Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
(٣) - بَابٌ ((آخِرُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ آيَةُ الْكَلَالَةِ) - حديث رقم (٤١٤٥)
وأخرج الطبريّ عن ابن عبّاس ◌ِهًا أيضاً: أن آخر آية نزلت على
النبيّ وَّهِ: ﴿وَأَنَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ﴾ الآية.
وأخرج النسائيّ عن ابن عبّاس أيضاً: أن آخر سورة نزلت هي: ﴿إِذَا
جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ )) ... إلخ.
وأخرج الحاكم في ((مستدركه) عن أبي بن كعب ظُه قال: ((آخر آية
نزلت: ﴿فَتَنْ كَانَ يَرَّحُواْ لِقَّهُ رَيِّهِ﴾ إلى آخر السورة [الكهف: ١١٠]).
وأخرج الطبريّ عن معاوية بن أبي سفيان ﴿ها أنه تلا هذه الآية:
كَانَ يَرْجُواْ لِقََّ رَبِّهِ﴾ الآية، وقال: إنها آخر آية نزلت من القرآن.
وأخرج ابن مردويه من طريق مجاهد، عن أم سلمة ﴿ّا قالت: آخر آية
نزلت هذه الآية: ﴿فَأَسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَمِلٍ﴾ إلى آخرها [آل
عمران: ١٩٥].
قال بعضهم (١): فأما الروايتان الأخيرتان، فالظاهر أن المراد بهما أن
هاتين الآيتين لم ينسخهما شيء، وقد ثبت أن بعض الصحابة ﴿ كانوا يُطلقون
مثل هذا الكلام في الآيات المحكمة التي لم يُنسخ حكمها، فقد أخرج
البخاريّ وغيره عن ابن عبّاس ◌ُّ قال: ((نزلت هذه الآية: ﴿وَمَن يَقْتُلْ
مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ الآية [النساء: ٩٣] هي آخر ما نزل، وما
نسخها شيء)).
وأرادت أم سلمة ﴿يّا في الرواية الأخيرة أنها قالت للنبيّ وَّ: يا
رسول الله أرى الله يذكر الرجال، ولا يذكر النساء، فنزلت: ﴿وَلَا تَثَمَنَّوْاْ مَا
فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ، بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢]، ونزلت: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ
وَاَلْمُسْلِمَتِ ﴾ الآية، [الأحزاب: ٣٥] ونزلت هذه الآية - تعني ﴿فَأَسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ
أَنِى لَّ أُضِيعُ عَمَلَ عَمِلٍ مِّنْكُم مِّنِ ذَكَرٍ أَوْ أَنْثَى﴾ [آل عمران: ١٩٥] - فهي آخر الثلاثة
نزولاً، وآخر ما نزل بعد ما كان ينزل في الرجال خاصّة.
وأما الروايتان الأوليان فلا تعارض بينهما؛ لأن آية الربا، وقوله تعالى:
﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٨١] متّصلتان متلاحقتان،
(١) راجع: ((تكملة فتح الملهم)) ٤١/٢ - ٤٢.

٢٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفرائض
والظاهر أنهما نزلا معاً، فيصدُق على كلّ واحد منهما أنه آخر ما نزل.
فبقي التعارض بين آية الربا، وآية الكلالة، و﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ
رَسُوكُ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]، و((سورة النصر))، فيجاب بما أجاب
به البيهقيّ كَّهُ، وهو أن كلّ واحد أجاب بما عنده؛ أي: بما ظَنّ أنه
الآخِرِ، والله تعالى أعلم.
وقال السيوطيّ تَخْذَلُهُ في ((الإتقان)) بعد ذكر الروايات ما نصّه: ولا منافاة
عندي بين هذه الروايات في آية الربا: ﴿وَأَنَّقُواْ يَوْمًا﴾، وآية الدَّين؛ لأن الظاهر
أنها نزلت دفعةً واحدةً، كترتيبها في المصحف، ولأنها في قصّة واحدة، فأخبر
كلٌّ عن بعض ما نزل بأنه آخر ذلك، وذلك صحيح، وقول البراء: آخر ما نزل:
﴿يَسْتَقْتُونَكَ﴾ أي: في شأن الفرائض. وقال ابن حجر في ((شرح البخاريّ)):
طريق الجمع بين القولين في آية الربا: ﴿وَأَثَّقُواْ يَوْمًا﴾ أن هذه الآية هي ختام
الآيات المنزلة في الربا؛ إذ هي معطوفة عليهنّ، ويُجْمَع بين ذلك وبين قول
البراء بأن الآيتين نزلتا جميعاً فيصدق أن كُلّ منهما آخِرٍ بالنسبة لما عداهما.
ويَحْتَمِل أن تكون الآخِرية في آية النساء مقيدة بما يتعلق بالمواريث،
بخلاف آية البقرة.
ويَحْتَمِل عكسه، والأول أرجح؛ لِمَا في آية البقرة من الإشارة إلى معنى
الوفاة المستلزمة لخاتمة النزول.
قال: وقال البيهقيّ: يُجمَع بين هذه الاختلافات إن صحّت بأن كلّ واحد
أجاب بما عنده، وقال القاضي أبو بكر في ((الانتصار)): هذه الأقوال ليس فيها
شيء مرفوع إلى النبيّ وََّ، وكلٌّ قاله بضرب من الاجتهاد وغلبة الظنّ،
ويَحْتَمل أن كلّاً منهم أخبر عن آخِر ما سمعه من النبيّ وَّ في اليوم الذي مات
فيه، أو قبل مرضه بقليل، وغيره سمع منه بعد ذلك، وإن لم يسمعه هو،
ويَحْتَمِل أيضاً أن تنزل هذه الآية التي هي آخر آية تلاها الرسول وَّه مع آيات
نزلت معها، فيأمر برسم ما نزل معها بعد رسم تلك، فيُظنّ أنه آخِر ما نزل في
الترتيب، انتهى كلام السيوطيّ كَّتُهُ في الإتقان))(١).
(١) ((الإتقان في علوم القرآن)) ٢٩/١.

