو على تقدير: افْعَل؛ أي: أَعْطِ الثلثَ، وأما الرفع فعلى أنه فاعل؛ أي: يكفيك الثلثُ، أو أنه مبتدأ، وحُذِف خبره، أو خبرٌ محذوف المبتدأ. انتهى(٣). وقال في ((الفتح)): قوله: ((قلت: الثلثُ؟، قال: فالثلثُ، والثلث كثير)) كذا في أكثر الروايات، وفي رواية الزهريّ عند البخاريّ في ((الهجرة)): ((قال: الثلثُ يا سعد، والثلث كثير))، وفي رواية عائشة بنت سعد عن أبيها عند (١) ((الفتح)» ٦/ ٦٧٧. (٣) ((شرح النوويّ)) ٧٦/١١ - ٧٧. (٢) ((شرح النوويّ)) ١١/ ٧٧. ٣٦٥ (٢) - بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالثَّلُثِ - حديث رقم (٤٢٠١) البخاريّ: ((قال: الثلثُ، والثلث كبير، أو كثير))، وكذا للنسائيّ من طريق أبي عبد الرحمن السُّلَميّ، عن سعد، وفيه: ((فقال: أوصيتَ؟ فقلت: نعم، قال: بكم؟ قلت: بمالي كله، قال: فما تركت لولدك؟))، وفيه: ((أَوْصٍ بالعُشر، قال: فما زال يقول، وأقول، حتى قال: أوصٍ بالثلث، والثلث كثير، أو كبير))؛ يعني: بالمثلثة، أو بالموحدة، وهو شكّ من الراوي، والمحفوظ في أكثر الروايات بالمثلثة، ومعناه: كثير بالنسبة إلى ما دونه. قال: وقوله: ((قال: الثلث، والثلث كثير)) بنصب الأول على الإغراء؛ أي: الزم الثلث، أو بفعل مضمَر، تقديره: أَعْطِ، أو أَمْضِ، أو نَفّذ الثلثَ، واستبعد هذا الوجه القرطبيّ، ولا بُعْد فيه، ويجوز رفعه على أنه فاعل لفعل محذوف؛ أي: يكفيك الثلثُ، أو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: الكافي الثلثُ، أو مبتدأ والخبر محذوف؛ أي: الثلثُ كافٍ. وقوله: (وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ) مبتدأ وخبره، وهو يَحْتَمِل أن يكون مسوقاً لبيان الجواز بالثلث، وأن الأولى أن ينقص عنه، ولا يزيد عليه، وهو ما يبتدره الفهم، ويَحْتَمِل أن يكون لبيان أن التصدق بالثلث هو الأكمل؛ أي: كثير أجره، ويَحْتَمِل أن يكون معناه: كثير غيرُ قليل، قال الشافعيّ ◌َخُّْ: وهذا أولى معانيه؛ يعني: أن الكثرة أمر نِسْبِيّ، وعلى الأول عَوَّل ابنُ عباس ﴿مَا كما سيأتي في الحديث الآتي آخر الباب، أفاده في ((الفتح)) (١). وقال النوويّ تَخْلُهُ: وفي هذا الحديث مراعاة العدل بين الورثة والوصية، قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: إن كانت الورثة أغنياء استُحِبّ أن يوصى بالثلث تبرعاً، وإن كانوا فقراء استُحِبّ أن ينقص من الثلث، وأجمع العلماء في هذه الأعصار على أن من له وارث لا تنفذ وصيته بزيادة على الثلث إلا بإجازته، وأجمعوا على نفوذها بإجازته في جميع المال، وأما من لا وارث له فمذهبنا، ومذهب الجمهور، أنه لا تصح وصيته فيما زاد على الثلث، وجوّزه أبو حنيفة، وأصحابه، وإسحاق، وأحمد في إحدى الروايتين عنه، ورُوي عن عليّ، وابن مسعود ◌ًُّا. انتهى. (١) ((الفتح)) ٦/ ٦٧٧ - ٦٧٨. ٣٦٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - کتاب الوصايا (إِنَّكَ إِنْ تَذَرْ وَرَفَتَكَ أَغْنِيَاءَ) وفي رواية: ((أن تَدَعَ))؛ أي: تتركهم، وهو بفتح ((أَنْ)) على التعليل، وكسرها على الشرطيّة، قال القاضي عياض تَكْتُ رَوَينا قوله: ((أن تذر)) بفتح الهمزة، وكسرها، وكلاهما صحيح، وقال القرطبيّ: روايتنا في ((أن تذر)) بفتح الهمزة، و((أن)) مع الفعل بتأويل المصدر في موضع رفع بالابتداء، وخبره ((خيرٌ)) المذكور بعده، والمبتدأ وخبره خبر ((إنك))، تقديره: إنك تركُك ورثتَكَ أغنياء خيرٌ من تركهم فقراء، قال: وقد وَهِمَ من كسَر الهمزة من ((إن))، وجعلها شرطاً؛ إذ لا جواب له، ويبقى ((خيرُ)) لا رافع له، فتأمله. انتهى كلام القرطبيّ ◌َّهُ(١)، وسيأتي توهيمه في توهيم من كسر الهمزة، فتنبّه . وقال ابن الجوزيّ كَّلُهُ: سمعناه - يعني: قوله: أن تذر - من رواة الحديث بالكسر، وأنكره شيخنا عبد الله بن أحمد - يعني: ابن الخشاب - وقال: لا يجوز الكسر؛ لأنه لا جواب له؛ لخلوّ لفظ ((خير)) من الفاء، وغيرها مما اشتُرط في الجواب(٢). وتُعُقِّب بأنه لا مانع من تقديره، وقال ابن مالك تَخّْتُهُ: جزاء الشرط قوله: ((خيرٌ))؛ أي: فهو خير، وحذفُ الفاء جائزٌ، قال: ومن خَصّ ذلك بالشِّعر بَعُدَ عن التحقيق، وضَيَّق حيث لا تضييق؛ لأنه كثير في الشعر، قليل في غيره، وأشار بذلك إلى ما وقع في الشعر، فيما أنشده سيبويه [من البسيط]: مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللهُ يَشْكُرُهَا وَالشَّرُّ بِالشَّرِّ عِنْدَ اللهِ مِثْلَانِ أي: فالله يشكرها، وإلى الردّ على من زعم أن ذلك خاصّ بالشعر قال: ونظيره قوله ﴿ في حديث اللقطة: ((فإن جاء صاحبها، وإلا استَمْتِعْ بها)) بحذف الفاء، وقوله: ﴿ في حديث اللعان: ((البينةُ، وإلا حَدٌّ في ظهرك)). انتهى (٣). (وَرَثَتَكَ) قال الزين ابن الْمُنَيِّر ◌َخْتُ: إنما عبَّر له وَلّ بلفظ الورثة، ولم (١) ((المفهم)) ٥٤٥/٤. (٢) راجع: ((كشف المشكل)) لابن الجوزيّ ٢٣٢/١. (٣) راجع: ((الفتح)) ٦٧٨/٦. ٣٦٧ (٢) - بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالقُّلُثِ - حديث رقم (٤٢٠١) يقل: أن تدع بنتك، مع أنه لم يكن له يومئذ الا ابنة واحدة؛ لكون الوارث حينئذ لم يتحقق؛ لأن سعداً إنما قال ذلك بناء على موته في ذلك المرض، وبقائها بعده حتى ترثه، وكان من الجائز أن تموت هي قبله، فأجاب وصل و بكلام كليّ مطابق لكل حالة، وهو قوله: ((ورثتك))، ولم يخصّ بنتاً من غيرها. وقال الفاكهيّ شارح ((العمدة)) رَّتُهُ: إنما عبّر وََّ بالورثة؛ لأنه اطَّلَعَ على أن سعداً سيعيش، ويأتيه أولاد غير البنت المذكورة، فكان كذلك، ووُلد له بعد ذلك أربعة بنين، ولا أعرف أسماءهم، ولعل الله أن يفتح بذلك. قال الحافظ - بعد ذكر ما تقدّم ـ: وليس قوله: ((أن تَدَعَ بنتك)) متعيَّناً؛ لأن ميراثه لم يكن منحصراً فيها، فقد كان لأخيه عتبة بن أبي وقاص أولاد إذ ذاك، منهم هاشم بن عتبة الصحابيّ الذي قُتِل بصِفِّين، فجاز التعبير بالورثة؛ لتدخل البنت وغيرها ممن يرث لو وقع موته إذ ذاك، أو بعد ذلك. قال: وأما قول الفاكهيّ: إنه وُلد له بعد ذلك أربعة بنين، وأنه لا يعرف أسماءهم، ففيه قصورٌ شديدٌ، فإن أسماءهم في رواية هذا الحديث بعينه عند مسلم من طريق عامر، ومصعب، ومحمد، ثلاثتهم عن سعد، ووقع ذكر عُمَر بن سعد فيه في موضع آخر، ولمّا وقع ذِكر هؤلاء في هذا الحديث عند مسلم اقتَصَر القرطبيّ على ذكر الثلاثة. قال: ووقع في كلام بعض شيوخنا تعقُّب عليه بأن له أربعة من الذكور غير الثلاثة، وهم: عُمر، وإبراهيم، ويحيى، وإسحاق، وعزا ذِكرهم لابن المدينيّ وغيره، وفاته أن ابن سعد ذَكر له من الذكور غير السبعة أكثر من عشرة، وهم: عبد الله، وعبد الرحمن، وعمرو، وعمران، وصالح، وعثمان، وإسحاق الأصغر، وعمر الأصغر، وعُمير - مصغّراً - وغيرهم، وذَكر له من البنات ثنتي عشرة بنتاً، وكأن ابن المدينيّ اقتصر على ذِكر مَن رَوَى الحديث منهم، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ تَظّهُ(١) . وقال صاحب ((تنبيه المعلم)): وذكر أبو زرعة الدمشقيّ أنهم ثمانية، وقال الدمياطيّ: هم: عامر، وإبراهيم، وإسحاق، وعُمر، ومصعبٌ، وموسى، (١) ((الفتح)) ٦٧٩/٦. ٣٦٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - کتاب الوصايا ومحمد، وإسماعيل، وإسحاق الأصغر، وعبد الله الأكبر والأصغر، وعُمير الأكبر والأصغر، وعبد الرحمن، وستّ عشرة أُختاً. وقال ابن الملقّن: عامر بن سعد بن أبي وقّاص له أربعة عشر أخاً، وستّ عشرة أختاً. وعدّدهم ابن الجوزيّ في أول ((التلقيح)) ستة وثلاثين(١) ولداً من ذكر وأنثى، وسمّاهم فيه، فقال: هم: إسحاق الأكبر، وأمّ الحكم الكبرى، وعمر، ومحمد، وحفصة، وأمّ القاسم، وأمّ كلثوم، وعامر، وإسحاق الأصغر، وإسماعيل، وأمّ عمران، وإبراهيم، وموسى، وأمّ الحكم الصغرى، وأمّ عمرو، وهند، وأُمّ الزبير، وأمّ موسى، وعبد الله، ومصعب، وعبد الله الأصغر، ويُجير، واسمه عبد الرحمن، وحُميدة، وعُمير الأكبر، وحَمْنة، وعُمير الأصغر، وعمرو، وعمران، وأمّ عمرو، وأم أيوب، وأمّ إسحاق. انتهى(٢). وقوله: (خَيْرٌ) تقدّم أنه خبر للمبتدإ المؤوّل من ((أن)) وصلتها، إن فُتحت الهمزة، وخبر لمحذوف؛ أي: فهو خيرٌ، إن كُسرت، والجملة خبر ((إنك)) (مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً)؛ أي: فقراء، وهو جمع عالٍ، وهو الفقير، والفعل منه عائل يَعِيل: إذا افتقر، قال الفّوميّ ◌َُّهُ: الْعَيْلَةُ - بالفتح -: الفقر، وهي مصدرُ عال يَعِيلُ، من باب سار يسير، فهو عائلٌ، والجمع: عالَةٌ، وهو في تقدير فَعَلَةٍ، مثلُ كافرٍ وكَفَرَةٍ. انتهى(٣). (يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ)؛ أي: يسألون الناس بأكفهم، يقال: تكفف الناسَ، واستكفّ: إذا بَسَطَ كفه للسؤال، أو سأل ما يَكُفّ عنه الجوع، أو