Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
(٤٩) - بَابُ الشُّفْعَةِ - حديث رقم (٤١٢١)
ربعةٍ، أو حائطٍ، أو أرضٍ))، فأتى بـ((إنَّما)) التي هي للحصر، وهو أيضاً مفهوم
من الألف واللام في قوله: ((الشفعة فيما لم يقسم))، وبدليل: زيادة البخاريّ في
هذا الحديث: ((فإذا وَقَعَت الحدود، وصُرِفت الطرق فلا شفعة))، وهذا نصٌّ في
أن الشفعة مخصوصة بما ذكر في ذلك الحديث، وأما ذلك القياس فليس
بصحيح؛ لوجود الفرق بين الفرع والأصل، فإن الأصل الذي هو العقار يَعْظُم
الضرر فيه على الشريك بمشاركة الأجنبي له، ومخالطته، فقد يؤذيه، ولا يقدر
على التخلص منه؛ لصعوبة بيع العقار، وتَعَذّرِ ذلك في أكثر الأوقات، وليست
كذلك العُروض، وما يُنقل ويحوَّل، فإن الانفصال عن الشركة فيه يسير؛ لسهولة
بيعها، والخروج عنها في كلّ الأوقات، وأكثر الحالات؛ فانفصلا، فلا يصح
القياس.
وإذا ثبت أن الشفعة شُرِعت لرفع الضرر الكثير اللازم، فهل الوصفان
جُزءا علَّة، فلا تجري الشفعة إلا فيما اجتمعا فيه، أو يكون كل واحد منهما
علّة مستقلّة؟ فيه احتمال، وعليه ينبني الخلاف الذي عند أصحابنا - يعني:
المالكيّة - في الشفعة في الثمرة، والدُّيون، وكتابة المكاتب، والكراء،
والمساقاة، فإن الضرر فيها يعظم، وإن لم يلازم، فمن رأى أنه علَّة مستقلة
أوجب الشفعة، ومن رأى أن العلَّة مجموع الوصفين منعها في ذلك كله.
وذهب الشعبيّ إلى أنه لا شفعة في مُشاع لا يُسْكَن، وقال ابن شعبان
مثله عن مالك، فلا شفعة على هذا في أرض، ولا عقار يُتخَذ للغلَّة، وهو
مخالف للحديث المتقدم، فإنه قد نصّ فيه على الحائط، وهو المتخذ للغلّة،
وعلى الأرض، وهي تراد للزراعة، والصحيح الأول.
وذهب الجمهور: إلى أن الشفعة لا تجب بالجوار؛ وهو مذهب عمر،
وعليّ، وعثمان، ومَنْ بعدهم؛ كسعيد بن المسيِّب، وأبي سلمة بن
عبد الرحمن، وربيعة، والأوزاعيّ، ومالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق.
وذهب أبو حنيفة والكوفيون إلى أنه تجب به الشفعة، وبه قال ابن
مسعود، وسببهما معارضة حديثين صحيحين:
أحدهما: حديث جابر المتقدِّم، وقد خرَّجه البخاري. ولفظه فيه: ((الشفعة
فيما لم يُقْسَم، فإذا وقعت الحدود، وصُرِفت الطرق، فلا شفعة)).

١٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
وثانيهما: خرَّجه البخاريّ عن أبي رافع قال: سمعت النبيّ وَّ يقول:
((الجار أحقّ بصقبه))، وقد خرَّجه الترمذيّ من حديث جابر قال: قال
رسول الله وَله: ((الجار أحقّ بشفعته، يُنتَظَر إن كان غائباً إذا كان طريقهما
واحداً))، وقد تأوَّل بعض العلماء ((الجار)) في حديث البخاريّ بأنَّه الشريك،
كما قد تأول بعضهم: أن ((الصقب)) المذكور فيه: حقّ الجوار، كما قال في
الحديث الآخر: أن عائشة(١) قالت: يا رسول الله إن لي جارين. فإلى أيِّهما
أهدي؟ قال: ((إلى أقربهما منكِ باباً))، وهذان التأويلان فيهما بُعْدٌ، فإن حديث
الترمذي يَنُصّ على خلاف ذلك، وأشبه ما يقال في ذلك - فيما يظهر لي -: إن
حديث جابر الأول أرجح، لِمَا قارنه من عمل الخلفاء، وجمهور العلماء،
وأهل المدينة، وغيرهم، والله أعلم.
وأيضاً فإن أحاديث الجمهور مشهورة متّفَقٌ على صحتها، وأحاديث
الكوفيين ليست بمنزلتها في ذلك، فهي أولی.
[تفريع]: قال سفيان: الشريك أولى بالشفعة، ثمَّ الجار الذي حدُّه إلى
حدِّه، وقال أبو حنيفة: الشريك في الملك، ثم الشريك في الطريق، ثم الجار
الملاصق، ولا حقّ للجار الذي بينك وبينه الطريق. انتهى كلام
القرطبيّ كَُّهُ(٢) .
(لَا يَحِلُّ لَهُ)؛ أي: لمالِكِ ما تقدّم من الربعة، أو الحائط، أو الأرض
المشتركة (أَنْ يَبِيعَ)؛ أي: يبيع المذكور، فالمفعول محذوف (حَتَّى يُؤْذِنَ) من
الإيذان، وهو الإعلام؛ أي: حتى يُعلم (شَرِيكَهُ) قال الشوكانيّ ◌َّتُهُ: قوله:
((لا يحل له أن يبيع إلخ ... )): ظاهره أنه يجب على الشريك، إذا أراد البيع أن
يؤذِن شريكه، وقد حَكَى مثل ذلك القرطبيّ عن بعض مشايخه، وقال في ((شرح
الإرشاد)): الحديث يقتضي أنه يحرم البيع قبل العرض على الشريك، قال ابن
الرفعة: ولم أظفر به عن أحد من أصحابنا، ولا محيد عنه، وقد قال الشافعيّ:
(١) قال في ((المفهم)): ((أن رجلاً قال))، وما هنا هو الذي في ((صحيح البخاريّ))،
فتنبه .
(٢) ((المفهم)) ٥٢٤/٤ - ٥٢٧.