٢٢٣
(٣) - بَابٌ ((آخِرُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ آيَةُ الْكَلَالَةِ)) - حديث رقم (٤١٤٦ - ٤١٤٧)
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أقرب الأقوال وأولاها في الجمع ما قاله
البيهقيّ، والقاضي أبو بكر - رحمهما الله تعالى - وهو أن كل واحد من هؤلاء
المختلفين ذكر ما ظنّ أنه آخِر، فلا تعارض بين الروايات، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذِفُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٤٦] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ
يَقُولُ: آخِرُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ آيَةُ الْكَلَالَةِ، وَآخِرُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ بَرَاءَةُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو محمد المعروف ببندار، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [١٠]
(ت٢٥٢) (ع) تقدّم في ((المقدّمة)) ٢/٢.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ،
صحيح الكتاب [٩] (ت١٩٣) (ع) تقدّم في ((المقدّمة)) ٢/٢.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٤٧] ( .. ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عِيسَى -
وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، أَنَّ آخِرَ سُورَةٍ
أَنْزِلَتْ تَامَّةً ((سُورَةُ التَّوْبَةِ))، وَأَنَّ آخِرَ آيَةٍ أُنْزِلَتْ آيَةُ الْكَلَالَةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) هو ابن راهويه، تقدّم في الباب
الماضي.
٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، ثقة مأمون [٨]
(ت١٨٧) وقيل: سنة (١٩١) (ع) تقدّم في ((المقدّمة)) ٢٨/٥.
٣ - (زَكَرِيَّاءُ) بن أبي زائدة خالد، أو هُبيرة بن ميمون بن فيروز الهمدانيّ

٢٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفرائض
الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ، يدلّس [٦] (ت٧ أو ٨ أو ١٤٩) (ع) تقدّم في
((الإيمان)) ٤٤٩/٨٣.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (أَنَّ آخِرَ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ تَامَّةً ((سُورَةُ التَّوْبَةِ))) هذا يعارض ما سبق
عن ابن عبّاس ﴿هَا أن آخر سورة نزلت: هي ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ إلى
آخرها، ويجاب بما سبق عن البيهقيّ تَّثُ من أن كلّ واحد منهما أخبر بما
غلب على ظنّه أنه الآخِرِ.
وقد عارض الطحاويّ كَّتُهُ في ((مشكل الآثار)) قول البراء هذا بما عُرف
أن النبيّ وَّهِ بَعَثَ عليّاً بـ((سورة التوبة)) في الحَجَّة التي حَجَّها أبو بكر
ـنه
e
لله،
بالناس قبل حجة الوداع، فقرأها على الناس حتى ختمها، وقد نزلت بعد ذلك
سور وآيات، ومنها ما في ((المائدة)): ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية، فإنها
نزلت في حجة الوداع، وقد ثبت عن عائشة هنا أن ((المائدة)) آخر السور
نزولاً، ثم ظاهر قول البراء ظله يدلّ على أن ((سورة التوبة)) نزلت دفعةً واحدةً،
مع أن المحققين على خلافه، فإن بعض آياتها نزلت مقطّعةً.
ويُجاب أيضاً بكون البراء ظُبه أخبر بما غلب على ظنّه، فلا يعارض ما
أثبته غيره، أو بكونه لم يعلم نزول بعض الآيات مقطّعةً(١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفى قبل حديث، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٤٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى - يَعْنِي ابْنَ آدَمَ - حَدَّثَنَا
عَمَّارٌ - وَهُوَ ابْنُ رُزَيْقٍ - عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: آخِرُ
سُورَةٍ أُنْزِلَتْ كَامِلَةٌ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل باب.
(١) راجع: ((تكملة فتح الملهم)) ٢/ ٤٢.
ء

٢٢٥
(٣) - بَابٌ ((آخِرُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ آيَةُ الْكَلَالَةِ» - حديث رقم (٤١٤٩)
٢ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان الأمويّ مولاهم، أبو زكرياء الكوفيّ، ثقةٌ
حافظٌ فاضلٌ، من كبار [٩] (ت٢٠٣) (ع) تقدّم في ((المقدّمة)) ٢٤/٤.
٣ - (عَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ) - بتقديم الراء، مصغّراً - الضبيّ، أو التميميّ، أبو
الأحوص الكوفيّ، ثقةٌ [٨](١) (ت١٥٩) (م دس ق) تقدّم في ((الإيمان)) ٣٤٨/٦٣.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية عمّار بن رُزيق، عن أبي إسحاق هذه لم أر من ساقها
بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٤٩] (.) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا
مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، عَنْ أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: آخِرُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ(٢):
﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ) محمد بن عبد الله بن الزبير بن عُمَر الأسديّ
الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢٠٣) (ع) تقدّم في ((الإيمان) ٣١٤/٥٠.
٢ - (مَالِكُ بْنُ مِغْوَل)(٣) أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧]
(ت١٥٩) (ع) تقدّم في ((الإيمان) ١٤٦/١٠.
٣ - (أَبُو السَّفَرِ) - بفتح المهملة، والفاء(٤) - سعيد بن يُحْمِد - بضمّ الياء
التحتانيّة، وكسر الميم ــ وحكى الترمذيّ أنه قيل فيه: أحمد الهَمْدانيّ الثوريّ
الكوفيّ، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن ابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو بن العاص، والبراء بن
(١) هكذا في ((التقريب)) من الثامنة، لكن الذي يظهر من مراجعة ترجمته في ((التهذيب))
أنه من السابعة، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
(٢) وفي نسخة: ((نَزَلَتْ)).
(٣) بكسر الميم، وإسكان الغين المعجمة، وفتح الواو.
(٤) قال النوويّ تغلفهُ: أبو السفر بفتح الفاء على المشهور، وقيل: بإسكانها، حكاه
القاضي عن أكثر شيوخهم. انتهى.