سأل كَفّاً كَفّاً من طعام. وفي رواية: ((يتكفّفون الناس في أيديهم))، وقوله: ((في أيديهم))؛ أي: بأيديهم، أو سألوا بأكفّهم وَضْعَ المسئول في أيديهم. (١) لكن المذكورون هنا أحد وثلاثون، فليحرّر. (٢) ((تنبيه المعلم)) ص٢٧٤. (٣) ((المصباح المنير)) ٤٤٠/٢. ٣٦٩ (٢) - بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ - حديث رقم (٤٢٠١) وقال القرطبيّ: ((يتكفّفون الناس)): يسألون الصدقة من أكُفّ الناس، أو يسألونهم بأكفّهم. انتهى(١) . قال في ((الفتح)): وقع في رواية الزهريّ أن سعداً قال: ((وأنا ذو مال))، ونحوه في رواية عائشة بنت سعد عند البخاريّ في ((الطبّ))، وهذا اللفظ يؤذن بمال كثير، وذو المال إذا تصدق بثلثه، أو بشطره، وأبقى ثلثه بين ابنته وغيرها لا يصيرون عالةً، لكن الجواب أن ذلك خرج على التقدير؛ لأن بقاء المال الكثير إنما هو على سبيل التقدير، وإلا فلو تصدق المريض بثلثيه مثلاً، ثم طالت حياته، ونَقَصَ وفَنِيَ المالُ فقد تُجحِفُ الوصيةُ بالورثة، فرَدّ الشارع الأمر إلى شيء معتدل، وهو الثلث. انتهى(٢). وقوله: (وَلَسْتَ تُنْفِقُ نَفَقَةً) معطوف على خبر ((إنّك))، وهو علّة للنهي عن الوصيّة بأكثر من الثلث، كأنه قيل: لا تفعل؛ لأنك إن متّ، تركتَ ورثتك أغنياء، وإن عِشْتَ تصدّقتَ، وأنفقتَ، فالأجر حاصلٌ لك في الحالين. (تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ، إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا) وفي رواية البخاريّ: ((وإنك مهما أنفقت من نفقة فإنها صدقة))، وقوله في هذه الرواية: ((تبتغي بها وجه الله ... إلخ)) فيه التقييد بابتغاء وجه الله، وتعليق حصول الأجر بذلك، وهو المعتبر، ويُستفاد منه أن أجر الواجب يزداد بالنيّة؛ لأن الإنفاق على الزوجة واجبٌ، وفي فعله الأجر، فإذا نوى به ابتغاء وجه الله ازداد أجره بذلك، قاله ابن أبي جمرة، قال: وِنَبَّهَ بالنفقة على غيرها، من وجوه البرّ والإحسان. (حَتَّى اللَّقْمَةُ) بالنصب عطفاً على ((نفقةً))، ويجوز الرفع، على أنه مبتدأ، وجملة ((تجعلها ... إلخ)) حال منه، أو نعتٌّ، والخبر محذوف، تقديره: صدقة، وقال القرطبيّ تَخْلُهُ: يجوز في ((اللقمة)) النصب على عطفها على (نفقةً))، وأظهر من ذلك أن تنصبها بإضمار فعل؛ لأن الفعل قد اشتغل عنها بضمير، وهذا كقول العرب: ((أكلت السمكة حتى رأسها أكلته))، وقد أجازوا في ((رأسها)) الرفع، والنصب، والجرّ، وأوضح هذه الأوجه النصب، وأبعدُها الخفض، وكلّ ذلك جائز في ((حتى اللقمة)) ههنا، فنزِّلْه عليه، والذي قرأت به (١) ((المفهم)) ٥٤٥/٤. (٢) ((الفتح)) ٣٦٦/٥. ٣٧٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا هذا الحرف النصب، لا غير. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((لأن الفعل قد اشتَغَل ... إلخ)) فيه أن قوله: ((تجعلها)) مفسّر للفعل المقدّر، وفيه نظر؛ لأنه في محلّ نعت، أو حالٍ من ((اللقمة))، كما لا يخفى على البصير، بل الأولى كون العطف على ((نفقةً)) المتقدّم، كما أشرت إليه، فتأمله بالإمعان(٢)، وبالله تعالى التوفيق. وقال القرطبيّ كَّتُهُ: وإنما خَصَ الزوجة بالذِّكر؛ لأن نفقتها دائمة، تعودُ منفعتُها إلى المنفق، فإنها تحسنها في بدنها، ولباسها، وغير ذلك، فالغالب من الناس أنه ينفق على زوجته لقضاء وطره، وتحصيل شهوته، وليس كذلك النفقة على الأبوين، فإنها تخرج بمحض الكلفة، والمشقّة غالباً، فكانت نية التقرُّب فيها أقرب وأظهر، والنفقة على الولد فيها شَبَهٌ من نفقة الزوجة، ومن نفقة الأبوين، من حيث المحبة الطبيعية، والكلفة الوجودية. قال: وإنما ذَكَر النبيّ وَّ لسعد هذا الكلام في هذا الموطن تنبيهاً على الفوائد التي تحصلُ بسبب المال، فإنه إن مات أُثيب على ترك ورثته أغنياء من حيث إنه وصل رحمهم، وأعانهم بماله على طاعة الله تعالى، كما قال ◌َله: ((إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة))؛ أي: ذلك أفضل من صدقتك بمالك، وإن لم تمت حصل لك أجر النفقات الواجبة والمندوب إليها . قال: ويخرُج من هذا الحديث: أن كسب المال وصرفه على هذه الوجوه أفضل من ترك الكسب، أو من الخروج عنه جملة واحدة، وكل هذا إذا كان الكسب من الحلال الخالي عن الشبهات الذي قد تعسَّر الوصول إليه في هذه الأوقات. انتهى كلام القرطبيّ كَُّ(٣)، وهو بحثٌ نفيسٌ. وقال