Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
(٤) - بَابُ الْعُمْرَى - حديث رقم (٤١٨١)
قال: وفي هذه المسألة قول ثالث، قاله أبو ثور، وداود بن عليّ، وهو
قول أبي سلمة بن عبد الرحمن، وابن شهاب، وابن أبي ذئب، قالوا: إذا قال
الرجل: هذه الدار، وهذا الشيء لك عمري، أو عمرك، أو حياتي، أو
حياتك، فإن ذلك ينصرف إلى المعطي إذا مات المعطِي، وانقضى الشرط، فإن
مات المعطي قبل انقضاء الشرط انصرف إلى ورثته، وليس في هذا تمليك شيء
من الرقاب، حتى يكون فيه ذكر العقب، وإذا قال المعطي: هو لك ولعقبك،
زال ملك المعطي عنها، وصارت ملكاً للمعطى يورث عنه، وقد رُوي عن
يزيد بن قُسيط مثل هذا القول أيضاً، وحجة من ذهب إليه حديث أبي سلمة،
عن جابر من رواية ملك وغيره، عن ابن شهاب، وقد تقدم ذكره، قالوا: فهذا
هو الثابت عن النبيّ وَّ ر من رواية الثقات الفقهاء الأثبات، قالوا: وليس حديث
أبي الزبير مما يعارَض به حديث ابن شهاب، ولا في حديث أبي هريرة،
وزيد بن ثابت، ومعاوية بيان، وهي مُحْتَمِلة للتأويل، وحديث ابن شهاب، عن
أبي سلمة، عن جابر حديث مُفَسَّر، يرتفع معه الإشكال؛ لأنه جَعَل لِذِكْر
العقب حكماً، وللسكوت عنه حكماً يخالفه، وبه أفتى أبو سلمة، وإليه كان
يذهب ابن شهاب، وهم رواة الحديث، وإليهم يُنصَرف في تأويله، مع
موضعهم من الفقه والجلالة، وليس مَن خالفهم ممن يقاس بهم.
قالوا: وحديث معمر حديث صحيحٌ، لا معنى لقول من تكلم فيه؛ لأن
معمراً من أثبت الناس في ابن شهاب، وأحسنهم نقلاً عنه، لا سيما ما حَدَّث
به باليمن من كتبه، وإنما وُجد عليه شيءٌ من الغلط فيما حَدَّث به من حفظه
بالعراق، وحديثه هذا من رواية أهل اليمن عنه صحيح.
قال ابن عبد البرّ كََّثُ: هذا كله معنى ما احتج به القوم، ومن ذهب
مذهبهم، وبالله التوفيق. انتهى كلام ابن عبد البرّ ◌َُّ(١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ،
وبحث أنیس.
قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد الإمام ابن عبد البرّ كَّثُ في استعراض
المذاهب، وأدلّتها في هذه المسألة، وأفاد، والذي ظهر لي من خلال دراستي
(١) راجع: ((التمهيد)) ١١٢/٧ - ١٢٣.

٣٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات
لهذه الأقوال، وأدلّتها ترجيح قول الجمهور: إن العمرى جائزة، ولازمة، ملك
للمعمَر له - بالفتح - مطلقاً، سواء قال له: هي ولعقبك، أو لم يقل: ولعقبك.
قال العلامة ابن قدامة تَخْلُ بعد ذكر صور العمرى والرقبى ما نصّه:
وكلاهما جائزٌ في قول أكثر أهل العلم، وحُكي عن بعضهم أنها لا تصحّ؛ لأن
النبيّ وَّر قال: ((لا تُعمِرُوا، ولا تُرقبوا))، وحجة الجمهور حديث جابر بنظُبه،
قال: قال رسول الله صلى: ((العمرى جائزة لأهلها، والرقبى جائزة لأهلها))،
وهو حديث صحيح، رواه أصحاب السنن.
وأما قوله وَله: ((لا تعمروا ... إلخ)) فالنهي فيه إنما ورد على سبيل
الإعلام لهم أنهم إذا أعمروا، أو أرقبوا يكون ذلك للمُعمَر، والمُرْقَب، ولا
يعود إليهم منه شيء، وسياق الحديث يدلّ على هذا، فإنه قال: ((فمن أعمر
عمرى، فهي لمن أُعمرها حيّاً وميتاً، ولعقبه)).
إذا ثبت هذا، فإن العمرى تَنقُل الملك إلى المعمر له، وبهذا قال جابر بن
عبد الله، وابن عمر، وابن عبّاس، وشُرِيحٌ، ومجاهدٌ، وطاوس، والثوريّ،
والشافعيّ، وأصحاب الرأي، وروي ذلك عن عليّ.
وقال مالكٌ، والليث: العمرى تمليك المنافع، لا تُملك بها رقبة المعمَر
بحال، ويكون للمعمَر السكنى، فإذا مات عادت إلى المعمِر، وإن قال: له،
ولعقبه، كان سكناها لهم، فإذا انقرضوا عادت إلى المعمِر.
واحتجًا بما رَوَى يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، قال:
سمعت مكحولاً يسأل القاسم بن محمد عن العمرى ما يقول الناس فيها؟ فقال
القاسم: ما أدركت الناس إلا على شروطهم في أموالهم، وما أَعطَوا، وقال
إبراهيم بن إسحاق الحربيّ، عن ابن الأعرابيّ: لم يختلف العرب في العمرى،
والرقبى، والإفقار، والإخبال، والمنحة، والعريّة، والسكنَى، والإطراق أنها
على ملك أربابها، ومنافعها لمن جُعلت له، ولأن التمليك لا يتأقّت، كما لو
باعه إلى مدّة، فإذا كان لا يتأقّت، حُمل قوله على تمليك المنافع؛ لأنه يصحّ
توقيته .
وحجة الأولين حديث جابر ظراته قال: قال النبيّ وَله: ((أمسكوا عليكم
أموالكم، ولا تفسدوها، فإنه من أَعمر عمرى، فهي للذي أُعمِرها حيّاً وميتاً

