Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ (٥٢) - بَابُ قَدْرِ الطَّرِيقِ إِذَا اخْتَلَفُوا فِيهِ - حديث رقم (٤١٣٢) أقلّ مُنِعَ؛ لئلا يُضَيِّق الطريقَ على غيره. انتهى(١). وقال القرطبيّ رَّتُهُ: هذا محمول على أمهات الطرق التي هي ممرّ عامة الخلق بأحمالهم، ومواشيهم، فإذا تشاحّ من له أرض تتصل بها مع من له فيها حقّ جُعِل بينهما سبع أذرع، بالذراع المتعارفة في ذلك طريقاً للناس، وخُلِّي بينهما وبين ما زاد على ذلك، وأما بنيّات الظُّرُق فبحسب ما تدلّ عليه العادة، وتدعو إليه الحاجة، وذلك يختلف بحسب اختلاف أحوال المتنازعين، فليست طريقُ مَن عادته استعمال الدوابّ والمواشي وأهل البادية، كعادة من لا يكون كذلك، من أهل الحاضرة، ولا مسكن الجماعة كمسكن الواحد والاثنين، وإنما ذلك بحسب مصلحتهم، وعلى هذا يحتاج أهل البادية من توسيع الطريق إلى ما لا يحتاج إليه أهل الحاضرة، وتَحتاج ◌ُرُق الفيافي والقفار من التوسيع أكثر من سبع أذرع؛ لأنها مجرُّ الجيوش والرِّفاق الكبار، وكل هذا تفصيل أصحابنا - يعني: المالكيّة - وصحيح مذهب مالك، ولو جُعل الطريق في كل محلٌّ سبع أذرع لأضرّ ذلك بأملاك كثير من الناس، ويلزم أن تُجعل بنيَّات الطرق من الأزقّة وغيرها كالأمهات المسلوكة للناس، وكطرق الفيافي، وذلك مُحالٌ عاديّ، وفسادٌ ضروريٌّ. انتهى كلام القرطبيّ كَُّهُ(٢)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. وقال النوويّ كَُّ: وأما قَدْر الطريق، فإن جَعَل الرجل بعض أرضه المملوك طريقاً مُسَبَّلةً للمارّين، فقدْرها إلى خِيرته، والأفضل توسيعها، وليست هذه الصورة مرادةَ الحديث، وإن كان الطريق بين أرض لقوم، وأرادوا إحياءها، فإن اتَّفَقوا على شيء فذاك، وإن اختلفوا في قدره جُعِل سبع أذرع، وهذا مراد الحديث، أما إذا وجدنا طريقاً مسلوكاً، وهو أكثر من سبعة أذرع، فلا يجوز لأحد أن يستولي على شيء منه، وإن قلَّ، لكن له عمارة ما حَوَاليه من الموات، ويملكه بالإحياء، بحيث لا يضرّ المارين. قال: قال أصحابنا - يعني: الشافعيّة -: ومتى وجدنا جادّةً مستطرقةً، ومسلكاً مشروعاً نافذاً حكمنا باستحقاق الاستطراق فيه بظاهر الحال، ولا يُعتبر (١) ((الفتح)) ٢٩٤/٦. (٢) ((المفهم)» ٤/ ٥٣٣. ١٤٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع مبتدأُ مصيره شارعاً، قال إمام الحرمين وغيره: ولا يحتاج ما يجعله شارعاً إلى لفظ في مصيره شارعاً ومُسَبَّلاً، هذا ما ذكره أصحابنا فيما يتعلق بهذا الحديث. وقال آخرون: هذا في الأفنية، إذا أراد أهلها البنيان، فيُجعَل طريقهم عرضه سبعة أذرع؛ لدخول الأحمال والأثقال، ومخرجها، وتلاقيها، قال القاضي عياض: هذا كله عند الاختلاف، كما نُصَ عليه في الحديث، فأما إذا اتَّفَق أهل الأرض على قسمتها، وإخراج طريق منها كيف شاؤوا فلهم ذلك، ولا اعتراض عليهم؛ لأنها ملكهم. انتهى كلام النوويّ ◌َّثُهُ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال الإمام البخاريّ تَّثُ في ((صحيحه)): ((باب إذا اختلفوا في الطريق الْمِيتاء، وهي الرَّحْبة تكون بين الطريق، ثمّ يريد أهلها البنيان، فتُرك منها للطريق سبعة أذرُع)). انتهى. قال في ((الفتح)): قوله: ((وهي الرَّحْبَة تكون بين الطريقين، ثم يريد أهلها البنيان إلخ ... )) وهو مصير منه إلى اختصاص هذا الحكم بالصورة التي ذكرها، وقد وافقه الطحاويّ على ذلك، فقال: لم نجد لهذا الحديث معنى أولى من حمله على الطريق التي يُراد ابتداؤها، إذا اختَلَف من يبتدئها في قَدْرها، كبَلَد يفتحها المسلمون، وليس فيها طريق مسلوك، وكموات يعطيه الإمام لمن يحييها، إذا أراد أن يَجعل فيها طريقاً للمارّة، ونحو ذلك، وقال غيره: مراد الحديث أن أهل الطريق إذا تراضوا على شيء كان لهم ذلك، وإن اختلفوا جُعِل سبعة أذرع، وكذلك الأرض التي تُزْرَع مثلاً إذا جَعَل أصحابها فيها طريقاً كان باختيارهم، وكذلك الطريق التي لا تُسْلَك إلا في النادر يُرجع في أفنيتها إلى ما يتراضى عليه الجيران. انتهى (١). والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة عَنْه هذا متّفق عليه . (١) ((الفتح)) ٢٩٣/٦ - ٢٩٤. ١٤٣ (٥٢) - بَابُ قَدْرِ الطَّرِيقِ إِذَا اخْتَلَفُوا فِيهِ - حديث رقم (٤١٣٢) (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤١٣٢/٥٢] (١٦١٣)، و(البخاريّ) في ((المظالم)) (٢٤٧٣)، و(أبو داود) في ((الأقضية)) (٣٦٣٣)، و(الترمذيّ) في ((الأحكام)) (١٣٥٥)، و(ابن ماجه) في ((الأحكام)) (٢٢٣٨)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١/ ٣٣٣)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٤٩/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٦/ ٦٩ و١٥٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَّتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ . ١٤٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفرائض ٢٢ - (كِتَابُ الْفَرائِضِ) مسائل تتعلّق بهذه الترجمة: (المسألة الأولى): في بيان وجه مناسبة هذا الكتاب للأبواب السابقة: لَمّا كانت الكتب السابقة، من البيع، والمزارعة، والمساقاة، والشفعة من وسائل اكتساب المال بالمال، أو بالجهد والعمل، أعقبه المصنّف