١٠٣
(٤٩) - بَابُ الشُّفْعَةِ - حديث رقم (٤١٢١)
إذا صح الحديث، فاضربوا بقولي عُرْضَ الحائط، وقال الزركشيّ: إنه
صَرّح به الفارقيّ، وقال الأذرعيّ: إنه الذي يقتضيه نصّ الشافعيّ،
وحمله الجمهور من الشافعية وغيرهم على الندب، وكراهةٍ ترك الإعلام،
قالوا: لأنه يَصْدُق على المكروه أنه ليس بحلال، وهذا إنما يتم إذا
كان اسم الحلال مختصّاً بما كان مباحاً، أو مندوباً، أو واجباً، وهو
ممنوع، فإن المكروه من أقسام الحلال، كما تقرر في الأصول. انتهى
كلام الشوكانيّ كَُّ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول بالوجوب هو الحقّ؛ لأن
لفظ: ((لا يحلّ)) ظاهر في التحريم، ولا ينافي ذلك عدم فساد البيع؛ إذ لا
يستلزم، كما سبق في النهي عن النجش، وبيع المصرّاة، وتلقّي الجلب، فكلها
محرّمة، ولم يفسد البيع بها، بل خُيّر المشتري بين إمضاء البيع، وفسخه، والله
تعالى أعلم.
(فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَلَكَ)؛ يعني أن الشريك إن شاء أخذ المبيع
بما أعطى المشتري من الثمن؛ لأنه أحقّ به بعد البيع، وإن شاء ترك
ذلك.
(فَإِذَا بَاعَ) مالكُ ما ذُكر من الربعة، وغيرها (وَلَمْ يُؤْذِنْهُ)؛ أي: لم يُعلم
شريكه بالبيع (فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ))؛ أي: فالشريك أولى بالمبيع من المشتري، يأخذه
بالثمن الذي اشتراه به، من عين، أو عَرَض، نقداً، أو إلى أجل، وهو قول
مالك، وأصحابه، وذهب أبو حنيفة، والشافعيّ إلى أنه لا يشفع إلى الأجل،
بل إنه إن شاء شفع بالنقد، وإن شاء صبر إلى الأجل، فيشفعه عنده. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ كَخَّتُ: وقوله: ((فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك))، يعني: إن
شاء أخذ الشفعة بما أُعطي به من الثمن؛ لأنه أحقّ به بعد البيع، فيكون له بما
أعطي به من الثمن قبله. وفيه دليل: على أن من نزل عن الشفعة قبل وجوبها
لزمه ذلك إذا وقع البيع، ولم يكن له أن يرجع فيه، وبه قال الثوريّ، وأبو
عبيد، والحكم، وهي إحدى الروايتين عن مالك، وأحمد بن حنبل، وذهب
(١) ((نيل الأوطار)) ٣٥٧/٥ - ٣٥٨.
(٢) ((المفهم)) ٥٢٨/٤.

١٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
مالك في المشهور عنه، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وعثمان الْبَتِّيّ، وابن
أبي ليلى إلى أن له الرُّجوعَ في ذلك، وهذا الخلاف جارٍ في كل من
أسقط شيئاً قبل وجوبه، كإسقاط الميراث قبل موت الْمُوَرِّث، وإجازة
الوارث الوصية قبل الموت، وإسقاط المرأة ما يجب لها من نفقة
وكسوة في السَّنة القابلة، ففي كل واحدة من تلك المسائل قولان.
انتهى(١).
وقال الشوكانيّ رَُّ: فيه دليل على ثبوت الشفعة للشريك الذي لم
يؤذنه شريكه بالبيع، وأما إذا أعلمه الشريك بالبيع، فأذن فيه فباع، ثم أراد
الشريك أن يأخذه بالشفعة، فقال مالك، والشافعيّ، وأبو حنيفة، والهادوية،
وابن أبي ليلى، والْبَتِّي، وجمهور أهل العلم: إن له أن يأخذه بالشفعة، ولا
يكون مجرد الإذن، مبطلاً لها، وقال الثوريّ، والْحَكَم، وأبو عبيد، وطائفة
من أهل الحديث: ليس له أن يأخذه بالشفعة، بعد وقوع الإذن منه بالبيع،
وعن أحمد روايتان، كالمذهبين. ودليل الآخِرِين مفهوم الشرط، فإنه يقتضي
عدم ثبوت الشفعة مع الإيذان من البائع، ودليل الأولين الأحاديث الواردة
في شفعة الشريك والجار، من غير تقييد، وهي منطوقات، لا يقاومها ذلك
المفهوم. ويجاب بأن المفهوم المذكور صالح لتقييد تلك المطلقات، عند
من عمل بمفهوم الشرط من أهل العلم، والترجيح إنما يصار إليه عند تعذر
الجمع، وقد أمكن ههنا بحمل المطلق على المقيد. انتهى كلام
الشوكانيّ ◌َذَتْهُ(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول الثاني، وهو عدم ثبوت
الشفعة بعد الإذن هو الأرجح، وهو الذي مال إليه البخاريّ ◌َّثُهُ، حيث ترجم
في (صحيحه)) بقوله: ((باب عرض الشفعة على صاحبها قبل البيع، وقال
الْحَكَم: إذا أذن له قبل البيع، فلا شُفعة له، وقال الشعبيّ: من بِيعت شفعته،
وهو شاهدٌ، لا يُغيّرها، فلا شفعة له)). انتهى.
(١) ((المفهم)) ٤/ ٥٢٧ - ٥٢٨.
(٢) ((نيل الأوطار)) ٣٥٨/٥.

١٠٥
(٤٩) - بَابُ الشُّفْعَةِ - حديث رقم (٤١٢٢)
والحاصل أن حمل المطلق الذي احتجّ به القائلون بثبوت الشفعة بعد
الإذن على المقيّد بمفهوم هذا الحديث أولى، كما أشار إليه الشوكانيّ في
كلامه المذكور آنفاً، والله تعالى أعلم.
وحديث جابر به هذا بهذا اللفظ من أفراد المصنّف تَّتُهُ، وقد تقدّم
بيان المسائل المتعلّقة به في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٢٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ
جُرَيْج، أَنَّ أَبًا الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكِ، فِي أَرْضٍ، أَوْ رَبْع، أَوْ حَائِطٍ، لَا
يَصْلُحُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَى شَرِيكِهِ، فَأْخُذَ، أَوْ يَدَعَ، فَّإِنْ أَبَى فَشَرِيكُهُ
أَحَقُّ بِهِ، حَتَّى يُؤْذِنَهُ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السّرْح
المصريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله المصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: ((الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ) جملة من مبتدٍ وخبر، و((الشفعة)) - بضم
الشين المعجمة، وسكون الفاء، وغَلِطَ من حرّكها -: لغةً مأخوذة من الشَّفْع،
وهو الزوج، وقيل: من الزيادة، وقيل غير ذلك.
وقوله: (فِي كُلّ شِرْكِ) بكسر أوله، وسكون الراء؛ أي: مشترك.
وقوله: (فِي أَرْضٍ) بالجرّ بدلٌ من الجارّ والمجرور قبله.
وقوله: (رَبْع): بفتح، فسكون: مَحِلّة القوم ومنزلهم، وقد يُطلق على

١٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
القوم مجازاً، والجمع رِبَاعٌ، مثلُ سهم وسِهَامِ، وأرباعٌ، وأَرْبُعٌ، ورُبُوعٌ، مثلُ
فُلُوس(١).
وقوله: (أَوْ حَائِطٍ)؛ أي: بستان النخل.
وقوله: (لَا يَصْلُحُ) بضم اللام، وفتحها، من بابي كرُم، ونَفَع، وفي
الرواية السابقة: ((لا يحلّ له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن
شاء ترك)).
وقوله: (حَتَّى يَعْرِض عَلَى شَرِيكِهِ) بفتح حرف المضارعة، وكسر الراء،
من باب ضرب، قال الجوهريّ رَّتُهُ: عَرَضتُ عليه أمرَ كذا، وعَرَضتُ له
الشيءَ؛ أي: أظهرته له، وأبرزته. انتهى (٢).
وقال المجد تَُّ: وعَرَضَ له كذا يَعْرِضُ: ظهر عليه وبدا، كعَرِضَ،
كسَمِعَ، والشيءَ له: أظهره له، وعليه: أراه إيّاه. انتهى(٣).
وقوله: (فَيَأْخُذَ) بالنصب عطفاً على ((يعرِضَ))؛ أي: يأخذ المبيع بثمنه من
يد المشتري.
وقوله: (أَوْ يَدَعَ)؛ أي: يترك أخذ المبيع.
وقوله: (فَإِنْ أَتَّى)؛ أي: امتنع البائع عن إعلام شريكه بالبيع.
(فَشَرِيكُهُ أَحَقُّ بِهِ)؛ يعني أن الشريك أحقّ بأخذ المبيع بالثمن الذي
اشتراه به المشتري، من عين، أو عَرض، نقداً، أو إلى أجل، كما سبق تحقيق
ذلك.
وقوله: (حَتَّى يُؤْذِنَهُ))) الظاهر أن الضمير المرفوع للشريك، والمنصوب
للبائع؛ أي: حتى يُعلم الشريكُ البائعَ بتركه؛ يعني: أنه أحق بالشفعة، إلى أن
يُعْلِن بالترك، فإذا ترك، فالبيع ثابت للمشتري.
والحديث بهذا اللفظ من أفراد المصنّف تَّتُهُ، وقد مضى تمام البحث
فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اُلْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١) ((المصباح المنير)) ٢١٦/١.
(٣) ((القاموس المحيط)) ص ٨٥٧.
(٢) ((الصحاح)) ص ٦٩٠.

١٠٧
(٥٠) - بَابُ غَرْزِ الْخَشَبِ فِي جِدَارِ الْجَارِ - حديث رقم (٤١٢٣)
(٥٠) - (بَابُ غَرْزِ الْخَشَبِ فِي جِدَارِ الْجَارِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌ََّثُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٢٣] (١٦٠٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((لَا يَمْنَعْ
أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً(١) فِي جِدَارِهِ)، قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا لِي
أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟ وَاللهِ لأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْيَى) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مَالِك) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قريباً.
٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم قبل باب.
٤ - (الأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣]
(ت١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٢/٢٣.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَبه، تقدّم قبل باب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد.
أنه من أصحّ أسانيد أبي هريرة ◌َظُه، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه
أبو هريرة رضيه أحفظ من روى الحديث في دهره.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَجِ) قال في ((الفتح)): كذا في ((الموطأ))، وقال
خالد بن مَخْلَد: ((عن مالك، عن أبي الزناد)) بدل الزهريّ، وقال بشر بن عُمَر:
((عن مالك، عن الزهريّ، عن أبي سلمة)) بدل الأعرج، ووافقه هشام بن
يوسف، عن مالك، ومعمر، عن الزهريّ، ورواه الدارقطنيّ في ((الغرائب))،
وقال: المحفوظ عن مالك الأولُ، وقال في ((العلل)): رواه هشام الدستوائيّ
(١) وفي نسخة: ((خَشَبَهُ)) بالإضافة.

١٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
عن معمر، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب بدل الأعرج، وكذا قال عُقيل:
عن الزهريّ، وقال ابن أبي حفصة: عن الزهريّ، عن حميد بن عبد الرحمن
بدل الأعرج، والمحفوظ: عن الزهريّ، عن الأعرج، وبذلك جزم ابن عبد البرّ
أيضاً، ثم أشار إلى أنه يَحْتَمِل أن يكون عند الزهريّ عن الجميع. انتهى(١).
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبَه (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ: ((لَا يَمْنَعْ) بالجزم على أن
((لا)) ناهية، ولأبي ذرّ في ((صحيح البخاريّ)) بالرفع على أنه خبر بمعنى النهي،
ولأحمد: ((لا يمنعنّ)) بزيادة نون التوكيد، وهي تؤيّد رواية الجزم (أَحَدُكُمْ جَارَهُ)
وفي رواية البخاريّ: ((لا يمنع جارٌ جاره)).
(أَنْ يَغْرِزَ) - بفتح حرف أوله، وكسر ثالثه -، يقال: غَرَزته غَرْزاً، من
باب ضرب: أثبتّه بالأرض، وأغرزته بالألف لغةٌ، قاله الفيّوميّ ◌َذُ(٢).
وقوله: (خَشَبَةً) بالإفراد، وفي بعض النسخ: ((خشبه)) بالإضافة، قال
القاضي عياض تَّثُ: روينا قوله: ((خشبَةً)) في ((صحيح مسلم)) وغيره من
الأصول، والمصنفات: ((خَشَبَةً)) بالإفراد، و((خشبه)) بالجمع، قال: وقال
الطحاويّ عن رَوْح بن الفرج: سألت أبا زيد، والحرث بن مسكين، ويونس بن
عبد الأعلى عنه، فقالوا كلهم: ((خَشَبَةً)) بالتنوين على الإفراد، قال عبد الغنيّ بن
سعيد: كُلُّ الناس يقولونه بالجمع إلا الطحاويّ. انتهى (٣).
وقال ابن عبد البرّ: رُوي اللفظان في ((الموطأ))، والمعنى واحد؛ لأن
المراد بالواحد الجنس. انتهى.
قال في ((الفتح)): وهذا الذي يتعيَّن للجمع بين الروايتين، وإلا فالمعنى
قد يختلف باعتبار أن أمر الخشبة الواحدة أخفّ في مسامحة الجار، بخلاف
الخشب الكثير، ورَوَى الطحاويّ عن جماعة من المشايخ أنهم رووه بالإفراد،
وأنكر ذلك عبد الغنيّ بن سعيد، فقال: الناس كلهم يقولونه بالجمع إلا
الطحاويّ، قال الحافظ: وما ذكرته من اختلاف الرواة في ((الصحيح)) يَرُدّ على
(١) ((الفتح)) ٢٨١/٦، كتاب ((المظالم)) رقم (٢٤٦٣).
(٢) ((المصباح المنير)) ٤٤٥/٢.
(٣) راجع: ((شرح النوويّ)) ١١/ ٤٧.