النوويّ كَّهُ: فيه استحباب الإنفاق في وجوه الخير، وفيه أن الأعمال بالنيات، وأنه إنما يثاب على عمله بنيته، وفيه أن الإنفاق على العيال (١) ((المفهم)) ٤ /٥٤٦. (٢) كنت اتبعت ما قاله القرطبيّ هنا في شرح النسائيّ، والآن تبيّن لي أنه غير صواب، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (٣) ((المفهم)) ٤ /٥٤٦ - ٥٤٧. ٣٧١ (٢) - بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ - حديث رقم (٤٢٠١) يثاب عليه، إذا قَصَد به وجه الله تعالى، وفيه أن المباح إذا قصد به وجه الله تعالى صار طاعة، ويثاب عليه، وقد نبّه وَّ و على هذا بقوله: ((حتى اللقمة تجعلها في فِي امرأتك))؛ لأن زوجة الإنسان هي من أخص حظوظه الدنيوية وشهواته وملاذّه المباحة، وإذا وَضَع اللقمة في فيها، فإنما يكون ذلك في العادة عند الملاعبة والملاطفة والتلذذ بالمباح، فهذه الحالة أبعد الأشياء عن الطاعة، وأمور الآخرة، ومع هذا فأخبر ◌َ له أنه إذا قصد بهذه اللقمة وجه الله تعالى حصل له الأجر بذلك، فغير هذه الحالة أولى بحصول الأجر، إذا أراد وجه الله تعالى، ويتضمن ذلك أن الإنسان إذا فعل شيئاً أصله على الإباحة، وقصد به وجه الله تعالى يثاب عليه، وذلك كالأكل بنية التقوى على طاعة الله تعالى، والنوم للاستراحة؛ ليقوم إلى العبادة نشيطاً، والاستمتاع بزوجته وجاريته؛ ليكفّ نفسه وبصره ونحوهما عن الحرام، وليقضي حقهما، ولِيُحَصّل ولداً صالِحاً، وهذا معنى قوله وَاجِ: ((وفي بُضْع أحدكم صدقة))، متّفقٌ عليه، والله أعلم. انتهى(١). وقوله: (تَجْعَلُهَا فِي فِي امْرَأَتِكَ))) ((في)) الأولى هي الجارّة، والثانية بمعنى الفم، وهي أحد الأسماء السنّة التي تُرفع بالواو، وتُنصب بالألف، وتُجرّ بالياء، كما قال ابن مالك في ((الخلاصة)): وَاجْرُرْ بِيَاءٍ مَا مِنَ الأَسْمَا أَصِفْ وَارْفَعْ بِوَاوٍ وَانْصِبَنَّ بِالأَلِفْ و ((الْفَمُ)) حَيْثُ الْمِيمُ مِنْهُ بَانَا مِنْ ذَاكَ (ذُو)) إِنْ صُحْبَةً أَبَانًا وَالنَّقْصُ فِي هَذَا الأَخِيرِ أَحْسَنُ ((أَبِّ)) ((أَخْ)) ((حَمٌ)) كَذَاكَ و((هَنُ)) وَقَصْرُهَا مِنْ نَقْصِهِنَّ أَشْهَرُ وَفِي ((أَبٍ)) وَتَالِيَيْهِ يَنْدُرُ. [تنبيه]: وجه تعلّق قوله: ((ولست تنفق نفقة ... إلخ)) بقصّة الوصيّة أن سؤال سعد يُشعر بأنه رَغِب في تكثير الأجر، فلما منعه الشارع من الزيادة على الثلث، قال له على سبيل التسلية: إن جميع ما تفعله في مالك من صدقة، ناجزة، ومن نفقةٍ، ولو كانت واجبةً تؤجر بها، إذا ابتغيت بذلك وجه الله تعالى، ولعلّه خصّ المرأة بالذِّكر لأن نفقتها مستمرّةٌ، بخلاف غيرها. (١) ((شرح النوويّ)) ١١/ ٧٧ - ٧٨. ٣٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا قال ابن دقيق العيد تَخّْتُهُ: فيه أن الثواب في الإنفاق مشروط بصحّة النّة، وابتغاء وجه الله تعالى، وهذا عَسِرٌ إذا عارضه مقتضى الشهوة، فإن ذلك لا يُحَصِّل الغرض من الثواب حتى يبتغي به وجه الله تعالى، وسبق تخليص هذا المقصود مما يشوبه، قال: وقد يكون فيه دليلٌ على أن الواجبات إذا أُدّيت على قصد أداء الواجب ابتغاء وجه الله أُثيب عليها، فإن قوله: ((حتى ما تجعل في في امرأتك)) لا تخصيص له بغير الواجب، ولفظة ((حتّى)) هنا تقتضي المبالغة في تحصيل هذا الأجر بالنسبة إلى المعنى، كما يقال: جاء الحُجّاج حتى المشاة. انتهى(١). (قَالَ) سعد (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُخَلَّفُ)، وفي نسخة: ((أتخلّف))، ضُوعِنْه والكلام على تقدير الاستفهام، وقد وقع التصريح به في نسخة مختصر القرطبيّ، ولفظه: ((أَأُخلَّف ... إلخ))، و(أُخلَّف)) بتشديد اللام، مبنيّاً للمفعول (بَعْدَ أَصْحَابِي؟)؛ أي: أَأَبْقَى في مكة بعد رجوع أصحابي، وهم النبيّ وََّ، وأصحابه ﴿ه إلى المدينة؟، قال النوويّ: قال القاضي عياض: معناه: أُخَلَّف بمكة بعد أصحابي، قاله إما إشفاقاً من موته بمكة؛ لكونه هاجر منها، وتركها لله تعالى، فَخَشِيَ أن يَقْدَح ذلك في هجرته، أو في ثوابه عليها، أو خَشِيَ بقاءه بمكة بعد انصراف النبيّ وَ 18 وأصحابه إلى المدينة، وتخلّفه عنهم بسبب المرض، وكانوا يَكرهون الرجوع فيما تركوه الله تعالى، ولهذا جاء في رواية أخرى: ((أُخَلَّف عن هجرتي؟))