تَّتُهُ بذكر ما يحصل به المال بغير مال، ولا جهد، أو عمل، وهو الميراث، والهبة، والوصيّة. فلذا جاء بكتاب الفرائض بعد كتاب البيوع، ثم أعقبه بكتاب الهبة، ثم بكتاب الوصيّة. أفاده بعض المحقّقين(١). (المسألة الثانية): (اعلم): أن علم الفرائض من أهمّ العلوم الدينيّة، وأدلّ دليل على ذلك اهتمام الشارع به اهتماماً زائداً، فبينما نرى القرآن الكريم يكتفي في أكثر أبواب الأحكام ببيان أصول كلّيّة دون التعرّض للجزئيّات والتفاصيل في الغالب، نجده في باب الفرائض يهتمّ ببيان جزئيّاته وتفاصيله الدقيقة، ويصرّح بذكر السهام لكلّ واحد من الورثة في بسط واستقصاء، وهذا فيه دلالة واضحة على أهميّة علم الفرائض. وأما الأحاديث الواردة في فضل الفرائض وتعلّمها، فليست صحيحة، وإنما العمدة هو دلالة الكتاب، كما ذكرته آنفاً . (فمنها): حديث ابن مسعود ظُه قال: قال لي رسول الله وَلقوله: ((تعلّموا العلم، وعلّموه الناس، تعلّموا الفرائض، وعلّموه الناس، تعلّموا القرآن، وعلّموه الناس، فإني امرؤ مقبوض، والعلم سيقبض، وتظهر الفتن، حتى يختلف اثنان في فريضة، لا يجدان أحداً يفصل بينهما))، أخرجه الدارميّ، وهو (١) راجع: ((تكملة فتح الملهم)) ٥/٢. ١٤٥ ٢٢ - كِتَابُ الْفَرائِضِ حديث ضعيف؛ للاضطراب فيه، ولأن في سنده سليمان بن جابر الْهَجريّ، وهو مجهول. (ومنها): حديث أبي بكرة وظالله قال: قال رسول الله وَله: «تعلّموا القرآن، وعلّموه الناس، وتعلّموا الفرائض، وعلّموها الناس، أوشك أن يأتي على الناس زمان، يختصم رجلان في الفريضة، فلا يجدان من يفصل بينهما))، رواه الطبرانيّ في ((الأوسط))(١) . وهو أيضاً حديث ضعيف؛ لأن في إسناده راشد الحمانيّ، وهو مقبول، والراوي عنه مجهول. (ومنها): حديث أبي هريرة به أن النبيّ وَإِ قال: ((تعلّموا الفرائض، وعلّموه الناس، فإنه نصف العلم، وهو يُنْسَى، وهو أول شيء يُنزَع من أمتي))، أخرجه ابن ماجه، وهو ضعيف؛ لأن في إسناده حفص بن عمر بن أبي العطاف، وهو ضعيف، وصححه الحاكم، وتعقّبه الذهبيّ بأن حفص بن عمر وَاهٍ بمرّة. (ومنها): حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﴿ه: أن رسول الله وعليه قال: ((العلم ثلاثة، وما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة، أو سُنَّة قائمة، أو فريضة عادلة))، أخرجه أبو داود، والحاكم، وصححه، وتعقّبه الذهبيّ، وهو كما قال؛ لأن في سنده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقيّ، وهو ضعيف، وشيخه عبد الرحمن بن رافع التنوخيّ، قاضي إفريقية منكر الحديث، قاله الذهبيّ، وغيره. وبالجملة فالأحاديث الواردة في هذا الباب ضعيفة، فتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق. (المسألة الثالثة): في تعريف ((الفرائض)): الفرائض: جمع فَرِيضة، كحديقة وحدائق، والفريضة فَعِيلة بمعنى مفروضة، مأخوذة من الفَرْض، وهو القطع، يقال: فَرَضتُ لفلان كذا؛ أي: (١) ((المعجم الأوسط)) ٤/ ٢٣٧. ١٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفرائض قطعت له شيئاً من المال، قاله الخطابيّ(١). وقيل: هو من فَرض القوس، وهو الحزّ الذي في طرفيه، حيث يوضع الْوَتَرُ ليثبت فيه، ويلزمه، ولا يزول، وقيل: الثاني خاصّ بفرائض الله، وهي ما أَلزَم به عباده، وقال الراغب: الفرض قطع الشيء الصَّلْب، والتأثير فيه، وخُصّت المواريث باسم الفرائض، من قوله تعالى: ﴿نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ [النساء: ١١٨]؛ أي: مُقَدَّراً، أو معلوماً، أو مقطوعاً عن غيرهم، قاله في ((الفتح)) (٢). وقال النوويّ تَخُّْ: الفرائض: هي جمع فريضة، من الْفَرْض، وهو التقدير؛ لأن سُهمان الفروض مقدَّرة، ويقال للعالم بالفرائض: فَرَضيٍّ؛ وفارض، وفَرِيضٌ، كعالم، وعَليم، حكاه المبرّد، وأما الإرث في الميراث، فقال المبرّد: أصله: العاقبة، ومعناه الانتقال من واحد إلى آخر. انتهى(٣). وقال الفيّوميّ نَّثُ: فُرْضَةُ القوس موضع حَزّها للوتر، والجمع: فُرَضٌ، وفِرَاضٌ، مثلُ بُرْمة وبُرَم، وبِرَام، والفُرْضَةُ في الحائط ونحوه، كالفُرْجَة، وجمعها: فُرَضٌ، وفُرْضََّةُ النهر الثُّلْمَة التي ينحدر منها الماء، وتصعد منها السفن، وفَرَضْتُ الخشبة فَرْضَاً، من باب ضَرَبَ: حززتها، وفَرَضَ القاضي النَّفَقَةَ فَرْضاً أيضاً: قَدَّرها، وحَكَمَ بها، والفَرِيضَةُ: فَعِيلة بمعنى مفعولة، والجمع: فَرائضُ، قيل: اشتقاقها من الفَرْضِ الذي هو: التقدير؛ لأن الفَرَائِضَ مقدَّرات، وقيل: من فَرْضِ القوس، وقد اشتهر على ألسنة الناس: ((تَعَلَّمُوا الفَرائِضَ، وعَلِّمُوُهَا النَّاسَ، فَإِنَّها نِصْفُ العِلْم))، بتأنيث الضمير، وإعادته إلى الفرائض؛ لأنها جمع مؤنث، ونُقِلَ: ((وعلّمَوَه، فإنه نصف العلم)) بالتذكير، بإعادته على محذوف؛ تنبيهاً على حذفه، والتقدير: تعلّموا علم الفَرَائِضِ، ومثله في التنزيل: ﴿وَكَمْ مِن قَرْيَةٍ أَهْلَكْتَهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَتَّا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ ٤ [الأعراف: ٤] والأصل: كم من أهل قرية، فأعاد الضمير في قوله: ﴿أَهْلَكْتَهَا﴾ على المضاف إليه، وفي قوله: ﴿هُمْ قَآئِلُونَ﴾ على المضاف المحذوف، قيل: (١) ((غريب