Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ (٢) - بَابُ قوله ◌َّهِ: ((أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤١٣٩) ٧ - (ومنها): أن فيه جوازَ وصية المريض، وإن كان يذهب عقله في بعض أوقاته، بشرط أن تكون الوصية في حال إفاقته، وحضور عقله. ٨ - (ومنها): أنه قد يستدلّ بهذا الحديث من لا يُجَوِّز الاجتهادَ في الأحكام للنبيّ وَله، والجمهور على جوازه، قاله النوويّ دَّثُ . وقال في ((الفتح)): استُدِلّ به على أنه وَ ل ◌َ كان لا يجتهد، ورُدّ بأنه لا يلزم من انتظاره الوحي في هذه القصة الخاصّة عموم ذلك في كل قصة، ولا سيما وهي في مسألة المواريث التي غالبها لا مجال للرأي فيها، سلّمنا أنه كان يمكنه أن يجتهد فيها، لكن لعله كان ينتظر الوحي أوّلاً، فإن لم ينزل اجتهد، فلا يدلّ على نفي الاجتهاد مطلقاً. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الجمهور من أنه * كان يجتهد هو الأرجح؛ لقوّة حجته، ويؤوّل هذا الحديث وشِبْهُه على أنه لم يظهر له وَل بالاجتهاد شيء، فلهذا لم يردّ على جابر شيئاً؛ رجاء أن ينزل الوحي، وقد استوفيت هذا البحث في ((التحفة المرضيّة))، و((شرحها))، فراجعه تستفد(٢)، والله تعالى وليّ التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّثُ أوّل الكتاب قال: [٤١٣٩] ( .. ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْج، قَالَ: أَخْبَرَنِ ابْنُ الْمُنْكَّدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: عَادَنِي النَّبِيُّ ◌َ﴿ِ، وَأَبُو بَكْرٍ فِي بَنِي سَلِمَةَ يَمْشِيَانٍ، فَوَجَدَنِي(٣) لَا أَعْقِلُ، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ رَشَّ عَلَيَّ مِنْهُ، فَأَفَقْتُ، فَقُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَزَلَتْ: ﴿يُوصِيكُمْ اَللَّهُ فِى أَوْلَدِكُمٌّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَبَيْنِ﴾ [النساء: ١١]). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ) البغداديّ المعروف بالسمين، صدوقٌ فاضلٌ، ربما وَهِمَ [١٠] (ت٥َ أو٢٣٦) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٤. (١) ((الفتح)) ٤٢٠/١٥. (٢) راجع: ((المنحة الرضيّة شرح التحفة المرضيّة)) ٤٩٥/٣. (٣) وفي نسخة: ((فوجداني)). ٢٠٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفرائض ٢ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأعور المصّيصيّ، ثقةٌ ثبتٌ، اختلط في آخره [٩] (ت٢٠٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩٤/٦. ٣ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضل، يدلّسِ ويرسل [٦] (١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦. والباقيان ذُكرا قبله، و((ابن المنكدر)) هو: محمد المذكور في السند الماضي. وقوله: (فِي بَنِي سَلِمَةَ) بفتح السين المهملة، وكسر اللام: نسبة إلى بطن من الأنصار، وهو سَلِمَة بن سعد بن عليّ بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جُشم بن الْخَزْرِج، قال ابن الأثير تَظْلَقُ: ((كذلك ينسبه النحويون بفتح اللام، والمحدّثون یکسرونها)). انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت ما قاله ابن الأثير تَُّ، فقلت: بَطْنُ مِنَ الأَنْصَارِ أَهْلِ الْمَكْرَمَهْ السَّلَمِيُّ نِسْبَةٌ لِسَلِمَهْ فَتَحَهُ التَّحَاةُ وَفْقاً لِلْعَرَبْ وَهْيَ بِكَسْرِ اللََّمِ لَكِنِ النَّسَبْ فَإِنْ يَصِحَّ فَالصَّوَابَ جَانَبَا وَالْكَسْرُ لِلْمُحَدِّثِينَ نُسِبَا وقوله: (فَوَجَدَنِي) هكذا في بعض النسخ، والضمير للنبيّ وَّ، وفي بعض النسخ: ((فوجداني))، والضمير له رَّ، ولأبي بكر لي عنْه . والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤١٤٠] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِبرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - يَعْنِي: ابْنَ مَهْدِيٍّ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: عَادَنِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ، وَأَنَا مَرِيضٌ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ ، مَاشِيَيْنٍ، فَوَجَدَنِي قَدْ أُغْمِيَ عَلَيَّ، فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، ثُمَّ صَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ، فَأَفَقْتُ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِي؟ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئاً، حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ). (١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ١٢٩/٢. (٢) - بَابُ قوله وَِّ: ((أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤١٤١) ٢٠٣ رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٥) على الأصحّ (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٧٥/٦. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) بن حسّان الْعَنْبَريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ ثقةٌ ثبتٌ، حافظ ناقد بصير [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٨. ٣ - (سُفْيَانٌ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ فقيه، عابد إمامٌ حجة، ربما دلّس، من رؤوس [٧] (ت١٦١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. والباقيان ذُكرا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفَى قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّل الكتاب قال: [٤١٤١] ( .. ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، وَأَنَا مَرِيضٌ، لَا أَعْقِلُ، فَتَوَضَّأَ، فَصَبُّوا عَلَيَّ(١) مِنْ وَضُوئِهِ، فَعَقَلْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّمَا يَرِثُنِي كَلَالَةٌ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ، فَقُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اَللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِىِ الْكَلَةِ﴾؟ قَالَ: هَكَذَا أُنْزِلَتْ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد المائتين، وقيل: قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٢/٣. ٢ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج بن الورد الْعَتَكيّ مولاهم، أبو بسطام الواسطيّ، ثم البصريّ الإمام الحجة، أمير المؤمنين في الحديث [٧] (ت١٦٠) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨١. (١) وفي نسخة: ((فصبَّ عليّ)). ٢٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفرائض والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (إِنَّمَا يَرِثُنِي كَلَالَةٌ) استَدَلّ به من قال: إن الكلالة اسم للوارث دون المورِّث، لكن الكلمة تُستعمل في كلا المعنيين، ثمّ المراد من الكلالة هنا أخوات جابر ظه، وسيأتي بيان اختلاف العلماء في معنى الكلالة بعد حديث - إن شاء الله تعالى -. وقوله: (فَقُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ... إلخ) القائل هو شعبة. وقوله: (قَالَ: هَكَذَا أُنْزِلَتْ) ظاهره أن محمد بن المنكدر صدّق شعبة في أن الآية التي نزلت في قصّة جابر ظُه هي ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ الآية، وهو يؤيّد ما تقدّم عن ابن عيينة، قيل: ويمكن أيضاً أن يكون ابن المنكدر غير جازم بتعيين الآية النازلة في هذه القصّة، فقال: ((هكذا أُنزلت))، يعني: أن الآية هكذا، والظاهر أنها نزلت في قصّة جابر، ولكنّي لا أتيقّن به (١) . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤١٤٢] ( .. ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْل، وَأَبُو عَامِرِ الْعَقَدِيُّ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، كُلُّهُّمْ عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ، فِي حَدِيثٍ وَهْبٍ بْنِ جَرِيرٍ: فَنَزَلَتْ آيَةُ الْفَرَائِضِ، وَفِي حَدِيثِ النَّضْرِ، وَالْعَقَدِيِّ: فَتَزَلَتْ آيَةُ الْفَرْضِ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَةٍ أَحَدٍ مِنْهُمْ قَوْلُ شُعْبَةَ لِاِبْنِ الْمُنْكَدِرِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ) المازنيّ، أبو الحسن النحويّ البصريّ، نزیل مرو، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت٢٠٤) وله (٨٢) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٩/٦. (١) راجع: ((تكملة فتح الملهم)) ٢٠/٢. (٢) - بَابُ قوله ◌َهُ: (أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤١٤٣) ٢٠٥ ٣ - (أَبُو عَامِرِ الْعَقَدِيُّ) عبد الملك بن عمرو القيسيّ البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت٤ أو ٢٠٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢١/٤. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ الزَّمِنُ، ثقة حافظٌ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢. ٥ - (وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) بن حازم، أبو عبد الله الأزديّ البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت٢٠٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣١٥/٥. و«شُعبة)) ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية النضر بن شُميل، وأبي عامر العقديّ، كلاهما عن شعبة، ساقها الحافظ ابن الجعد ◌َّتُ في ((مسنده)) (١/ ٢٥٢) فقال: (١٦٦٧) - حدّثنا خلاد بن أسلم، أنا النضر، وحدثنا هارون، نا أبو عامر، وأبو داود، ووهب، وحدّثنا عباس بن حاتم، نا قُرَاد أبو نوح، واللفظ للنضر، قالوا: نا شعبة، أنا محمد بن المنكدر، قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: أتاني رسول الله وَّر، وأنا مريض، لا أعقل، فتوضأ، فصَبَّ عليّ من وَضوئه، فعقلت، فقلت: يا رسول الله إنه لا يرثني إلا كلالة، فكيف الميراث؟ فنزلت آية الفرض. انتهى. ورواية وهب بن جرير، عن شعبة ساقها الحافظ البيهقيّ خَذْتُهُ (٢١٢/٦) فقال : (أخبرنا) أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا إبراهيم بن مرزوق البصريّ، ثنا وهب بن جرير، ثنا شعبة، عن محمد بن المنكدر، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: دخل عليّ رسول الله وَّ، وأنا مريض، فتوضأ، ونضح عليَّ من وَضوئه، قال: فقلت: يا رسول الله إنما يرثني كلالة، فكيف الميراث؟ فنزلت آية الفرائض. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظُّْ أوّل الكتاب قال: [٤١٤٣] (١٦١٧) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ الْمُقَدَّمِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى - وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْبَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا ٢٠٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفرائض قَتَادَةُ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَطَبَ بَوْمَ جُمُّعَةٍ، فَذَكَرَ نَبِيَّ اللّهِ وَهِ، وَذَكَرَ أَبَا بَكْرٍ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي (١) لَا أَدَعُ بَعْدِي شَيْئاً أَهَمَّ عِنْدِي مِنَ الْكَلَالَةِ، مَا رَاجَعْتُ رَسُولَ اللهِ نَ ◌ّهِ فِي شَيْءٍ مَا رَاجَعْتُهُ فِي الْكَلَالَةِ، وَمَا أَغْلَظَ لِي فِي شَيْءٍ مَا أَغْلَظَ لِي فِيهِ، حَتَّى طَعَنَ بِإِصْبَعِهِ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: ((يَا عُمَرُ أَلَا تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ؟»، وَإِنِّي إِنْ أَعِشْ أَقْضِ فِيهَا بِقَضِيَّةٍ يَقْضِي بِهَا مَنْ بَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَمَنْ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ الْمُقَدَّمِيُّ(٢)) أبو عبد الله الثقفيّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م س) تقدم في ((الإيمان) ١٤٥/١٠. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) ذُكر في السند الماضي. ٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، أبو سعيد البصريّ، الإمام الحجة الناقد البصير المشهور [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣٨٥. ٤ - (هِشَامُ) بن أبي عبد الله - سَنْبَر - الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢. ٥ - (قَتَادَةُ) بن دعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ يُدّس، رأس [٤] (ت١١٧) (ع) تقدّم في ((المقدّمة)) ٦/ ٧٠. ٦ - (سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ) رافع الأشجعيّ الْغَطَفانيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ يرسل كثيراً [٣] (ت٧ أو ١٩٨) أو بعد ذلك (ع) تقدّم في ((الحيض)) ٧٢٨/٨. ٧ - (مَعْدَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ) ويقال: ابن طلحة الْيَعْمَريّ الشاميّ، ثقةٌ [٢] (م٤) تقدّم في ((الصلاة)) ٤٤ /١٠٩٨. ٨ - (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) بن نفيل العدويّ الخليفة الراشد، استُشهد في ذي الحجة سنة (٢٣) (ع) تقدّم في ((المقدّمة)) ٩/٣. (١) وفي نسخة: ((قال: ثم إني)). (٢) بضمّ الميم، وفتح القاف، وتشديد الدال المهملة المفتوحة: نسبة إلى جدّ. ٢٠٧ (٢) - بَابُ قوله ◌َِّ: ((أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤١٤٣) شرح الحديث: (عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ) اسم أبيه رافع (عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) تقدّم في ((كتابَ المساجد)) برقم [١٢٦٢/١٧] أن الدارقطنيّ انتقد إدخال معدان بن أبي طلحة بين سالم، وعمر في هذا الإسناد؛ لمخالفة قتادة للحفّاظ فيه، وتقدّم الجواب عنه هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) وَظُه (خَطَبَ) وكانت خطبة عمر رَظُه هذه بعد رجوعه من الحجة الأخيرة التي حجّها بالناس، وقد ذكر البخاريّ في ((صحيحه)) سبب هذه الخطبة مطوّلاً، وتقدّم بيانه في ((كتاب الصلاة)) بالرقم المذكور. (يَوْمَ جُمُعَةٍ) وكانت آخر جمعة صلّاها عمر ﴿ه؛ كما أخرجه أحمد في ((مسنده)) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة في آخر هذه الخطبة: ((فخَطَب بها عمر عظُه يوم الجمعة، وأُصيب يوم الأربعاء الأربع ليال بقين من ذي الحجة))(١). (فَذَكَرَ نَبِيَّ اللهِ وَ﴾﴾ قد سبق في حديث البخاريّ قوله: ((إن الله بعث محمداً ﴿ بالحقّ، وأنزل عليه الكتاب ... ))، وقوله: ألا ثم إنّ رسول الله وَهل قال: ((لا تُطروني كما أُطرِي عيسى ابن مريم، وقولوا: عبد الله ورسوله ... )) (وَذَكَرَ أَبًا بَكْرٍ) رُبه؛ أي: ذكره بالخير وأثنى عليه. (ثُمَّ قَالَ) عمر رَبُهُ (إِنِّي) وفي نسخة: (ثمّ إني)) (لَا أَدَعُ)؛ أي: لا أترك (بَعْدِي)؛ أي: بعد موتي (شَيْئاً أَهَمَّ عِنْدِي مِنَ الْكَلَالَةِ) قال أبو عبد الله القرطبيّ كَُّ في ((تفسيره)): الكلالة مصدرٌ من تكلَّله النسبُ؛ أي: أحاط به، وبه سُمِّي الإكليل، وهي منزلة من منازل القمر؛ لإحاطتها بالقمر إذا احْتَلّ بها، ومنه الإكليل أيضاً، وهو التاج، والعصابة المحيطة بالرأس، فإذا مات الرجل، وليس له وَلَدٌ ولا والد، فورَثَتُه كلالةٌ. انتهى. [فائدة]: قال أهل اللغة: يقال: رجلٌ كلالةٌ، وامرأةٌ كلالةٌ، ولا يثَتَّى، ولا يُجمَعُ؛ لأنه مصدرٌ، كالوكالة، والدلالة، والسَّمَاحة، والشَّجَاعة، وأعاد الضمير المفرد في قوله: ﴿وَلَهُ: أَخُ﴾، ولم يقل: لهما، وقد سبق (١) راجع: ((المسند)) ٤٨/١. ٢٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفرائض ذكر الرجل والمرأة، على عادة العرب، إذا ذَكَرت اسمين، ثم أَخبَرَت عنهما، وكانا في الحكم سواءً، ربما أضافت إلى أحدهما، وربما أضافت إليهما جميعاً، تقول: من كان عنده غلام وجارية، فليحسن إليه، وإليها، وإليهما، وإليهم، قال الله تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوة وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ الآية [البقرة: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيْرًا قَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَّ﴾ الآية [النساء: ١٣٥]، ويجوز أولى بهم. قاله الفرّاء وغيره(١) . وقال النوويّ تَخْتُهُ: اختلفوا في اشتقاق الكلالة، فقال الأكثرون: مشتقة من التكلَّل، وهو التطرُّف، فابن العمّ مثلاً يقال له: كلالةٌ؛ لأنه ليس على عمود النسب، بل على طرفه، وقيل: من الإحاطة، ومنه