، قال القاضي: قيل: كان حكم الهجرة باقياً بعد الفتح؛ لهذا الحديث، وقيل: إنما كان ذلك لمن كان هاجر قبل الفتح، فأما من هاجر بعده فلا. انتهى (٢). وقال القرطبيّ تَخْذُهُ: قوله: ((أَأُخلَّفُ بعد أصحابي؟)) هذا الاستفهام إنما صدر عن سعد مخافة أن يكون مُقامه بمكة بعد أصحابه إلى أن يموت بها قادحاً في هجرته، كما قد نصَّ عليه في الرواية الأخرى؛ إذ قال فيها: ((لقد خشيتُ أن أموت بالأرض التي هاجرت منها))، فأجابه النبيّ وَّ بما يقتضي أن ذلك لا يكون، وأنه يطول عمره إلى أن ينتفع به قومٌ، ويستضرَّ به آخرون، وقد (١) راجع: ((الفتح)) ٦٨٠/٦. (٢) ((شرح النوويّ)) ٧٨/١١. ٣٧٣ (٢) - بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ - حديث رقم (٤٢٠١) كان ذلك، فإنه عاش بعد ذلك نيفاً وأربعين سنة، وَوَلِيَ بالعراق أميراً، وفتحها الله تعالى على يديه، وأسلم على يديه بشرٌ كثير، فانتفعوا به، وقَتَلَ وأَسَرَ من الكفار خلقاً كثيراً، فاستضرّوا به، فكان ذلك القول من أعلام نبوَّته وَّهِ، وأدلَّة صدق رسالته. انتهى(١). وقال النوويّ كَّتُ: وهذا الحديث من المعجزات، فإن سعداً مُه عاش حتى فَتَحَ العراق وغيره، وانتفع به أقوام في دينهم ودنياهم، وتضرَّر به الكفار في دينهم ودنياهم، فإنهم قُتِلوا وصاروا إلى جهنم، وسُبيت نساؤهم، وأولادهم، وغُنِمت أموالهم وديارهم، وَوَلِي العراق، فاهتدى على يديه خلائق، وتضرر به خلائق بإقامته الحقّ فيهم، من الكفار ونحوهم. قال القاضي: قيل: لا يُحبط أجر هجرة المهاجر بقاؤه بمكة، وموته بها، إذا كان لضرورة، وإنما كان يُحبطه ما كان بالاختيار، قال: وقال قوم: موت المهاجر بمكة مُحبط هجرته كيفما ما كان، قال: وقيل: لم تُفْرَض الهجرة إلا على أهل مكة خاصةً. انتهى(٢). (قَالَ) وَ (إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ) بضمّ أوله، وتشديد اللام، مبنيّاً للمفعول، والمراد بالتخلّف هنا طول العمر، والبقاء في الحياة بعد جماعات من أصحابه، قاله النوويّ كَُّهُ(٣). (فَتَعْمَلَ) بالنصب عطفاً على ((تُخلَّف)) (عَمَلاَ تَبْتَغِي)؛ أي: تطلب (بِهِ وَجْهَ اللّهِ) رَتْ (إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، وَلَعَلَّكَ تُخَلَّفُ حَتَّى يُنْفَعَ) بالبناء للمفعول، وفي بعض النسخ: ((حتى يَنْتَفِعَ)) بزيادة التاء، وعليه فهو مبنيّ للفاعل (بِكَ أَقْوَامٌ، وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ)؛ أي: ينتفع بك المسلمون بالغنائم، مما سيفتح الله على يديك من بلاد الشرك، ويُضرّ بك المشركون الذين يهلكون على يديك. وفي رواية للبخاريّ: ((وعسى الله أن يرفعك))؛ أي: يُطيل عمرك، قال في ((الفتح)): وكذلك اتّفق، فإنه عاش بعد ذلك أزيد من أربعين سنةً، بل قريباً (١) ((المفهم)) ٤/ ٥٤٧. (٣) ((شرح النوويّ)) ٧٨/١١. (٢) (شرح النوويّ)) ٧٨/١١ - ٧٩. ٣٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا من خمسين؛ لأنه مات سنة (٥٥) من الهجرة، وقيل: سنة (٥٨)، وهو المشهور، فيكون عاش بعد حجة الوداع (٤٥) سنة، أو (٤٨) سنة. انتهى(١). [تنبيه]: قال بعض العلماء: ((لعلّ))، وإن كانت للترجّي، لكنّها من الله للأمر الواقع، وكذلك إذا وردت على لسان رسوله ## غالباً. قاله في ((الفتح))(٢). [تنبيه آخر]: قال في ((الفتح)): وزعم ابن التين أن المراد بالنفع به ما وقع من الفتوح على يديه؛ كالقادسيّة، وغيرها، وبالضرر ما وقع من تأمير ولده عُمر بن سعد على الجيش الذين قتلوا الحسين بن عليّ، ومن معه. قال: وهو كلامٌ مردود؛ لتكلّفه لغير ضرورة تَحْمِل على إرادة الضرر الصادر من ولده، وقد وقع منه هو الضرر المذكور بالنسبة إلى الكفّار. وأقوى من ذلك ما رواه الطحاويّ من طريق بكير بن عبد الله بن الأشجّ، عن أبيه، أنه سأل عامر بن سعد، عن معنى قول النبيّ وَ ﴿ هذا، فقال: لَمّا أُمّر سعد على العراق، أَتي بقوم ارتدّوا، فاستتابهم، فتاب بعضهم، وامتنع بعضهم، فقتلهم، فانتفع به من تاب، وحصل الضرر للآخرين. انتهى ما في ((الفتح))(٣)، وهو بحث نفيس جدّاً، والله تعالى أعلم. (اللَّهُمَّ أَمْضِ لأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ)؛ أي: أثبتها، وأدمها لهم حتى يموتوا مهاجرين، يقال: مضى الأمرُ مَضَاءً: نَفَذَ، وأمضيته بالألف: أنفذته، قاله الفّوميّ (٤)، وقوله: (وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ) تأكيد لما قبله. قال القاضي عياض رَّتُهُ: استَدَلّ به