Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ (٣) - بَابُ كَرَاهَةٍ تَفْضِيلٍ بَعْضِ الأَوْلَادِ فِي الْهِبَةِ - حديث رقم (٤١٧٩) وقوله: (انْطَلَقَ بِي أَبِي يَحْمِلُنِي إِلَى رَسُولِ اللهِ وَ﴿) هذا لا يعارض ما تقدّم من قوله: ((فأخذ أبي بيدي ... إلخ))؛ لإمكان الجمع بأنه أخذ بيده في بعض الطريق، وحمله في بعضها، والله تعالى أعلم. وقوله: (قَدْ نَحَلْتُ النُّعْمَانَ كَذَا وَكَذَا مِنْ مَالِي) تقدّم في الروايات الماضية أنه أعطاه غلاماً . وقوله: («فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي))) ليس هذا إذناً بإشهاد غيره، وإنما هو من باب التهديد، ومن باب قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]. وقوله: (أَيَسُرُكَ ... إلخ) مضارع سرّه، يقال: سَرّه يَسُرُّه، من باب نصر، سُرُوراً بالضمّ، والاسم: السَّرُورُ بالفتح: إذا أفرحه، والْمَسَرّة منه، وهو ما يُسَرّ به الإنسان، والجمع: الْمَسَارُّ، قاله الفيّومِيّ ◌َّفُهُ(١). وقوله: (فِي الْبِرِّ) بكسر الموحّدة؛ أي: الإحسان. وقوله: (فَلَا إِذاً)؛ أي: إذا كنت تحبّ أن يكونوا لك في البرّ سواء، فلا تفضّل بعضهم على بعض؛ فإنه يكون سبباً في إخلالهم في البرّ. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤١٧٩] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ، حَدَّثَنَا أَزْهَرُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْذٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنٍ بَشِيرٍ، قَالَ: نَحَلَنِي أَبِي نُحْلاً، ثُمَّ أَتَى بِي إِلَى رَسُولِ اللهِنَّهِ؛ لِيُشْهِدَهُ، فَقَالَ: ((أَكُلَّ وَلَدِكَ أَعْطَيْتَهُ هَذَا؟))، قَالَ: لَا، قَالَ: ((أَلَيْسَ تُرِيدُ مِنْهُمُ الْبِرَّ مِثْلَ مَا تُرِيدُ مِنْ ذَا؟))، قَالَ: بَلَى، قَالَ: ((فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ))، قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: فَحَدَّثْتُ بِهِ مُحَمَّداً، فَقَالَ: إِنَّمَا تَحَدَّثْنَا أَنَّهُ قَالَ: ((قَارِبُوا(٢) بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ(٣))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ) أبو عثمان البصريّ، يُلقّب أبا الْجَوْزاء، ثقةٌ [١١] (ت٢٤٦) (م ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٩/٦٥. (١) ((المصباح المنير)) ٢٧٤/١. (٣) وفي نسخة: ((بين أبنائكم)). (٢) وفي نسخة: ((قارنوا)) بالنون. ٣٠٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات ٢ - (أَزْهَرُ) بن سعد السّمّانُ الباهليّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت٢٠٣) وهو (٩٤) سنةً (خ م د ت س) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ٢٦/ ١٣٤٤. ٣ - (ابْنُ عَوٍْ) عبد الله، أبو عون البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٥] (ت١٥٠) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٣. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: فَحَدَّثْتُ بِهِ مُحَمَّداً)؛ يعني: ابن سيرين. وقوله: (فَقَالَ)؛ أي: ابن سيرين. وقوله: (إِنَّمَا تَحَدَّثْنَا)؛ أي: حدّثنا بعضنا بعضاً. وقوله: (أَنَّهُ قَالَ: ((قَارِبُوا)؛ أي: قال النبيّ ◌َّ: ((قاربوا بين أولادكم))، قال القاضي عياض تَخْلُهُ: رويناه ((قاربوا)) بالباء، من المقاربة، و((قارنوا)) بالنون، من المقارنة، قال: ومعناهما صحيح؛ أي: سوّوا بينهم في أصل العطاء، وفي قدره. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر قول ابن سيرين أن المأمور به المقاربة بين الأولاد، لا التسوية، لكن هذا اجتهاد منه، فإن الروايات المختلفة في حديث الباب صريحة في التسوية، لا المقاربة، فتأملها حقّ التأمّل، والله تعالى أعلم. وقوله: (بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ) وفي نسخة: ((بين أبنائكم)). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤١٨٠] (١٦٢٤) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَتِ امْرَأَةُ بَشِيرٍ: انْحَلِ ابْنِي غُلَمَكَ، وَأَشْهِدْ لِي رَسُولَ اللهِصَلَّه فَأَتَّى رَسُولَ اللهِوَِّ، فَقَالَ: إِنَّ ابْنَةَ فُلَانٍ سَأَلَتْنِي أَنْ أَنْحَلَ ابْنَهَا غُلَامِي، وَقَالَتْ: أَشْهِدْ لِي رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: ((أَلَهُ إِخْوَةٌ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((أَفَكُلَّهُمْ أَعْطَيْتَ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَهُ؟»، قَالَ: لَا ، قَالَ: ((فَلَيْسَ يَصْلُحُ هَذَا، وَإِنِّي لَا أَشْهَدُ إِلَّا عَلَى حَقٍّ)). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ) التميميّ اليربوعيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت٢٢٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٣. ٣٠٣ (٤) - بَابُ الْعُمْرَى ٢ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُدَيج الْجُعفيّ، أبو خيثمة الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٦٢. ٣ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يدلّس [٤] (ت٢٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤. ٤ - (جَابِرُ) بن عبد الله طلبًا، تقدّم قريباً. وقوله: (فَلَيْسَ يَصْلُحُ هَذَا) ((يَصلُح)) بضمّ اللام، وكسرها، مضارع صَلُحَ بفتح اللام، وضمّها، وليس في هذا حجة لمن حمل النهي على التنزيه؛ لأن عدم :﴿إِنَُّ، عَمَلُ غَيْرُ الصلاحية يراد به البطلان، والفساد، كما في قوله تعالى لنوح ثالـ صَلِحْ﴾ [هود: ٤٦]؛ أي: أن طلب نجاة ابنه الكافر ليس عملاً صالحاً، بل باطل، ومما يؤكّد هذا قوله في بعده: (لا أشهد إلا على حقّ)؛ أي: إن هذا باطلٌ. والحاصل أن روايات حديث الباب كلها لا اختلاف بينها، بل هي على معنى واحد، وهو أن التسوية بين الأولاد واجب، وأن التفضيل بينهم غير جائز، فتبصّر بالإنصاف، ولا تحاول بالتأويل المتكلّف لردّ الأحاديث الظاهرة الدلالة على ما ذكرنا، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: هذا من أفراد المصنف. (المسألة الأولى): حديث جابر نظر (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه المصنف هنا [٤١٨٠/٣] (١٦٢٤)، و(أبو داود) في ((سننه)) (٣/ ٢٩٣)، و(النسائي) في ((الكبرى)) (٦٧/٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣/ ٤٦٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٢٦/٣)، و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (١/ ٣٨٦)، و(البيهقي) في ((الكبرى)) (١٧٧/٦)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (٤) - (بَابُ الْعُمْرَى) قال في ((الفتح)): ((الْعُمْرَى)) : - بضم العين المهملة، وسكون الميم، مع القصر، وحكي ضمّ الميم مع ضمّ أوله، وحُكي فتح أوله، مع السكون - ٣٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات مأخوذ من العُمُر، سمّيت بذلك لأنهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهليّة، فيُعطي الرجل الدارَ، ويقول له: أعمرتك إياها؛ أي: أبحتها لك مدّة عمرك، فقيل لها: عمرى لذلك، وكذا قيل لها: رقبى؛ لأن كلّ منهما يَرْقُب متى يموت الآخر؛ لترجع إليه، وكذا ورثته، فيقومون مقامه في ذلك(١) . وقال ابن منظور تَُّهُ: الْعُمْرَى: ما تجعله للرجل طولَ عُمُرٍك، أَو عُمُرِهِ، وقال ثعلب: العُمْرَى أَن يدفع الرجل إِلى أَخيه داراً، فيقولَ: هذه لك عُمُرَك، أَو عُمُرِي، أَيُّنا مات دُفِعَت الدار إلى أَهله، وكذلك كان فعلُهم في الجاهلية، وقد عَمَرْتُه إياه، وأَعْمَرْته: جعلتُه له عُمُرَهِ، أَو عُمُرِي، والعُمْرَى المصدرُ من كل ذلك كالرُّجْعَى، وفي الحديث: ((لا تُعْمِرُوا، ولا تُرْقِبُوا، فمن أُعْمِرَ داراً، أَو أُرْقِبَها، فهي له، ولورثته من بعده))(٢)، وهي العُمْرَى، والرُّقْبَى، يقال: أَعْمَرْتُه الدارَ عمْرَى؛ أَي: جعلتها له يسكنها مدة عُمره، فإِذا مات عادت إِليَّ، وكذلك كانوا يفعلون في الجاهلية، فأَبطل ذلك، وأَعلمهم أَن من أُعْمِرَ شيئاً، أَو أُرْقِبَه في حياته، فهو لورثته مِن بعده، قال ابن الأثير: وقد تعاضدت الروايات على ذلك، والفقهاءُ فيها مختلفون، فمنهم من يَعْمَل بظاهر الحديث، ويجعلها تمليكاً، ومنهم من يجعلها كالعارية، ويتأَوّل الحديث، قال الأَزهريّ: والرُّقْبى أَن يقول للذي أُرْقِبَها: إِن مُتَّ قبلي رجعَتْ إِليَّ، وإِن مُتُّ قبلك فهي لك، وأَصل العُمْرَى مأَخوذ من العُمُر، وأَصل الرُّقْبَى من المُراقبة، فأَبطل النبيّ وَّ ارِ هذه الشروط، وأَمْضَى الهبة، قال: وهذا الحديث أَصل لكل من وهب هِبَة، فَشَرَط فيها شرطاً بعدما قبضها الموهوب له أَن الهبة جائزة، والشرط باطل، وفي ((الصحاح)): أَعْمَرْتُه داراً، أَو أَرضاً، أَو إِلاً، قال لبيد [من الطويل]: وما المالُ إِلا مُعْمَراتٌ وَدائِعُ وَمَا البِرُّ إِلَّا مُضْمَراتٌ من التُّقَى وَلَا بُدَّ يَوْماً أَن تُرَدَّ الوَدائِعُ وما المالُ والأَهْلُون إِلا وَدائِعٌ (١) ((الفتح)) ٤٧٩/٦. (٢) أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائيّ. ٣٠٥ (٤) - بَابُ الْعُمْرَى أَي: ما البِرُّ إِلا ما تُضْمره وتخفيه في صدرك، ويقال: لك في هذه الدار عُمْرَى حتى تموت. انتهى(١). وقال في ((الفتح)) بعد ذكر ما مضى من معنى العمرى والرقبى ما نصّه: هذا أصلها لغةً، وأما شرعاً فالجمهور على أن العمرى إذا وقعت كانت ملكاً للآخذ، ولا ترجع إلى الأول إلا إن صَرَّح باشتراط ذلك، وذهب الجمهور إلى صحة العمرى، إلا ما حكاه أبو الطيب الطبريّ عن بعض الناس، والماورديّ عن داود وطائفة، لكن ابن حزم قال بصحتها، وهو شيخ الظاهرية. ثم اختلفوا إلى ما يتوجه التمليك: فالجمهور أنه يتوجه إلى الرقبة، كسائر الهبات، حتى لو كان الْمُعْمَرُ عبداً فأعتقه الموهوب له نفذ، بخلاف الواهب، وقيل: يتوجه إلى المنفعة دون الرقبة، وهو قول مالك، والشافعيّ في القديم، وهل يُسْلَك به مسلك العارية، أو الوقف؟ روايتان عند المالكية، وعن الحنفية التمليك في العمرى يتوجه إلى الرقبة، وفي الرُّقْبَى إلى المنفعة، وعنهم أنها باطلة. انتهى (٢). قال الجامع: عندي قول الجمهور هو الأرجح، فكلّ من العمرى والرُّقبى تمليك للمعمَر، وللمرقب - بالفتح - وهما صحيحتان، فلا يرجعان إلى المعمرِ والمرقِبٍ - بالكسر -؛ كما سنبيّنه آخر المسألة الرابعة إن شاء الله تعالى. وقال في ((الفتح)) أيضاً عند قوله: ((قضى النبيّ ◌َله بالعمرى أنها لمن وُهبت له)): هو بفتح ((أنها))؛ أي: قضى بأنها، وفي رواية الزهريّ، عن أبي سلمة عند مسلم: ((أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه، فإنها للذي أُعطيها، لا ترجع إلى الذي أعطاها؛ لأنه أعطى عطاء، وَقَعت فيه المواريث))، هذا لفظه من طريق مالك، عن الزهريّ، وله نحوه من طريق ابن جريج، عن الزهريّ، وله من طريق الليث عنه: ((فقد قطع قوله حقّه فيها، وهي لمن أُعمر، ولعقبه))، ولم يذكر التعليل الذي في آخره، وله من طريق معمر، عنه: ((إنما العمرى التي أجازها رسول الله سر أن يقول: هي لك ولعقبك، فأما الذي قال: هي لك ما عِشت، فإنها ترجع إلى صاحبها))، قال معمرٌ: كان الزهريّ يُفتي به، ولم يذكر (١) ((لسان العرب)) ٦٠١/٤. (٢) ((الفتح)) ٤٧٩/٦ - ٤٨٠. ٣٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات التعليل أيضاً، وبيّن من طريق ابن أبي ذئب، عن الزهريّ أن التعليل من قول أبي سلمة. وأخرجه مسلم من طريق أبي الزبير، عن جابر، قال: ((جعل الأنصار يُعمرون المهاجرين، فقال النبيّ وَل ـ: ((أمسكوا عليكم أموالكم، ولا تفسدوها، فإنه من أَعمَر عمرى، فهي للذي أُعمرها حيّاً وميتاً، ولعقبه)). فيجتمع من هذه الروايات ثلاثة أحوال: [أحدها]: أن يقول: هي لك ولعقبك، فهذا صريحٌ في أنها للموهوب له ولعقبه. [ثانيها]: أن يقول: هي لك ما عشتَ، فإذا مثَّ رجعت إلىّ، فهذه عاريةٌ مؤقّتة، وهي صحيحة، فإذا مات رجعت إلى الذي أُعطَى، وقد بيّنت هذه، والتي قبلها رواية الزهريّ. وبه قال أكثر العلماء، ورجّحه جماعة من الشافعيّة، والأصحّ عند أكثرهم لا ترجع إلى الواهب، واحتجّوا بأنه شرطٌ فاسد، فأُلغي. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأرجح ما قاله أكثر العلماء من أنها دائمة لا ترجع لصاحبها مطلقاً، سواء قال: ((ولعقبك)) أو لم يقل؛ لقوّة دليله. [ثالثها]: أن يقول أعمرتكها، ويُطلق، فرواية أبي الزبير هذه تدلّ على أن حكمها حكم الأول، وأنها لا ترجع إلى الواهب، وهو قول الشافعيّ في الجديد، والجمهورِ، وقال في القديم: العقد باطلٌ من أصله، وعنه كقول مالك، وقيل: القديم عن الشافعيّ كالجديد. وقد روى النسائيّ (٣٧٨٢/٤) أن قتادة حَكَى أن سليمان بن هشام بن عبد الملك سأل الفقهاء عن هذه المسألة - أعني: صورة الإطلاق - فذكر له قتادة، عن الحسن وغيره أنها جائزة، وذكر له حديث أبي هريرة ﴿ه بذلك، قال: وذكر له عن عطاء، عن جابر، عن النبيّ وَ﴿ مثل ذلك، قال: فقال الزهريّ: إنما العمرى - أي: الجائزة - إذا أعمر له ولعقبه من بعده، فإذا لم يجعل عقبه من بعده كان للذي يجعل شرطه، قال قتادة: واحتجّ الزهريّ بأن الخلفاء لا يقضون بها، فقال عطاء: قضى بها عبد الملك بن مروان. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب. (١) ((الفتح)) ٦/ ٤٨٠ - ٤٨١. ٣٠٧ (٤) - بَابُ الْعُمْرَى - حديث رقم (٤١٨١) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤١٨١] (١٦٢٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرحمن، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ: ((أَيُّمَا رَجُلِ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِهِ، فَإِنَّهَا لِلَّذِي أُعْطِيَهَا، لَا تَرْجِعُ إِلَى الَّذِي أَعْطَاهَا؛ لأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرحمن) بن عوف، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. والباقون كلّهم تقدّموا في الباب الماضي. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرٍ بْنُ عَبْدِ اللهِ) ظَهَا (أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((أَيُّمَا رَجُلِ أُعْمِرَ) بالبناء للمفعول؛ أي: أعطي شيئاً مدّة عمره (عُمْرَى لَهُ) قال النوويّ ◌َُّ: قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: العمرى قوله: أعمرتك هذه الدار مثلاً، أو جعلتها لك عمرك، أو حياتك، أو ما عشت، أو حييت، أو بقيت، أو ما يفيد هذا المعنى. انتهى(١). وقال القرطبيّ تَّتُهُ: العمرى في اللغة: هي أن يقول الرَّجل للرَّجل: هذه الدار لك عمري أو عمرك، وأصلها من العمر؛ قاله أبو عبيد، وقال غيره: أعمرته الدَّار: جعلتها له عمره، وقال الحربيّ: سمعت ابن الأعرابيّ يقول: لم يختلف العرب أن هذه الأشياء على ملك أربابها: العمرى، والرُّقبى، والسُّكنى، والإطراق، والمنحة، والعرية، والعارية، والإفقار، ومنافعها لمن جعلت له. قال القرطبيّ: وعلى هذا فالعُمْرى الواردة في الحديث حقّها أن تُحْمَل على هذا، فتكون تمليك منافع الرَّقبة مدة عمر من قُيِّدت بعمره، فإن لم يذكر عقباً؛ فمات الْمُعْمَرُ رجعت إلى الذي أعطاها ولورثته، فإن قال: هي لك ولعقبك؛ لم ترجع إلى الذي أعطاها إلا أن ينقرض العَقِبُ. (١) ((شرح النوويّ)) ١١/ ٧٠. ٣٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات وعلى هذا: فيكون الإعمار بمعنى الإسكان؛ إذا قيّد بالعمر، غير أن الأحاديث التي جاءت في هذا الباب تقتضي بحكم ظاهرها أنَّها تمليك الرَّقبة على ما هي مسرودة في الأصل. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: ما دلّت عليه الأحاديث من أن العمرى تمليك للرقبة هو الأرجح عندي، وسيأتي تحقيقه قريباً - إن شاء الله تعالى -. (وَلِعَقِبِهِ) بكسر القاف، ويجور إسكانها مع فتح العين، ومع كسرها، كما في نظائره، والعقب: هم أولاد الإنسان ما تناسلوا، قاله النوويّ كَّهُ(٢). (فَإِنَّهَا)؛ أي: العمرى (لِلَّذِي أُعْطِيَهَا) بالبناء للفعول أيضاً (لَا تَرْجِعُ) من باب ضرب (إِلَى الَّذِي أَعْطَاهَا)؛ أي: كما كانوا يفعلون ذلك في الجاهليّة، ثم عَلَّل ذلك بقوله: (لأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ) يعني أن الْمُعْمَر له ملكها، ودخلت في جملة أمواله، فترثها ورثته، لكن سيأتي أن التعليل المذكور مدرجٌ من الراوي، وليس من كلام النبيّ وَّر، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ضًا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤١٨١/٤ و٤١٨٢ و٤١٨٣ و٤١٨٤ و٤١٨٥ و٤١٨٦ و٤١٨٧ و٤١٨٨ و٤١٨٩ و٤١٩٠ و٤١٩١ و٤١٩٢ و٤١٩٣] (١٦٢٥)، و(أبو داود) في (البيوع)) (٣٥٥٣)، و(الترمذيّ) في ((الأحكام)) (١٣٥٠)، و(النسائيّ) في ((الرقبى)) (٢٧٥/٦) و((الكبرى)) (١٣٢/٤ - ١٣٣)، و(ابن ماجه) في ((الهبات)) (٢٣٨٠)، و(مالك) في ((الموظّإِ)) (٧٥٦/٢)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (٢١٨/١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٦٨٨٦)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٣٨/٧ - ١٣٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣/ ٣١٢ و٣٧٤ و٣٨٦ و٣٨٩)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٩٨٧)، و(ابن (١) ((المفهم)) ٤/ ٥٩٢. (٢) ((شرح النوويّ)) ١١/ ٧٠. ٣٠٩ (٤) - بَابُ الْعُمْرَى - حديث رقم (٤١٨١) حبّان) في ((صحيحه)) (٥١٣٧ و٥١٣٨ و٥١٣٩)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤/ ٧٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٦٤/٣ - ٤٦٥)، و((الطحاويّ) في (شرح معاني الآثار)) (٩٣/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٧٢/٦) و((المعرفة)) (٥/٥) و((الصغرى)) (٤٨٥/٥)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنّة)) (٢١٩٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم العمرى، ومثلها الرقبى : قال النوويّ كَّلُهُ: قال أصحابنا: العمرى ثلاثة أحوال: [أحدها]: أن يقول: أعمرتك هذه الدار، فإذا مِتّ فهي لورثتك، أو لعقبك، فتصحّ بلا خلاف، ويَملك بهذا اللفظ رقبةَ الدار، وهي هبة، لكنها بعبارة طويلة، فإذا مات فالدار لورثته، فإن لم يكن له وارث فلبيت المال، ولا تعود إلى الواهب بحال؛ خلافاً لمالك. [الحال الثاني]: أن يقتصر على قوله: جعلتها لك عمرك، ولا يتعرض لِمَا سواه، ففي صحة هذا العقد قولان للشافعيّ: أصحهما، وهو الجديد: صحته، وله حكم الحال الأول، والثاني، وهو القديم: أنه باطل، وقال بعض أصحابنا: إنما القول القديم أن الدار تكون لِلْمُعْمَر حياته، فإذا مات عادت إلى الواهب، أو ورثته؛ لأنه خصّه بها حياته فقط، وقال بعضهم: القديم أنها عارية يستردّها الواهب متى شاء، فإذا مات عادت إلى ورثته. [الثالث]: أن يقول: جعلتها لك عمرك، فإذا مُتَّ عادت إليَّ، أو إلى ورثتي إن كنتُ متُّ، ففي صحته خلاف عند أصحابنا، منهم من أبطله، والأصح عندهم صحته، ويكون له حكم الحال الأول، واعتمدوا على الأحاديث الصحيحة المطلقة: ((العمرى جائزة))، وعَدَلُوا به عن قياس الشروط الفاسدة، والأصح: الصحة في جميع الأحوال، وأن الموهوب له يملكها ملكاً تامّاً يتصرف فيها بالبيع وغيره من التصرفات، قال: هذا مذهبنا. وقال أحمد: تصحّ العمرى المطلقة دون المؤقتة. وقال مالك في أشهر الروايات عنه: العمرى في جميع الأحوال تمليك لمنافع الدار مثلاً، ولا يُملك فيها رقبة الدار بحال. ٣١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات وقال أبو حنيفة بالصحة كنحو مذهبنا، وبه قال الثوريّ، والحسن بن صالح، وأبو عبيدة، وحجة الشافعيّ وموافقيه هذه الأحاديث الصحيحة. انتهى كلام النوويّ تَقْذَّتُهُ(١) . وقال القرطبيّ تَخّْتُهُ: اختَلَف العلماء في العمرى على ثلاثة أقوال: [أحدها]: ما تقدَّم، وهي أنها تمليك منافع الرَّقبة، وهو قول القاسم بن محمد، ويزيد بن قُسَيط، واللَّيث بن سعد، وهو مشهور مذهب مالك، وأحد أقوال الشافعيّ، وقال مالك: وللمُعْمِر أن يُكريها ولا يُبْعِد، وله أن يبيعها من الذي أعطاها، لا من غيره. [وثانيها]: أنها تمليك الرَّقبة ومنافعها، وهي هبة مبتولة، وهو قول أبي حنيفة، والشافعيّ، وأصحابهما، والثوريّ، والحسن بن حيّ، وأحمد بن حنبل، وابن شُبْرُمة، وأبي عبيد؛ قالوا: من أعمر رجلاً شيئاً حياته فهو له حياته، وبعد وفاته لورثته؛ لأنه قد مَلَك رقبتها، وشرط المعطي الحياةَ أو العمر باطل؛ لأن رسول الله وَ﴾ قد أبطل شرطه، وجعلها بَتْلةً، وسواء قال: هي لك حياتك، أو: هي لك ولعقبك بعدك. [وثالثها]: إن قال: عمرك؛ ولم يذكر العقب كان كالقول الأول، وإن قال: لك ولعقبك؛ كان كالقول الثاني، وبه قال الزهريّ، وأبو ثور، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وابن أبي ذئب، وقد روي عن مالك، وهو ظاهر قوله في ((موطأ)» بحیی بن یحیی. فأهل القول الأول تمسّكوا بأصل اللغة، وعضدوا ذلك بما رواه ابن القاسم عن مالك قال: رأيت محمداً وعبد الله ابني أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وعبد الله يعاتب محمداً - وهو يومئذ قاض - فيقول له: ما لك لا تقضي بحديث ابن شهاب في العُمْرى؟ فقال: يا أخي! لم أجد النَّاس عليه، وأباه الناس، قال مالك: ليس عليه العمل، ولوددت أنه مُحِي، وعضدوه أيضاً بأن قالوا: الأصل بقاء ملك المعطي للرَّقبة بإجماع، ولم يَرِدْ قاطع بإخراجه عن يده قبل الإعمار، وتأولوا جميع تلك الظواهر الواردة في الباب. (١) ((شرح النوويّ)) ٧٠/١١ - ٧١. ٣١١ (٤) - بَابُ الْعُمْرَى - حديث رقم (٤١٨١) وأما أهل القول الثاني: فظواهر الأحاديث معهم، غير أنَّهم لا يُسلَّم لهم أن رسول الله وعليه أبطل شرط العمر؛ لأنَّه لو أبطله لبطلت العمرى بالكليّة، ولا متنع إطلاق ذلك الاسم عليها، ولم تبطل؛ لأن الأصل في شروط المسلمين صحتها وبقاؤها بدليل قول النبيّ وَّيقول: ((المسلمون على شروطهم))؛ ذكره أبو داود، وغيره، عن أبي هريرة (١). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((لا يُسلّم لهم ... إلخ)) فيه نظر؛ كيف لا يسلّم لهم؟، وقد صحّ عن النبيّ وَل9، ولا يلزم من بطلان الشرط بطلان العمرى؛ إذ لا تلازم بينهما، كما لا يخفى على المتأمل، والله تعالى أعلم. قال: فإن قيل: هذا من الشروط التي قد أبطلها الشرع بقوله: ((كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل))؛ قلنا: لا نسلّم أنَّه ليس في كتاب الله؛ لأن كتاب الله هنا يراد به: حكم الله؛ بدليل السبب الذي خرج عليه الحديث المتقدِّم، وقد تقدَّم في العتق. قال الجامع: هذا الحديث حجة عليه، لا له؛ لأن الشرط الذي أبطله النبيّ وَّه إنما بطل بحكم الله، فتأمّل، والله تعالى أعلم. قال: ثم يلزم على هذا إبطال المنحة، والإفقار، والعارية، فإنَّها كلها عطايا بشروط، وليست كذلك باتفاق. قال الجامع: أيضاً هذا غير مقبول؛ لأن هذه الأشياء صحّت شرعاً مع شروطها، فلا يعارضها ما نحن فيه، فتأمّل، والله تعالى أعلم. قال: فإن قيل: فقد قال رسول الله وسلم فيما رواه ابن أبي ذئب في ((موطئه)) من حديث جابر ◌ُه عن النبيّ وَّرِ: أنَّه قضى فيمن أَعْمَر عُمْرى له ولعقبه، فهي بتلةٌ، لا يجوز للمعطي فيها شرط، ولا مثوبة (٢)، وهذا صريح في إيطال الشرط . (١) حديث صحيح، أخرجه أبو داود ٣٠٤/٣. (٢) هكذا نسخة ((المفهم))، وهو مصحّف من ((مثنوية))، بمعنى: الاستثناء، كما في عبارة ((التمهيد)) الآتية، ووقع في ((صحيح مسلم)) بلفظ: ((ولا ثُنْيَا))، وهو أيضاً بمعنى الاستثناء. ٣١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات فالجواب: إنا لا نسلّم أن هذا الشرط المنهيّ عنه هو نفس الإعمار في قوله: ((هي لك عمرك))؛ لأنه لو كان كذلك لبطلت حقيقة العمرى، كما قلناه، ولأنه لو بطل ذلك لبطل قول المعطي: هي لك سنَةً من عمرك، ولم يبطل بالاتفاق، فلا تبطل، والجامع بين الصورتين: أن كل واحد منهما إعطاءٌ ذُكِر فيه العمر، وقد قال القاسم بن محمد: ما أدركت الناس إلا وهم على شروطهم في أموالهم. قال الجامع: القول فيه كالقول في سابقه، فتنبّه. ومما يتمسكون به قوله وله: ((لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث))، فقد صيَّرها ملكاً؛ لأنه لا يورث عن الإنسان إلا ما كان يملك. ويجابون عن ذلك بأن اللفظ ليس من كلام النبيّ وَّي، وإنما هو من قول أبي سلمة بن عبد الرحمن؛ كما قد رواه ابن أبي ذئب عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، وذكر الحديث المتقدِّم، فلما فرغ قال: قال أبو سلمة: ((لأنه أعطى عطاءً وقعت فيه المواريث))، ولئن سُلِّم ذلك؛ فإنما جاء ذلك من حيث ذكر العقب، فيكون فيه حُجَّة لأهل القول الثالث، لا للثاني. وأما أهل القول الثالث، فكأنهم أعملوا الاسم فيما لم يذكر فيه العقب، وتركوا مقتضاه، حيث منع منه الشرع، وكأنهم جمعوا بين الاسم والأحاديث التي في الباب، وقد شهد لصحة هذا رواية من قال عن جابر: إنَّما العُمْرى التي أجاز رسول الله وَالقر أن يقول: هي لك ولعقبك، فأمَّا إذا قال: هي لك ما عشت، فإنها ترجع إلى صاحبها، قال: وبه كان الزهري يُفتي، ثم ما ورد من الروايات مطلقاً فإنه مقيّد بهذا الحديث، غير أن كلام النبيّ ◌َّر انتهى عند قوله: ((هي لك ولعقبك))، وما بعده من كلام الزهريّ على ما قاله محمد بن يحيى الذَّهْليّ، وهو مما انفرد به معمرٌ عن الزهريّ، وخالفه في ذلك سائر من رواه عن الزهريّ من الأئمة الحفاظ؛ كالليث، ومالك، وابن أخي الزهريّ، وابن أبي ذئب، ولم يذكروا ذلك. قال الجامع: سيأتي في كلام ابن عبد البرّ ◌َّتُ مناقشة ما قاله الذُّهْليّ، فلا تذهل. قال القرطبيّ: والذي يظهر لي، وأستخير الله في ذكره أنَّ حديث جابر ٣١٣ (٤) - بَابُ الْعُمْرَى - حديث رقم (٤١٨١) في العُمْرى رواه عنه جماعة، واختلفت ألفاظهم اختلافاً كثيراً، ثم رواه عن كل واحد من تلك الجماعة قوم آخرون، واختلفوا كذلك، ثم كذلك القول في الطبقة الثالثة، وخَلَط فيه بعضهم بكلام النبيّ وَّ ما ليس منه، فاضطرب، فضَعُفت الثقة به، مع ما ينضاف إلى ذلك من مخالفته للأصل المعلوم المعمول به من أن الناس على شروطهم في أموالهم، كما قال القاسم بن محمد، وكما دلَّ عليه الحديث المتقدم في الشروط، وينضاف إلى ذلك أن الناس تركوا العمل به؛ كما قال محمد بن أبي بكر، فتعيَّن تركه، كما قاله مالك: ليته مُحِي، ووجب التمسك بأصل وضع العُمْرى، كما تقدَّم، وبالأصل المعلوم من الشريعة: من أن الناس على ما شرطوه في أعطياتهم، وهُو القول الأول، وليس على غيره معوَّل. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره القرطبيّ من الطعن في حديث جابر ونه بالاضطراب، وضعف الثقة به، والتمسّك بالأصل المعلوم إلى آخر كلامه غريب منه، كيف يضعّف حديثاً صحيحاً، ويدّعي ضعف الثقة به، والتمسّك بالأصل، مع أن الاضطراب بعيد عنه، ولذا أخرجه أصحاب الصحاح بألفاظ متقاربة، وأيضاً لا ينافي التمسّك بالأصل، فكيف يدّعي ما قاله؟