١٠٩
(٥٠) - بَابُ غَرْزِ الْخَشَبِ فِي جِدَارِ الْجَارِ - حديث رقم (٤١٢٣)
عبد الغنيّ بن سعيد، إلا إن إراد خاصّاً من الناس، كالذين رَوَى عنهم
الطحاويّ، فله اتجاه. انتهى(١).
وقال في ((العمدة)): قوله: ((خشبةً)) بالإفراد والتنوين في رواية أبي ذرّ،
وفي رواية غيره: (خَشَبا)) بصيغة الجمع، قال: ورأيت صاحب ((التلويح)) قد
ضَبَط بيده (خُشْباً)) بضم الخاء، وسكون الشين، قلت(٢): تُجمَع الْخَشَبة على
خَشَبٍ بفتحتين، وخُشْبٍ بضم الخاء، وسكون الشين، وخُشُبٍ بضمتین،
وخشبان. انتھی(٣) .
(فِي جِدَارِهِ))) قال في ((الفتح)): استُدِلّ به على أن الجدار إذا كان لواحد،
وله جار، فأراد أن يَضَعَ جذعه عليه جاز، سواء أَذِنَ المالك أم لا، فإن امتنع
أُخْبِر، وبه قال أحمد، وإسحاق، وغيرهما من أهل الحديث، وابن حبيب من
المالكية، والشافعيّ في القديم، وعنه في الجديد قولان: أشهرهما اشتراط إذن
المالك، فإن امتَنَعَ لم يُجْبَر، وهو قول الحنفية، وحملوا الأمر في الحديث
على الندب، والنهي على التنزيه؛ جمعاً بينه وبين الأحاديث الدالة على تحريم
مال المسلم، إلا برضاه، وفيه نظر، وجزم الترمذيّ وابن عبد البرّ عن الشافعيّ
بالقول القديم، وهو نصّه في البويطيّ، قال البيهقيّ: لم نجد في السنن
الصحيحة ما يعارض هذا الحكمَ إلا عمومات، لا يُستنكر أن نَخُصّها، وقد
حمله الراوي على ظاهره، وهو أعلم بالمراد بما حَدَّث به، يشير إلى قول أبي
هريرة رضيه: ((ما لي أراكم عنها معرضين)). انتهى(٤).
(قَالَ) الأعرج: (ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﴿به، وفي رواية ابن عيينة عند أبي
داود: ((فنكسوا رؤوسهم))، ولأحمد: ((فلَمّا حدّثهم أبو هريرة بذلك طأطؤوا
رؤوسهم)) (مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا)؛ أي: عن هذه السُّنّة، أو عن هذه المقالة، قاله
في ((الفتح))(٥)، وقال النوويّ: أي عن هذه السُّنّة، والخصلة، والموعظة، أو
(١) ((الفتح)) ٢٨٢/٦، كتاب ((المظالم)) رقم (٢٤٦٣).
(٢) القائل هو صاحب ((العمدة)).
(٣) ((عمدة القاري)) ٩/١٣.
(٤) ((الفتح)) ٢٨٢/٦، كتاب ((المظالم)) رقم (٢٤٦٣).
(٥) ((الفتح)) ٢٨٢/٦.

١١٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
الكلمات. انتهى(١).
فقوله: (ما لي)) ((ما)) استفهاميّة مبتدأ، و((لي)) خبره؛ أي: أيُّ شيء ثبت
لي، وقوله: ((أراكم إلخ ... )) جملة حاليّة، وقوله: ((عنها)) متعلّق بقوله:
(مُعْرِضِينَ) وهو منصوب على الحال.
قال القرطبيّ تَخَّتُهُ: هذا القول من أبي هريرة ◌َُّه إنكارٌ عليهم لِمَا رأى
منهم الإعراض، واستثقال ما سمعوه منه، وذلك أنهم لم يُقْبِلوا عليه، بل
طأطؤوا رؤوسهم، كما رواه الترمذيّ في هذا الحديث. انتهى(٢).
(وَاللهِ لأَرْمِيَنَّ بِهَا) وفي رواية البخاريّ: ((لأرمينّها))، وفي رواية أبي داود:
عن ابن عيينة، عن الزهريّ، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال
رسول الله : ((إذا استأذن أحدكم أخاه أن يغرز خشبةً في جداره فلا يمنعه))،
فنكسوا، فقال أبو هريرة: ما لي أراكم قد أعرضتم، لأُلْقِيَنَّها بين أكتافكم.
والمعنى: لأشيعنّ هذه المقالة فيكم، ولأُقرّعنّكم بها كما يَضرب الإنسان
بالشيء بين كتفيه؛ ليستيقظ من غفلته.
وقال القرطبيّ ◌َّهُ: أي لأحدّثنّكم بتلك المقالة التي استثقلتم سماعها من
غير مبالاة، ولا تَقِيّة، وأوقعها بينكم كما يُوقَعُ السهم بين الجماعة. انتهى(٢).
وقال الطيبيّ ◌َّتُهُ: ويجوز أن يرجع الضمير في قوله: ((لأرمين بها)) إلى
الخشبة، ويكون كنايةً عن إلزامه بالحجة القاطعة على ما ادعاه؛ أي: لا أقول:
إن الخشبة تُرْمَى على الجدار، بل بين أكتافكم؛ لِمَا وَصَّى بالبرّ والإحسان في
حقّ الجار، وحمل أثقاله. انتهى (٤).
(بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ) قال ابن عبد البرّ تَُّهُ: رَوَيناه في ((الموطأ)) بالمثناة،
وبالنون، والأكناف بالنون: جمع كَنَف بفتحها، وهو الجانب، قال الخطابيّ:
معناه: إن لم تَقبَلوا هذا الحكم، وتعملوا به راضين، لأجعلنّها؛ أي: الخشبة
على رقابكم كارهين، قال: وأراد بذلك المبالغة، وبهذا التأويل جزم إمام
الحرمين؛ تبعاً لغيره، وقال: إن ذلك وقع من أبي هريرة حين كان يَلِي إمرة
(١) ((شرح النوويّ)) ١١/ ٤٧.
(٣) ((المفهم)) ٥٣٢/٤.
(٢) ((المفهم)) ٤/ ٥٣٢.
(٤) راجع: ((مرقاة المفاتيح)) ١٤٧/٦.