٣٢٣
(٤) - بَابُ الْعُمْرَى - حديث رقم (٤١٨١)
ولعقبه))، رواه مسلم، وفي لفظ: ((قضى رسول الله وَّهُ بالعمرى لمن وُهبت
له)»، متّفقٌ عليه.
قال: وقد رَوَى مالك حديث العمرى في ((موّئه))، وهو صحيح، رواه
جابر، وابن عمر، وابن عبّاس، ومعاوية، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة
وقول القاسم لا يُقبل في مخالفة من سمّينا من الصحابة والتابعين، فكيف
يُقبل في مخالفة قول سيّد المرسلين وَ ﴿؟ ولا يصحّ أن يُدّعَى إجماع أهل
المدينة؛ لكثرة من قال بها منهم، وقضى بها طارقٌ بالمدينة بأمر عبد الملك بن
مروان.
وقول ابن الأعرابيّ: إنها عند العرب تمليك المنافع، لا يضرّ إذا نقلها
الشرع إلى تمليك الرقبة، كما نقل الصلاة من الدعاء إلى الأفعال المنظومة،
ونقل الظهار، والإيلاء من الطلاق إلى أحكام مخصوصة.
وقولهم: إن التمليك لا يتأقّت، قلنا: فلذلك أبطل الشرع تأقيتها،
وجعلها تمليكاً مطلقاً. انتهى كلام ابن قدامة تَّتُهُ ببعض تصرّف(١)، وهو
تحقيق نفيس جدّاً.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن من هذه التحقيقات كلها أن الأرجح
قول أكثر أهل العلم: إن العمرى، والرقبى جائزتان لمن جُعلتا له، ولعقبه بعد
موته مطلقاً، سواء ذكر ((ولعقبه)) أم لا؛ لأن الأدلّة على ذلك صحيحة صريحة،
لا يمكن مخالفتها لأجل قول بعض الناس، أو لدليل عقليّ؛ إذ هو في مقابلة
الدليل الشرعيّ فاسد الاعتبار.
فأما قول الزهريّ وغيره: إن لم يقل: ((ولعقبه)) ترجع لصاحبها، فرأي
رأوه، فلا يكون حجةً.
وأما احتجاجه بعدم قضاء الخلفاء به، فقد عارضه عطاء بن أبي رباح بأن
من الخلفاء من قضی به، وهو عبد الملك بن مروان؛ عملاً بحديث جابر
فقد أخرج النسائيّ بإسناد صحيح، عن قتادة، قال: سألني سليمان بن هشام
عن العمرى، فقلت: حدَّث محمد بن سيرين، عن شُريح قال: قضى نبي الله وَّل
(١) راجع: ((المغني)) لابن قُدامة نظاثمُ ٢٨١/٨ - ٢٨٤.

٣٢٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات
أن العمرى جائزة، قال قتادة: قلت: حدّثني محمد بن النضر بن أنس، عن
بَشِير بن نَهِيك، عن أبي هريرة، أن نبيّ الله قال: ((العمرى جائزة))، قال:
قتادة: وقلت: كان الحسن يقول: العمرى جائزة، قال قتادة: فقال الزهريّ:
إنما العمرى إذا أعمر وعقبه من بعده، فإذا لم يجعل عقبه من بعده كان للذي
يجعل شرطه، قال قتادة: فسئل عطاء بن أبي رباح، فقال: حدّثني جابر بن
عبد الله، أن رسول الله وسلم قال: ((العمرى جائزة))، قال قتادة: فقال الزهريّ:
كان الخلفاء لا يقضون بهذا، قال عطاء: قضى بها عبد الملك بن مروان.
انتھی.
فقد تبيّن بهذا أن دعوى عدم عمل أهل المدينة غير صحيحة.
والحاصل أن العمرى والرقبى جائزتان، يُنقَل بهما ملك الْمُعْمِر والمرقِبِ
إلى الْمُعْمَر والْمرقَب له حياتهما وموتهما، وإلى عقبهما من بعدهما، ولا رجوع
فيهما مطلقاً؛ لِمَا عرفت من وضوح الحجة، وتبيّن المحجة، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٨٢] ( .. ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، قَالَا: أَخْبَرَنَا
اللَّيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ
جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: ((مَنْ أَعْمَرَ رَجُلاً عُمْرَى
لَهُ وَلِعَقِهِ، فَقَدْ قَطَعَ قَوْلُهُ حَقَّهُ فِيهَا، وَهِيّ لِمَنْ أُعْمِرَ، وَلِعَقِهِ))، غَيْرَ أَنَّ يَحْيَى قَالَ
فِي أَوَّلِ حَدِيثِهِ: ((أَيُّمَا رَجُلٍ أُعْمِرَ عُمْرَى، فَهِيَ لَهُ وَلِعَقِهِ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلهم ذُكروا في الباب، والباب الماضي.
وقوله: (فَقَدْ قَطَعَ قَوْلُهُ حَقَّهُ فِيهَا) برفع («قولُهُ)) على الفاعليّة، ونصب
((حقَّه)) على المفعوليّة؛ يعني: أن قوله: ((أعمرتك عمرى لك ولعقبك)) يقطع
حقّ الرجوع في الهبة؛ لأنها صارت ملكاً للْمُعْمَر له ولعقبه.
والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف تَذُ، وقد مضى البحث فيه
مستوفّى قبله، ولله الحمد والمنّة.