بعضهم على أن بقاء المهاجر بمكة كيف كان قادحٌ في هجرته، قال: ولا دليل فيه عندي؛ لأنه يَحْتَمِل أنه دَعا لهم دعاءً عاماً، ومعنى ((أمْضٍ لأصحابي هجرتهم))؛ أي: أتممها، ولا تُبطلها، ولا تَرُدَّهم على أعقابهم بترك هجرتهم، ورجوعهم عن مستقيم حالهم المَرْضية. (٥) انتھی(٥) . (١) ((الفتح)) ٦٨٠/٦. (٣) ((الفتح)) ٦ / ٦٨١. (٥) ((شرح النوويّ)) ٧٩/١١. (٢) ((الفتح)) ٦/ ٦٨١. (٤) ((المصباح المنير)) ٥٧٥/٢. ٣٧٥ (٢) - بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالقُلُثِ - حديث رقم (٤٢٠١) وقال القرطبيّ تَخُّْ: قوله: ((اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم)) يقتضي أن تبقى عليهم حال هجرتهم، وأحكامها، ويفيد أن استصحاب أحكامها كان واجباً على من هاجر، فيحرم عليه الرجوع إلى وطنه، وترك المدينة إلى أن يموت بها، وإن كان قد ارتفع حكم وجوب أصلها عن لم يهاجر يوم الفتح، حيث قال ◌َّير: ((لا هجرة بعد الفتح))، متّفقٌ عليه، وقال: ((إن الهجرة قد مضت لأهلها))، متّفقٌ عليه؛ أي: مَن كان هاجر قبل الفتح صحّت له هجرته، ولزمه البقاء عليها إلى الموت، ومن لم يكن هاجر سقط ذلك عنه، ومِن نَقْضِ الهجرة خاف المهاجرون، حيث تحرَّجوا من مُقامهم بمكة في حجة الوداع، وهذا هو الذي خاف منه سعد رَُّه، فإن قضيته هذه كانت في حجَّة الوداع، وهذا هو الذي نَقِمَه الحجّاجُ على ابن الأكوعِ لَمّا تَرَك المدينة، ولَزِمَ الرَّبَذَة، فقال: تَغَرَّبت يا ابن الأكوع؟! فأجابه بأن قال له: إن رسول الله ◌َ﴿ أَذِنَ لي في البدو، وهذا هو الظاهر من جملة ما ذكرناه من هذه الأحاديث، وبه قال بعض أهل العلم، وهو الذي يدلُّ عليه قوله وَل ـ: (لكن البائسُ سعد ابن خولة)) رثى له رسول الله ﴿ أن توفي بمكة، وسيأتي الكلام عليه . وقال آخرون: إن وجوب الهجرة، ووجوبَ استدامة حكمها قد ارتفع يوم الفتح، وإنما لزم المهاجرون المقام بالمدينة بعد الهجرة في حياة رسول الله وله لنُصرته، ولِأخذ شريعته، ومشافهته، ولأن للكون معه اغتناماً لبركته، ثم لمّا مات وَل﴿ فمنهم من أقام بالمدينة، وأكثرهم ارتحل عنها، ولمّا فُتِحَت الأمصار استوطنوها، وتركوا سكنى المدينة، فاستوطن الشامَ قومٌ منهم، واستوطن آخرون العراق، وآخرون مصر. وتأوّل أهل هذا القول ما تقدَّم بأن ذلك إنما كان منهم مخافةً أن تنقص أجورُهُم في هجرتهم متى زالوا عن شيء من أحكامها، فدعا لهم النبيّ رَّ بألا يُنْقِصَهم شيئاً من ذلك. وللأولين أن ينفصلوا عن هذا، بأن يقولوا: إنما استوطنوا تلك الأمصار للجهاد، وفتح البلاد، وإظهار الدِّين، ونشر العلم، حتى أنفذوا في ذلك ٣٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا أعمارهم، ولَمّا يقضوا من ذلك أوطارهم. انتهى(١). (لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ ابْنُ خَوْلَةَ))) البائس: اسم فاعل، من البؤس، وهو الذي عليه أثر البؤس، وهو الفقر، يقال: بَئِسَ يَبْئَسُ، كسَمِعَ يسمع: إذا اشتدّت حاجته. وقال القرطبيّ تَكْثُهُ: البائس: اسم فاعل من بئس، يبأس: إذا أصابه بؤسٌ، وهو الضرر. قال: وسعد ابن خولة: هو زوج سُبيعة الأسلمية، وهو رجل من بني عامر بن لؤيّ، من أنفسهم، وقيل: حليفٌ لهم، وقيل: إنه مولى أبي رُهْم بن عبد العزى العامريّ. واختُلِف في أمره؛ فقال ابن مزين، وعيسى بن دينار: إنه لم يهاجر من مكة حتى مات فيها، والأكثر على أنَّه هاجر، ثم رجع إلى مكة مختاراً، وعلى هذين القولين يكون بؤسُه ذمّاً له؛ إما لعدم هجرته، وإما لسقوطها برجوعه عنها، وقال ابن هشام: إنَّه هاجر الهجرة إلى الحبشة، والهجرة الثانية، وشهد بدراً، وغيرها، وتُؤُفّي بمكة في حجة الوداع، وعلى هذا فلا يكون بؤسه ذمّاً له، بل توجُّعاً له ورحمةً؛ إذ كان منه: أنه هاجر الهجرتين، ثم إنَّه مات بعد ذلك بمكة، فيكون إشعاراً بما قدَّمناه من نقص ثواب من اتفق له ذلك، ومن ذلك تحرَّج سعد، والمهاجرون، والله أعلم. وظاهر هذا القول: أنه من قول النبيّ وَلّه، ولذلك قال المحدِّثون: انتهى كلام رسول الله وَ ﴿ في قوله: ((لكن البائس سعد ابن خولة))، وأما قوله بعد ذلك: قال: رثى له رسول الله ور أن توفي بمكة؛ فظاهره: أنه من كلام غير النبيّ وَّل، فقيل: هو قول سعد بن أبي وقاص، وقد جاء ذلك في بعض طرقه، وأكثر الناس على أنَّه من قول الزهريّ، والله تعالى أعلم. قال: وقد وقع