٢٢٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفرائض
عازب، ومعاوية بن سُويد بن مُقَرِّن، وعلي بن ربيعة، والحارث الأعور،
وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه عبد الله بن أبي السَّفَر، وإسماعيل بن أبي خالد،
ومُطَرِّف بن طَرِيف، ويونس بن أبي إسحاق، والأعمش، وشعبة، ومالك بن
مغول، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صدوقٌ، وذكره ابن حبان في
((الثقات))، وقال: اسم أبيه عَمْرو، ويقال: يَحْمِد.
ويُحْمِد ذكر الدارقطنيّ أنه بضم الياء، وأصحاب الحديث يقولونه بفتح
الياء.
وذكر أبو عليّ الجيّانيّ أن كل ما في حِمْيَر من هذه الأسماء مثل يُحْمِد،
ويُعْفِر، فهو بالضم، وما في الأزد، وبقية العرب، فهو بالفتح، وقال يعقوب بن
سفيان: هو وابنه عبد الله ثقتان، وقال ابن عبد البرّ: أجمعوا على أنه ثقة فيما
رَوَى وحَمَلَ، وقال الترمذيّ: سعيد بن يُحمد، ويقال: أحمد، ولا أعرف له
سماعاً من أبي الدرداء. انتهى.
قال الحافظ: وما أظنه أدركه، فإن أبا الدرداء قديم الموت.
انتھی(١).
قيل: مات سنة اثنتي عشرة ومائة، أو (١٣).
أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
والباقيان ذُكرا في الباب، و((عمرو الناقد)) هو: ابن محمد بن بُكير.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١) ((تهذيب التهذيب)) ٤٩/٢.

٢٢٧
(٤) - بَابٌ: ((مَنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ)) - حديث رقم (٤١٥٠)
(٤) - (بَابٌ: ((مَنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ))
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٥٠] (١٦١٩) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ
الأُمَوِيُّ، عَنْ يُونُسَ الأَيْلِيِّ (ح) وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَخْيَى - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَ:
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْمَيِّتِ، عَلَيْهِ
الدَّيْنُ، فَيَسْأَلُ: ((هَلْ تَرََكَ لِدَيْنِهِ مِنْ قَضَاءٍ؟))، فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ وَفَاءَ صَلَّى عَلَيْهِ،
وَإِلَّا قَالَ: ((صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ))، فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ قَالَ: ((أَنَا أَوْلَى
بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالاً، فَهُوَ
لِوَرَثَتِهِ)).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو صَفْوَانَ الأُمَوِيُّ) هو: عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن
مروان الدمشقيّ، نزيل مكة، ثقةٌ [٩] مات على رأس المائة (خ م د ت س)
تقدّم في (الحج)) ٣٣٦٧/٨٨.
٣ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى) التجيبيّ المصريّ، تقدّم قريباً.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) بن مسلم المصريّ الحافظ، تقدّم أيضاً قريباً.
٥ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٦ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٧ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف، تقدّم قريباً.
٨ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ظُبه، تقدّم أيضاً قريباً.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أن نصفه الأول - أعني بعد التحويل - مسلسل بالمصريين، والثاني
مسلسل بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ظه أحفظ من

٢٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفرائض
روى الحديث في دهره، وفيه أبو سلمة بن عبد الرحمن أحد الفقهاء السبعة
على بعض الأقوال، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) تَظُبه، هكذا
رواه يونس، وتابعه عُقيل وابن أخي ابن شهاب، وابن أبي ذئب كما أخرجه
المصنّف في الباب، وخالفهم معمر، فرواه عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن
جابر ظنه، أخرجه أبو داود، والترمذيّ، أفاده في ((الفتح))(١).
(أَنَّ رَسُولَ الهِ وَهَ كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْمَيِّتِ) وللبخاريّ: ((بالرجل
الْمُتَوَفَّى))، وقوله: (عَلَيْهِ الدَّيْنُ) جملة في محلّ نصب على الحال من ((الرجل))
(فَيَسْأَلُ) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير النبيّ وَّهِ (هَلْ تَرََّكُ لِدَيْنِهِ مِنْ قَضَاءٍ؟)
((من)) زائدة؛ أي: قضاءً؛ أي: ما يُقضَى به دينه، هكذا وقع عند المصنّف،
وأصحاب ((السنن))، ووقع عند البخاريّ بلفظ: ((هل ترك لدينه فَضْلاً))؛ أي:
قدراً زائداً على مؤنة تجهيزه، و((قضاءً)) أولى، بدليل قوله: ((فإن حُدِّث أنه ترك
وفاءً))، (فَإِنْ حُدِّثَ) بالبناء للمفعول؛ أي: أُخبر النبيّ ◌َِّ (أَنَّهُ)؛ أي: الرجل
الميتَ (تَرَّكَ وَفَاءً)؛ أي: ما يفي بدَينه، ويقضي ما عليه (صَلَّى عَلَيْهِ، وَإِلَّا قَالَ:
((صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ))) إنما كان يترك الصلاة عليه؛ ليُحرّض الناس على قضاء
الدَّين في حياتهم، والتوصّل إلى البراءة منها؛ لئلا تفوتهم صلاة النبيّ وَلقوله
فلَمّا فتح الله عليه عاد يصلي عليهم، ويقضي دَين من لم يُخلف وفاءً. قاله
النوويّ كَذَتُهُ(٢) .
وقال القرطبيّ ◌َّتُهُ: وامتناعه وَّه من الصلاة على من مات وعليه دين،
ولم يترك وفاءً، إشعار بصعوبة أمر الدَّين، وأنه لا ينبغي أن يتحمَّله الإنسان إلا
من ضرورة، وأنَّه إذا أخذه فلا ينبغي أن يتراخى في أدائه إذا تمكّن منه، وذلك
لِمَا قدّمناه من أن الدَّين شَيْنٌ، الدَّين همٍّ بالليل ومذلةٌ بالنهار، وإخافة للنفوس،
(١) ((الفتح)) ٨٣/٦، كتاب ((الكفالة)) رقم (٢٢٩٨).
(٢) ((شرح النوويّ)) ٦٠/١١.