٣٢٥
(٤) - بَابُ الْعُمْرَى - حديث رقم (٤١٨٣ - ٤١٨٤)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٨٣] ( ... ) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَحمُنِ بْنُ بِشْرِ الْعَبْدِيُّ، أَخْبَرَنَا
عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنِ الْعُمْرَى وَسُنَّتِهَا، عَنْ
حَدِيثٍ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((أَيُّمَا رَجُلِ أَعْمَرَ رَجُلاً عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِهِ، فَقَالَ: قَدْ أَعْطَيْتُكَهَا
وَعَقِبَكَ، مَا بَقِيَ مِنْكُمْ أَحَدٌ، فَإِنَّهَا لِمَنْ أُعْطِيَهَا، وَإِنَّهَا لَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا، مِنْ
أَجْلِ أَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءٍ وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ الرحمْنِ بْنُ بِشْرِ الْعَبْدِيُّ) أبو محمد النيسابوريّ، ثقةٌ، من
صغار [١٠] (ت٢٦٠) (خ م د ق) تقدم في ((المقدمة)) ٩٩/٦.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكرواً قبله.
وقوله: (وَسُنَّتِهَا)؛ أي: طريقتها التي شرعها الله تعالى لها.
وقوله: (مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً ... إلخ) هذا من كلام أبي سلمة أُدرج في
هذه الرواية، فسيأتي بعد حديث من طريق ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب: ((قال
أبو سلمة: لأنه أعطى عطاءً وقعت فيه المواريث، فقطعت المواريث شرطه)).
والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف ◌َخَُّ، وقد مضى البحث فيه
مستوفّى قبل حديث، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَُّ أوّل الكتاب قال:
[٤١٨٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - وَاللَّفْظُ
لِعَبْدٍ - قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ
جَابِرٍ، قَالَ: إِنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أَجَازَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَنْ يَقُولَ: هِيَ لَكَ وَلِعَقِكَ،
فَأَمَّا إِذَا قَالَ: هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ، فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا، قَالَ مَعْمَرٌ: وَكَانَ
الزُّهْرِيُّ يُقْتِي بِهِ).

٣٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم قبل بابين.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.
وقوله: (فَأَمَّا إِذَا قَالَ ... إلخ) قد تقدّم عن محمد بن يحيى الذُّهليّ: أن
الحديث المرفوع ينتهي إلى قوله: ((هي لك ولعقبك))، وما بعده من كلام
الزهريّ، قال: وما رواه أبو الزبير، عن جابر يوهن حديث معمر هذا. انتهى.
وقوله: (وَكَانَ الزُّهْرِيُّ يُفْتِي بِهِ)؛ يعني: أن الزهريّ كان يُفتي أن العمرى
التي قيل فيها: ((هي لك ما عشت)) ترجع إلى صاحبها، وقد عرفت أن هذا
رأيه، وقد خالفه عطاء وغيره، فلا يكون: ((ولعقبك)) حجةً، بل الراجح قول
الجمهور: إن العمرى لمن جُعلت له مطلقاً، سواء قال: لك ولعقبك، أو لم
يزد: ولعقبك، فتنبّه.
والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف تَخّْتُهُ، وقد مضى البحث فيه
مستوفَّى، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّقُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٨٥] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكِ، عَنِ ابْنِ
أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عُّبْدِ الرحمن، عَنْ جَابِرٍ - وَهُوَ ابْنُ
عَبْدِ اللهِ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَضَى فِيمَنْ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِهِ، فَهِيَ لَهُ بَتْلَةُ، لَا
يَجُوزُ لِلْمُعْطِي فِيهَا شَرْطٌ، وَلَا ثُنْيَا، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: لأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ
الْمَوَارِيثُ، فَقَطَعَتِ الْمَوَارِيثُ شَرْطَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمَّدُ بْنُ رَافِع) النيسابوريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (ابْنُ أَبِي فُدَيْكٌ) محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فُديك الدِّيليّ
مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، صدوقٌ، من صغار [٨] (ت٢٠٠) (ع) تقدم في
((الحيض)) ١٦/ ٧٧٥.
٣ - (ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن
أبي ذئب القرشيّ العامريّ، أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [٧] (ت٨
أو ١٥٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٩٣.

٣٢٧
(٤) - بَابُ الْعُمْرَى - حديث رقم (٤١٨٦)
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (فَهِيَ لَهُ بَتْلَةً) - بفتح الموحّدة، وسكون التاء -، يقال: بَتَلَ
الشيءَ يَبْتُلُهُ، من بابي نصر، وضرب: إذا قطعه، وأفرده من الآخر، يقال:
صدقة بَتْلَةٌ: منقطعة عن صاحبها، كذا في ((تاج العروس))(١).
وقال ابن الأثير تَّتُهُ: المعنى: أنه يتملّكها ملكاً لا يتطرّق إليه نقض.
(٢)
انتھی(٢).
وقال النوويّ: أي عطيّة ماضية غير راجعة إلى الواهب. انتهى.
وهو منصوب على الحال، ويَحْتَمل أن يكون مرفوعاً خبراً بعد خبر
لـ((هي))، أو خبراً لمحذوف؛ أي: هي بتلةٌ.
وقوله: (لَا يَجُوزُ لِلْمُعْطِي) بكسر الطاء: اسم فاعل من أعطى: أي لا
يجوز للْمُعْمِر أن يشترط فيها شرطاً، ولا أن يستثني شيئاً منها .
وقوله: (وَلَا ثُّنْيَا) - بضمّ الثاء المثلّثة، وإسكان النون، مقصوراً، على وزن
دُنْيَا -: اسم بمعنى الاستثناء؛ أي: ليس له أن يردّ منها إلى نفسه شيئاً بشرط أنها
له بعد الموت، أو بسبب أنه استثنی له منها شيئاً، وجعله له بعد الموت.
وقوله: (قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: لأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً ... إلخ) قد تقدّم أن هذه الرواية
بيّنت أن التعليل من كلام أبي سلمة، أُدرج في الحديث في الرواية السابقة، فليُتَنّه.
وقوله: (فَقَطَعَتِ الْمَوَارِيثُ شَرْطَهُ)؛ أي: أبطلته، وجعلته ملغى.
والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف رَُّهُ، وقد مضى تمام شرحه،
وبقية مباحثه، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٨٦] ( .. ) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِبِرِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ
الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ
عَبْدِ الرحمن، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ:
((الْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ)).
(١) ((تاج العروس)) ٢٣٠/٧.
(٢) ((جامع الأصول)) ١٧٢/٨.