١١١
(٥٠) - بَابُ غَرْزِ الْخَشَبِ فِي جِدَارِ الْجَارِ - حديث رقم (٤١٢٣)
المدينة، وقد وقع عند ابن عبد البرّ من وجه آخر: ((لأَرْمِيَنّ بها بين أعينكم،
وإن كرهتم))، وهذا يُرَجِّح التأويل المتقدّم، قاله في ((الفتح))(١).
وقال النوويّ ◌َُّهُ: قوله: ((بين أكتافكم)) هو بالتاء المثناة فوقُ؛ أي:
بينكم، قال القاضي: قد رواه بعض رواة ((الموطأ)): ((أكنافكم)) بالنون، ومعناه
أيضاً: بينكم، والكَنَف الجانب، ومعنى الأول: إني أصرِّح بها بينكم،
وأوجعكم بالتقريع بها، كما يضرب الإنسان بالشيء بين كتفيه. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ تَخْلُهُ: وأما رواية: (لأضربنّ بها أعينكم))، فهي على جهة الْمَثَل
الذي قُصِد به الإغياء في الإنكار؛ لأنه فَهِمَ عنهم الإعراض عما قال، والكراهة،
فقابلهم بذلك، والرواية المشهورة: ((أكتافكم)) - بالتاء باثنتين من فوقها - جمع:
كَتَفٍ، وقد وقع في ((الموطأ)) من رواية يحيى: ((أكنافكم)) بالنون، جمع كنف، وهو:
الجانب. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤١٢٣/٥٠ و٤١٢٤] (١٦٠٩)، و(البخاريّ) في
((المظالم)) (٢٤٦٣ و٥٦٢٧ و٥٦٢٨)، و(أبو داود) في ((سننه)) (٣٦٣٤)،
و(الترمذيّ) في ((جامعه)) (١٣٥٣)، و(ابن ماجه) في ((سننه)) (٢٣٣٥)، و(مالك)
في ((الموطًٍ)) (٧٤٥/٢)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (٢٢٤/١)، و(ابن أبي شيبة)
في ((مصنّفه)) (٥٤٩/٤ و٣٠٤/٧)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٢/ ٤٦١)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤٠/٢ و٢٧٤ و٣٩٦ و٤٦٣)، و(ابن الجارود) في
((المنتقى)) (٢٥٤/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤١٧/٣ و٤١٨)، و(الطبريّ) في
((تهذيب الآثار)) (٧٧٩/٢ و٧٨٠ و٧٨١ و٧٨٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٦٨/٦
و١٥٧) و(«الصغرى)) (٣٢٢/٥) و((المعرفة)) (٥٤٠/٤ و٤٤٦٩)، والله تعالى أعلم.
(١) ((الفتح)) ٢٨٢/٦، كتاب ((المظالم)) رقم (٢٤٦٣).
(٢) ((شرح النوويّ)) ١١/ ٤٧.
(٣) («المفهم)) ٤/ ٥٣٢.

١١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان نهي الجار عن منع غرز جاره خشبه في جداره، وقد
اختَلَف العلماء هل النهي للتحريم، أو للكراهة؟ وسيأتي تحقيق ذلك في
المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٢ - (ومنها): بيان شدّة عناية الشريعة بحقّ الجار على الجار، وأنه لا يجوز له
منع ما طلبه منه من وضع الخشب على جداره، أو نحو ذلك، فهو كقوله ◌َالقر: ((ما
زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورّثه))، متفقٌ عليه.
٣ - (ومنها): أن محلّ الوجوب - عند من قال به، وهو الحقّ - أن
يحتاج إليه الجار، ولا يضع عليه ما يتضرر به المالك، ولا يُقَدَّم على حاجة
المالك.
٤ - (ومنها): أنه لا فرق بين أن يحتاج في وضع الجذع إلى نَقْب
الجدار، أو لا؛ لأن رأس الجذع يَسُدّ المنفتح، ويقوّي الجدار.
٥ - (ومنها): بيان ما كان عليه أبو هريرة به من الشدّة في بيان السُّنّة،
والدعوة إليها .
٦ - (ومنها): أنه ينبغي للمسلم أن يكون حريصاً على نشر السُّنَّة، وإن
كرِه من كره، وأعرض عنها من ضعفاء الإيمان، أو الجهلة.
٧ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ◌َُّ: فيه من الفقه: تبليغُ العلم لمن لم
يُرِده، ولا استدعاه، إذا كان من الأمور المهمة، ويظهر منه أن أبا هريرة كان
يعتقد وجوب بذل الحائط لغرز الخشب، وأن السامعين له لم يكونوا يعتقدون
ذلك. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم هذا الحديث:
قال النوويّ كَّلُهُ: اختَلَف العلماء في معنى هذا الحديث، هل هو على
الندب إلى تمكين الجار من وضع الخشب على جدار جاره، أم على الإيجاب؟
وفيه قولان للشافعيّ، وأصحاب مالك، أصحهما في المذهبين: الندب، وبه
قال أبو حنيفة، والكوفيون، والثاني: الإيجاب، وبه قال أحمد، وأبو ثور،
(١) ((المفهم)) ٤/ ٥٣٢.