٢٢٩
(٤) - بَابٌ: ((مَنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ)) - حديث رقم (٤١٥٠)
بل وإرقاقٌ لها، وكان هذا من النبيّ وَّهِ؛ ليرتدعَ من يتساهلُ في أخذ الدَّين
حتى لا تتشوش أوقاتهم عند المطالبة، وكان هذا كله في أول الإسلام، وقد
حُكِي أن الْحُرَّ كان يُباع في الدَّين في ذلك الوقت، كما قد رواه البزار من
حديث رجل من أصحاب النبيّ وَّ﴿ يُقال له: سُرَّق، ثم نُسِخَ ذلك كله بقوله
تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَوْ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وقيل: إن
النبيّ ◌َ ﴿ إنَّما كان يمتنع من الصلاة على من اذَّان ديناً غير جائز أو في سعة،
والأول أظهر؛ لقول الرَّاوي في الحديث: فلما فَتَحَ الله عليه الفتوح قال: ((أنا
أولى بالمؤمنين من أنفسهم، مَنْ توفي وعليه دَيْنٌ فعلي قضاؤه، ومن ترك مالاً
فلورثته))، فهذا يعمُّ الدُّيون كلَّها، ولو افترق الحال لتعيَّن التنويع، أو السؤال.
ويَحْتَمِل أن يكون النبيّ وَّ تبرَّع بالتزام ذلك على مقتضى كرم أخلاقه؛
لا أنه أمرٌ واجبٌ علیه.
وقال بعض أهل العلم: بل يجب على الإمام أن يقضي من بيت المال
كل الفقراء، اقتداء بالنبيّ بَِّ، فإنَّه قد صرَّح بوجوب ذلك عليه، حيث قال:
((فعليَّ قضاؤه))، ولأن الميِّت الذي عليه الدَّين يُخاف أن يعذّب في قبره على
ذلك الدَّين، كما قد صحَّ عن النبيّ وَِّ حيث دُعِي ليصلي على ميِّت، فأُخبر أن
عليه دَيناً، ولم يترك وفاءً، فقال: ((صَلُّوا على صاحبكم))، فقال أبو قتادة: صلِّ
عليه يا رسول الله! وعليّ دَينه، فصلَّى عليه، ثم قال له: ((قم فأدِّهِ عنه))، فلمَّا
أدَّى عنه قال وَّه: ((الآن حين بَرَّدتَ عليه جلدته))، وكما كان على الإمام أن
يسدَّ رَمَقَهُ، ويراعي مصلحته الدنيوية كان أحرى وأولى أن يسعى فيما يرفع عنه
به العذاب الأخروي. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): قال العلماء: كأن الذي فعله وَله من ترك الصلاة على
من عليه دَين؛ لِيُحَرِّض الناس على قضاء الديون في حياتهم، والتوصل إلى
البراءة منها؛ لئلا تفوتهم صلاة النبيّ وَ﴿، وهل كانت صلاته على من عليه دَيْن
مُحَرَّمةً عليه، أو جائزة؟ وجهان، قال النوويّ: الصواب الجزم بجوازه مع
وجود الضامن، كما في حديث مسلم، وحَكَى القرطبيّ أنه ربما كان يمتنع من
(١) ((المفهم)) ٤ / ٥٧٤ - ٥٧٥.

٢٣٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفرائض
الصلاة على من استدان ديناً غير جائز، وأما من استدان لأمر هو جائز، فما
كان يمتنع، وفيه نظر؛ لأن في حديث الباب ما يدلّ على التعميم، حيث قال:
((من تُوُفّي وعليه دين ... ))، ولو كان الحال مختلفاً لبيّنه، نَعَمْ جاء من حديث
ابن عباس ﴿ه: ((أن النبيّ وَّ لَمّا امتَنَعَ من الصلاة على من عليه دَين جاءه
جبريل، فقال: إنما الظالم في الديون التي حُمِلت في البغي والإسراف، فأما
المتعفف ذو العيال، فأنا ضامن له، أُؤدِّي عنه، فصلى عليه النبيّ بَّه، وقال
بعد ذلك: مَن تَرَك ضياعاً ... )) الحديث، وهو ضعيف، وقال الحازميّ بعد أن
أخرجه: لا بأس به في المتابعات، وليس فيه أن التفصيل المذكور كان
مستمرّاً، وإنما فيه أنه طرأ بعد ذلك، وأنه السبب في قوله اَلله: ((من ترك ديناً
فعليّ)) .
وفي صلاته وَّر على من عليه دَين بعد أن فتح الله عليه الفتوح إشعارٌ بأنه
كان يقضيه من مال المصالح، وقيل: بل كان يقضيه من خالص نفسه، وهل
كان القضاء واجباً عليه أم لا؟ وجهان.
وقال ابن بطال: قوله: ((مَن تَرَكَ دَيناً فعليَّ)» ناسخ لترك الصلاة على من
فات، وعليه دَين، وقوله: ((فعليَّ قضاؤه))؛ أي: مما يُفيُ الله عليه من الغنائم
والصدقات، قال: وهكذا يلزم المتولي لأمر المسلمين أن يفعله بمن مات وعليه
دَين، فإن لم يفعل فالإثم عليه إن كان حقّ الميت في بيت المال يَفِي بقدر ما
عليه من الدَّين، وإلا فَبِقِسْطه. انتهى(١).
(فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ قَالَ) بَّهِ: ((أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ)
وفي رواية الأعرج، عن أبي هريرة الآتية: ((قال: والذي نفسي بيده إنْ على
الأرض من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به، فأيّكم ما ترك دَيناً، أو ضَيَاعاً، فأنا
مولاه، وأيّكم ترك مالاً فإلى العَصَبة من كان))، وفي رواية همّام، عن أبي
هريرة الآتية أيضاً: ((وقال رسول الله وسلم: أنا أولى الناس بالمؤمنين في
كتاب الله، فأيكم ما ترك دَيناً، أو ضَيْعةً فادعوني، فأنا وليّه، وأيّكم ما ترك
مالاً فليؤثر بماله عَصَبته من كان)).
(١) (الفتح)) ٨٤/٦ - ٨٥، كتاب ((الكفالة)) رقم (٢٢٩٨).