، والغريب أنه بعد هذا سلك مسلك الجمع بين تلك الروايات التي ادّعى اضطرابها، فناقض آخر تحقيقه ما ادّعاه أوّلاً، إن هذا لهو العجب العُجاب. قال: وإذا تقرر ذلك فلنبيِّن وجه ردِّ تلك الروايات إلى ما قررناه. فأمَّا قوله: ((وإنها لا ترجع إلى صاحبها، من أجل: أنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث))، فيعني به: أنه لما جعلها للعقب؛ فالغالب أن العقب لا ينقطع، فلا تعود لصاحبها لذلك. وأمَّا قوله: ((وقعت فيه المواريث))، فإن سلَّمنا أنه من قول النبيّ وَل فمعناه - والله أعلم - أنَّها لما كانت تنتقل للعقب بحكم تلقيهم عن مورِّثهم، ويشتركون في الانتفاع بها أشبهت المواريث، فأطلق عليها ذلك. وأمَّا قوله: ((أمسكوا عليكم أموالكم، ولا تفسدوها))، فإنه من باب الإرشاد إلى الأصلح؛ لأن الإعمار يمنع المالكَ من التصرف فيما يملكُ رقبته آماداً طويلة، لا سيما إذا قال: هي لك ولعقبك؛ فإن الغالب: أنها لا ترجع ٣١٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات إليه، كما قررناه، ولا يصح حمل هذا النهي على التحريم؛ لأنَّه قد قال في الرِّواية الأخرى: ((العمرى جائزة لمن وهبت له))؛ أي: عطيّةٌ جائزةٌ، ولأنها من أبواب البر، والمعروف، والرفق، فلا يمنع منه، وقول ابن عباس: لا تحِلُّ العُمْرى ولا الرُّقْبى؛ محمول على ذلك، فإنه قال إثر ذلك: فمن أعمر شيئاً فهو له، ومن أرقب شيئاً فهو له، فقد جعلهما طريقين للتملك، فلو كان عقدهما حراماً كسائر العقود المحرَّمة لأمر بفسخهما . وأمَّا قوله: ((فهي للذي أعمرها حيّاً وميتاً))؛ فيعني بذلك: إذا قال: هي لك ولعقبك؛ فإنَّه ينتفع بها في حياته، ثم ينتقل نفعها إلى عقبه بعد موته، وهذه الرواية وإن وقعت هنا مطلقة؛ فهي مقيدة بالروايات الأخر التي ذكر فيها العقب، لا سيما والرَّاوي واحد، والقضية واحدة، فيُحمل المطلق فيها على المقيَّد قولاً واحداً، كما قررناه في الأصول. وقوله: إنما العمرى التي أجاز رسول الله وَ ر أن يقول: هي لك ولعقبك؛ أي: أمض جوازها وألزمه دائماً على ما ذكرناه. وقوله: ((وأمَّا إذا قال: فهي لك ما عشت))، فإنها ترجع إلى صاحبها، فإن كان من قول النبيّ وَّه فهو نصٌّ، فيما اخترناه، وإن كان من قول الرَّاوي؛ فهو أقعد بالحال، وأعلم بالمقال(١). قال الجامع: قد أجاد القرطبيّ كَّتُهُ في الجمع بين هذه الروايات، فبهذا يتبيّن أنه لا اضطراب بينها، وأن بعضها مفسّر لبعضها، فتكون على معنى واحد، فدعواه الاضطراب، وضَعْف الثقة بالحديث الذي ذكره في أول كلامه مما لا معنى له، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: القائلون: بأن العمرى تمليك الرقبة؛ فرَّقوا بينها وبين السُّكنى، فلو قال: أسكنتك حياتك، فإذا مات رجعت إلى صاحبها، إلا الشَّعبي، فإنه سوَّى بينهما، وقال في السَّكنى: لا ترجع إلى صاحبها بوجه، وهو شاذٌّ لا يعضده نظر، ولا خبر، فإن العمرى عند القائلين: بأنها تمليك الرَّقبة، خارجة في القياس، وإنما صاروا إليه من جهة ظواهر الأخبار، فلا تقاس السُّكنى (١) ((المفهم)) ٤/ ٥٩٣ - ٥٩٨. ٣١٥ (٤) - بَابُ الْعُمْرَى - حديث رقم (٤١٨١) عليها؛ لأن الخارج عن القياس لا يُقَاس عليه كما قررناه في الأصول، ولا خبر فيه، فلا يصار إليه، والله أعلم. قاله القرطبيّ كَذُهُ(١). (المسألة الرابعة): قد بسط القول على هذا الحديث الإمام ابن عبد البرّ تَخْثُ في كتابه الممتع ((التمهيد))، ودونك خلاصته: قال ◌َّتُ: مالكٌ، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله وَ ل﴿ قال: ((أيما رجل أَعْمَر عُمْرَى له ولعقبه، فإنها للذي أعطيها، لا ترجع إلى الذي أعطاها؛ لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث». هكذا هو هذا الحديث عند كل الرواة عن مالك، ورواه معمر، عن الزهريّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله قال: ((إنما العمرى التي أجاز رسول الله وهو أن يقول: هي لك ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ما عِشْتَ، فإنها ترجع إلى صاحبها))، قال معمر: وكان الزهريّ يفتي بذلك، قال محمد بن يحيى الذهليّ في حديث معمر هذا: إنما منتهاه إلى قوله: ((هي لك ولعقبك))، وما بعده عندنا من كلام الزهريّ، قال: وما رواه أبو الزبير، عن جابر، يوهن حديث معمر هذا، قال: وقد رواه ابن أبي ذئب، ومالك، وابن أخي الزهريّ، وليثٌ على خلاف ما رواه معمر. قال أبو عمر: أما رواية ابن أبي ذئب، فرواه في ((موطئه)) عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن جابر، عن النبيّ وَّر أنه قضى فيمن أَعْمَر عُمْرَى له ولعقبه، فهي له بَتْلَةً، لا يجوز للمعطي فيها شرط، ولا مَثْنَوِيّةٌ، قال أبو سلمة: لأنه أعطى عطاءً وقعت فيه المواريث، فقطعت المواريث شرطه، وهذا خلاف ما قاله الذهليّ، وقد جَوَّده ابن أبي ذئب، فبَيَّن فيه موضع الرفع، وجعل سائره من قول أبي سلمة، لا من قول الزهريّ. ورواه الأوزاعيّ قال: حدّثني أبو سلمة قال: حدّثني جابر، عن النبيّ وَل قال: ((العمرى لمن أُعمِرها، هي له ولعقبه))، هكذا حدثناه الوليد بن مسلم وغيره عنه . (١) ((المفهم)) ٤ /٥٩٨. ٣١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات ورواه الليث، عن ابن شهاب بإسناده، قال: ((من أعمر رجلاً