٣٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِبرِيُّ) تقدّم قريباً .
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨]
(ت١٨٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٣/٣٥.
٣ - (هِشَامُ) بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، تقدّم قريباً .
٤ ۔ (یَحْبِی بْنُ أَپِي گَثِيرٍ) تقدّم قبل باب.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، فقد أخرجه البخاريّ أيضاً من طريق يحيى بن أبي
كثير، عن أبي سلمة، عن جابر ظه، قال: ((قضى النبيّ ◌َّ بالعمرى أنها لمن
وُهبت له))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَظْلَتُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٨٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَام،
حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرحمن، عَنَّ
جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ وَِّ قَالَ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَام) الدستوائيّ البصريّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩]
(ت٢٠٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
والباقون ذُكروا قبله، والحديث متّفقٌ عليه.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٨٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ،
عَنْ جَابِرٍ، يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ بَلِ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ يَحْبَى - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا
أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَمْسِكُوا
عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ، وَلَا تُفْسِدُوهَا، فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى، فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا، حَيّاً
وَمَيِّتاً، وَلِعَقِهِ»).

٣٢٩
(٤) - بَابُ الْعُمْرَى - حديث رقم (٤١٨٩)
رجال هذين الإسنادين: خمسة:
وقد تقدّم الإسناد الأول بعينه في آخر الباب الماضي، ويحيى تقدّم أول
هذا الباب، وهما من رباعيّات المصنّف تَذْتُهُ، وهما (٢٧٨ و٢٧٩) من
رباعيّات الكتاب، و((أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ)) هو: أحمد بن عبد الله بن يونس، نُسب
لجدّه، و((يحيى بن يحيى)) هو التميميّ النيسابوريّ الإمام، وزُهَيْرٌ هو ابن
معاوية، أبو خيثمة الجعفيّ.
[تنبيه]: كتابة (ح) للتحويل سقط من معظم نسخ صحيح مسلم، وقد أثبته
في النسخة الهنديّة، وهو الصواب، فتنبّه.
وقوله: ((أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ، وَلَا تُفْسِدُوهَا) قال النوويّ دَّتُهُ:
المراد به إعلامهم أن العمرى هبةٌ صحيحة ماضيةٌ، يملكها الموهوب له ملكاً
تامّاً لا يعود إلى الواهب أبداً، فإذا عَلِموا ذلك، فمن شاء أَعمَر، ودخل على
بصيرة، ومن شاء ترك؛ لأنهم كانوا يتوهّمون أنها كالعارية يُرْجَع فيها، وهذا
دليلٌ للشافعيّ وموافقيه، والله أعلم. انتهى(١).
والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف، وقد صرّح أبو الزبير بسماعه
من جابر عند النسائيّ(٢)، من طريق أبي عاصم، عن ابن جريج، قال: أخبرني
أبو الزبير، أنه سمع جابراً يقول :... الحديث، فذكره مختصراً، ومن طريق
الحجاج الصوّاف، عن أبي الزبير، قال: حدّثنا جابر، قال: قال رسول الله وَلقتله،
فذكره مختصراً أيضاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٨٩] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ،
حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ سُفْيَانَ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنِي
أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَّنْ أَيُّوبَ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيّ ◌َّـ
(١) (شرح النوويّ)) ٧٢/١١.
(٢) راجع: ((المجتبى)) برقم (٣٧٦٢ و٣٧٦٣).

٣٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات
بِمَعْنَى حَدِيثٍ أَبِي خَيْئَمَةَ، وَفِي حَدِيثٍ أَيُّوبَ مِنَ الزِّيَادَةِ: قَالَ: جَعَلَ الأَنْصَارُ
يُعْمِرُونَ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ))).
رجال هذا الإسناد: اثنا عشر:
١ - (حَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ) ميسرة، أو سالم الصّوّاف، أبو الصَّلت الْكِنْديّ
مولاهم البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٦] (ت١٤٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣١٨/٥٢.
٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قريباً.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ) أبو عُبيدة البصريّ، صدوقٌ [١١]
(ت٢٥٢) (م ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٣١١/٤٩.
٥ - (أَبُوهُ) عبد الصمد بن عبد الوارث، تقدّم قبل باب.
٦ - (جَدُّهُ) عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو عُبيدة
التَّتُّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧٦/١٨.
٧ - (أَيُّوبُ) بن أبي تَمِيمة كيسان السَّخْتِيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ،
من كبار الفقهاء العبّاد [٥] (ت١٣١) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٥.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله، و((إسحاق بن إبراهيم)) هو: ابن راهويه،
و((محمد بن بشر)) هو: العبديّ الكوفيّ.
وقوله: (كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ أَبِيِ الزُّبَيْرِ)؛ يعني: أن كلّاً من حجاج بن أبي
عثمان، وسفيان الثوريّ، وأيوب السختيانيّ رووا هذا الحديث عن أبي الزبير،
عن جابر رضي الله، عن النبيّ وَلهو.
[تنبيه]: رواية حجاج بن أبي عثمان، عن أبي الزبير، ساقها أبو بكر بن
أبي شيبة في ((مصنّفه)) (٥١٠/٤) فقال:
(٢٢٦٣٠) - حدّثنا محمد بن بشر، قال: حدّثنا حجاج بن أبي عثمان، عن
أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله وَلتون: ((يا معشر الأنصار أمسكوا
عليكم أموالكم، لا تُعْمِروها، فإنه من أَعْمَر شيئاً، فإنه لمن أُعْمِرَهُ)). انتهى.
وأما رواية سفيان الثوريّ، عن أبي الزبير، فقد ساقها أيضاً أبو بكر بن
أبي شيبة في ((مصنّقه)) (٥٠٩/٤) فقال:

٣٣١
(٤) - بَابُ الْعُمْرَى - حديث رقم (٤١٩٠)
(٢٢٦١٨) - حدّثنا وكيع، قال: حدّثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن
جابر، قال: قال رسول الله وَله: ((أمسكوا عليكم أموالكم، لا تُعْمِروها، فمن
أَعمَرَ عُمْرَى، فهي سبيل الميراث)). انتهى.
وأما رواية أيوب السختيانيّ، عن أبي الزبير، فقد ساقها البيهقيّ في
((الكبرى)) (٦/ ١٧٣) فقال:
(١١٧٥٤) - وأخبرنا أبو الحسن العلويّ، أنبأ أبو الأحرز محمد بن
عمر بن جميل الأزديّ بطوس، ثنا أبو بكر بن أبي خيثمة، ثنا أبو معمر، ثنا
عبد الوارث، ثنا أيوب السختيانيّ، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله،
قال: كانت الأنصار يُعْمِرون المهاجرين، قال: فقال رسول الله وَله: ((أمسكوا
أموالكم لا تُعمروها، فإنه من أَعْمَر شيئاً حياته، فإنه لورثته إذا مات)). انتهى،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٩٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ - وَاللَّفْظُ
لِاِبْنِ رَافِعٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابٌّْ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ
جَابِرٍ، قَالَ: أَعْمَرَتِ امْرَأَةٌ بِالْمَدِينَةِ حَائِطاً لَهَا ابْنَاً لَهَا، ثُمَّ تُوُفِّيَ، وَتُوُفِّيَتْ بَعْدَهُ،
وَتَرَكَ وَلَدَاً، وَلَهُ إِخْوَةٌ بَنُونَ لِلْمُعْمِرَةِ، فَقَالَ وَلَدُ الْمُعْمِرَةِ: رَجَعَ الْحَائِطُ إِلَيْنَا، وَقَالَ
بَنُو الْمُعْمَرِ: بَلْ كَانَ لأَبِينَا حَيَاتَهُ وَمَوْتَهُ، فَاخْتَصَمُوا إِلَى طَارِقٍ مَوْلَى عُثْمَانَ، فَدَعَا
جَابِراً، فَشَهِدَ عَلَى رَسُولِ اللهِ بِّهَ بِالْعُمْرَى لِصَاحِبِهَا، فَقَضَى بِذَلِكَ طَارِقٌ، ثُمَّ
كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَخْبَرَهُ ذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ بِشَهَادَةِ جَابِرٍ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ:
صَدَقَ جَابِرٌ، فَأَمْضَى ذَلِكَ طَارِقٌ، فَإِنَّ ذَلِكَ الْخَائِطَ لِبَنِي الْمُعْمَرِ حَتَّى الْيَوْمِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْكَوْسَج، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) رَُْ أنه (قَالَ: أَعْمَرَتِ امْرَأَةٌ بِالْمَدِينَةِ حَائِطاً)؛ أي: بستاناً

٣٣٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات
(لَهَا ابْناً لَهَا) ((ابناً» هو المفعول الأول لـ«أَعمرت)»، و «حائطاً» مفعول ثانٍ مقدّم
(ثُمَّ تُوُفِّيَ) بتشديد الفاء، مبنيّاً للمفعول؛ أي: مات ذلك الولد الْمُعْمَرُ له
(وَتُوُفِّيَتْ) بالبناء للمفعول أيضاً؛ أي: ماتت المرأة (بَعْدَهُ)؛ أي: بعد موت
الولد (وَتَرََكَ وَلَداً)؛ أي: ترك ذلك الولد الميت ولداً له، هذا هو الذي وقع في
النسخة الهنديّة، ونسخة شرح الأبيّ، وهو الصواب المناسب للسياق، وهكذا
هو في ((مصنّف عبد الرزّاق)) (١)، و((مسند أبي عوانة)) (٢)، و((السنن الكبرى))
للبيهقيّ(٣)، و((جامع الأصول)) لابن الأثير(٤)، ووقع في معظم نسخ صحيح
مسلم: ((وتركت ولداً))، والظاهر أنه غلطٌ، فتنبّه.
(وَلَهُ إِخْوَةٌ) وقوله: (بَنُونَ لِلْمُعْمِرَةِ) بدلٌ، أو عطف بيان لـ((إخوة)) (فَقَالَ
وَلَدُ الْمُعْمِرَةِ) بكسر الميم الثانية؛ أي: المرأة التي أعمرت (رَجَعَ الْحَائِطُ
إِلَيْنَا)؛ أي: إلى أولاد المعمِرة (وَقَالَ بَنُو الْمُعْمَرٍ) بفتح الميم الثانية؛ أي:
الذي جُعل العمرى له (بَلْ كَانَ لأَبِينَا حَيَاتَهُ وَمَوْتَهُ)؛ أي: كان مُلكاً ثابتاً لا
يقبل الانتقال إلى المعمِرة (فَاخْتَصَمُوا إِلَى طَارِقٍ مَوْلَى عُثْمَانَ) هو: طارق بن
عمرو الأمويّ، قال في ((التقريب)): طارق بن عمرو المكيّ الأمويّ مولاهم،
أمير المدينة لعبد الملك، وثّقه أبو زرعة في الحديث، والمشهور أنه كان من
أمراء الْجَوْر، من الثالثة، مات في حدود الثمانين. انتهى.
وقال في ((تهذيب التهذيب)): طارق بن عمرو المكيّ الأمويّ مولاهم
القاضي، سَمِع من جابر بن عبد الله، وعنه حميد بن قيس الأعرج، وحَكَى عنه
سليمان بن يسار وغيره، قال الواقديّ: وَلَّاه عبد الملك بن مروان المدينةَ،
فلما قُتِل مصعب بن الزبير دعا إلى طاعة عبد الملك، وأخرج طلحة بن
عبد الله بن عوف وكان والياً لعبد الله بن الزبير، وقال أبو زرعة: ثقة.
قلت(٥): قال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عن طارق قاضي مكة،
(٢) ((مسند أبي عوانة)) ٤٦٩/٣.
(١) ((مصنّف عبد الرزّاق)) ١٨٩/٩.
(٣) ((السنن الكبرى)) ١٧٣/٦.
(٤) ((جامع الأصول)) لابن الأثير ١٦٨/٨.
(٥) القائل هو الحافظ ابن حجر تَّتُهُ.