٢٣١
(٤) - بَابٌ: ((مَنْ تَرََكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ)) - حديث رقم (٤١٥٠)
قال النوويّ ◌َّثُ: معنى هذا الحديث أن النبيّ وَل وقال: أنا قائم
بمصالحكم في حياة أحدكم وموته، وأنا وَلِيُّه في الحالين، فإن كان علیه دَین
قضيته من عندي إن لم يَخْلُف وفاء، وإن كان له مال فهو لورثته، لا آخذ منه
شيئاً، وإن خَلَف عيالاً محتاجين ضائعين فليأتوا إليّ فعليَّ نفقتهم ومؤنتهم.
انتھی(١).
(فَمَنْ تُوُنِّيَ) بالبناء للمفعول؛ أي: مات (وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ)؛ أي:
إذا لم يترك وفاءً؛ لِمَا في الرواية السابقة: ((كان يؤتى بالرجل الميّت، عليه
الدَّين، فيسأل هل ترك لدينه من قضاء، فإن حُدِّث أنه ترك وفاء صلى
عليه ... )) الحديث، وفي رواية البخاريّ: ((فمن مات، وعليه دَينٌ، ولم يترك
وفاءً، فعلينا قضاؤه)) .
وقال في ((الفتح)): قوله: ((ولم يترك وفاءً فعلينا قضاؤه)) يَخُصّ ما أُطلق
في رواية عُقيل بلفظ: ((فمن تُوُفِّي من المؤمنين، وترك ديناً، فعليّ قضاؤه))،
وكذا قوله في الرواية الأخرى: ((فإن ترك ديناً، أو ضَيَاعاً فليأتني، فأنا مولاه،
أو وليّه))، فعُرِف أنه مخصوص بمن لم يترك وفاءً، وقوله: ((فليأتني))؛ أي: مَن
يقوم مقامه في السعي في وفاء دَينه، أو المراد صاحب الدَّين، وأما الضمير في
قوله: ((مولاه)) فهو للميت المذكور.
قال: وهل كان قضاء دينه من خصائصه ◌َّ، أو يجب على ولاة الأمر
بعده؟ والراجح الاستمرار، لكن وجوب الوفاء إنما هو من مال المصالح.
ونَقَّلَ ابن بطال وغيره أنه وَّ كان يتبرع بذلك، وعلى هذا لا يجب على
مَنْ بعدَه، وعلى الأول قال ابن بطال: فإن لم يُعْطِ الإمام عنه من بيت المال
لم يُحبَس عن دخول الجنة؛ لأنه يستحقّ القدر الذي عليه في بيت المال ما لم
یکن دینه أكثر من القدر الذي له في بيت المال مثلاً.
قال الحافظ: والذي يظهر أن ذلك يدخل في الْمُقَاصّة، وهو كمنْ له
حقّ، وعليه حقّ، وقد مضى أنهم إذا خلصوا من الصراط حُبِسوا عند قنطرة بين
الجنة والنار، يتقاصّون المظالم حتى إذا هُذِّبُوا ونُقُّوا أُذِن لهم في دخول الجنة،
(١) ((شرح النوويّ)) ٦٠/١١ - ٦١.

٢٣٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفرائض
فيُحْمَل قوله: ((لا يُحبَس))؛ أي: مُعَذَّباً مثلاً، والله أعلم. انتهى (١).
وقال النوويّ كَّلُهُ: قيل: إنه ◌َلو كان يقضيه من مال مصالح المسلمين،
وقيل: من خالص مال نفسه، وقيل: كان هذا القضاء واجباً عليه وَّ، وقيل:
تبرع منه، والخلاف وجهان لأصحابنا وغيرهم، واختَلَف أصحابنا في قضاء
دَين من مات وعليه دين، فقيل: يجب قضاؤه من بيت المال، وقيل: لا يجب.
(٢)
انتھی(٢).
(وَمَنْ تَرَكَ مَالاً، فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ)))؛ أي: فذلك المال يكون لورثته، وفي
الرواية التالية: ((وأيكم ترك مالاً، فإلى العصبة من كان))، وفي لفظ: ((وأيكم
ترك مالاً، فليُؤثر بماله عصبته من كان))، وفي لفظ للبخاريّ: ((فليرثه عصبته من
كانوا))، وفي رواية له: ((فماله لموالي العصبة))؛ أي: أولياء العصبة.
وقال القرطبيّ تَخُّْ: وقوله: ((أنا أولى بكل مؤمن من نفسه))؛ أي: أقرب
له من نفسه، أو أحقّ بالمؤمن به منها، ثم فسَّر وجهه بقوله: ((من ترك مالاً
فلأهله، ومن ترك دَيناً أو ضَياعاً فعليّ وإليّ))، وبيانه: أنه إذا ترك ضياعاً أو
ديناً ولم يقدر على أن يُخلِّص نفسه منه؛ إذ لم يترك شيئاً يسدُّ به ذلك، ثم
خلّصه منه النبيّ ◌َلقول بقيامه به عنه، أو سدّ ضيعته؛ كان أولى به من نفسه؛ إذ
قد فعل معه ما لم يفعل هو بنفسه، والله أعلم.
وأما رواية من رواه: ((أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم)) في غير ((صحيح
مسلم)) فَيَحْتَمِل أن يُحْمَل على ذلك، ويَحْتَمِل أن يكون معناه: أنا أولى
بالمؤمنين من بعضهم لبعض؛ كما قال تعالى: ﴿أَنِ اُقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء:
٦٦]؛ أي: ليقتل بعضكم بعضاً، في أشهر أقوال المفسرين. انتهى(٣).
وقال النوويّ كَّتُهُ: قوله: ((أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم))؛ أي: أحقّ،
قال أصحابنا: لو اضطرّ النبيّ وَّل﴾ إلى طعام غيره، ومالكه مضطرّ إليه لنفسه
كان له وَلّ أخذه من مالكه المضطرّ، ووجب على مالكه بذله له وَّ﴾، قالوا:
ولكن هذا - وإن کان جائزاً ۔ لم يقع. انتهى.
(١) ((الفتح)) ٤٢٩/١٥، كتاب ((الفرائض)) رقم (٦٧٣١).
(٢) ((شرح النوويّ)) ٦٠/١١.
(٣) ((المفهم)) ٥١٠/٢.

٢٣٣
(٤) - بَابٌ: ((مَنْ تَرَكَ مَالاَ فَلِوَرَثَتِهِ) - حديث رقم (٤١٥٠)
وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: وهذا الكلام إنما قاله النبيّ وَ ﴿ ﴿ حين رفع ما كان
قرّره من امتناعه من الصلاة على من مات وعليه دين لم يترك له وفاء؛ كما قاله
أبو هريرة: كان النبيّ وَلم يؤتى بالميت عليه الدين، فيسأل: ((هل ترك لدينه
وفاء؟)) فإن قيل: إنه ترك وفاء؛ صلى عليه، وإن قالوا: لا؛ قال: ((صلوا على
صاحبكم)) قال: فلما فتح الله تعالى عليه الفتوح؛ قال: ((أنا أولى بالمؤمنين من
أنفسهم، من توفي فترك ديناً، فعليّ، ومن ترك مالاً فلورثته)).
وقال القاضي: وهذا مما يلزم الأئمة من الفروض في مال الله تعالى
للذرية وأهل الحاجة، والقيام بهم وقضاء ديون محتاجيهم. انتهى(١).
وقال الحافظ ابن كثير كَّتُهُ عند تفسير قوله تعالى: ﴿الَّبِىُّ أَوْلَى بِلْمُؤْمِينَ
مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٦] ما نصّه: قد عَلِمَ الله تعالى شفقة رسوله والحلول
على أمته، ونصحَه لهم، فجعله أولى بهم من أنفسهم، وحكمه فيهم مُقَدّماً على
اختيارهم لأنفسهم، كما قال تعالى: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا
شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا
٦٥
[النساء: ٦٥]. وفي ((الصحيحين)): ((والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى
أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين))، وفي ((صحيح
البخاريّ)): أن عمر ظُبه، قال: يا رسول الله، والله لأنت أحب إلي من كل
شيء إلا من نفسي، فقال: ((لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك)).
فقال: يا رسول الله لأنت أحب إليّ من كل شيء حتى من نفسي، فقال: ((الآن
يا عمر))، ولهذا قال تعالى في هذه الآية: ﴿التَِّىُّ أَوَلَى ◌ِلْمُؤْمِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾
انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة تظ له هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٤١٥٠ و٤١٥١ و٤١٥٢ و٤١٥٣ و٤١٥٤
(١) ((المفهم)) ٥١٠/٢.
(٢) ((تفسير ابن كثير)) ٣٧٩/٦ - ٣٨٠.