الحديث)) للخطّابيّ ٤٥/٢ - ٤٦. (٢) ((الفتح)) ٤١٨/١٥ - ٤١٩ رقم (٦٧٢٣). (٣) ((شرح النوويّ)) ٥١/١١ - ٥٢. ١٤٧ ٢٢ - كِتَابُ الْفَرائِضِ سَمّاه نصفَ العلم باعتبار قسمة الأحكام إلى متعلّق بالحيّ، وإلى متعلّق بالميت، وقيل: توسعاً، والمراد: الحثّ عليه، كما في قوله وَلّ: ((الحجّ (١) عَرَفةُ)). انتهى(١). (المسألة الرابعة): في بيان بعض أسرار التوارث: (اعلم): أن الشيخ وليّ الله الدهلويّ كَّثُ تكلم في هذا الموضوع في كتابه النافع ((حجة الله البالغة))، فأجاد، وأفاد، قال تَخْدَثُهُ: ومسائل المواريث تبتنى على أصول: (منها): أن المعتبر في هذا الباب هو المصاحبة الطبيعية، والمناصرة، والموادة التي هي كمذهب جِبِلّيّ، دون الاتفاقات الطارئة، فإنها غير مضبوطة، ولا يمكن أن يبنى عليها النواميس الكلية، وهو قوله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضِ فِي كِتَبِ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٧٥]، فلذلك لم يُجعل الميراث إلا لأولي الأرحام غير الزوجين، فإنهما لاحقان بأولي الأرحام، داخلان في تضاعیفهم؛ لوجوه: منها: تأكيد التعاون في تدبير المنزل، والحث على أن يعرف كل واحد منهما ضرر الآخر ونفعه، راجعا إلى نفسه. ومنها: أن الزوج ينفق عليها، ويستودع منها ماله، ويأمنها على ذات يده حتى يتخيل أن جميع ما تركته أو بعض ذلك حقه في الحقيقة، وتلك خصومة لا تكاد تنصرم، فعالج الشرع هذا الداء بأن جعل له الربع، أو النصف؛ ليكون جابراً لقلبه، وكاسراً لسورة خصومته. ومنها: أن الزوجة ربما تَلِد من زوجها أولاداً هم من قوم الرجل، لا محالة، وأهل نسبه ومنصبه، واتصال الإنسان بأمه لا ينقطع أبداً، فمن هذا الجهة تدخل الزوجة في تضاعيف من لا ينفك عن قومه، وتصير بمنزلة ذوي الأرحام. ومنها: أنه يجب عليها بعده أن تعتد في بيته لمصالح لا تخفى، ولا مُتَكَفِّل لمعيشتها من قومه، فوجب أن تُجعل كفايتها في مال الزوج، ولا يمكن (١) ((المصباح المنير)) ٤٦٨/٢ - ٤٦٩. ١٤٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفرائض أن يجعل قَدْراً معلوماً؛ لأنه لا يُدرى كم يترك، فوجب جزء شائع؛ كالُّمُن، والربع. ومنها: أن القرابة نوعان: أحدهما: ما يقتضي المشاركة في الحسب والمنصب، وأن يكونا من قوم واحد، وفي منزلة واحدة. وثانيهما: ما لا يقتضي المشاركة في الحسب والنسب والمنزلة، ولكنه مَظِنّة الودّ والرفق، وأنه لو كان أمر قسمة التركة إلى الميت لَمَا جاوز تلك القرابة، ويجب أن يُفَضَّل النوع الأول على الثاني؛ لأن الناس عربهم وعجمهم يرون إخراج منصب الرجل، وثروته من قومه إلى قوم آخرين جوراً وهضماً، ويسخطون على ذلك، وإذا أُعطي مال الرجل ومنصبه لمن يقوم مقامه من قومه، رأوا ذلك عدلاً، ورضوا به، وذلك كالجبلّة التي لا تنفك منهم، إلا أن تقطع قلوبهم، اللهم إلا في زماننا حين اختلت الأنساب، ولم يكن تَناصُرهم بنسبهم، ولا يجوز أن يُهْمَل حق النوع الثاني أيضاً بعد ذلك، ولذلك كان نصيب الأم مع أن بِرّها أوجب، وصلتها أوكد أقل من نصيب البنت والأخت، فإنها ليست من قوم ابنها، ولا من أهل حسبه ونسبه ومنصبه وشرفه، ولا ممن يقوم مقامه، ألا ترى أن الابن ربما يكون هاشميّاً، والأم حبشية، والابن قرشيّاً، والأم عجمية، والابن من بيت الخلافة، والأم مغموصاً عليها بعهر ودناءة، أما البنت والأخت فهما من قوم المرء، وأهل منصبه، وكذلك أولاد الأم لم يرثوا حين ورثوا إلا ثلثاً، لا يزاد لهم عليه البتة، ألا ترى أن الرجل يكون من قريش، وأخوه لأمه من تميم، وقد يكون بين القبيلتين خصومة، فينصر كل رجل قومه على قوم الآخر، ولا يرى الناس قيامه مقام أخيه عدلاً، وكذلك الزوجة التي هي لاحقة بذوي الأرحام داخلة في تضاعيفها، لم تجد إلا أوكس الأنصباء، وإذا اجتمعت جماعة منهنّ اشتركن في ذلك النصيب، ولم يَرْزَأْنَ سائر الورثة البتة، ألا ترى أنها تتزوج بعد بعلها زوجاً غيره، فتنقطع العلاقة بالكلية. وبالجملة فالتوارث يدور على معان ثلاثة: القيام مقام الميت في شرفه ومنصبه، وما هو من هذا الباب، فإن الإنسان يسعى كل السعي ليبقى له خلف يقوم مقامه. ١٤٩ ٢٢ - كِتَابُ الْفَرائِضِ والخدمة، والمواساة، والرفق، والحدب عليه من هذا الباب. الثالث: القرابة المتضمنة لهذين المعنيين جميعاً، والأقدم بالاعتبار هو الثالث، ومظنتها جميعاً على وجه الكمال من يدخل في عمود النسب، كالأب، والجدّ، والابن، وابن الابن، فهؤلاء أحقّ الورثة بالميراث، غير أن قيام الابن مقام أبيه، هو الوضع الطبيعيّ الذي عليه بناء العالم من انقراض قرن، وقيام القرن الثاني مقامهم، وهو الذي يرجونه، ويتوقعونه، ويحصلون الأولاد والأحفاد لأجله، أما قيام الأب بعد ابنه، فكأنه ليس بوضع طبيعيّ، ولا ما يطلبونه، ويتوقعونه، ولو أن الرجل خُيِّر في ماله لكانت مواساة ولده أملك لقلبه من مواساة والده، فلذلك كانت السُّنَّة الفاشية في طوائف الناس تقديم الأولاد على الآباء، أما القيام مقامه فمظنته بعدما ذكرنا الإخوة، ومن في معناهم ممن هم كالعضد، وكالصنو، ومن قوم المرء، وأهل نسبه وشرفه، وأما الخدمة والرفق فمظنة القرابة القريبة، فالأحقّ به الأم والبنت، ومن في معناهما، ممن يدخل في عمود النسب، ولا تخلو البنت من قيام ما