١١٣
(٥٠) - بَابُ غَرْزِ الْخَشَبِ فِي جِدَارِ الْجَارِ - حديث رقم (٤١٢٣)
وأصحاب الحديث، وهو ظاهر الحديث، ومن قال بالندب قال: ظاهر الحديث
أنهم توقفوا عن العمل، فلهذا قال: ((ما لي أراكم عنها معرضين))، وهذا يدلّ
على أنهم فَهِمُوا منه الندب، لا الإيجاب، ولو كان واجباً لما أطبقوا على
الإعراض عنه، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ كَّهُ(١).
وقال في ((الفتح)): واستَدَلَّ المهلَّب من المالكية بقول أبي هريرة
((ما لي أراكم عنها معرضين)) بأن العمل كان في ذلك العصر على خلاف ما
.
ذهب إليه أبو هريرة، قال: لأنه لو كان على الوجوب لَمَا جَهِلَ الصحابة
تأويله، ولا أعرضوا عن أبي هريرة حين حدّثهم به، فلولا أن الحكم قد تقرر
عندهم بخلافه، لَمَا جاز عليهم جهل هذه الفريضة، فدلّ على أنهم حملوا
الأمر في ذلك على الاستحباب. انتهى.
وتعقّبه الحافظ فقال: وما أدري من أين له أن المعرضين كانوا صحابة،
وأنهم كانوا عدداً لا يَجهَل مثلهم الحكم؟ ولم لا يجوز أن يكون الذين
خاطبهم أبو هريرة بذلك كانوا غير فقهاء؟ بل ذلك هو المتعيَّن، وإلا فلو كانوا
صحابة، أو فقهاء، ما واجههم بذلك، وقد قَوَّى الشافعيّ في القديم القول
بالوجوب بأنّ عمر ظُهُ قَضَى به، ولم يخالفه أحد من أهل عصره، فكان اتفاقاً
منهم على ذلك. انتھی.
قال: ودعوى الاتفاق هنا أولى من دعوى المهلَّب؛ لأن أكثر أهل عصر
عمر ﴿به كانوا صحابةً، وغالب أحكامه منتشرة؛ لطول ولايته، وأبو هريرة إنما
كان يلي إمرة المدينة نيابةً عن مروان في بعض الأحيان.
وأشار الشافعيّ إلى ما أخرجه مالك، ورواه هو عنه بسند صحيح أن
الضحاك بن خليفة، سأل محمد بن مسلمة أن يسوق خَلِيجاً له، فيمرّ به في
أرض محمد بن مسلمة، فامتنع، فكلّمه عمر في ذلك، فأبى، فقال: والله
ليمرّنّ به، ولو على بطنك، فحمل عمر رَُّبه الأمرَ على ظاهره، وعدّاه إلى كل
ما يحتاج الجار إلى الانتفاع به من دار جاره، وأرضه.
وفي دعوى العمل على خلافه نظرٌ، فقد روى ابن ماجه، والبيهقيّ من
(١) ((شرح النوويّ)) ٤٧/١١ - ٤٨.

١١٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
طريق عكرمة بن سلمة: أن أخوين من بني المغيرة أَعْتَقَ أحدهما أن لا يغرز
الآخر خشباً في جُدُره، فلقيا مُجَمِّع بن يزيد الأنصاري، ورجالاً كثيراً من
الأنصار، فقالوا: نشهد أن رسول الله وَ﴿ أمر أن لا يمنع جارٌ جاره أن يغرز
خشباً في جداره، فقال الحالف: أي أخي قد علمت أنك مَقْضِيّ لك عليّ،
وقد حلفت، فاجعل أسطواناً دون جُدُري، فَفَعَل الآخر، فغرز في الأسطوانة
خشبةً، قال لي عمرو (١): فأنا نظرت إلى ذلك(٢).
ورَوَى ابن إسحاق في ((مسنده))، والبيهقيّ من طريقه، عن يحيى بن جَعْدة
أحدِ التابعين، قال: أراد رجل أن يضع خشبةً على جدار صاحبه بغير إذنه
فمنعه، فإذا من شئت من الأنصار يحدثون عن رسول الله صل أنه نهاه أن
يمنعه، فجبر على ذلك.
وقيّد بعضهم الوجوب بما إذا تقدم استئذان الجار في ذلك مستنداً إلى
ذكر الإذن في بعض طرقه، وهو في رواية ابن عيينة عند أبي داود، وعقيل أيضاً
وأحمد، عن عبد الرحمن بن مهديّ، عن مالك: ((من سأله جاره))، وكذا لابن
حبان من طريق الليث، عن مالك، وكذا لأبي عوانة من طريق زياد بن سعد،
عن الزهريّ، وأخرجه البزار من طريق عكرمة، عن أبي هريرة.
ومنهم من حَمَل الضمير في ((جداره)) على صاحب الجذع؛ أي: لا يمنعه
أن يضع جذعه على جدار نفسه، ولو تضرر به من جهة منع الضوء مثلاً، ولا
يخفى بُعْدُهُ.
وقد تعقبه ابن التين بأنه إحداث قول ثالث في معنى الخبر، وقد ردّه أكثر
أهل الأصول.
قال الحافظ: وفيما قال نظرٌ؛ لأن لهذا القائل أن يقول: هذا مما يستفاد
من عموم النهي، لا أنه المراد فقط، والله أعلم. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أن أرجح الأقوال في المسألة
قول من قال بالوجوب؛ لقوّة حجّته.
(١) هو عمرو بن دينار أحد الرواة في السند.
(٢) ((السنن الكبرى)) للبيهقيّ ١٥٧/٦.
(٣) ((الفتح)) ٢٨٢/٦ - ٢٨٤.

١١٥
(٥٠) - بَابُ غَرْزِ الْخَشَبِ فِي جِدَارِ الْجَارِ - حديث رقم (٤١٢٤)
والحاصل أنه يجب على الجار إذا طلب منه جاره أن يضع خشبةً في
جداره أن يأذن له؛ لظاهر حديث الباب، وهذا إذا لم يتضرّر، وأما إذا تضرّر
بذلك فلا حرج عليه؛ لقوله وَاجير: ((لا ضرر، ولا ضرار))، وهو حديث صحيح،
أخرجه ابن ماجه في ((سننه)) (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّ أوّل الكتاب قال:
[٤١٢٤] (.) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ (ح)
وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ
(ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ،
بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (حَرْمَلَةُ بْنُ بَحْتَی) تقدّم قبل باب.
٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضاً قبل باب.
٥ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الْكِسّيّ، أبو محمد، ثقةٌ حافظٌ [١١]
(ت٢٤٩) (خت م ت) تقدم في ((الإيمان)) ١٣١/٧.
٦ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام بن نافع الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر
الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّف شهيرٌ، عَمِي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩]
(ت٢١١) وله (٨٥) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٧ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عُروة البصريّ، نزيل اليمن،
ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبله.
(١) راجع: ((صحيح ابن ماجه)) للشيخ الألبانيّ تَقُ ٧٨٤/٢، و((السلسلة الصحيحة)) له
٤٩٨/١.