٢٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفرائض
و٤١٥٥] (١٦١٩)، و(البخاريّ) في ((صحيحه)) (٢٢٩٨ و٢٣٩٨ و٥٣٧١
و٦٧٣١ و٦٧٦٣)، و(أبو داود) في ((سننه)) (٢٩٥٥)، و(الترمذيّ) في ((سننه))
(١٠٧٠ و٢٠٩٠)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (٦٦/٤) و((الكبرى)) (٦٣٧/١
و٩٠/٤)، و(ابن ماجه) في ((سننه)) (٢٤١٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٨٧/٢
و٢٩٠)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٤٤٣/٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(١٩٢/١١)، و(الطبرانيّ) في ((مسند الشاميين)) (١٨٣/٣)، و(البيهقيّ) في
(الكبرى)) (٥٣/٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ثبوت التوارث بين المسلمين، وأن مال الميت يكون
لورثته الموجودين عند موته.
٢ - (ومنها): بيان شدّة أمر الدَّين حيث إنه يكون سبباً لعدم صلاة
النبيّ وَّل على من عليه دين.
٣ - (ومنها): بيان شدّة اهتمامه وَّر بأمر أمته، ومتابعته لأحوالهم أحياءً
وأمواتاً؛ ليسدّ حاجاتهم، ويقوم بأداء ما يجب عليهم من ديون الناس، وهو
مصداق قوله رَّ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزُ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ
حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (٣)
[التوبة: ١٢٨].
٤ - (ومنها): بيان كون النبيّ وَّ أولى بكلّ مؤمن من نفسه، فكان يقوم لأمته
بما لا يستطيعون القيام به، من قضاء الديون التي عجزوا عنها، وكفالة عيالهم بعد
موتهم، وأنه يجب على كلّ مؤمن أن يقدّمه وَّ على نفسه، فلا يخرج عن سُنّته، وإن
لم يوافق هواه، ولا يجوز أن يبتدع في شريعته ما لم يأذن به الله تَعَالَ، ولا أتى به وَله.
وقال الحافظ وليّ الدين ◌َّتُهُ: يترتب على كونه و08َّ أولى بهم من
أنفسهم أنه يجب عليهم إيثار طاعته على شهوات أنفسهم، وإن شَقّ ذلك
عليهم، وأن يحبوه أكثر من محبتهم لأنفسهم، ومن هنا قال النبيّ وَلات: ((لا
يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين))، وفي
رواية أخرى: ((من أهله، وماله، والناس أجمعين))، وهو في ((الصحيحين)) عن
أنس ظُبه، ولمّا قال عمر ◌َّبه: ((لأنت أحبّ إليّ من كل شيء إلا نفسي، قال
له: والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال له عمر: فإنه

٢٣٥
(٤) - بَابٌ: ((مَنْ تَرََكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ) - حديث رقم (٤١٥٠)
الآن والله لأنت أحب إليّ من نفسي، فقال له النبيّ وَّ: الآن يا عمر))، رواه
البخاريّ في ((صحيحه))، قال الخطابيّ: لم يُرِدْ به حُبّ الطبع، بل أراد به حبّ
الاختيار؛ لأن حب الإنسان نفسه طبع، ولا سبيل إلى قلبه، قال: فمعناه: لا
تَصْدُق في حبي حتى تُفْنِيَ في طاعتي نفسَكَ، وتؤثر رضاي على هواك، وإن
(١) .
.
کان فيه هلاكك. انتھی
٥ - (ومنها): ما قال وليّ الدين كَخَّلهُ: فيه قيام النبيّ وَلو بالعيال الذين لا
مال لهم، وهذا واجب عليه، وعلى الأئمة بعده، من مال المصالح، قال
الخطابيّ: كان الشافعيّ يقول: ينبغي للإمام أن يُحصي جميع ما في البلدان،
من المقاتِلة، وهم مَن قد احتَلَم، أو استكمل خمس عشرة من الرجال،
ويُحصي الذرّية، وهم من دون المحتلِم، ودون البالغ، والنساء صغيرتهن
وكبيرتهن، ويعرف قدر نفقاتهم، وما يحتاجون إليه من مؤناتهم بقدر معاش
مثلهم في بلدانهم، ثم يعطي المقاتلة في كل عام عطاءهم، والعطاء الواجب
من الفيء لا يكون إلا لبالغ يطيق مثله الجهاد، ثم يعطي الذرية والنساء ما
یکفیھم لسنتهم في کسوتهم ونفقتهم.
قال: ولم يختلف أحد لقيناه في أن ليس للمماليك في العطاء حقّ، ولا
للأعراب الذين هم أهل الصدقة.
قال: وإن فضل من المال شيء بعدما وَصَفتُ وضَعه الإمام في إصلاح
الحصون، والازدياد في الكُرَاعِ، وكلِّ ما يتقوى به المسلمون، فإن استغنى
المسلمون، وكملت كلُّ مصلحة لهم فَرَّقَ ما يبقى منه بينهم كله على قدر ما
يستحقونه في ذلك المال.
قال: ويعطي من الفيء رزق الحكام، وولاة الأحداث، والصلاة بأهل
الفيء، وكلّ من قام بأمر الفيء، من وال، وكاتب، وجنديّ، ممن لا غنى
لأهل الفيء عنه، رُزِق مثله. انتھی.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ١٩٥/٦ - ١٩٦.