مقامه، ثم الأخت، ولا تخلو أيضاً من قيام ما مقامه، ثم مَن به علاقة التزوج، ثم أولاد الأم، والنساء لا يوجد فيهنّ معنى الحماية، والقيام مقامه، كيف والنساء ربما تزوّجن في قوم آخرين، ويدخلن فيهم، اللهم إلا البنت والأخت على ضعف فيهما، ويوجد في النساء معنى الرفق والحدب كاملاً موقَّراً، وإنما مظنة القرابة القريبة جدّاً؛ كالأم، والبنت، ثم الأخت؛ دون البعيدة؛ كالعمة، وعمة الأب، والباب الأول يوجد في الأب والابن كاملاً، ثم الإخوة، ثم الأعمام، والمعنى الثاني يوجد في الأب كاملاً، ثم الابن، ثم الأخ لأب وأم، أو لأم، وإنما مظنة القرابة القريبة دون البعيدة، فمن ثَمَّ لم يُجعل للعمة شيء مما للعمّ؛ لأنها لا تذُبّ عنه، كما يذُبّ العم، وليست كالأخت في القرب. ومنها: أن الذكر يُفَضَّل على الأنثى، إذا كانا في منزلة واحدة أبداً؛ لاختصاص الذكور بحماية البيضة، والذبّ عن الذُّمار، ولأن الرجال عليهم إنفاقات كثيرة، فهم أحقّ ما يكون شبه الْمُجّان، بخلاف النساء، فإنهن كَلٌّ على أزواجهن، أو آبائهن، أو أبنائهن، وهو قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَآءِ بِمَا فَضَلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُواْ﴾ [النساء: ٣٤]، وقال ابن ١٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفرائض في مسألة ثلث الباقي: ما كان الله لِيَريَنِّي أن أفضّل أمّاً على أب، مسعود رضي غير أن الوالد لمّا اعتبر فَضَّله مرة بجمعه بين العصوبة والفرض، ولم يعتبر ثانياً بتضاعف نصيبه أيضاً، فإنه غمط لحقّ سائر الورثة، وأولاد الأم ليس للذكر منهم حماية للبيضة، ولا ذبّ عن الذمار، فإنهم من قوم آخرين، فلم يُفَضَّل على الأنثى، وأيضاً فإن قرابتهم منشعبة من قرابة الأم، فكأنهم جميعاً إناث. ومنها: أنه إذا اجتمع جماعة من الورثة، فإن كانوا في مرتبة واحدة، وجب أن يوزع عليهم؛ لعدم تقدم واحد منهم على الآخر، وإن كانوا في منازل شتى، فذلك على وجهين، إما أن يعمهم اسم واحد، أو جهة واحدة، والأصل فيه أن الأقرب يحجب الأبعد حرماناً؛ لأن التوارث إنما شرع حثّاً على التعاون، ولكل قرابة وتعاون، كالرفق فيمن يعمهم اسم الأم، والقيام مقام الرجل فيمن يعمهم اسم الابن، والذبّ عنه، فيمن يعمهم اسم العصوبة، ولا تتحقق هذه المصلحة إلا بأن يتعيّن من يؤاخذ نفسه بذلك، ويلام على تركه، ويتميز مِنْ سائر مَن هنالك بالنّبل، إما فضل سهم على سهم، فلا يجدون له كثير بال، أو تكون أسماؤهم وجهاتهم مختلفة، والأصل فيه أن الأقرب، والأنفع فيما عند الله مِنْ عِلْم المظانّ الغالبية، يحجب الأبعد نقصاناً. ومنها: أن السهام التي تعيّن بها الأنصباء يجب أن تكون أجزاؤها ظاهرة يتميزها بادئ الرأي المحاسب وغيره، وقد أشار النبيّ وَ ل18 في قوله: ((إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب)) إلى أن الذي يليق أن يخاطب به جمهور المكلفين هو ما لا يحتاج إلى تعمق في الحساب، ويجب أن يكون بحيث يظهر فيها ترتيب الفضل والنقصان بادئ الرأي، فآثر الشرع من السهام فصلين: الأول الثلثان والثلث والسدس، والثاني النصف والربع والثمن، فإن مخرجهما الأصليّ أولاً الأعداد، ويتحقق فيهما ثلاث مراتب، بَيْن كل منها نسبة الشيء إلى ضعفه، ترفعاً، ونصفه تنزلاً، وذلك أدنى أن يظهر فيه الفضل والنقصان محسوساً متبيناً، ثم إذا اعتُبر فضلٌ ظهرت نسب أخرى لا بد منها في الباب؛ كالشيء الذي زيد على النصف، فلا يبلغ التمام، وهو الثلثان، والشيء الذي ينقص عن النصف، ولا يبلغ الربع، وهو الثلث، ولم يعتبر الخمس والسبع؛ لأن تخريج مخرجهما أدقّ، والترفع والتنزل فيهما يحتاج إلى تعمق في ١٥١ ٢٢ - كِتَابُ الْفَرائِضِ الحساب، وقال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَدِكُمٌّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِّ فَإِن كُنَّ نِسَآءُ فَوْقَ أَثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَةٌ وَإِن كَانَتْ وَحِدَةً فَلَهَا النَّصْفُّ﴾ [النساء: ١١]، أقول: يَضْعَف نصيب الذكر على الأنثى، وهو قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَلَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤]، وللبنت المنفردة النصف؛ لأنه إن كان ابن واحد لأحاط المال، فمن حق البنت الواحدة أن تأخذ نصفه قضية للتضعيف، والبنتان حكمهما حكم الثلاث بالإجماع، وإنما أعطيتا الثلثين؛ لأنه لو كان مع البنت ابن لوجدت الثلث، فالبنت الأخرى أولى ألا ترزأ نصيبها من الثلث، وإنما أُفْضِل للعصبة الثلث؛ لأن للبنات معونةً، وللعصبات معونةً، فلم يُسقط إحداهما الأخرى، لكن كانت الحكمة أن يُفَضَّل من في عمود النسب على من يحيط به من جوانبه، وذلك نسبة الثلثين من الثلث، وكذلك حال الوالدين مع البنين والبنات، وقال الله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ, وَلَدٌ فَإِنِ لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ: أَبَوَهُ فَلِأُقِّهِ الثُّلُثُّ فَإِنِ كَانَ لَهُو إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسِّ﴾ الآية [النساء: ١١]. أقول: قد علمتَ أن الأولاد أحقّ بالميراث من الوالدين، وذلك بأن يكون لهم الثلثان، ولهما الثلث، وإنما لم