الإكليل، وهو شبه عصابة تُزَيَّن بالجوهر، فسُمُّوا كلالةً؛ لإحاطتهم بالميت من جوانبه، وقيل: مشتقة من كَلَّ الشيءُ: إذا بَعُد، وانقطع، ومنه قولهم: كُلَّت الرحمُ: إذا بَعُدت وطال انتسابها، ومنه: كَلَّ في مشيه: إذا انقطع؛ لبُعد مسافته. انتھی(٢) . (مَا) نافيةٌ (رَاجَعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ فِي شَيْءٍ)؛ أي: من أحكام الدين (مَا رَاجَعْتُهُ فِي الْكَلَالَةِ)؛ أي: بيان حكمها، و((ما)) مصدريّةٌ، والمصدر المؤول نعت لمصدر، مفعول مطلقٌ لـ((راجعتُ))؛ أي: مثل مراجعتي في الكلالة (وَمَا أَغْلَظَ) وَلّ، وهو بالبناء للفاعل (لِي فِي شَيْءٍ)؛ أي: مما سألته من الأحكام (مَا أَغْلَظَ لِي فِيهِ)؛ أي: مثل إغلاظه في سؤالي عن الكلالة (حَتَّى طَعَنَ) بالبناء للفاعل أيضاً (بِإِصْبَعِهِ) تقدّم أن فيها عشر لغات، تثليث الهمزة، مع تثليث الموحّدة، والعاشرة أُصبُوع بالضمّ، وزانُ أُسْبُوع، وأفصحها كسر الهمزة، وفتح الموحّدة. (فِي صَدْرِي)؛ أي: تأديباً له لتشدّده في السؤال، وقال أبو العبّاس القرطبيّ تَخْتُ: هذا الطعن مبالغة في الحثّ (١) راجع: ((الجامع لأحكام القرآن)) ٧٨/٥. (٢) ((شرح النوويّ)) ٥٨/١١. ٢٠٩ (٢) - بَابُ قولِهِ وَلِ: ((أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤١٤٣) على النظر والبحث، وألّا يرجع إلى السؤال مع التمكّن من البحث والاستدلال؛ ليحصل على رتبة الاجتهاد، ولينال أجر من طلب، فأصاب الحكم، ووافق المراد. وروى ابن جرير عن أبي إسحاق الشَّيباني، عن عمرو بن مُرّة، عن سعيد بن المسيِّب؛ أن عمر سأل رسول الله وَلّر: كيف يُوَرّث الكلالة؟ قال: فأنزل الله ﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اَللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِىِ الْكَلَلَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]، قال: فكأن عمر لم يفهم، فقال لحفصة: إذا رأيتٍ من رسول الله وَ ل ﴿ طيب نَفْس فسليه عنها، فرأت منه طيب نفس فسألته عنها، فقال: ((أبوك ذكر لك هذا؟ ما أرى أباك يعلمها))، قال: وكان عمر يقول: ما أراني أعلمها، وقد قال رسول الله وَه ما قال(١). وقال القرطبيّ تَخَّثُ ما حاصله: مقتضى الآية الأولى أن كلَّ واحد من الأخوين له السدس، سواء كان أحدهما ذكراً أو أنثى، فإن كانوا أكثر اشتركوا في الثلث، ومقتضى الآية الثانية أن للأخت النصف، وللاثنين الثلثين، ولم يُبَيَّن في واحدة من الآيتين الإخوة، هل هي لأمّ، أو لأب، أو لهما؟ ثم إذا تنزّلنا على أن الإخوة في الأولى للأم، وفي الثانية للأب، أو أشقّاءُ، فهل ذلك فرضهم إذا انفردوا؟ أو يكون ذلك فرضهم، وإن كان معهم بعض الورثة؟ كلُّ ذلك أمورٌ مطلوبة، والوصول إلى تحقيق تلك المطالب عَسِيرٌ، فَلَمّا استُشكِلَتْ على عمر ظلت هذه الوجوه تشوّف إلى معرفتها بطريق يُزيح له الإشكال، فأَلَحّ على النبيّ ◌َ﴿ بالسؤال عن ذلك، حتى ضرب النبيّ وَّ على صدره، وأغلظ عليه في ذلك؛ رَدْعاً له عن الإلحاح؛ إذ كان قد نُهي عن كثرة السؤال، وتنبيهاً له على الاكتفاء بالبحث عمّا في الكتاب من ذلك، وعلى أن الكتاب يُبيِّنُ بعضه بعضاً . وقال الخطّابِيّ ◌َُّهُ: يُشبه أن يكون لم يُفْتِهِ، وَوَكَل الأمر إلى بيان الآية؛ (١) ((تفسير ابن كثير)) ٤٨٥/٢ - ٤٨٦. ٢١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفرائض اعتماداً على عِلْمِه وفَهْمه؛ ليتوصَّلَ إلى معرفتها بالاجتهاد، ولو كان السائل ممن لا فَهْمَ له لَبَيَّنَ له البيان الشافي. قال: وإن الله تعالى أنزل في الكلالة آيتين: إحداهما في الشتاء، وهي التي في أول ((سورة النساء))، وفيها إجمالٌ، وإبهامٌ لا يكاد يتبيّن المعنى من ظاهرها، ثم أنزل الآية التي في آخر ((النساء)) في الصيف، وفيها زيادة بيان. (١) انتھی . ودلّ هذا الحديث على أن آخر آية من ((سورة النساء)) نزلت في فصل الصيف، وقد ذكر يحيى بن آدم بلاغاً أنها نزلت في الصيف، ورسول الله وَاه يتجهّز إلى مكة(٢). (فَقَالَ) وََّ، وفي نسخة: ((وقال)) ((يَا عُمَرُ أَلَا) أداة تحضيض (تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ)؛ أي: الآية التي نزلت في فصل الصيف، وهو أحد الفصول الأربعة المشهورة في السنة، وقد تقدّم بيانها بالتفصيل في ((كتاب الصلاة)). وقال القرطبيّ تَخْتُ: إنما أحاله على النظر في هذه الآية؛ لأنه إذا أمعن النظر فيها عَلِم أنها مخالفة للآية الأولى في الورثة، وفي القسمة، فيتبيّن من كلّ آية معناها، ويُرتَّب عليها حكمها، فيزول الإشكال. انتهى (٣). (الَّتِي فِي آخِرٍ سُورَةِ النِّسَاءِ؟)))؛ يعني: قوله تعالى: ﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِ الْكَلَلَةِ﴾ الآية [النساء: ١٧٦]. (وَإِنِّي إِنْ أَعِشْ) بفتح أوله، وكسر ثانيه، مِنْ عاش يعيش، يقال: عاش يَعيش عيشاً، كسار يسير سيراً: صار ذا حياة، فهو عائشٌ، والأنثى عائشة، وعيّاشٌ أيضاً مبالغةٌ(٤)، وقوله: (أَقْضٍٍ) مجزوم على أنه جواب الشرط؛ أي: أحكم، يقال: قضيتُ بين الخصمين، وعليهما: أي: حكمت(٥). (فِيهَا)؛ أي: (١) ((المفهم)) ١٧٢/٢. (٢) راجع: ((أحكام القرآن)) للجصّاص تتخذثم ١٠٥/٢. (٣) ((المفهم)) ٤ / ٥٧٢ - ٥٧٣. (٥) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٠٧. (٤) ((المصباح)) ٢/ ٤٤٠. ٢١١ (٢) - بَابُ قوله ◌َّهِ: ((أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤١٤٣) في الكلالة؛ أي: في معرفة أحكامها (بِقَضِيَّةٍ)؛ أي: بقضاء، فالمراد بالقضيّة