٢٣٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفرائض
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٥١] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي،
عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا
ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثَ).
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ) الفهميّ مولاهم، أبو عبد الله
المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت٢٤٨) (م د س) تقدّم في «الإيمان)) ٢١١/٢٦.
٢ - (أَبُوهُ) شعيب بن الليث بن سعد الفهميّ مولاهم، أبو عبد الملك
المصريّ، ثقةٌ نبيلٌ فقيه، من كبار [١٠] (ت١٩٩) (م د س) تقدّم في ((الإيمان))
٢١١/٢٦.
٣ - (جَدُّهُ) الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ، أبو الحارث المصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ فقيه إمام مشهور [٧] (ت١٧٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤١٢.
٤ - (عُقَيْلُ) بن خالد الأمويّ مولاهم، أبو خالد الأيليّ، سكن المدينة،
ثم الشام، ثمّ مصر [٦] (ت١٤٤) (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ١٣٣/٨.
٥ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف
الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت٢٠٨)
(ع) تقدّم في ((الإيمان)) ١٤١/٩.
٦ - (ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن عبد الله بن مسلم الزهريّ المدنيّ،
صدوق له أوهامٌ [٦] (ت١٥٢) أو بعدها (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ٣٥٢/٦٣.
٧ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نمير الهمدانيّ، أبو عبد الرحمن
الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٨ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ حافظ
سنّيّ، من كبار [٩] (ت١٩٩) (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٩ - (ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن
أبي ذئب القرشيّ العامريّ، أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [٧] (ت ٨
أو ١٥٩) (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ٦/ ٩٣.

٢٣٧
(٤) - بَابٌ: ((مَنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ) - حديث رقم (٤١٥٢)
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية الليث، عن عُقيل عن الزهريّ، ساقها البخاريّ تَكْثُ في
((صحيحه)، فقال:
(٢١٧٦) - حدّثنا يحيى بن بكير، حدّثنا الليث، عن عُقيل، عن ابن
شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ظ به: أن رسول الله صل * كان يؤتى
بالرجل المتوقَّى عليه الدَّين، فيسأل: ((هل ترك لدينه فضلاً؟))، فإن حُدِّث أنه
ترك لدينه وفاءً صَلَّى، وإلا قال للمسلمين: ((صلوا على صاحبكم))، فلما فتح الله
عليه الفتوح قال: ((أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن تُؤُنِّي من المؤمنين،
فترك ديناً فعليَّ قضاؤه، ومن ترك مالاً فلورثته)). انتهى.
وأما رواية ابن أبي ذئب، فساقها الإمام أحمد بن حنبل في ((مسنده)) (٢/
٢٩٠) فقال:
(٧٨٨٦) - حدثنا يزيد(١)، أنا ابن أبي ذئب، عن الزهريّ، عن أبي
سلمة، عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله وَل﴿ إذا شَهِد جنازةً سأل: ((هل
على صاحبكم دين؟))، فإن قالوا: نعم، قال: ((هل له وفاءً؟))، فإن قالوا: نعم،
صلى عليه، وإن قالوا: لا، قال: ((صلوا على صاحبكم))، فلما فتح الله
عليه الفتوح قال: ((أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن ترك ديناً فعليَّ، ومن
ترك مالاً فلورثته)). انتهى.
وأما رواية ابن أخي الزهريّ، عن الزهريّ، فلم أجد من ساقها، فليُنظر،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٥٢] ( ... ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي
وَرْقَاءُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ قَالَ: ((وَالَّذِي
نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنْ عَلَى الأَرْضِ مِنْ مُؤْمِنٍ، إِلَّا أَنَا (٢) أَوْلَى النَّاسِ بِهِ، فَأَيُّكُمْ مَا
تَرََكَ دَيْناً، أَوْ ضَيَاعاً، فَأَنَا مَوْلَاهُ، وَأَيُّكُمْ تَرَكَ مَالاً، فَإِلَى الْعَصَبَةِ مَنْ كَانَ))).
(١) هو: ابن هارون.
(٢) وفي نسخة: ((إلا وأنا)).

٢٣٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفرائض
رجال هذا الإسناد: ستة :
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) تقدّم قبل باب.
٢ - (شَبَابَةُ) بن سَوَّر، تقدّم أيضاً قبل باب.
٣ - (وَرْقَاءُ) بن عُمر اليشكريّ، أبو بشر الكوفيّ، نزيل المدائن،
صدوقٌ، في حديثه عن منصور لينٌ [٧] (ع) تقدّم في ((الصلاة)) ٣١/ ٩٩٩.
٤ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن
المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت١٣٠) أو بعدها (ع) تقدّم في ((المقدمة) ٣٠/٥.
٥ - (الأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرمُز القرشيّ مولاهم، أبو داود المدنيّ،
ثقة فقيهٌ [٣] (ت١١٧) (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ١٩٢/٢٣.
و «أبو هريرة څبه)) ذُكر قبله.
شرح الحديث:
قوله: (إِنْ عَلَى الأَرْضِ) ((إن)) - بكسر الهمزة، وسكون النون -: نافية؛
أي: ليس على الأرض.
وقوله: (مِنْ مُؤْمِنٍ) ((من)) زائدة بعد النفي، كما قال في ((الخلاصة)):
وَزِيدَ فِي نَفْي وَشِبْهِهِ فَجَرْ نَكِرَةً كَمَا لِبَاغِ مِنْ مَفَرْ
وقوله: (إِلَّا أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِهِ) وفي بعض النسخ: ((وأنا أولى الناس به))
بالواو.
وقوله: (فَأَيُّكُمْ مَا تَرَلَكَ) ((ما)) زائدة لتأكيد التعميم.
وقوله: (أَوْ ضَيَاعاً) - بفتح الضاد المعجمة، وتخفيف التحتانيّة -: المراد
بهم العيال المحتاجون الضائعون، قال الخطّبيّ ◌َُّهُ: الضَّيَاعِ، والضَّيْعَة هنا:
وصف لورثة الميت بالمصدر؛ أي: ترك أولاداً، أو عيالاً ذوي ضَيَاع؛ أي: لا
شيء لهم، والضَّيَاع في الأصل مصدر من ضاع، ثم جُعِل اسماً لكل ما يُعَرَّض
للضَّيَاعِ. انتهى(١) .
وقال القرطبيّ تَخْلَثُ: قوله: ((ضياعاً)) بفتح الضاد لا غير، وهو ما يحتاج
(١) راجع: ((شرح النوويّ)) ١١/ ٦١.