يجعل نصيب الوالد أكثر من نصيب الأم؛ لأنه اعتبر فضله من جهة قيامه مقام الولد، وذبه عنه مرة واحدة بالعصوبة، فلا يعتبر ذلك الفضل بعينه في حقّ التضعيف أيضاً، وعند عدم الولد لا أحقّ من الوالدين، فأحاط تمام الميراث، وفُضِّل الأب على الأم، وقد علمت أن الفضل المعتبر في أكثر هذه المسائل فضل التضعيف، ثم إن كان الميراث للأم والإخوة، وهم أكثر من واحد، وجب أن ينقص سهمها إلى السدس؛ لأنه إن لم تكن الإخوة عصبة، وكانت العصبات أبعد من ذلك، فالعصوبة والرفق والمودة على السواء، فجُعل النصف لهؤلاء، والنصف لهؤلاء، ثم قسم النصف على الأم وأولادها، فجعل السدس لها البتة، لا ينقص سهمها منه، والباقي لهم جميعاً، وإن كانت الإخوة عصبات، فقد اجتمع فيهم القرابة القريبة، والحماية، وكثيراً ما يكون مع ذلك ورثة آخرون، كالبنت، والبنين، والزوج، فلو لم يجعل لها السدس حصل التفسيقٍ عليهم، وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَجُكُمْ إِن لَّْ يَكُنْ لَّهُرَ وَلَدُّ فَإِن كَانَ لَهُنَّ ١٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفرائض وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبْعُ مِمَّا تَرَكْنَّ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُؤُصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍّ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ اُلْثُّمُنُ مِمَّا تَكْتُمْ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ تُوُصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]. أقول: الزوج يأخذ الميراث؛ لأنه ذو اليد عليها، وعلى مالها، فإخراج المال من يده يسوؤه، ولأنه يودّع منها، ويأمنها في ذات يده حتى يتخيل أن له حقّاً قويّاً فيما في يدها، أو الزوجة تأخذ حقّ الخدمة والمواساة والرفق، ففضل الزوج على الزوجة، وهو قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النَّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]، ثم اعتُبر ألا يضيّقا على الأولاد، وقد علمت أن الفضل المعتبر في أكثر المسائل فضل التضعيف، قال تعالى: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ: أَخُ أَوْ أُخْتُ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا اُلسُّدُسُنَّ فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِ الثُّلْثِ﴾ [النساء: ١٢]. أقول: هذه الآية في أولاد الأمّ؛ للإجماع، ولمّا لم يكن له والد ولا ولد جُعِل لحقّ الرفق - إذا كانت فيهم الأمّ - النصف، ولحقّ النصرة والحماية النصف، فإن لم تكن أم جُعل لهم الثلثان، ولهؤلاء الثلث، قال الله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِى الْكَلَلَةِ إِنِ آَمُمَا هَكَ لَيْسَ لَهُ, وَلَدٌ وَلَّهُ أُخْتُ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكْ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَمْ يَكُنْ لَمَا وَلَدْ فَإِن كَانَتَا أَثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا اُلْثُُّثَانِ مِمَا تَرَفْ وَإِن كَانُوَأْ إِخْوَةٌ رِّجَالًا وَنِسَاءَ فَلِلَّذَّكَرٍ مِثْلُ حَظِ اٌلْأُنَيْنِ﴾ الآية [النساء: ١٧٦]. أقول: هذه الآية في أولاد الأب بني الأعيان، وبني العّلات بالإجماع، والكلالة من لا والد له، ولا ولد، وقوله: ﴿لَيْسَ لَهُ، وَلَدٌ﴾، كشف لبعض حقيقة الكلالة، والجملة في ذلك أنه إذا لم يوجد من يدخل في عمود النسب، حُمِل أقرب من يشبه الأولاد، وهم الإخوة والأخوات على الأولاد، قال رسول الله صلى: ((ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو الأولى رجل ذكر)). أقول: قد علمت أن الأصل في التوارث معنيان، وقد ذكرناهما، وأن المودّة والرفق لا يُعتبر إلا في القرابة القريبة جدّاً كالأمّ، والإخوة، دون ما سوى ذلك، فإذا جاوزهم الأمر تعيَّن التوارث بمعنى القيام مقام الميت، والنصرة له، وذلك قوم الميت، وأهل نسبه، وشرفه الأقرب فالأقرب، قال ◌َله : ((لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم)». ١٥٣ ٢٢ - كِتَابُ الْفَرائِضِ أقول: إنما شُرع ذلك؛ ليكون طريقاً إلى قطع المواساة بينهما، فإن اختلاط المسلم بالكافر يفسد عليه دينه، وهو قوله تعالى في حكم النكاح: ﴿أُوْلَيْكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٢١]. وقال ◌َ: ((القاتل لا يرث))، أقول: إنما شُرع ذلك؛ لأن من الحوادث الكثيرة الوقوع أن يقتل الوارث مُوَرِّثه؛ ليحرز ماله، لا سيما في أبناء العم ونحوهم، فيجب أن تكون السُّنَّة بينهم تأييس مَن فَعَلَ ذلك عما أراده؛ لتقطع عنهم تلك المفسدة. وجرت السُّنَّة ألا يرث العبد، ولا يورَث، وذلك لأن ماله لسيده، والسيد أجنبيّ. وقال : ((إن أعيان بني الأم يتوارثون، دون بني العلات))، أقول: وذلك لِمَا ذكرنا من أن القيام مقام الميت مبناه على الاختصاص، وحجب الأقرب والأبعد بالحرمان، وأجمعت الصحابة ﴿ه في زوج وأبوين، وامرأة وأبوين، أن للأم ثلث الباقي، وقد بَيَّن ابن مسعود ذلك بما لا مزيد عليه، حيث قال: ما كان الله ليريني أن أفضل أمّاً على أب. وقضى رسول الله صل﴿ في بنت وابنة ابن، وأخت لأب وأم، للابنة النصف، ولابنة الابن السدس، وما بقي