هنا معناها المصدريّ، قال في ((القاموس)): ((القضاءُ))، ويُقصر: الحكم، قَضَى عليه يَقْضِي قَضْياً، وقَضَاءً، وقَضِيَّةً، وهي الاسم أيضاً. انتهى(١). (يَقْضِي بِهَا)؛ أي: بتلك القضيّة (مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَمَنْ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ)؛ يعني: أنه يستوي في فهم تلك القضيّة الخاصّ والعامّ؛ لوضوحها وبيانها . وفي رواية همّام بن يحيى عن قتادة عند أحمد(٢): ((فسأقضي فيها بقضاء يعلمه من يقرأ، ومن لا يقرأ))، وفي رواية سعيد بن أبي عروبة عنده أيضاً(٣): ((أقضي فيها قضيّة لا يختلف فيها أحد يقرأ القرآن، أو لا يقرأ القرآن))، ومفاد هذه الروايات جميعاً: أني سوف أقضي في الكلالة بقضيّة يعرفها كلّ عالم وجاهل، ولا يختلف فيها أحد. وقد ساق ابن جرير في ((تفسيره)) عدّة روايات تُبيّن أن عمر نظُله كتب في الكلالة كتاباً، ولكنه لم يستطع إخراجه إلى الصحابة، وأخرج عن طارق بن شهاب قال: ((أخذ عمر كتفاً، وجمع أصحاب محمد وَّ، ثم قال: لأقضينّ في الكلالة قضاءً تَحَدّث به النساء في خدورهنّ، فخرجت حينئذ حيّة من البيت، فتفرّقوا، فقال: لو أراد الله أن يتمّ هذا الأمر لأتمّه))، وفي رواية أخرى عند ابن جرير أيضاً أنه قال عند وفاته: ((إني كنت كتبت في الجدّ والكلالة كتاباً، وكنت أستخير الله فيه، فرأيت أن أترككم على ما كنتم علیه)). وأخرج أحمد(٤) عن أبي رافع قال: ((إن عمر بن الخطاب ظُه كان مستنداً إلى ابن عبّاس، وعنده ابن عمر، وسعيد بن زيد ه، فقال: اعلموا أني لم أقل في الكلالة شيئاً، ولم أستخلف من بعدي أحداً ... إلخ))، وهذا يدلّ على أنه لم يصل إلى القول الفصل في الكلالة حتى آخر حياته مظ لته . وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: قوله: ((وإني إن أَعِشْ أَقْض فيها بقضيّة ... إلخ)) (١) ((القاموس المحيط)) ٣٧٨/٤. (٢) ((المسند)) ١٥/١. (٤) ((المسند)) ٢٠/١. (٣) ((المسند)) ٤٨/١. ٢١٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفرائض هذا يدلّ على أنه كان اتّضح له وجهُ الصواب فيها، وأنه كان قد استعمل فِكْرَه فيها حتى فَهِمَ ذلك، وأنه أراد أن يوضِّح ذلك على غاية الإيضاح، ولم يتمكّن من ذلك في ذلك الوقت الحاضر للعوائق والموانع، ثم فاجأته المنيّة ظُه، ولم يُرْوَ عنه فيها شيءٌ من ذلك. لكن قد اهتَدَى علماء السلف لفهم الآيتين، وأوضحوا ذلك، فتبيَّن الصبح لذي العينين، والله تعالى أعلم(١). وقال النوويّ كَّثُ: قوله: ((وإني إن أعش ... إلخ)) هذا من كلام عمر رؤيته، لا من كلام النبيّ وَّه، وإنما أخّر القضاء فيها؛ لأنه لم يظهر له في ذلك الوقت ظهوراً يحكم به، فأخّره حتى يتم اجتهاده فيه، ويستوفي نظره، ويتقرر عنده حكمه، ثم يقضي به، ويُشيعه بين الناس، ولعل النبيّ وَّ إنما أغلظ له؛ لخوفه من اتكاله، واتكال غيره على ما نُصّ عليه صريحاً، وتركهم الاستنباط من النصوص، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَ أُوْلِ اُلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، فالاعتناء بالاستنباط من آكد الواجبات المطلوبة؛ لأن النصوص الصريحة لا تفي إلا بيسير من المسائل الحادثة، فإذا أُهمل الاستنباط فات القضاء في معظم الأحكام النازلة، أو في بعضها. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال الجامع عفا الله عنه: حديث عمر بن الخطّاب ◌ُه هذا من أفراد المصنّف نَذَثُ، وقد تقدّم تخريجه، وبيان فوائده في ((كتاب المساجد)) [١٧/ ١٢٦٢]، فما بقي إلا ذكر ما يتعلّق بالكلالة، فأقول: (مسألة): في اختلاف أهل العلم في معنى الكلالة: قال النوويّ كَُّ: اختَلَفَ العلماء في المراد بالكلالة في الآية على أقوال : [أحدها]: المراد: الوِرَاثة إذا لم يكن للميت ولد ولا والد، وتكون الكلالة منصوبة على تقدير: يُورَثُ وراثةَ كلالة. [والثاني]: أنه اسم للميت الذي ليس له ولد ولا والد، ذكراً كان الميت (١) ((المفهم)) ٢/ ١٧٣. (٢) ((شرح النوويّ)) ٥٧/١١ - ٥٨. ٢١٣ (٢) - بَابُ قولِهِ وَّهِ: ((أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤١٤٣) أو أنثى، كما يقال: رجل عقيم، وامرأة عقيم، وتقديره: يورث كما يورث في حال كونه كلالةً. وممن رُوِي عنه هذا: أبو بكر الصديق، وعمر، وعليّ، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس - رضي الله عنهم أجمعين -. [والثالث]: أنه اسم للورثة الذين ليس فيهم ولد ولا والد، واحتجُوا بقول جابر ظُه: إنما يرثني كلالةٌ، ولم يكن ولد ولا والد. [والرابع]: أنه اسم للمال الموروث، قال الشيعة: الكلالة من ليس له ولد، وإن كان له أب، أو جدٌّ، فوَرَّثوا الإخوة مع الأب، قال القاضي: ورُوي ذلك عن ابن عباس، قال: وهي رواية باطلة، لا تصح عنه، بل الصحيح عنه ما عليه جماعة العلماء، قال: وذكر بعض العلماء الإجماع على أن الكلالة مَنْ لا ولد له ولا والد، قال: وقد اختلفوا في الورثة إذا كان فيهم جدّ: هل الورثة كلالةٌ أم لا؟ فمن قال: ليس الجد أباً جعلها كلالةً، ومن جعله أباً لم يجعلها كلالةً، قال القاضي: وإذا كان في الورثة بنت، فالورثة كلالةٌ عند جماهير العلماء؛ لأن الإخوة والأخوات وغيرهم من العصبات يرثون مع البنت، وقال ابن عباس: لا ترث الأخت مع البنت شيئاً؛ لقول الله تعالى: ﴿لَيَسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ: أُخْتٌ﴾، وبه قال داود، وقالت الشيعة: البنت تمنع كون الورثة كلالةً؛ لأنهم لا يُؤَرِّثون الأخ والأخت مع البنت شيئاً، ويعطون البنت كل المال، وتعلَّقوا بقوله تعالى: ﴿إِنِ آَمْرُؤُ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ, وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتُ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكْ وَهُوَ يَرِثُهَا﴾، ومذهب الجمهور أن معنى الآية الكريمة: أن توريث النصف للأخت بالفرض لا يكون إلا إذا لم يكن ولد، فعَدَمُ الولد شرط لتوريثها النصف فرضاً، لا لأجل توريثها، وإنما لم يَذكُر عدم الأب في الآية كما ذَكَر عدم الولد مع أن الأخ والأخت لا يرثان مع الأب؛ لأنه معلوم من قاعدة أصل الفرائض: أن من أدلى بشخص لا يرث مع وجوده، إلا أولاد الأم، فيرثون معها، وأجمع المسلمون على أن المراد بالإخوة والأخوات في الآية التي في آخر سورة النساء: من كان من أبوين، أو من أب عند عدم الذين من أبوين، وأجمعوا على أن المراد في قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةً أَوِ ٢١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفرائض أَمْرَأَةٌ وَلَهُ: أَخُ أَوْ أُخْتٌ﴾ الإخوة والأخوات من الأم. انتهى(١). وقال أبو عبد الله القرطبيّ ◌َّتُهُ في ((تفسيره)): الكلالة مصدرٌ من تكلَّله النسبُ؛ أي: أحاط به، وبه سُمِّي الإكليل، وهي منزلة من منازل القمر؛ لإحاطتها بالقمر إذا احْتَلّ بها، ومنه الإكليل أيضاً، وهو التاج، والعصابة المحيطة بالرأس، فإذا مات الرجل، وليس له وَلَّدٌ ولا والد، فورثته كلالةٌ، هذا قول أبي بكر الصديق، وعمر، وعليّ، وجمهور أهل العلم، وذكر يحيى بن آدم، عن شَرِيك، وزهير، وأبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن عبد، قال: ما رأيتهم إلا وقد تواطئوا، وأجمعوا على أن الكلالة مَن مات ليس له ولد ولا والد، وهكذا قال صاحب «كتاب العين»، وأبو منصور اللغوي، وابن عرفة، والْقُتَبيّ، وأبو عبيد، وابن الأنباريّ، فالأب والابن طرفان للرجل، فإذا ذهبا تكلَّله النسب، ومنه قيل: رَوْضَةُ مُكَلَّلةُ: إذا حُقَّت بالنَّوْر، وأنشدوا: مَسْكَنُهُ رَوْضَةٌ مُكَلَّلَةٌ عَمَّ بِهَا الأَيْهُقَانُ وَالذُّرَقُ(٢) يعني: نَبْتَيْن، وقال امرؤ القيس [من الطويل]: كَلَمْعِ الْيَدَيْنِ فِي حَبِيٍّ مُكَلَّل (٣) أَصَاحِ تَرَى بَرْقاً أُرِيكَ وَمِيضَهُ فَسَمُّوا القرابة كلالةً؛ لأنهم أطافوا بالميت من جوانبه، وليسوا منه، ولا هو منهم، وإحاطتهم به أنهم يَنْتَسِبون معه، كما قال أعرابيّ: مالي كثير، ويرثني كلالةٌ مُتَرَاخِ نسبهم، وقال الفرزدق [من الطويل]: عَنِ ابْنَيْ مَنَافِ عَبْدِ شَمْسٍ وَهَاشِمٍ وَرِثْتُمْ قَنَاةَ الْمِّجْدِ لَا عَنْ كَلَالَةٍ وقال آخر [من المتقارب]: وَإِنَّ أَبَا الْمَرْءِ أَحْمَى لَهُ وَمَوْلَى الْكَلَالَةِ لَا يَغْضَبُ وقيل: إن الكلالة مأخوذة من الكَلال، وهو الإعياء، فكأنه يصير الميراث إلى الوارث عن بُعْدٍ وإعياء، قال الأعشى [من الطويل]: (١) (شرح النوويّ)) ٥٨/١١ - ٥٩. (٢) ((الأَيهُقان)): الجرجير البريّ، و((الذُّرَقُ)) كصُرَدٍ: بقلة وحشيشة؛ كالقتّ الرطب. (٣) وَمضَ البرق: لَمَعَ، و((الْحَبيّ)): السحاب المعترض، و((المكلَّل)): الذي في جوانبه البرق مثل: الإكليل. ٢١٥ (٢) - بَابُ قولِهِ وَّهِ: ((أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤١٤٣) فَأَلَيْتُ لَا أَرْشِي لَهَا مِنْ كَلَالَةٍ وَلَا مِنْ وَجَّى (١) حَتَّى تُلَاقِي مُحَمَّدَا وذكر أبو حاتم، والأثرم، عن أبي عبيدة، قال: الكلالة كلُّ من لم يرثه أبٌّ، أو ابنٌّ، أو أخٌ، فهو عند العرب كلالةٌ. قال أبو عُمر: ذِكْر أبي عبيدة الأخ هنا مع الأب والابن في شرط الكلالة غلطٌ، لا وجه له، ولم يذكره في شرط الكلالة غيره. ورَوَى عن عمر بن الخطاب ◌َظُه أن الكلالة من لا وَلَدَ له خاصّةً، ورُوي عن أبي بكر ثم رجعا عنه، وقال ابن زيد: الكلالة الحيّ والميت جميعاً، وعن عطاء: الكلالةُ المال، قال ابن العربيّ: وهذا قول طريف لا وجه له. قال القرطبيّ: له وجه يتبيَّن بالإعراب آنفاً . ورُوي عن ابن الأعرابيّ: أن الكلالة بنو العم الأباعد، وعن السُّديّ: أن الكلالة الميت، وعنه مثل قول الجمهور. وهذه الأقوال تتبيَّن وجوهها بالإعراب، فقرأ بعض الكوفيين: ((يُوَرِّث كلالةً)) بكسر الراء وتشديدها، وقرأ الحسن، وأيوب: ((يُورِثُ)) بكسر الراء وتخفيفها، على اختلاف عنهما، وعلى هاتين القراءتين لا تكون الكلالةُ إلا الوَرَثَةَ، أو المال، كذلك حَكَى أصحاب المعاني، فالأول مِن وَرَّثَ، والثاني من أَوْرَثَ، و((كلالةً)) مفعوله، و((كان)) بمعنى وَقَعَ، ومن قرأ ((يُورَثُ)) بفتح الراء احتَمَلَ أن تكون الكلالة المالَ، والتقدير: يُورَثُ وراثةَ كلالةٍ، فتكون نعتاً لمصدر محذوف، ويجوز أن تكون الكلالة اسماً للورثة، وهي خبر (كان))، فالتقدير: ذا وَرَثَةٍ، ويجوز أن تكون تامّة بمعنى وقع، و((يورَثُ)) نعت لـ((رجلٌ))، و((رجلٌ)) رُفِعَ بـ((كان))، و((كلالةً)) نُصِب على التفسير، أو الحال على أن الكلالة هو الميت، والتقدير: وإن كان رجلٌ يورَث مُتَكَلِّل النسب إلى الميت. انتهى كلام القرطبيّ تَّهُ(٢) . وقال الحافظ ابن كثير تَخْذَلُهُ: الكلالة مُشْتَقَّةٌ من الإكليل، وهو الذي يُحيط (١) الوجَى: الْحَفَى. (٢) ((الجامع لأحكام القرآن)) ٧٦/٥ - ٧٧. ٢١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفرائض بالرأس من جوانبه، والمراد هنا: مَن يرثه من حواشيه، لا أصوله، ولا فروعه، كما رَوَى الشعبيُّ عن أبي بكر الصديق ◌ُبه أنه سئل عن الكلالة؟ فقال: أقول فيها برأيي، فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه، الكلالة: من لا ولد له ولا والد، فلما وُلِّيَ عمر . قال: إني لأستحي أن أخالف أبا بكر في رأي رآه، كذا رواه ابن جرير وغيره، وقال ابن أبي حاتم في ((تفسيره)): حدَّثنا محمد بن يزيد، عن سفيان، عن سليمان الأحول، عن طاوس، قال: سمعت ابن عباس ﴿ما يقول: كنت آخر الناس عهداً بعمر نظبه، فسمعته يقول: القول ما قلت، قلت: وما قلت؟ قال: الكلالة: من لا ولد له ولا والد، وهكذا قال عليّ، وابن مسعود، وصَحّ عن غير واحد، عن ابن عباس، وزيد بن ثابت، وبه يقول الشعبيّ، والنخعيّ، والحسن، وقتادة، وجابر بن زيد، والحكم، وبه يقول أهل المدينة، وأهل الكوفة والبصرة، وهو قول الفقهاء السبعة، والأئمة الأربعة، وجمهور السلف والخلف، بل جميعهم، وقد حَكَى الإجماع عليه غيرُ واحد، وورد فيه حديثٌ مرفوعٌ(١)، قال أبو الحسين ابن اللَّان: وقد رُوي عن ابن عباس ما يخالف ذلك، وهو أنه من لا ولد له، والصحيح عنه الأول، ولعل الراوي ما فَهِمَ عنه ما أراد. انتهى كلام ابن كثير تَذَتُهُ(٢). للكلالة الماضى ما وقال في موضع آخر بعد ذكره تفسير الصدّيق نصّه: وهذا الذي قاله الصدِّيق ◌َظُه عليه جمهور الصحابة، والتابعين، والأئمة في قديم الزمان وحديثه، وهو مذهب الأئمة الأربعة، والفقهاء السبعة، وقول علماء الأمصار قاطبةً، وهو الذي يدُلُّ عليه القرآن، كما أرشد الله أنه قد بَيَّنَ ذلك، ووَضَّحَهُ في قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُواْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٧٦]. انتهى كلام ابن كثير كثّتُهُ(٣). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الصحيح في معنى الكلالة (١) الحديث المرفوع ضعيف، ولفظه: ((من لم يترك مالاً ولا والداً، فورثته كلالةٌ))، راجع: ((السلسلة الضعيفة)) للشيخ الألبانيّ كَُّ رقم (٤٦٥٣). (٢) تفسير ابن كثير ١/ ٤٦١. (٣) ((تفسير ابن كثير)) ٥٩٦/١. ٢١٧ (٢) - بَابُ قوله وَيِ: ((أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤١٤٤) هو الذي عليه الجمهور، وهو أنه من لا ولد له ولا والد؛ لقوّة حجته، كما عرفته آنفاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: قال أبو عبد الله القرطبيّ كَُّهُ: ذَكَرَ الله وَك في كتابه الكلالة في موضعين: في قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةَّ أَوِ آمْرَأَةٌ ﴾ الآية [النساء: ١٢]، وقوله تعالى: ﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِىِ الْكَلَلَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]، ولم يذكر في الموضعين وارثاً غير الإخوة، فأما في الآية الأولى فأجمع العلماء على أن الإخوة فيها عُنِي بها الإخوة للأم؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِ الثُّلُثِّ﴾، وكان سعد بن أبي وقاص يقرأ: ((وله أخ أو أخت من أمه))، ولا خلاف بين أهل العلم أن الإخوة للأب والأم، أو للأب ليس ميراثهم كهذا، فدلَّ إجماعهم على أن الإخوة المذكورين في آخر السورة هم إخوة الْمُتَوَّفَّى لأبيه وأمه، أو لأبيه؛ لقوله رَّت: ﴿وَإِن كَانُواْ إِخْوَةٌ رِّجَالًا وَنِسَآءَ فَلِلَذَّكَرٍ مِثْلُ حَظِ الْأُنثََّيْنِ﴾، ولم يَختلفوا أن ميراث الإخوة للأم ليس هكذا، فدَلَّت الآيتان أن الإخوة كُلَّهم جميعاً كلالةٌ. وقال الشعبيّ: الكلالة ما كان سوى الولد والوالد، من الورثة إخوةً أو غيرهم من العصبة، کذلك قال عليّ، وابن مسعود، وزید، وابن عباس څے، قال الطبريّ: والصواب أن الكلالة هم الذين يرثون الميت مَن عدا ولده ووالده؛ لصحة خبر جابر ◌ُه، فقلت: ((يا رسول الله إنما يرثني كلالةٌ، أَفْأُوصي بمالي كلُّه؟ قال: ((لا)) ... )) الحديث، متّفقٌ عليه(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تََّثُ أوّل الكتاب قال: [٤١٤٤] (.) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ رَافِعٍ، عَنْ شَبَابَةَ بْنِ سَوَّارٍ، عَنْ شُعْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ). (١) راجع: ((الجامع لأحكام القرآن)) ٧٨/٥. ٢١٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفرائض رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) أبو بشر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٨] (ت١٩٣) (ع) تقدّم في ((المقدّمة)) ٣/٢. ٢ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) مِهران اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، لكنه كثير التدليس، واختلط [٦] (ت٦ أو ١٥٧) (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ٦/ ١٢٧. ٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قريباً. ٤ - (شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ) المدائنيّ، خراسانيّ الأصل، يقال: اسمه مروان الفزاريّ مولاهم، ثقةٌ حافظُ رُمي بالإرجاء [٩] (ت٤ أو ٥ أو٢٠٦) (ع) تقدّم في ((المقدّمة)) ٤٠/٦. والباقون ذُكروا في الباب، والبابين قبله. [تنبيه]: قد تقدّم بيان من ساق رواية سعيد بن أبي عروبة، وشعبة، كليهما عن قتادة في ((كتاب المساجد)) [١٢٦٣/١٧]، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ . (٣) - (بَابٌ ((آخِرُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ آيَةُ الْكَلَالَةِ))) [٤١٤٥] (١٦١٨) - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: آخِرُ آيَةٍ أَنْزِلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اَللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِ اَلْكَلَلَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم) المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت٢٥٧) أو بعدها، وقد قارب المائة (مّت س) تقدّم في ((المقدّمة)) ٢٥/٤. ٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح بن مَلِيحِ الرُّؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدّم في ((المقدّمة)) ١/١. ٣ - (ابْنُ أَبِي خَالِدٍ) هو: إسماعيل البجليّ الأحمسيّ مولاهم، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٤٦) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٢٩٩. ٢١٩ (٣) - بَابٌ ((آخِرُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ آيَةُ الْكَلَالَةِ» - حديث رقم (٤١٤٥) ٤ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله بن عُبيد الْهَمْدانيّ السَّبِيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ مكثر عابدٌ اختَلَط بآخره، ويُدلّس [٣] (ت١٢٩) أو قبل ذلك (ع) تقدّم في ((المقدّمة)) ١١/٣. ٥ - (الْبَرَاءُ) بن عازب بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ها، نزل الكوفة، ومات سنة (٧٢) (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ٢٤٤/٣٥. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه مسلسلٌ بالكوفيين غير شيخه، فمروزيّ، وقد دخل الكوفة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. شرح الحديث: (عَنِ الْبَرَاءِ) بن عازب ظنًّا، وفي رواية شعبة التالية: ((عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب ﴿))، فانتفت تهمة التدليس عن أبي إسحاق، مع أن راويه شعبة، وهو لا يروي عنه إلا ما صرّح بسماعه، كما سبق بيان ذلك غير مرّة (قَالَ) الِبِراء ◌َّهِ (آخِرُ آيَةٍ أَنْزِلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِ اَلْكَلَلَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]) وفي رواية شعبة التالية: ((آخر آية أُنزلت آية الكلالة، وآخر آية أُنزلت براءةُ))، وفي رواية زكرياء الآتية: ((أن آخر سورة أُنزلت تامّةً سورة التوبة، وأن آخر آية نزلت آية الكلالة)). ثم إن حديث البراء ◌ُه هذا ظاهر في أن قوله : ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ الآية آخر آية نزلت من القرآن، وقد اختلفت الروايات في ذلك، وسيأتي الجمع بين الروايات في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث البراء بن عازب ؤها هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤١٤٥/٣ و٤١٤٦ و٤١٤٧ و٤١٤٨ و٤١٤٩] (١٦١٨)، و(البخاريّ) (٤٣٦٣ و٤٦٠٥ و٤٦٥٤ و٦٧٤٤)، و(أبو داود) في ((سننه)) (٢٨٨٨)، و(الترمذيّ) في ((جامعه)) (٣٠٤١)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٦/ ٣٣٣)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٤٧/٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤/ ٢٩٨)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٢/ ٣٤٠)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) ٢٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفرائض (٤٨٥/٥ و٤٨٧)، و(أبو عوانة) في ((مستخرجه)) (١٦٨/٦)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٧٢/٧) و((المعرفة)) (٣٥٥/١١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف الروايات في آخر ما نزل من القرآن: قال القرطبيّ تَّتُهُ: وقول البراء: ((آخرُ آيةٍ أُنزلت آية الكلالة)) إلى آخره: اختُلِف في آخر آية أنزلت، فقيل ما قال البراء، وقال ابن عباس: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وقيل: ﴿قُل لَّ أَجِدُ ... ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، والجمع بينها أن يقال: إن آية الكلالة آخر ما نزل من آيات المواريث، وآخر آية أنزلت في حصر المحرمات: ﴿قُل لَّ أَجِدُ ... ﴾، والظاهر أن آخر الآيات نزولاً: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾؛ لأن الكمال لمّا حَصَل لم يبق بعده ما يزاد، والله أعلم. وأما قوله: ((آخر سورة نزلت براءة))؛ فقد فَسَّر مراده بقوله في الرواية الأخرى: ((أنزلت كاملة))، ومع ذلك: فقد قيل: إن آخر سورة نزلت: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ ﴾﴾، وكانت تسمى سورة التوديع. وقد اختُلِف في وقت نزولها على أقوال: أشبهها قول ابن عمر ﴿ًّا: إنها نزلت في حَجَّة الوداع، ثم نزلت بعدها: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فعاش بعدها ثمانين يوماً، ثم نزلت بعدها آية الكلالة، فعاش بعدها خمسين يوماً، ثم نزل بعدها: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكُ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]، فعاش بعدها خمسة وثلاثين يوماً، ثم نزلت بعدها: ﴿وَأَثَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١]، فعاش بعدها أحداً وعشرين يوماً، وقال مقاتل: سبعة أيام، والله أعلم. ذكر هذا الترتيب أبو الفضل محمد بن يزيد بن طيفور الغزنويّ في كتابه المسمَّى بـ((عيون معاني التفسير)). انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أنه قد اختلفت الروايات في آخر ما نزل من القرآن، وقد عقد له السيوطيّ رَّتُهُ في ((الإتقان)) باباً. أخرج البخاريّ في ((صحيحه)) عن ابن عبّاس ﴿مّ أنه قال: آخر آية نزلت على النبيّ وَّ آية الربا. (١) ((المفهم)) ٥٧٣/٤ - ٥٧٤.