٢٣٩
(٤) - بَابٌ: ((مَنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَفَتِهِ) - حديث رقم (٤١٥٢)
للإصلاح، والضَّيَاعِ في الأصل: مصدر ضاع، ثم جُعِل اسماً لكل ما هو بصدد
أن يضيع من عيال، وبنين لا كافل لهم، ومالٍ لا قيِّم له، وسمِّيت الأرض
ضَيعة؛ لأنها مُعَرَّضةٌ للضياع، وتُجمع على: ضِياعٍ - بكسر الضاد -. انتهى(١).
وقال الفيّوميّ تَخَُّهُ: ضَاعَ الشيء يَضِيعُ ضُّيْعَةً، وضَيَاعاً بالفتح، فهو
ضَائِع، والجمع: ضُيَّعٌ، وضِيَاعٌ، مثل رُوَّع، وجِياع، ويتعدى بالهمزة،
والتضعيف، فيقال: أَضَاعَهُ، وضَيَّعَهُ، والضَّيْعَةُ: العَقَار، والجمع: ضِيَاعٌ، مثل
كَلبَة وكِلَاب، وقد يقال: ضِيَعٌ، كأنه مقصور منه، وأَضَاعَ الرجلُ بالألف:
كَثُرت ضِيَاعُهُ، والضَّيْعَةُ: الحرفة والصناعة، ومنه: كُلُّ رَجُلٍ وَضَيْعَتُهُ،
والمَضِيعَةُ: بمعنى الضَّيَاعِ، ويجوز فيها كسر الضاد، وسكون الياء، مثل
مَعِيشة، ويجوز سكون الضاد، وفتح الياء، وزانُ مَسْلَمَة، والمراد بها: المفازة
المنقطعة، وقال ابن جني: المَضِيعَةُ: الموضع الذي يَضِيع فيه الإنسان، قال:
ومنه يقال: ضَاعَ يَضِيعُ ضَيَاعاً بالفتح أيضاً: إذا هَلَكَ. انتهى(٢).
(فَأَنَا مَوْلَاهُ)؛ أي: أتولَّى شأنه، وأقوم بأداء دَينه، والوفاء بما عليه.
قال صاحب ((التكملة)): هذا دليلٌ على أن بيت مال المسلمين يتكفّل
بحاجات كلّ من يعجز عن الكسب، وليس له من أقاربه من يقوم بأمره، وقال
الإمام محمد بن الحسن الشيبانيّ كَّهُ: فعلى الإمام أن يتّقي الله في صرف
الأموال إلى المصارف، فلا يَدَع فقيراً إلا أعطاه حقّه من الصدقات حتى يُغنيه
وعياله، وإن احتاج بعض المسلمين، وليس في بيت المال من الصدقات شيء،
أعطى الإمام ما يحتاجون إليه من بيت مال الخراج، ولا يكون ذلك ديناً على
بيت مال الصدقة؛ لِمَا بيّنًا أن الخراج وما في معناه يُصرف إلى حاجة
المسلمين، ذكره السرخسيّ تَّتُهُ في ((المبسوط))(٣).
قال: فهذا من أكبر الضمانات الاجتماعيّة التي أقرّ بها الإسلام في حين
لم يكن أحد يتصوّر ذلك، ولا يعرفه من يتباهون اليوم بنعرات الاشتراكيّة،
والعدالة الاجتماعيّة، ويتناسون أن الضمان الاجتماعيّ في نظامهم إنما يقوم
(١) ((المفهم)) ٤ / ٥٧٦.
(٢) ((المصباح المنير)) ٣٦٦/٢.
(٣) راجع: ((المبسوط)) ١٨/٣، كتاب ((الزكاة))، ((باب ما يوضع فيه الخمس)).

٢٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفرائض
على قيمة حرّيّة الأفراد، والأملاك، والأفكار، والقلوب، وإن الضمان
الاجتماعيّ الذي أعلن به رسول الله وس﴿ قبل أربعة عشر قرناً خالٍ عن هذه
المفاسد كلّها. انتهى (١).
(وَأَيُّكُمْ تَرَكَ مَالاً، فَإِلَى الْعَصَبَةِ مَنْ كَانَ) قال الداوديّ تَخَُّهُ: المراد
بالعصبة هنا الورثة، لا من يَرِث بالتعصيب؛ لأن العاصب في الاصطلاح من له
سهم مقدَّر من المُجْمَع على توريثهم، ويرث كلُّ المال إذا انفرد، ويرث ما
فضل بعد الفروض بالتعصيب، وقيل: المراد بالعصبة هنا: قرابة الرجل، وهم
من يلتقي مع الميت في أب، ولو علا، سُمُّوا بذلك؛ لأنهم يحيطون به، يقال:
عَصَب الرجل بفلان: أحاط به، ومن ثَمَّ قيل: تعصَّب لفلان؛ أي: أحاط به.
وقال الكرمانيّ تَخّتُهُ: المراد: العصبة بعد أصحاب الفروض، قال:
ويؤخذ حكم أصحاب الفروض من ذكر العصبة بطريق الأولى، ويشير إلى ذلك
قوله: ((من كانوا))، فإنه يتناول أنواع المنتسبين إليه بالنفس، أو بالغير، قال:
ويَحْتَمِل أن تكون ((من)) شرطية. انتهى(٢).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبل حديث،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٥٣] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
مَعْمَرُ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِلَّهِ،
فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُؤْمِنِينَ، فِي
كِتَابِ اللهِ رَتْ، فَأَيُّكُمْ مَا تَرَكَ دَيْناً، أَوْ ضَيْعَةً، فَادْعُونِي، فَأَنَا وَلِيُّهُ، وَأَيُّكُمْ مَا تَرَلَكَ
مَالاً، فَلْيُؤْثَرْ بِمَالِهِ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضاً قبل بابين.
(١) راجع: ((تكملة فتح الملهم)) ٤٨/٢.
(٢) ((الفتح)) ٤٢٩/١٥ - ٤٣٠.