عُمْرَى له ولعقبه، فقد قَطَع قولُهُ حَقَّه فيها، وهي لمن أُعمِرها ولعقبه))، حدّثنا بحديث الليث أحمدُ بن قاسم بن عبد الرحمن، قال: حدّثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدّثنا الحارث بن أبي أسامة، قال: حدّثنا أبو النضر، قال: حدّثنا الليث بن سعد، قال: حدّثني الزهريّ، عن أبي سلمة، عن جابر، قال: سمعت رسول الله (48* يقول، فذكره حرفاً بحرف. قال أبو عمر: فهذا ما في حديث ابن شهاب، والمعنى في ذلك متقارب، يَشُدّ بعضه بعضاً، لكن مالك تَخُّْ لم يقل بظاهر هذا الحديث؛ لِمَا رواه عن يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، أنه سمع مكحولاً الدمشقيّ يسأل القاسم بن محمد، عن العمرى، وما يقول الناس فيها، فقال القاسم: ما أدركت الناس إلا على شروطهم في أموالهم، وفيما أَعْطَوْا، والقاسم قد أدرك جماعة من الصحابة، وكبار التابعين، وقال مالك: الأمر عندنا أن العمرى ترجع إلى الذي أَعْمَرها إذا لم يقل: لك ولعقبك، إذا مات الْمُعْمَر، وكذلك إذا قال: هي لك ولعقبك ترجع إلى صاحبها أيضاً بعد انقراض عقب المعمَر؛ لأنه على شرطه في عقب المعمَر، كما هو على شرطه في المعمَر، ورقبتها عند مالك وأصحابه على ملك صاحبها أبداً ترجع إليه إن كان حيّاً، أو إلى ورثته بعده، وضمانها منهم، ولا يُمْلَك بلفظ العمرى، والإعمار، عند مالك رقبةُ شيء من العطايا، وإنما ذلك عنده كلفظ السكنى، والإسكان سواءً، لا يُملَك بذلك إلا المنافع، دون الرقاب، وهي ألفاظ عندهم لا يُملك بها الرقاب، وإنما يملك بها المنافع، منها: العمرى، والسُّكْنَى، والعارية، والإطراق، والمنحة، والإحبال، والإفقار، وما كان مثلها . قال أبو إسحاق الحربيّ: سمعت ابن الأعرابيّ يقول: لم تختلف العرب في أن هذه الأسماء على ملك أربابها، ومنافعُها لمن جُعِلت له، العمرى، والرقبى، والإفقار، والإخبال(١)، والعرية، والسكنى، والإطراق. (١) ((الإخبال)) بالخاء المعجمة: هو بمعنى العارية، قال في ((القاموس)) (ص٣٤٦): واستخبلني ناقةً، فأخبلتها: استعارنيها، فأعرتها، أو أعرتها لينتفع بلبنها، ووَبَرها، أو فرساً ليغزو عليه. انتهى. ٣١٧ (٤) - بَابُ الْعُمْرَى - حديث رقم (٤١٨١) ومما احتجّ به أصحاب مالك فيما ذهبوا إليه من ردّ حديث جابر هذا أن قالوا: هو حديث منسوخ، ولم يصحبه العمل، وقال بعضهم: لعل حامله وَهِمَ. قال ابن عبد البرّ: ومثلُ هذا من القول لا يُعترض به الأحاديث الثابتة عند أحد من العلماء، إلا بأن يتبيّن النسخ بما لا مَدْفَع فيه. قال الجامع: قد أجاد ابن عبد البرّ كَُّ في هذا التعقّب، كيف يُدّعَى نسخ حديث صحيح بظنون وتخيّل، فأين الناسخ؟ إن هذا لهو العجب، وأيضاً قولهم: لم يصحبه العمل مردود بما ثبت من أنه عُمل به في المدينة، فقد قضى به طارق مولى عثمان بشهادة جابر ته بأنه وَ* قضى بالعمرى لصاحبها، فكتب به إلى عبد الملك بن مروان، فنفّذه، كما سيأتي عند مسلم في هذا الباب، فكيف يُدَّعَى عدم العمل؟ فتبصّر. قال: ومما احتجوا به أيضاً ما رواه ابن القاسم وغيره عن مالك، قال: رأيت محمداً وعبد الله ابني أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، فسمعت عبدَ الله يعاتب محمداً، ومحمد يومئذ قاض، فيقول له: ما لَكَ لا تقضي بالحديث الذي جاء عن رسول الله وَ﴿ في العمرى، حديثٍ ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر؟ فيقول له محمد: يا أخي لم أجد الناس على هذا، وأباه الناس، فهو يكلمه، ومحمد يأباه، قال مالك: ليس عليه العمل، ولوددت أنه مُحِيَ(١). ومن أحسن ما احتجوا به أن قالوا: مِلْكُ الْمُعْمِرِ الْمُعْطِي ثابت بإجماع قبل أن يُحْدِث العمرى، فلما أحدثها اختَلَف العلماء، فقال بعضهم: قد أزال لفظه ذلك ملكَه عن رقبة ما أعمره، وقال بعضهم: لم يزل ملكه عن رقبة ماله بهذا اللفظ، والواجب بحقّ النظر أن لا يزول ملكه إلا بيقين، وهو الإجماع؛ لأن الاختلاف لا يثبت به يقين، وقد ثبت أن الأعمال بالنيات، وهذا الرجل لم ينو بلفظه ذلك إخراج شيء عن ملكه، وقد اشترط فيه شرطاً فهو على شرطه؛ لقول رسول الله وَله: (المسلمون على شروطهم)). (١) أي: تمنّيت أنه محي من ((الموطأ))، ووقع في النسخة غلطاً: ((أني مُحي))، فتنبّه. ٣١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات قال الجامع: سكت ابن عبد البرّ تَّثُ عن التعليق على هذا المتمسّك، ويا ليته لم يسكت، والجواب عنه واضح، وهو أن ثبوت الملك، وزواله ليس من شرطه الإجماع، وإنما الشرط ثبوت الدليل فيه، من نصّ كتاب الله، أو سُنَّة رسول الله ◌َ﴿ الصحيحة، فإذا ثبت عن رسول الله وَ﴿ نصّ في إثباته أو زواله، فهو المتمسّك، سواء حصل الإجماع على ذلك، أم لم يحصل، وما هنا كذلك، فقد أزال النصّ ملك الْمُعْمِر - بالكسر - وأدخله في ملك الْمُعْمَرِ له - بالفتح ـ فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى وليّ التوفيق. قال أبو عمر تَخْلَتُهُ: نحن نذكر اختلاف الفقهاء في هذا الباب على شرطنا في هذا الكتاب لنبيّن بذلك موضع الصواب، وبالله التوفيق. فأما مالك تَخَّتُهُ، فقد ذكرنا أن العمرى والسكنى عنده سواء، وهو قول الليث، وقول القاسم بن محمد، ويزيد بن قُسيط، قال مالك: فإذا أعمره حياته، وأسكنه حياته، فهو شيء واحد، فإن أراد الْمُعْمَر أن يُكريها فإنه يُكريها قليلاً قليلاً، ولا يبعد الكراء، قال: وللمعمَر