في بعض طرق هذا الحديث انقطاع في أصل كتاب مسلم، وهو من المواضع المنقطعة الأربعة عشر، لكن لا يضر ذلك إن صحّ؛ لأنه قد رواه من طُرُق متصلة. انتهى كلام القرطبيّ تَُّهُ(٢). (١) «المفهم)) ٥٤٨/٤ - ٥٤٩. (٢) ((المفهم)) ٥٤٩/٤ - ٥٥٠. ٣٧٧ (٢) - بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالقُلُثِ - حديث رقم (٤٢٠١) وقال النوويّ نقلاً عن القاضي عياض: واختلفوا في قصة سعد ابن خَوْلة، فقيل: لم يهاجر من مكة حتى مات بها، قاله عيسى بن دينار وغيره، وذكر البخاريّ أنه هاجر، وشهد بدراً، ثم انصرف إلى مكة، ومات بها، وقال ابن هشام: إنه هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وشهد بدراً وغيرها، وتُؤُفِّي بمكة في حجة الوداع سنة عشر، وقيل: تُؤُفّي بها سنة سبع في الْهُدْنة خرج مجتازاً من المدينة، فعلى هذا، وعلى قول عيسى بن دينار سبب بؤسه سقوط هجرته؛ لرجوعه مختاراً، وموته بها، وعلى قول الآخرين سبب بؤسه موته بمكة على أي حال كان، وإن لم يكن باختياره؛ لِمَا فاته من الأجر والثواب الكامل بالموت في دار هجرته، والغربة عن وطنه بالهجرة إلى الله تعالى. قال القاضي: وقد رُوِي في هذا الحديث أن النبيّ وَ ◌ّ خَلَّفَ مع سعد بن أبي وقاص رجلاً، وقال له: ((إن تُوُفّي بمكة فلا تدفنه بها))، وقد ذكر مسلم في الرواية الأخرى: أنه كان يَكره أن يموت في الأرض التي هاجر منها، وفي رواية أخرى لمسلم: قال سعد بن أبي وقاص: خَشِيت أن أموت بالأرض التي هاجرتُ منها، كما مات سعد ابن خَوْلة، وسعد ابن خولة هذا هو زوج سبيعة الأسلمية. انتهى(١). ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: ((يرحم الله ابن عفراء))، قال في ((الفتح)): كذا وقع في هذه الرواية، وفي رواية أحمد، والنسائيّ من طريق عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان: ((فقال النبيّ ◌َيقول: ((يرحم الله سعد ابن عفراء)) ثلاث مرّات، قال الداوديّ: قوله: ((ابن عفراء)) غير محفوظ، وقال الدمياطيّ: هو وَهَمٌ، والمعروف ((ابن خَوْلة))، قال: ولعلّ الْوَهَمَ من سعد بن إبراهيم، فإن الزهريّ أحفظ منه، وقال فيه: ((سعد ابن خَوْلة)) يشير إلى ما وقع في روايته بلفظ: (لكن البائس سعد ابن خولة))، يرثي له رسول الله وَلفر أن مات بمكة)). قال الحافظ: وقد ذكرت آنفاً من وافق الزهريّ(٢)، وهو الذي ذكره (١) ((شرح النوويّ)) ٧٩/١١ - ٨٠. (٢) ذكر قبله ممن وافق الزهريّ في قوله: ((سعد ابن خولة)): حميد بن عبد الرحمن، عن ثلاثة من ولد سعد، عن سعد، وجرير بن يزيد، عن عامر بن سعد، وبُكير بن مسمار، عن عامر بن سعد، فتنبّه. ٣٧٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا أصحاب المغازي، وذكروا أنه شهد بدراً، ومات في حجة الوداع. وقال بعضهم في اسمه: خَوْلِيّ - بكسر اللام، وتشديد التحتانية -، واتفقوا على سكون الواو، وأغرب ابن التين، فَحَكَى عن القابسيّ فتحها . ووقع عند البخاريّ في رواية ابن عيينة في ((الفرائض)): قال سفيان: وسعد ابن خولة رجل من بني عامر بن لؤيّ. انتهى. وذكر ابن إسحاق أنه كان حليفاً لهم، ثم لأبي رُهْم بن عبد العزى منهم، وقيل: كان من الفُرْس الذين نزلوا اليمن. قال: وجزم الليث بن سعد في ((تاريخه)) عن يزيد بن أبي حبيب بأن سعد ابن خَوْلة مات في حجة الوداع، وهو الثابت في ((الصحيح)) خلافاً لمن قال: إنه مات في مدة الهدنة مع قريش سنة سبع. وجَوَّز أبو عبد الله بن أبي الخصال الكاتب المشهور في ((حواشيه)) على البخاريّ أن المراد بابن عفراء: عوف بن الحارث أخو معاذ ومُعَوّذ أولاد عفراء، وهي أمهم، والحكمة في ذِكره ما ذكره ابن إسحاق أنه قال يوم بدر: ما يُضحك الربّ من عبده؟ قال: ((أن يَغْمِس يده في العدوّ حاسراً))، فألقى الدرع التي هي عليه، فقاتل حتى قُتِل. قال: فَيَحْتَمِل أن يكون لَمّا رأى اشتياق سعد بن أبي وقاص للموت، وعَلِم أنه يبقى حتى يلي الولايات، ذكر ابن عفراء، وحُبّه للموت، ورغبته في الشهادة، كما يُذْكَر الشيءُ بالشيء، فَذَكَر سعد ابن خَوْلة؛ لكونه مات بمكة، وهي دار هجرته، وذكر ابن عفراء مستحسناً لميتته. انتهى ملخصاً. قال الحافظ: وهو مردود بالتنصيص على قوله: ((سعد ابن عفراء))، فانتفى أن يكون المراد عوفاً، وأيضاً فليس في شيء من طرق حديث سعد بن أبي وقاص أنه كان راغباً في الموت، بل في بعضها عكس ذلك، وهو أنه بكى، فقال له رسول الله وَله: ((ما يُبكيك؟))