١١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ إلخ ... )؛ أي: كلّ هؤلاء الثلاثة: سفيان بن
عيينة، ويونس الأيليّ، ومعمر بن راشد رووه عن الزهريّ بسنده الماضي.
[تنبيه]: رواية ابن عيينة عن الزهريّ هذه ساقها أبو داود في ((سننه)) (٣/
٣١٤) فقال :
(٣٦٣٤) - حدّثنا مسدّد، وابن أبي خلف، قالا: ثنا سفيان، عن
الزهريّ، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((إذا استأذن
أحدكم أخاه أن يَغرِزِ خشبةً في جداره، فلا يمنعه))، فنكسوا، فقال: ما لي
أراكم قد أعرضتم؟ لألقينّها بين أكتافکم. انتهى.
ورواية معمر، عن الزهريّ، ساقها الإمام أحمد في ((مسنده)) (٢٧٤/٢)
فقال :
(٧٦٨٨) - حدّثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن
هرمز، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَج9: ((لا يمنعنّ أحدكم جاره أن
يضع خشبه على جداره))، ثم يقول أبو هريرة: ما لي أراكم معرضين؟ والله
لأرمین بها بین أکتافکم. انتهى.
وأما رواية يونس، عن الزهريّ، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٥١) - (بَابُ إِثْمِ مَنْ غَصَبَ شَيْئاً مِنَ الأَرْضِ(١))
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٢٥] (١٦١٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ
حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرحمن،
عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلِ، أَنَّ
(١) هكذا ترجم القرطبيّ كَلَهُ، وهو أنسب بحديث الباب، ولذا اخترته على ترجمة
النوويّ وغيره بـ((باب تحريم الظلم، وغصب الأرض، وغيرها))، فتنبّه.

١١٧
(٥١) - بَابُ إِثْم مَنْ غَصَبَ شَيْئاً مِنَ الأَرْضِ - حديث رقم (٤١٢٥)
رَسُولَ اللهِ وَلْ قَالَ: ((مَنِ اقْتَطَعَ شِبْراً مِنَ الأَرْضِ ظُلْماً، طَوَّقَهُ اللهُ إِيَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
مِنْ سَبْعٍ أَرَضِينَ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ، أبو زكريّاء البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠]
(ت٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢.
٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قريباً .
٣ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السَّعْديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩]
(٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جاوزها (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق
المدنيّ القارىء، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (- ١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢/ ١١٠.
٥ - (الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرحمن) بن يعقوب الْحُرَقيّ مولاهم، أبو شِبْل
المدنيّ، صدوقٌ ربما وَهِمَ [٥] (ت سنة بضع و١٣٠) (ز م ٤) تقدم في
((الإيمان)) ١٣٥/٨.
٦ - (عَبَّاسُ بْنُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ) المدنيّ، ثقةٌ [٤] مات في حدود
(١٢٠) وقيل: قبل ذلك (خ م د ت ق) تقدم في ((الحج)) ٩٠/ ٣٣٧٢.
٧ - (سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلِ) بن عبد الْعُزَّى العَدَويّ، أحد
العشرة المشهود لهم بالجنة، وأمه فاطمة بنتْ بَعْجَة بن مُلَيح الْخُزَاعية، كانت
من السابقين إلى الإسلام، أسلم قبل دخول رسول الله وسلام دار الأرقم،
وهاجر، وشَهِد أحداً، والمشاهد بعدها، ولم يكن بالمدينة زمانَ بدر، فلذلك
لم يشهدها .
رَوَى عنه من الصحابة: ابنُ عمر، وعمرو بن حريث، وأبو الطفيل، ومن
كبار التابعين: أبو عثمان النَّهْديّ، وابن المسيِّب، وقيس بن أبي حازم، وغيرهم.
ذَكَرَ عروةُ وابن إسحاق وغيرهم في المغازي أن رسول الله وَّهِ ضَرَبَ له
بسهمه يوم بدر؛ لأنه كان غائباً بالشام، وعن عروة أنه ممن ضرب رسول الله وَلات
سهمه وأجرَه في بدر هو وطلحة، وكان بَعَثَهما يتجسّسان له أمر عير قريش،
فلم يحضُرا بدراً.
:

١١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
وكان إسلامه قديماً قبل عمر، وكان إسلام عمر عنده في بيته؛ لأنه كان
زوج أخته فاطمة. ورَوَى البخاريّ من طريق قيس بن أبي حازم، عن سعيد بن
زيد قال: لقد رأيتُني، وإن عمر لموثقي على الإسلام.
وقد شَهِد سعيد بن زيد الْيَرْمُوك، وفتحَ دمشق، وقال سعيد بن حبيب:
كان مقام أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وسعد وسعيد وطلحة والزبير
وعبد الرحمن بن عوف مع النبي ◌َّ ي واحداً، كانوا أمامه في القتال، وخلفه في
الصلاة .
وكان سعيد من فضلاء الصحابة، وقصته مع أروى بنت أويس مشهورة في
إجابة دعائه عليها، أخرجها البخاري ومسلم وغيرهما .
قال الواقدي: تُوُفّي بالعقيق، فحُمل إلى المدينة، وذلك سنة خمسين،
وقيل: إحدى وخمسين، وقيل: سنة اثنتين، وعاش بضعاً وسبعين سنة، وكان
طوالاً آدَمَ أشعَرَ، وهذا هو القول الأصحّ.
وزعم الهيثم بن عدي أنه مات بالكوفة، وصلى عليه المغيرة بن شعبة،
قال: وعاش ثلاثاً وسبعين سنة(١).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (١٦١٠)
وكرّره أربع مرّات، و(٢٠٤٩): ((الكمأة من المنّ، وماؤها شفاء للعين))، وكرّره
ستّ مرّات، و(٢٧٤١): ((ما تركت بعدي في الناس فتنةً أضرّ على الرجال من
النساء)).
وشرح الحديث يأتي في الحديث التالي - إن شاء الله تعالى - وإنما أخّرته
إليه؛ لكونه أتمّ مما هنا، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٢٦] ( .. ) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ،
حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلِ، أَنَّ
أَرْوَى خَاصَمَتْهُ فِي بَعْضٍ دَارِهِ، فَقَالَ: دَعُوهَا وَإِنَّاهَا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَه
(١) راجع: ((الإصابة)) للحافظ ابن حجر ٨٧/٢ - ٨٨.