٣٣٣
(٤) - بَابُ الْعُمْرَى - حديث رقم (٤١٩٠)
فقال: ثقة، وقد عاب ابن عساكر على ابن أبي حاتم هذا الكلام، فقال في
ترجمة طارق بن عمرو: وَهِمَ ابن أبي حاتم من وجوه: أحدها: قوله: قاضي
مكة، وإنما كان ذلك بالمدينة، والثاني: في قوله: رَوَى عن جابر، وإنما قَضَى
بقوله، والثالث: قوله: رَوَى عنه سليمان، وإنما حَكَى فعله؛ يعني: أن
سليمان بن يسار رَوَى الحديث عن جابر بلا واسطة.
قلت: ويؤيد ذلك، ويزيده إيضاحاً ما رواه عبد الرزاق في ((مصنَّفه)) عن
ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: أعمرت امرأة بالمدينة حائطاً لها
ابناً لها ... فذكر حديث الباب.
قال: وساق ابن عساكر من طريق الواحديّ بسنده، عن جابر بن عبد الله،
قال: نظرت إلى أمور كلها أتعجب منها، عَجِبت لمن سَخِط ولاية عثمان حتى
ابتلوا بطارق مولاه على منبر رسول الله صل*، وقال أبو الفرج الأمويّ: كان
طارق من وُلاة الجور، وقال عمر بن عبد العزيز - لمّا ذكره والحجاجَ، وقرةً بن
شريك، وكانوا إذ ذاك وُلاة الأمصار -: امتلأت الأرض جَوْراً، وذكر الواقديّ
بسنده أن عبد الملك جَهَّز طارقاً في ستة آلاف إلى قتال مَن بالمدينة من جهة
ابن الزبير، فقصد خيبر، فقتل بها ستمائة، وقال خليفةُ: بعثه عبد الملك إلى
المدينة، فغَلَب له عليها، وولّاه إياها سنة (٧٢) ثم عزله في سنة (٧٣) ووَلَّى
الحجاج بن يوسف. انتهى(١).
تفرّد بذكره المصنّف في هذا الباب، وليس له عنده رواية، وروی له أبو
داود حديثاً واحداً (٢).
(١) ((تهذيب التهذيب)) ٦/٥.
(٢) قال أبو داود في ((سننه)): (٣٥٥٧) - حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا معاوية بن
هشام، ثنا سفيان، عن حبيب - يعني: ابن أبي ثابت - عن حميد الأعرج، عن
طارق المكيّ، عن جابر بن عبد الله، قال: قضى رسول الله ﴿ في امرأة من
الأنصار، أعطاها ابنها حديقةً من نخل، فماتت، فقال ابنها: إنما أعطيتها حياتها،
وله إخوة، فقال رسول الله ويلقى: ((هي لها حياتها وموتها))، قال: كنت تصدقت بها
عليها، قال: ((ذلك أبعد لك)). انتهى.
وهو حديث ضعيف.

٣٣٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات
(فَدَعَا) طارق (جَابِراً) ◌َهُ (فَشَهِدَ) جابر ◌َظُهُ (عَلَى رَسُولِ اللهِ وَهـ
بِالْعُمْرَى)؛ أي: بأنه قضى بالعمرى (لِصَاحِبِهَا)؛ أي: الْمُعْمَر له (فَقَضَى بِذَلِكَ
طَارِقٌ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ) بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأمويّ،
أبي الوليد المدنيّ، ثم الدمشقيّ، كان طالب علم قبل الخلافة، ثم اشتَغَل بها،
فتغيّر حاله، مُلّك ثلاث عشرة سنة استقلالاً، وقَبْلها منازعاً لابن الزبير تسع
سنين، ومات سنة ست وثمانين في شوّال، وقد جاوز الستّين، له عند المصنّف
ذِكْر، وليس له عنده في ((صحيحه))، ولا في بقية الكتب الستة إلا ذكر فقط،
وإنما أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد)) قوله، قاله الحافظ المزيّ تَظُّهُ(١).
(فَأَخْبَرَهُ ذَلِك)؛ أي: أخبر طارق عبد الملك فيما كتبه إليه بهذه القضيّة
(وَأَخْبَرَهُ بِشَهَادَةِ جَابِرٍ) بأن النبيّ وَّ قضى بالعمرى لصاحبها (فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ:
(فَّأَمْضَى ذَلِكَ طَارِقٌ)؛ أي: أثبت ذلك الحكم الذي حكم به
صَدَقَ جَابِرٌ) هـ
(فَإِنَّ ذَلِكَ الْخَائِطَ لِبَنِي الْمُعْمَرٍ) بضمّ الميم الأولى، وفتح الثانية، وهو الذي
جُعلت العمرى له (حَتَّى الْيَوْم)؛ أي: إلى يوم التحديث بهذا الحديث، والظاهر
أن هذا من كلام أبي الزبير كَُّهُ، والله تعالى أعلم.
والحديث بهذه القصّة من أفراد المصنّف دَّتُهُ .
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّ أوّل الكتاب قال:
[٤١٩١] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ
- وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ
عُبَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ طَارِقاً قَضَى بِالْعُمْرَى لِلْوَارِثِ؛ لِقَوْلِ
جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم الْجُمحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ
ثبتٌ [٤] (ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٨٤/٢١.
(١) راجع: ((تهذيب الكمال)) ٤١٤/١٨.