، فقال: خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها، كما مات سعد ابن خولة، وهو عند النسائيّ، وأيضاً فمخرج الحديث متحدٌ، والأصل عدم التعدد، فالاحتمال بعيدٌ لو صَرَّح بأنه عوف ابن عفراء، والله أعلم. وقال التيميّ: يَحْتَمِل أن يكون لأمه اسمان: خولة وعفراء. انتهى، ٣٧٩ (٢) - بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالقُّلُثِ - حديث رقم (٤٢٠١) ويَحْتَمِل أن يكون أحدهما اسْماً، والآخر لقباً، أو أحدهما اسم أمه، والأخر اسم أبيه، أو والآخر اسم جدة له، والأقرب أن عفراء اسم أمه، والآخر اسم أبيه؛ لاختلافهم في أنه خولة، أو خَوْلِيّ. انتهى (١) . (قَالَ: رَثَى لَهُ رَسُولُ اللهِ وَلِ)؛ أي: رحمه، ورقّ له، يقال: رئيتُ الميتَ أرثيه، من باب رَمَى مَرْثِيةً، ورَثَيتُ له: ترحّمتُ، ورفقت له، قاله الفيّوميّ(٢). وقال المجد تَّقُ: ورَثَيْتُ المَيِّتَ رَتْياً، ورِثاءً، ورِثَايَةً - بكسرهما - ومَرْثاةً، ومَرْئِيَةً - مُخَفَّفَةً - ورَثَوْتُه: بَكَيْتُه، وعَذَّدْتُ مَحَاسِنَهُ، كَرَتَّيْتُه تَرْثِيَةً، وتَرَفَّيْتُه، ونَظَمْتُ فيه شِعْراً، وحديثاً عنه أرْئِي رِئايَةً: ذَكَرْتُه، وحَفِظْتُه، ورجُلٌ أرْنَى: لا يُبْرِمُ أمْراً، ورَثَى له: رَحِمَهُ، وَرَقَّ له، وامرأةٌ رَتَّاءَةٌ، ورَتَّايَةٌ: نَوَّاحَةٌ. (٣) انتھی(٣). وقال النوويّ: قوله: ((رَفَى له رسول الله وَالر ... إلخ)) قال العلماء: هذا من كلام الراوي، وليس هو من كلام النبيّ ◌َّ، بل انتهى كلامه رَله بقوله: (لكن البائس سعد ابن خولة))، فقال الراوي تفسيراً لمعنى هذا الكلام: إنه يرثيه النبيّ وََّ، ويتوجع له، ويَرِقّ عليه؛ لكونه مات بمكة. واختلفوا في قائل هذا الكلام من هو؟ فقيل: هو سعد بن أبي وقاص، وقد جاء مفسَّراً في بعض الروايات، قال القاضي: وأكثر ما جاء أنه من كلام الزهريّ. انتھی. وقال في ((الفتح)): قال ابن عبد البر: زعم أهل الحديث أن قوله: ((يرثي ... إلخ)) من كلام الزهريّ، وقال ابن الجوزيّ وغيره: هو مدرج من قول الزهريّ. قال الحافظ: وكأنهم استندوا إلى ما وقع في رواية أبي داود الطيالسيّ، عن إبراهيم بن سعد، عن الزهريّ، فإنه فَصَلَ ذلك، لكن وقع عند البخاريّ في ((الدعوات)) عن موسى بن إسماعيل، عن إبراهيم بن سعد في آخره: ((لكن (١) ((الفتح)) ٦٧٦/٦. (٣) ((القاموس المحيط)) ١٦٦٠/١. (٢) ((المصباح المنير)) ٢١٨/١. ٣٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا البائس سعد ابن خولة))، قال سعد: رَتَى له رسول الله وَطور ... إلخ، فهذا صريح في وصله، فلا ينبغي الجزم بإدراجه. ووقع عند البخاريّ في ((الطبّ)) من رواية عائشة بنت سعد، عن أبيها زيادةُ: ((ثم وَضَع يده على جبهتي، ثم مسح وجهي وبطني، ثم قال: اللهم اشف سعداً، وأتمم له هجرته، قال: فما زلت أجد بَرْدها)). ولمسلم من طريق حميد بن عبد الرحمن الحميريّ الآتية: ((فقال النبيّ وَّر: اللهم اشف سعداً، اللهم اشف سعداً، ثلاث مرار)). وقوله: (مِنْ أَنْ تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ) ((من)) تعليليّة، و((أن)) بفتح الهمزة مصدريّة، وهو تعليل لرثائه وتلقي؛ أي: لأجل موته بمكة. قال في ((الفتح)): قوله: ((أن مات بمكة)) هو بفتح الهمزة للتعليل، وأغرب الداوديّ، فتردّد فيه، فقال: إن كان بالفتح ففيه دلالةٌ على أنه أقام بمكة بعد الصَّدَر من حجته، ثم مات، وإن كان بالكسر ففيه دليل على أنه قيل له: إنه يريد التخلّف بعد الصَّدَر، فخشي عليه أن يدركه أجله بمكة. ثم قال: والمضبوط المحفوظ بالفتح، لكن ليس فيه دلالة على أنه أقام بعد حجه؛ لأن السياق يدلّ على أنه مات قبل الحجّ. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذُكر من تردّد الداودي في فتح الهمزة وكسرها، لا يتأتّى في رواية مسلم هذه؛ لأنه لا يمكن فيها الكسر؛ لدخول (مِن)) الجارّة عليها، وإنْ الشرطيّة لا يدخل عليها الجارّ، فهي صريحة في الردّ على الداوديّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سعد بن أبي وقّاص ◌َُّه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢٠١/٢ و٤٢٠٢ و ٤٢٠٣ و٤٢٠٤ و ٤٢٠٥ و٤٢٠٦ و٤٢٠٧ و٤٢٠٨ و٤٢٠٩] (١٦٢٨)، و(البخاريّ) في ((الجنائز)) (١) ((الفتح)) ٧٣٢/٨، كتاب ((مناقب الأنصار)) رقم (٣٩٣٦).