فللأخت، أقول: وذلك لأن الأبعد لا يزاحم الأقرب فيما يجوزه، فما بقي، فإن الأبعد أحقّ به حتى يستوفي ما جعل الله لذلك النصف، فالابنة تأخذ النصف كاملاً، وابنة الابن في حكم البنات، فلم تزاحم البنت الحقيقية، واستوفت ما بقي من نصيب البنات، ثم كانت الأخت عصبةً؛ لأن فيها معنى من القيام مقام البنت، وهي من أهل شرفه . وقال عمر ته في زوج وأم وإخوة لأب وأم وإخوة لأم: لم يزدهم الأب إلا قرباً، وتابع عليه ابن مسعود، وزيد، وشُريح ﴿ه وخلائق، وهذا القول أوفق الأقوال بقوانين الشرع، وقضى للجدة بالسدس إقامةً لها مقام الأم عند عدمها . وكان أبو بكر، وعثمان، وابن عباس ﴿ه يجعلون الجد أباً، وهو أولى الأقوال عندي. ١٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفرائض وأما الولاء فالسرّ فيه النصرة، وحماية البيضة، فالأحقّ بها مولى النعمة، ثم بعده الذكور من قومه، الأقرب فالأقرب، والله أعلم. انتهى كلام الشيخ وليّ الله الدهلويّ كَُّ(١)، وهو بحث مفيدٌ جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) - (بَابٌ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّل الكتاب قال: [٤١٣٣] (١٦١٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لِيَحْبَى - قَالَ بَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْئَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنٍ زَيْدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ قَالَ: ((لَا بَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ))). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (يَحْيَى بْنُ بَحْتَى) التميميّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه تقدّم قبل بابين. ٤ - (ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان، تقدّم قبل باب. ٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم أيضاً قبل باب. ٦ - (عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ) بن عليّ بن أبي طالب، زين العابدين، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ فقيهٌ فاضلٌ مشهور [٣] (ت٩٣) (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٨١٨/٣٠. ٧ - (عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ) بن عفّان بن العاص الأمويّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في ((الجنائز)) ٢١٤٩/٩. ٨ - (أُسَامَةُ بْنُ زَيْدِ) بن حارثة بن شراحيل الْكَلبيّ الأمير، أبو محمد، أو أبو زيد الصحابيّ ابن الصحابيّ ◌ًَّا مات سنة (٥٤) وهو ابن (٧٥) سنة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٤/٤٣. (١) ((حجة الله البالغة)) ١٥٤/٢. ١٥٥ (١) - بَابٌ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ - حديث رقم (٤١٣٣) [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه مسلسلٌ بالمدنيين من الزهريّ، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، وأن صحابيّه ابن صحابيّ، حِبّ رسول الله وَّة، وابن حبّه شرح الحديث : (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم (عَنْ عَلِيٍّ بْنِ حُسَيٍْ) المعروف بزين العابدين (عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ) بن عفّان. [تنبيه]: قال في ((الفتح)): اتَّفَقَ الرواة عن الزهريّ أن عَمْرو بن عثمان بفتح أوله، وسكون الميم، إلا أن مالكاً وحده قال: عُمَر - بضم أوله، وفتح الميم - وشَذَّت روايات عن غير مالك على وفقه، وروايات عن مالك على وفق الجمهور، وقد بيَّن ذلك ابن عبد البر وغيره، ولم يُخرج البخاريّ رواية مالك، وقد عَدَّ ذلك ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) له في أمثلة المنكر، وفيه نظرٌ أوضحه شيخنا في ((النكت))، وزدت عليه في الإيضاح. انتهى. وعبارة العراقيّ في ((التقييد والإيضاح)) - بعد ذكر كلام ابن الصلاح -: حَكَمَ المصنف - يعني: ابن الصلاح - على حديث مالك هذا بأنه منكر، ولم أجد من أطلق عليه اسم النكارة، ولا يلزم من تفرد مالك بقوله في الإسناد: ((عُمَر) أن يكون المتن منكراً، فالمتن على كل حال صحيح؛ لأن عُمَر وعَمْراً كلاهما ثقة، وقد ذكر ابن الصلاح مثل ما أشرت إليه في النوع ((الثامن عشر)) أن من أمثلة ما وقعت العلة في إسناده من غير قدح في المتن ما رواه الثقة يعلى بن عبيد، عن سفيان الثوريّ، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن النبيّ وَّ قال: ((الْبَيِّعَان بالخيار ... )) الحديث، قال: فهذا إسناد متّصِلٌ بنقل العدل عن العدل، وهو مُعَلُّ غير صحيح، قال: والمتن على كل حال صحيح، والعلة في قوله: عن عمرو بن دينار، إنما هو عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، هكذا رواه الأئمة من أصحاب سفيان عنه، فوَهِمَ يعلى بن عبيد، وعَدَل عن عبد الله بن دينار إلى عمرو بن دينار، وكلاهما ثقةٌ. انتهى كلامه. فجَعَل الوهم في الإسناد بذكر ثقة آخر لا يُخرج ذلك المتن عن كونه صحيحاً، فهكذا يجب أن يكون الحكم هنا . ١٥٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفرائض على أنه قد اختُلِف على مالك في قوله: عُمَر وعَمْرو، فرواه النسائيّ في (سننه)) من رواية عبد الله