أن يبيع منافع الدار، وسكناه فيها من الذي أعمره، ولا يبيعها من غيره. وقال أبو حنيفة، والشافعيّ، وأصحابهما، وهو قول الثوريّ، والحسن بن حيّ، وابن شُبْرُمة، وأحمد بن حنبل، وأبي عبيد: الْعُمْرَى بهذا اللفظ هبة مبتوتة، يملكها المعمَر ملكاً تاماً، رقبتها ومنافعها، واشترطوا فيها القبض على أصولهم في الهبات، قالوا: ومن أَعمر رجلاً شيئاً في حياته، فهو له حياتَهُ وبعد وفاته لورثته؛ لأنه قد مَلَك رقبتها، وشرطُ المعطي، وذكره العمرى، والحياة باطلٌ؛ لأن رسول الله وَله أبطل شرطه، وجعلها بَتْلَةً للمعطَى، وسواءٌ قال: هي ملك حياتك، وهي لك ولعقبك بعدك عمري وحياتهم، أو ما عشت، وعاشوا، كل ذلك باطلٌ؛ لأن رسول الله وهو أبطل الشرط في ذلك، وإذا بطل شرطه لنفسه في حياة المعمَر، فكذلك حياة عقبه الشرط أيضاً باطل، وكل شرط أبطله الله أو رسوله فهو مردودٌ؛ لأن في إنفاذه تحليل الحرام، وقد قال رسول الله وَج: ((المؤمنون على شروطهم، إلا شرطاً أحلّ حراماً أو حرّم حلالاً))(١)، وقال: ((كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل))؛ يعني: ليس في (١) حديث حسن. ٣١٩ (٤) - بَابُ الْعُمْرَى - حديث رقم (٤١٨١) حكم الله، وفيما أباحه الله في كتابه، وعلى لسان رسوله وَّله، وقد قال ◌َله: ((إنه من أعطى شيئاً حياته فهو له ولورثته، فأمسكوا عليكم أموالكم)). قالوا: والسكنى عارية لا يُملك بها رقبة، إنما يملك بها المنافع على شروط المسكن. ومن حجتهم فيما ذهبوا إليه في العمرى ما رواه ابن جريج، والثوريّ، وجماعة عن أبي الزبير، عن جابر، أن رسول الله وسلّم قال: ((من أعمر شيئاً حیاته، فهو له حیاته وموته)). ثم ساق بسنده عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله وَله: ((العمرى لمن وُهبت له))، فجعلها هبةً، والفائدة في هذا الخطاب في تملّكه الرقبة؛ لأن المنافع أوضح من أن يحتاج إلى أن تُعرَف لمن هي في ذلك، والله أعلم. ثم ساق بسنده عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله وَله : ((أيها الناس أمسكوا عليكم أموالكم، ولا تُعمِروا أحداً شيئاً، فإن من أعمر أحداً شيئاً حياته فهو له حياته ومماته)). قال: وذكر الشافعيّ عن ابن علية، عن الحجاج بن أبي عثمان، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله وَ له: ((يا معشر الأنصار أمسكوا عليكم أموالكم، ولا تُعمروا أحداً شيئاً، فإن من أعمر شيئاً حياته، فهو لمن أُعْمِره حياته ومماته)). ورَوَى حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر مثله سواءً، وهو قول جابر، وابن عمر، وابن عباس، ذكر معمر عن أيوب، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: سمعت ابن عمر وسأله أعرابيّ أَعطَى ابنه ناقةً له حياته، فأنتجها فكانت إيلاً، فقال ابن عمر: هي له حياته ومماته، قال: أفرأيت إن كان تصدق علیه؟ قال: فذلك أبعد له. وهذا الخبر يدلّ على أن مذهب ابن عمر في العمرى أنها خلاف السكنى، ذلك أنه وَرِثَ حفصة بنت عمر دارها، قال: وكانت حفصة قد أسكنت بنت زيد بن الخطاب ما عاشت، فلما توفيت ابنة زيد قَبض عبد الله بن عمر المسكن، ورأى أنه له. ٣٢٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات وعلى هذا أكثر العلماء، وجماعة أهل الفتوى في الفرق بين العمرى والسكنى، وقالوا: لا تنصرف إلى صاحبها أبداً، وكان الشعبيّ يقول: إذا قال: هو لك سکنی حتى تموت، فهو له حیاته وموته، وإذا قال: داري هذه اسكنها حتى تموت، فإنها ترجع إلى صاحبها . وأما قول جابر: فذكر عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: أعمرت امرأة بالمدينة حائطاً لها ابناً لها، ثم تُؤُفِّي، وترك ولداً، وتوفيت بعده، وتركت ولدين أخوين سوى الْمُعْمَر، أظنه قال: فقال ولد المعمِرة: يرجع الحائط إلينا، وقال ولد المعمَر: بل كان لأبينا حياته وموته، فاختصموا إلى طارق مولى عثمان، فدخل جابر، فشَهِد على رسول الله وَله بالعمرى لصاحبها، فقضى بذلك طارق، ثم كتب إلى عبد الملك، فأخبره بذلك، وأخبره بشهادة جابر، فقال عبد الملك: صدق جابر، وأمضى ذلك طارق، وقال: ذلك الحائط لبني المعمَر حتى اليوم. وروى يعلى بن عبيد وغيره، عن الثوريّ، عن أبي الزبير، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: لا تحل العمرى، ولا الرقبى، فمن أُعمِر شيئاً فهو له، ومن أُرقِب شيئاً فهو له. وهو قول طاوس، ومجاهد، وسليمان بن يسار، وبه كان يقضي شُريح. وقال من ذهب إلى هذا القول: إنه لا يصح لأحد أن يَدَّعِيَ العمل في هذه المسألة بالمدينة؛ لأن الخلاف في المدينة فيها قديماً وحديثاً أشهر من أن يُحتاج إلى ذكره. واحتجوا أيضاً بما حدّثناه عبد الرحمن بن يحيى، ثم ساق بسنده إلى أبي هريرة ﴿لله، عن النبيّ وَلو قال: ((العمرى جائزة لأهلها، أو ميراث لأهلها))، وروى حماد بن سلمة، عن عبد الله بن محمد بن عَقِيل، عن محمد ابن الحنفية، عن معاوية بن أبي سفيان، عن النبيّ وَ ل * قال: ((العمرى جائزة لأهلها))، ثم بسنده أيضاً إلى جابر بن عبد الله ضًا، أن النبيّ وَّ قال: ((العمرى ميراث لأهلها))، وساق أيضاً بسنده إلى جابر به أن المهاجرين لمّا قدِموا على الأنصار، جَعَل الأنصار يُعمرونهم دورهم حياتهم، فبلغ ذلك رسول الله وَله، فقال للأنصار: ((أمسكوا عليكم أموالكم، لا تُعمروها، فإنه من أَعمر شيئاً فهو له ولورثته إذا مات)).