٣٣٥
(٤) - بَابُ الْعُمْرَى - حديث رقم (٤١٩٢)
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ، مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة المدنيّ،
ثقةٌ فاضلٌ، أحد الفقهاء السبعة، من كبار [٣] مات بعد المائة، وقيل: قبلها
(ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٩.
والباقون ذُكروا قبل حديث.
والحديث من أفراد المصنّف تَُّهُ، وقد مضى البحث فيه قبله، ولله
الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دخلتُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٩٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثْنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ
عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِّ وَِّ قَالَ: ((الْعُمْرَى جَائِزَةٌ)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح، واسم أبيه أسلم الْقُرشيّ مولاهم، أبو محمد
المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، لكنه كثير الإرسال [٣] (ت١١٤) (ع) تقدم في
(الإيمان)) ٤٤٢/٨٣.
والباقون كلّهم ذُكروا في الباب، وقبل باب.
وقوله: ((الْعُمْرَى جَائِزَةٌ)))؛ أي: ثابتة لمن جُعِلت له، والمراد أنها لا ترجع
إلى صاحبها الْمُعْمِرِ، وإنما هي ملك للْمُعْمَر له، ولعقبه، وقد فَهِم قتادة تَخْذُهُ، وهو
راوي الحديث من هذا الإطلاق أنه إذا أطلق، فقال: أعمرتكها أنها للموهوب له
ولعقبه، فقد روى النسائيّ أن قتادة حَكَى أن سليمان بن هشام بن عبد الملك سأل
الفقهاء عن هذه المسألة، - يعني: صورة الإطلاق - فذكر له قتادة، عن الحسن وغيره
أنها جائزة، وذكر له حديث أبي هريرة ظلبه بذلك(١)، قال: وذكر له عن عطاء، عن
جابر، عن النبيّ ◌َ ﴿ مثل ذلك(٢)، قال: فقال الزهريّ: إنما العمرى؛ أي: الجائزة
إذا أَعْمَر له ولعقبه من بعده، فإذا لم يجعل عقبه من بعده كان للذي يَجعل شرطه، قال
قتادة: واحتَجّ الزهري بأن الخلفاء لا يقضون بها، فقال عطاء: قَضَى بها
(١) يعني: الرواية الثالثة.
(٢) يعني: هذا الحديث.

٣٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات
عبد الملك بن مروان، ذكره في ((الفتح))(١).
وقال في (الفتح)) أيضاً عند قوله: ((العمرى جائزة)) ما نصّه: فَهِمَ قتادة،
وهو راوي الحديث من هذا الإطلاق ما حكيته عنه - يعني: حكاية سؤل
سليمان بن هشام - وحمله الزهريّ على التفصيل الماضي، وإطلاق الجواز في
هذه الرواية لا يُفْهَم منه غير الحلّ، أو الصحّة، وأما حمله على الماضي للذي
يعاطاها، وهو الذي حمله عليه قتادة فيحتاج إلى قدر زائد على ذلك، وقد أخرج
النسائيّ من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، مرفوعاً: ((لا
عمرى، فمن أَعْمَر شيئاً فهو له))، وهو يشهد لِمَا فَهِمه قتادة. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: فتبيّن بهذا أن ما فهمه قتادة من إطلاق الحكم،
سواء أطلق الْمُعْمِر، أو قيّد بقوله: ((ولعقبه)) هو الأرجح مما فهمه الزهريّ من
التقييد، فتبصّر.
والحديث متّفقٌ عليه(٣)، وقد مضى البحث فيه مستوفّى، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَظْلَتُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٩٣] ( .. ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِي:
ابْنَ الْحَارِثِ - حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ أَنَّهُ
قَالَ: ((الْعُمْرَى مِيرَاثٌ لأَهْلِهَا))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٨) أو بعدها
(م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٥/١٤.
٢ - (سَعِيدٌ) بن أبي عروبة، تقدّم قبل باب.
والباقون ذُكروا في الباب.
والحديث بهذا اللفظ من أفراد المصنّف وظّتُهُ .
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَُّ أوّل الكتاب قال:
(١) ((الفتح)) ٦/ ٤٨١.
(٣) أخرجه البخاريّ في ((صحيحه)) برقم (٢٦٢٦).
(٢) ((الفتح)) ٤٨١/٦.

٣٣٧
(٤) - بَابُ الْعُمْرَى - حديث رقم (٤١٩٤ - ٤١٩٥)
[٤١٩٤] (١٦٢٦) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ بَشِيرٍ بْنِ
نَهِيكِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: ((الْعُمْرَى جَائِزَةٌ))).
رجال هذا الإسناد: ثماينة:
١ - (النَّضْرُ بْنُ أَنَسِ) بن مالك الأنصاريّ، أبو مالك البصريّ، ثقةٌ [٣]
مات سنة بضع ومائة (ع) تقدم في ((العتق)) ٣٧٦٧/٢.
٢ - (بَشِيرُ بْنُ نَهِيِك) السَّدُوسيّ، ويقال: السَّلُوليّ، أبو الشعثاء البصريّ،
ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في ((العتق)) ٣٧٦٧/٢.
٣ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَ ◌ُه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
والباقون ذُكروا قبل حديث.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظُه هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنف هنا [٤١٩٤/٤ و٤١٩٥] (١٦٢٦)، و(البخاري) في
((الهبة)) (٢٦٢٦)، و(أبو داود) في ((سننه)) (٣٥٤٨)، و(النسائي) في ((المجتبى))
(٢٧٧/٦)، و(ابن حبان) في (صحيحه)) (٥١٣١)، و(البيهقي) في ((الكبرى))
(١٧٤/٦)، و(البغوي) في ((شرح السُّنَّة)) (٢١٩٧)، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخَذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٩٥] (.) - (وَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِي: ابْنَ
الْحَارِثِ - حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((مِيرَاثٌ لأَهْلِهَا))،
أَوْ قَالَ: ((جَائِزَةٌ))).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وهم المذكورون قبل حدیث.
والحديث بهذا اللفظ من أفراد المصنّف رَّتُهُ .

٣٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات
[تنبيه]: لم يورد المصنّف تََّثُ أحاديث الرقبى، بل اقتصر على أحاديث
العمرى، وكذلك البخاريّ ما أوردها، ولكن ترجم لها، فقال: ((باب ما قيل
فِي الْعُمْرَى، والرُّقْبَى))، قال في ((الفتح)): ترجم المصنّف - يعني: البخاريّ -
بالرقبى، ولم يذكر إلا الحديثين الواردين في العمرى، وكأنه يرى أنهما متحدا
المعنى، وهو قول الجمهور، ومنع الرقبى مالك، وأبو حنيفة، ومحمد، ووافق
أبو يوسف الجمهور، وقد رَوَی النسائي بإسناد صحيح، عن ابن عباس
موقوفاً: ((العمرى، والرقبى سواء)»، وله من طريق إسرائيل، عن عبد الکریم،
عن عطاء، قال: نهى رسول الله وَلقر عن العمرى والرقبى))، قلت: وما الرقبى؟
قال: يقول الرجل للرجل: هي لك حياتك، فإن فعلتم فهو جائز، هكذا أخرجه
مرسلاً، وأخرجه من طريق ابن جريج، عن عطاء، عن حبيب بن أبي ثابت،
عن ابن عمر، مرفوعاً: ((لا عمرى، ولا رقبى، فمن أَعْمَر شيئاً، أو أرقبه، فهو
له حياته ومماته))، رجاله ثقات، لكن اختُلِف في سماع حبيب له من ابن عمر،
فصَرَّح به النسائيّ من طريق، ونفاه في طريق أخرى.
قال الماورديّ: اختلفوا إلى ماذا يُوَجَّه النهي؟ والأظهر أنه يتوجه إلى
الحكم، وقيل: يتوجه إلى اللفظ الجاهليّ، والحكم المنسوخ، وقيل: النهي
إنما يمنع صحة ما يفيد المنهي عنه فائدةً، أما إذا كان صحة المنهي عنه ضرراً
على مُرتكبه فلا يمنع صحته، كالطلاق في زمن الحيض، وصحةُ العمرى ضرر
على المعمِر، فإن ملكه يزول بغير عوض، هذا كله إذا حُمِل النهي على
التحريم، فإن حُمل على الكراهة، أو الإرشاد لم يُحتج إلى ذلك، والقرينة
الصارفة ما ذُكِر في آخر الحديث من بيان حُكمه، ويُصَرِّح بذلك قوله: ((العمرى
جائزة))، وللترمذيّ من طريق أبي الزبير، عن جابر، رفعه: ((العمرى جائزة
لأهلها، والرقبى جائزة لأهلها))، والله أعلم.
قال بعض الحذّاق: إجازة العمرى والرقبى بعيدٌ عن قياس الأصول،
ولكن الحديث مقدَّم، ولو قيل بتحريمهما للنهي، وصحتهما للحديث لم يَبْعُد،
وكأن النهي لأمر خارج، وهو حفظ الأموال، ولو كان المراد فيهما المنفعة،
كما قال مالك، لم يُنه عنهما، والظاهر أنه ما كان مقصود العرب بهما إلا
تمليك الرقبة بالشرط المذكور، فجاء الشرع بمراغمتهم، فصحح العقد على

٣٣٩
(٤) - بَابُ الْعُمْرَى - حديث رقم (٤١٩٥)
نعت الهبة المحمودة، وأبطل الشرط المضادّ لذلك، فإنه يُشبه الرجوع في
الهبة، وقد صح النهي عنه، وشُبِّه بالكلب يعود في قيئه، وقد رَوَى النسائيّ من
طريق أبي الزبير، عن ابن عباس، رفعه: ((العمرى لمن أَعْمِرها، والرقبى لمن
أُرْقِبها، والعائد في هبته كالعائد في قيئه))، فشَرْطُ الرجوع المقارن للعقد مثل
الرجوع الطارئ بعده، فنُهي عن ذلك، وأُمر أن يبقيها مطلقاً، أو يُخرجها
مطلقاً، فإن أخرجها على خلاف ذلك بطل الشرط، وصح العقد؛ مُراغمةً له،
وهو نحو إبطال شرط الولاء لمن باع عبداً كما تقدم، في قصة بريرة. انتهى ما
في ((الفتح))، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اُلْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

٣٤٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - کتاب الوصايا
٢٤ - (كِتَابُ الْوَصَايَا)
وفي بعض النسخ: ((كتاب الْوَصِيّة))، و((الوَصَايَا)) - بفتح الواو -: جمع
وصيّة، كهديّة وهدايا، قال في ((المغرب)): ((الوصيّة))، و((الوصاة)): اسمان في
معنى المصدر، قال الأزهريّ: هي مشتقّة من وصيتُ الشيءَ: إذا وَصَلتَهُ،
وسُمّيت وصيّة؛ لأنه وَصَل ما كان في حياته بما بعده، ويقال: وصى، وأوصى
أيضاً. انتهى(١).
وقال في ((القاموس)): وَصَى، كَوَعَى: خَسَّ بعدَ رِفْعَةٍ، واتَّزَنَ بعدَ خِفَّةٍ،
واتَّصَلَ، وَوَصَلَ، والأرضُ وَصْياً، ووُصِيّاً، ووَصاءً، ووَصاءَةً: اَّصَلَ نَبَاتُها،
وأوْصاهُ، ووصَّاهُ تَوْصِيَةً: عَهِدَ إليه، والاسمُ: الوَصاةُ، والوِصايَةُ، والوصِيَّةُ،
وهو المُوصَى به أيضاً، والوصِيُّ: المُوصِي، والمُوصَى، وهي وصِيٍّ أيضاً،
والجمع: أوْصِياءُ، أَوْ لا يُثَنَّى، ولا يُجْمَعُ، و﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ [النساء: ١١]؛ أي:
يَفْرِضُ عليكم، وقولهُ تعالى: ﴿أَنَوَصَوْاْ بِهِ،﴾ [الذاريات: ٥٣]؛ أَي: أَوْصَى به
أَوَّلُهم آخِرَهُمْ. انتهى(٢).
وقال في ((شرح القاموس)): وَصَى الشيءُ وَضْياً: اتصل، وأيضاً: وَصَلَ،
ونَصُ الأصمعيّ: وَصَى الشيءُ يَصِي: اتّصَل، ووصاه غيره يَصِيه: وصله؛ أي:
فهو لازمٌ متعدٍّ، وفي ((الأساس)): وَصَى الشيء بالشيء: وصله، ووَصى النبتُ:
اتَّصَلَ، وكَثُرَ، وقال أبو عبيد: وَصَيتُ الشيءَ ووصلته: سواءُ، وأنشد لذي
الرمة [من الطويل]:
نَصِي اللَّيْلَ بِالأَيَّامِ حَتَّى صَلَاتُنَا مُقَاسَمَةٌ يَشْتَقُّ أَنْصَافَهَا السَّفْرُ
(١) راجع: ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٢٥٠/٧.
(٢) ((القاموس المحيط)) ١٧٣١/١.