بن المبارك، وزيد بن الْحُبَاب، ومعاوية بن هشام، ثلاثتهم عن مالك، فقالوا في روايتهم: عَمْرو بن عثمان، كرواية بقية أصحاب الزهريّ، لكن قال النسائيّ بعده: والصواب من حديث مالك عن عُمر بن عثمان، قال: ولا نعلم أحداً تابع مالكاً على قوله: عُمَر بن عثمان. انتهى. وقال ابن عبد البرّ في ((التمهيد)): إن يحيى بن بكير رواه عن مالك على الشكّ، فقال فيه: عن عَمْرو بن عثمان، أو عُمَر بن عثمان، قال: والثابت عن مالك: عُمَر بن عثمان، كما رَوَى يحيى، وتابعه القعنبيّ، وأكثر الرواة. انتهى. وقد خالف مالكاً في ذلك: ابنُ جريج، وسفيان بن عيينة، وهُشيم بن بشير، ويونس بن يزيد، ومعمر بن راشد، وابن الهاد، ومحمد بن أبي حفصة، وغيرهم، فقالوا: عَمْرو، وهو الصواب، والله أعلم. وقد رواه سفيان الثوريّ، وشعبة، عن عبد الله بن عيسى، عن الزهريّ، فخالفا فيه الفريقين معاً، فأسقطا منه ذكر عمرو بن عثمان، وجعلاه من رواية عليّ بن حسين، عن أسامة، والصواب رواية الجمهور، والله أعلم. انتهى(١). (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) ﴿هَا (أَنَّ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ))) وفي بعض النسخ: (ولا الكافر المسلم)) بحذف لفظة (يرث))، وعند البخاريّ في ((المغازي)) بلفظ: ((المؤمن)) في الموضعين، وأخرجه النسائيّ من رواية هشيم، عن الزهريّ بلفظ: ((لا يتوارث أهل ملتين))، وجاءت رواية شاذّة عن ابن عيينة، عن الزهريّ مثلها، وله شاهد عند الترمذيّ من حديث جابر ظه، وآخر من حديث عائشة حثها عند أبي يعلى، وثالث من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، في السنن الأربعة، وسند أبي داود فیہ إلی عَمْرو صحیح. وتمسك بها من قال: لا يرث أهل ملة كافرة من أهل ملة أخرى كافرة، وحملها الجمهور على أن المراد بإحدى الملتين الإسلام، وبالأخرى الكفر، فيكون مساوياً للرواية التي بلفظ حديث الباب، وهو أولى من حملها على ظاهر (١) ((التقييد والإيضاح)) ١٠٦/١ - ١٠٨. ١٥٧ (١) - بَابٌ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ - حديث رقم (٤١٣٣) عمومها، حتى يمتنع على اليهوديّ مثلاً أن يرث من النصرانيّ. واستُدِلّ بقوله: ((لا يرث الكافر المسلم)) على جواز تخصيص عموم الكتاب بالآحاد؛ لأن قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِيَّ أَوْلَدِكُمْ﴾ [النساء: ١١] عامّ في الأولاد، فخُصّ منه الولد الكافر، فلا يرث من المسلم بالحديث المذكور. وأجيب بأن المنع حَصَل بالإجماع، وخبر الواحد إذا حصل الإجماع على وفقه، كان التخصيص بالإجماع، لا بالخبر فقط. قال الحافظ: لكن يَحتاج من احتج في الشقّ الثاني به إلى جواب، وقد قال بعض الْحُذّاق: طريق العامّ هنا قطعيّ، ودلالته على كل فرد ظنية، وطريق الخاصّ هنا ظنية، ودلالته عليه قطعيةٌ، فيتعادلان، ثم يترجح الخاصّ بأن العمل به يستلزم الجمع بين الدليلين المذكورين، بخلاف عكسه. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن تخصيص عموم الكتاب بخبر الآحاد جائز، وواقع، كما أوضحت تحقيقه في ((التحفة المرضيّة))، و((شرحها))، فراجعها تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أسامة بن زيد ◌ًَّا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤١٣٣/١] (١٦١٤)، و(البخاريّ) في ((الفرائض)) (٤٢٨٢ و٦٨٦٤)، و(أبو داود) في ((سننه)) (٢٩٠٩)، و(الترمذيّ) في ((جامعه)) (٢١٠٧)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٨٢/٤ - ٨٢)، و(ابن ماجه) في ((سننه)) (٢٧٣٠)، و(مالك) في ((الموظّا)) (٥١٩/٢ - ٥٢٠)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (٢٣٥/١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٤/٦ - ١٥)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٨٣/٦ - ٢٨٤)، و(الحميديّ) في («مسنده)) (٢٤٨/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٠٠/٥ و٢٠١ و٢٠٨)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٤٦٦/٢ و٤٦٧)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٢٤٠/١)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٤/ ٣٨٤)، و(سعيد بن منصور) في ((سننه)) (٨٤/١ - ٨٥)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (١٦١/١) و((الكبير)) (١٦٧/١)، و(البزّار) في ((مسنده)) (٣٣/٧ ١٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفرائض و٣٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٣٥/٣ - و٤٣٦)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٢٦٥/٣ و٢٦٦)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢١٧/٦ و٢١٨ و٢٥٤) و((الصغرى) (٢٠٦/٧) و((المعرفة)) (٤٢/٥ و٦٨ و٦٩ و٣١١/٦ و٣١٢ و٣١٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في العمل بهذا الحديث: قال النوويّ تَّتُهُ: أجمع المسلمون على أن الكافر لا يرث المسلم، وأما المسلم فلا يرث الكافر أيضاً عند جماهير العلماء، من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم. وذهبت طائفة إلى توريث المسلم من الكافر، وهو مذهب معاذ بن جبل، ومعاوية، وسعيد بن المسيِّب، ومسروق، وغيرهم، ورُوي أيضاً عن أبي الدرداء، والشعبيّ، والزهريّ، والنخعيّ نحوه، على خلاف بينهم في ذلك، والصحيح عن هؤلاء كقول الجمهور، واحتَجُّوا بحديث: ((الإسلام يعلو، ولا يُعْلَى عليه))(١). وحجة الجمهور هنا الحديث الصحيح الصريح، ولا حجة في حديث: ((الإسلام يعلو، ولا يعلى عليه))؛ لأن المراد به فضل الإسلام على غيره، ولم يتعرض فيه لميراث، فكيف يترك به نصّ حديث: ((لا يرث المسلم الكافر))؟ ولعل هذه الطائفة لم يبلغها هذا الحدیث. انتھی(٢). وقال القرطبيّ تَّتُهُ: تضمَّن حديث الباب أمرين: أحدهما: مجمع على منعه؛ وهو: ميراث الكافر للمسلم. والثاني: مختلف فيه؛ وهو: ميراث المسلم الكافر؛ فذهب إلى منعه الجمهور من السَّلف ومَنْ بعدهم؛ فمنهم: عمر، وعليّ، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وجمهور أهل الحجاز والعراق: مالك، والشافعيّ، وأبو حنيفة، وابن حنبل، وعامة العلماء. وذهب إلى توريث المسلم من الكافر (١) حديث حسن، أخرجه الرويانيّ، والبيهقيّ، والضياء عن عائذ بن عمرو. راجع: ((صحيح الجامع)) للشيخ الألبانيّ كَذُ رقم (٢٧٧٨). (٢) ((شرح النوويّ)) ٥٢/١١. ١٥٩ (١) - بَابٌ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ - حديث رقم (٤١٣٣) معاذ، ومعاوية، وابن المسيب، ومسروق، وغيرهم. ورُوي عن أبي الدرداء، والشعبيّ، والنخعيّ، والزهريّ، وإسحاق، والحديث المتقدِّم حجّةٌ عليهم، ويَعْضُده حديث أسامة بن زيد؛ وهو: أن رسول الله وَّ قال: ((لا يتوارث أهل ملتين))، ونحوه في كتاب أبي داود، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه. وقد احتُجَّ للقول الثاني بما خرَّجه أبو داود من حدیث یحیی بن يعمر؛ واختصم إليه أخوان - يهودي ومسلم، فورَّث المسلم منهما، وقال: حدثني أبو الأسود: أن رجلاً حدثه: أن معاذاً قال: سمعت رسول الله وَل* يقول: ((الإسلام يزيد، ولا ينقص))(١)؛ فورَّث المسلم، وبما يُحكى عن النبيّ وَِّ: أنَّه قال - إن صحَّ -: ((إن الإسلام يعلو ولا يُعلَى عليه))(٢)، وبقياس الميراث على النكاح قالوا: كما يجوز لنا أن ننكح نساءهم، ولا يجوز لهم أن ينكحوا نساءنا؛ كذلك يجوز لنا أن نرثهم ولا يرثونا . قال القرطبيّ: ولا حجَّة لهم في شيء مما ذكروه، وأمَّا الحديثان، فلا يصحُّ منهما شيء، أمَّا الأول، فلأن فيه مجهولاً، وأمَّا الثاني، فكلامٌ يُحكى، ولا يُروى، سلَّمنا صحتهما، لكنَّا نقول بموجبهما، فإن دين الإسلام لم يزل يزيد إلى أن كَمُل في الحين الذي أنزل الله تعالى فيه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، ولم ينقص من أحكامه ولا شريعته التي شاء الله تعالى بقاءها شيءٌ، وقد أعلاه الله تعالى، وأظهرَه على الدِّين كلِّه، وكما وعدنا تعالى. سلَّمنا ذلك، لكن الأحاديث الأُوَلُ أرجح؛ لأنها متفق على صحتها، وهي نصوص في المطلوب، والقياس الذي ذكروه فاسد الوضع؛ لأنَّه في مقابلة النَّصّ، ولخلّوه عن الجامع. انتهى كلام القرطبيّ تَظُّهُ(٣). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من ذكر الأقوال، وأدلّتها أن أرجح المذاهب في هذه المسألة هو ما عليه الجمهور، من أنه لا يرث المسلم (١) حديث ضعيف، أخرجه أبو داود في ((سننه)) رقم (٢٥٢٤)، والراوي عن معاذ رجل مجهول. (٢) تقدّم أنه حديث حسن، فتنبّه. (٣) ((المفهم)) ٥٦٦/٤ - ٥٦٨. ١٦٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفرائض الكافر، ولا الكافر المسلم؛ عملاً بالنصّ الصحيح الصريح، وهو حديث الباب، ولم يوجد نصّ صحيح في قوّته يخالفه، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم إرث المرتدّ: قال النوويّ تَّتُهُ: وأما المرتدّ فلا يرث المسلم بالإجماع، وأما المسلم فلا يرث المرتدّ عند الشافعيّ، ومالك، وربيعة، وابن أبي ليلى، وغيرهم، بل يكون ماله فيئاً للمسلمين، وقال أبو حنيفة، والكوفيون، والأوزاعيّ، وإسحاق: يرثه ورثته من المسلمين، ورُوي ذلك عن عليّ، وابن مسعود، وجماعة من السلف، لكن قال الثوريّ، وأبو حنيفة: ما كَسَبَهُ في ردّته فهو للمسلمين، وقال الآخرون: الجميع لورثته من المسلمين. انتهى كلام النوويّ تَقَّهُ(١). وقال في ((الفتح)): واختُلِف في المرتدّ، فقال الشافعيّ، وأحمد: يصير ماله إذا مات فيئاً للمسلمين، وقال مالك: يكون فيئاً إلا إن قَصَد بردّته أن يَحْرِم ورثته المسلمين، فيكون لهم، وكذا قال في الزنديق، وعن أبي يوسف، ومحمد: لورثته المسلمين، وعن أبي حنيفة: ما كَسَبه قبل الردّة لورثته المسلمين، وبعد الردّة لبيت المال، وعن بعض التابعين كعلقمة: يستحقه أهل الدِّين الذي انتقل إليه، وعن داود: يختص بورثته من أهل الدِّين الذي انتقل إليه، ولم يفصِّل. فالحاصل من ذلك ستة مذاهب، حَرَّرها الماورديّ(٢). وقال القرطبيّ تَّثُ ما حاصله: أن المسلم والكافر المذكورين في حديث الباب للعموم، فلا يرث مسلماً ما كافراً ما، ولو كان مرتدّاً، وهو مذهب مالك، وربيعة، والشافعيّ، وابن أبي ليلى؛ قالوا: لا يرث المرتدَّ أحدٌ من المسلمين، ومالُهُ فَيٌ لبيت المال. وخالفهم في ذلك طائفة أخرى فقالوا: إن ورثته من المسلمين يرثونه، وبه قال الأوزاعيّ، وإسحاق، والحسن البصريّ، والشعبيّ، وعمر بن عبد العزيز، ورُوي ذلك عن عليّ، وابن مسعود. (١) ((شرح النوويّ)) ٥٢/١١ - ٥٣. (٢) ((الفتح)) ١٥/ ٤٩٦ - ٤٩٧.