١١٩
(٥١) - بَابُ إِثْمِ مَنْ غَصَبَ شَيْئاً مِنَ الأَرْضِ - حديث رقم (٤١٢٦)
يَقُولُ: ((مَنْ أَخَذَ شِبْراً مِنَ الأَرْضِ بِغَيْرٍ حَقِّهِ، طُوْقَهُ فِي سَبْعِ أَرَضِينَ (١) يَوْمَ
الْقِيَامَةِ)»، اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً، فَأَعْمِ بَصَرَهَا، وَاجْعَلْ قَبْرَهَا فِي دَارِهَا، قَالَ:
فَرَأَيْتُهَا عَمْيَاءَ تَلْتَمِسُ الْجُدُرَ، تَقُولُ: أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعِيدٍ بْنِ زَيْدٍ، فَبَيْنَمَا هِيَ
تَمْشِي فِي الدَّارِ مَرَّتْ عَلَى بِثْرٍ فِي الدَّارِ، فَوَقَعَتْ فِيهَا، فَكَانَتْ قَبْرَهَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب المدنيّ،
نزيل عسقلان، ثقة [٦] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٣٣/٣١.
٢ - (أَبُوهُ) محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب المدنيّ، ثقةٌ
[٣] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٢/٥.
والباقون ذُكروا في الإسنادين الماضيين.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد.
أنه مسلسلٌ بالمدنیین، سوی شیخه، وشیخ شیخه، فمصریّان، وفيه رواية
الابن عن أبيه، وفيه أن صحابيّه أحد العشرة المبشّرين بالجنة
.
شرح الحديث:
◌ُ (أَنَّ أَرْوَى) بنت أويس، كما
(عَنْ سَعِيدٍ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلِ)
في الرواية التالية، ولم يذكرها الحافظ ابن عبد البرّ في ((الاستيعاب))، وذكرها
الحافظ ابن حجر في ((الإصابة))؛ تبعاً لابن منده، ولا يُحفظ عنها غير قصّتها
هذه مع سعيد بن زيد ﴿ًا، وقد ذكرها الترمذيّ في ((باب الوضوء من مسّ
الذكر))، وأخرج ابن السكن، والدارقطنيّ في ((العلل)) عنها الحديث الذي أشار
إليه الترمذيّ، ولكن قال ابن السكن: لا يثبت، كذا في ((الإصابة)) (٢).
وقال في ((الفتح)): أَرْوَى - بفتح الهمزة، وسكون الراء، والقصر - باسم
الحيوان الوحشيّ المشهور، وفي المثل يقولون إذا دَعَوْا: كعَمَى الأَرْوَى، قالَ
الزبير في روايته: كان أهل المدينة إذا دَعَوا قالوا: أعماه الله كَعَمَى أَرْوَى،
(١) وفي نسخة: ((من سبع أرضين)).
(٢) راجع: ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٤٧٨/٧.

١٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
يريدون هذه القصّة، قال: ثم طال العهد، فصار أهل الجهل يقولون: كعَمَى
الأَرْوَى، يريدون الوحش الذي بالجبل، ويظنونه أعمى، شديد الْعَمَى، وليس
كذلك. انتھی(١).
(فِي بَعْضِ دَارِهِ) وفي الرواية
(خَاصَمَتْهُ)؛ أي: خاصمت سعيداً وظّ
التالية: ((أن أروى بنت أويس ادّعت على سعيد بن زيد أنه أخذ شيئاً من
أرضها، فخاصمته إلى مروان بن الحكم))، وفي رواية أحمد، وأبي يعلى في
((مسندیهما))، وصحيح ابن خزيمة، من طريق ابن إسحاق، حدّثني الزهريّ، عن
طلحة بن عبد الله، قال: ((أتتني أروى بنت أويس في نفر من قريش، فيهم
عبد الرحمن بن سهل، فقالت: إن سعيداً انتقص من أرضي إلى أرضه ما ليس
له، وقد أحببت أن تأتوه فتكلموه، قال: فركبنا إليه، وهو بأرضه بالعقيق ... ))
فذكر الحديث، وللزبير في ((كتاب النسب)) من طريق العلاء بن عبد الرحمن،
عن أبيه، والحسن بن سفيان، من طريق أبي بكر بن محمد بن حزم: ((استَعْدَت
أروى بنت أُويس مروان بن الحكم، وهو والي المدينة، على سعيد بن زيد،
في أرضه بالشجرة، وقالت: إنه أخذ حقي، وأدخل ضفيرتي في أرضه))،
فذكره، وفي رواية العلاء: ((فترك سعيد ما ادَّعَت))، ولابن حبان، والحاكم،
من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، في هذه القصّة، وزاد: ((فقال لنا مروان:
أصلحوا بينهما))(٢).
وأخرج أبو نعيم في ((الحلية)) في ترجمة سعيد بن زيد رَظ ◌ُبه من طريق أبي
بكر بن حزم أن سعيداً، قال: اللهم إنها قد زعمت أنها ظُلِمَت، فإن كانت
كاذبة فأعم بصرها، وألقها في بئرها، وأظهر من حقي نوراً بين المسلمين أني
لم أظلمهاَ، قال: فبينما هم على ذلك إذ سال العقيقُ سيلاً لم يَسِلْ مثله قط،
فكُشف عن الحد الذي كانا يختلفان فيه، فإذا سعيد بن زيد في ذلك قد كان
صادقاً، ثم لم تَلْبَث إلا يسيراً حتى عَمِيَتْ، فبينما هي تطوف في أرضها تلك
سقطت في بئرها، قال: فكنا ونحن غلمان نسمع الإنسان يقول للآخر إذا
(١) ((الفتح)) ٦/ ٢٧٣ - ٢٧٨.
(٢) راجع: ((الفتح)) ٢٧٢/٦، كتاب ((المظالم)) رقم (٢٤٥٢).