Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
(٤٣) - بَابُ جَوَازِ اقْرَاضِ الْحَيَوَانِ، وَاسْتِحْبَابٍ تَوْفِيَتِهِ خَيْراً مِمَّا عَلَيْهِ - حديث رقم (٤١٠٣)
(فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ◌َِ ﴿)؛ أي: أرادوا أن يؤذوه بالقول، أو الفعل،
لكن لم يفعلوا أدباً مع النبيّ وَ ﴿ ﴿فَقَالَ النَّبِيُّ وَهُ: ((إِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالاً)))؛
أي: صولةَ الطلب، وقوّةَ الحجة، لكن على من يَمْطُل، أو يُسيء المعاملة،
وأما من أنصف من نفسه، فبذل ما عنده، واعتذر عما ليس عنده، فيُقبل عذره،
ولا تجوز الاستطالة عليه، ولا كَهْرُه، قاله في ((الفتح))(١)، و((المفهم)) (٢).
وفي الحديث جواز المطالبة بالدَّين إذا حلّ أجله، وفيه حسن خلق
النبيّ ◌َ﴿، وعِظَم حِلْمه، وتواضعه، وإنصافه، وأن من عليه دين لا ينبغي له
مجافاة صاحب الحقّ، وأن من أساء الأدب على الإمام كان عليه التعزير بما
يقتضيه الحال، إلا أن يعفو صاحب الحق(٣).
وقال النوويّ كَّلُ: فيه أنه يُحْتَمَل من صاحب الدَّين الكلامُ المعتادُ في
المطالبة، وهذا الإغلاظ المذكور محمول على تشدّد في المطالبة، ونحو ذلك،
من غير كلام فيه قَدْحٌ، أو غيره مما يقتضي الكفر، ويَحْتَمِل أن القائل الذي له
الدَّين كان كافراً من اليهود، أو غيرهم، والله أعلم. انتهى(٤).
(فَقَالَ) وَّرِ (لَهُمُ)؛ أي: لأصحابه ◌ُه: ((اشْتَرُوا لَهُ سِنّاً، فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ)))
وفي الرواية الآتية: ((أعطوه فوق سنّه))، وفي رواية للبخاريّ: ((واشتروا له
بعيراً، فأعطوه إياه))، وفي رواية عبد الرزّاق: ((التمسوا له مثل سنّ بعيره)).
وقال القرطبيّ كَُّ: وقوله: ((اشتروا له سنّاً، فأعطوه إياه)) دليلٌ على أن
هذا الحديث قضيّة أخرى غير قضيّة حديث أبي رافع، فإن ذلك الحديث يقتضي
أنه أعطاه من إبل الصدقة، وهذا اشتري له، وفيه دليل: على صحة الوكالة في
القضاء. انتهى(٥).
(فَقَالُوا: إِنَّا لَا نَجِدُ إِلَّ سِناً هُوَ خَيْرٌ مِنْ سِنِّهِ)؛ أي: أكبر منه، فإنه كان
بَكْراً، فوجدوا له رَبَاعياً، كما تقدّم، وقال في ((العمدة)): ((السنّ)): هي
المعروفة، ثم سُمّي بها صاحبها. انتهى(٦).
(١) ((الفتح)) ١٩٨/٦.
(٣) ((الفتح)) ١٩٩/٦.
(٥) ((المفهم)) ٤/ ٥١٠.
(٢) ((المفهم)) ٥٠٩/٤ - ٥١٠.
(٤) ((شرح النوويّ)) ٣٨/١١.
(٦) ((عمدة القاري)) ٢٤٠/١٠.

٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
(قَالَ) وَهِ: ((فَاشْتَرُوهُ)؛ أي: السنّ الذي هو أكبر من سنّه (فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ،
فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ - أَوْ) للشكّ من الراوي (خَيْرَكُمْ - أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً)) واسم ((إنّ))
على الرواية الأولى قوله: ((أحسنكم)) بالنصب، وخبرها الجارّ والمجرور قبله،
وعلى الرواية الثانية قوله: ((خيركم))، و((أحسنُكم)) مرفوع على الخبريّة لها.
وفي الرواية الآتية: ((خياركم محاسنكم قضاءً))، قال في ((الفتح)):
الخيار: الجيّد، يطلق على الواحد، والجمع، فيَحْتَمِل أن يريد المفرد بمعنى
المختار، أو الجمع، والمراد أنه خيرهم في المعاملة، أو تكون ((من)) مقدّرةً،
ويدلّ عليها الرواية الأخرى، فقد وقع في رواية عند البخاريّ: ((من خياركم)).
وقوله: (أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً) لمّا أضيف أفعل، والمقصود به الزيادة جاز فيه
الإفراد. انتهى(١).
وقال القرطبيّ تَظْلَثُ: قوله: ((خيركم أحسنكم قضاء)»: هذا هو اللفظ
الفصيح الحسن، وقد رُوي: ((أحاسنكم)) وهو جمع حسن، ذهبوا به مذهب
الأسماء، كأحمد، وأحامد، قال: وقد وقع في ((الأمّ)) - يعني ((صحيح مسلم)) -
في بعض طرقه: ((محاسنكم)) بالميم، وكأنه جمع محسن، كمطلع، ومطالع،
وفيه بُعدٌ، وأحسنها الأول. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤١٠٣/٤٣ و٤١٠٤ و٤١٠٥] (١٦٠١)،
و(البخاريّ) في ((الوكالة)) (٢٣٠٥ و٢٣٠٦ و ٢٢٩٢ و ٢٣٩٣ و٢٤٠١ و ٢٦٠٦
و٢٦٠٩)، و(الترمذيّ) في ((البيوع)) (١٣١٦ و١٣١٧)، و(النسائيّ) في ((البيوع))
(٢٩١/٧ و٣١٨) و((الكبرى)) (٤٠/٤ و٦٠)، و(ابن ماجه) في ((الأحكام))
(٢٤٢٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٧٧/٢ و٣٩٣ و٤٣١ و٤٥٦ و٤٧٦ و٥٠٩)،
(١) ((الفتح)) ١٩٨/٦ - ١٩٩.
(٢) ((المفهم)) ٤ / ٥١٠.

٢٣
(٤٣) - بَابُ جَوَازِ اقْتِرَاضِ الْحَيَوَانِ، وَاسْتِحْبَابٍ تَوْفِيَتِهِ خَيْراً مِمَّا عَلَيْهِ - حديث رقم (٤١٠٤)
و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٠٩/٣ و٤١٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٥١/٥
و٢١/٦ و٥٢) و((الصغرى)) (٢٠١/٥)، و((المعرفة)) (٤٠٨/٤)، وفوائده تقدّمت
في شرح الحديث الماضي، والله تعالى وليّ التوفيق.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذِفُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٠٤] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ،
عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: اسْتَقْرَضَ رَسُولُ اللهِ وَهـ
سِنّاً، فَأَعْطَى سِنَاً فَوْقَهُ، وَقَالَ: ((خِيَارُكُمْ مَحَاسِئُكُمْ قَضَاءً»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ ۔ (وَکِيُ) بن الجرّاح، تقدّم قبل بابین.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ) بن صالح بن حيّ الْهَمْدانيّ، أبو محمد، ويقال:
أبو الحسن الكوفيّ، أخو الحسن بن صالح، وهما توأمان، ثقة عابد [٧].
رَوَى عن أبيه، وأبي إسحاق السبيعيّ، وسلمة بن كهيل، وسماك بن
حرب، والأعمش، ومنصور، وعاصم بن بَهْدلة، وغيرهم.
ورَوَى عنه أخوه، وابن عيينة، ووكيع، وأبو أحمد الزبيريّ، وابن نمير،
وغيرهم.
قال أحمد، وابن معين، والنسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))،
وقال العجليّ: كوفيّ ثقةٌ، وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقةٌ مأمونٌ،
وقال ابن سعد: كان صاحب قرآن، وكان ثقةً إن شاء الله، قليل الحديث،
وقال الساجيّ: سمعت مُثَنّى يقول: ما سمعت يحيى، ولا ابن مهديّ حدثانا
عن عليّ بن صالح بشيء قطّ، ونَقَلَ الساجيّ أن ابن معين ضعّفه.
وقال عليّ بن المنذر، عن عبيد الله بن موسى: سمعت الحسن بن صالح
يقول: لَمّا حُضِر أخي رَفَعَ بصره، ثم قال: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنَْمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ
وَاَلْصِّدِّيقِينَ ... ) إلى آخر الآية [النساء: ٦٩]، ثم خرجت نفسه.
قال عمرو بن عليّ: مات سنة إحدى وخمسين ومائة، وقال أبو نعيم:
مات سنة (٤).
أخرج له المصنّف، والأربعة، وليس في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.

٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (اسْتَقْرَضَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿﴿)؛ أي: طلب القرض، والقرض: ما
تُعطيه غيرك من المال؛ ليُقضاه، والجمع قُرُوضٌ، مثلُ فَلْس وفُلُوس، وهو اسمٌ
مِنْ أقرضته المالَ إقراضاً، قاله الفيّوميّ كَُّهُ(١).
وقوله: (سِنّاً)؛ أي: ذا سنّ معيّن من الإبل.
وقوله: (خِيَارُكُمْ مَحَاسِئُكُمْ قَضَاءً) ((الخيار)): المختار من الإبل، يقال
للذكر والأنثى، و((المحاسن))؛ أي: ذوو المحاسن، سمّاهم بالصفة، قال
القاضي عياض: المعروف أن أحاسنكم: جمع أحسن، كما في الحديث
الآخر: ((أحسنكم قضاءً))، وقيل: يكون محاسنكم: جمع محسن بفتح الميم.
(٢)
انتھی(٢).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تم البحث فيه مستوفّى فيما قبله، والله تعالى
أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٠٥] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ ثُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنٍ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ
يَتَقَاضَى رَسُولَ اللهِلهِ بَعِيراً، فَقَالَ: ((أَعْطُوهُ سِنّاً فَوْقَ سِنِّهِ - وَقَالَ -: خَيْرُكُمْ
أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً»).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾.
(١) ((المصباح المنير)) ٤٩٨/٢.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٣٠٠/٥.

٢٥
(٤٤) - بَابُ جَوَازٍ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَّوَانِ مِنْ جِنْسِهِ مُتَفَاضِلاً - حديث رقم (٤١٠٦)
(٤٤) - (بَابُ جَوَازِ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ مِنْ جِنْسِهِ مُتَفَاضِلاً)
[٤١٠٦] (١٦٠٢) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَابْنُ رُمْح، قَالَا:
أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح) وَحَدَّثَنِيهِ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبِيْرِ، عَنْ
جَابِرٍ، قَالَ: جَاءَ عَبْدٌ، فَبَايَعَ النَّبِيَّ لَهُ عَلَى الْهِجْرَةِ، وَلَمْ يَشْعُرْ أَنَّهُ عَبْدٌ، فَجَاءَ
سَيِّدُهُ يُرِيدُهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َ: ((بِعْنِيهِ))، فَاشْتَرَاهُ بِعَبْدَيْنِ أَسْوَدَيْنِ، ثُمَّ لَمْ يُبَابِعْ
أَحَداً بَعْدُ، حَتَّى بَسْأَلَهُ: أَعَبْدٌ هُوَ؟).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْتَى التَّمِيمِيُّ) تقدّم قريباً.
٢ - (ابْنُ رُمْحِ) هو: محمد بن رُمْح بن المهاجر النُّجيبيّ، تقدّم أيضاً
قريباً .
٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ المشهور، تقدّم قبل بابين.
٤ - (قُتَيْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم أيضاً قبل بابين.
والباقيان تقدّما قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيات المصنّف تَخْلَثُ، وهو (٢٧٤) من رباعيّات
الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رواية أبي الزبير هنا من رواية الليث بن سعد، وهو لا
يروي عنه إلا ما سمعه من جابر له، كما أن شعبة لا يروي عن أبي إسحاق
السبيعيّ، وقتادة، والأعمش إلا ما صرّحوا بسماعه، وكذلك يحيى بن سعيد
القطّان لا يروي عن شيوخه إلا ما صرّحوا بسماعه، وإلى هذا أشرت في
((الفوائد السميّة)) حيث قلت:
إِلَّا الَّذِي سَمِعَهُ فَاسْتَأْنِسِ
شُعْبَةُ لَا يَرْوِي عَنِ الْمُدَلِّسِ
لِذَا إِذَا رَوَى عَنِ الأَعْمَشِ أَوْ
مُعَنْعَناً لَا تَخْشَ تَدْلِيساً فَقَدْ
قَتَادَةٍ أَوِ السَّبِيعِيْ مَا رَوَوْا
كَفَاكَهُ هَذَا الإِمَامُ الْمُعْتَمَدْ

٢٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
دَلَّسَ مَا لَيْسَ سَمَاعاً يُؤْتَمَنْ
كَذَلِكَ الْقَظَّانُ لَا يَرْوِي لِمَنْ
رَوَى فَلَا تَدْلِيسَ يُخْشَى يَا فَطِنْ
كَذَاكَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ اللَّيْثُ إِنْ
سَمِعَهُ مِنْ جَابِرٍ فَاغْتَنِمَا
فَإِنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرَ مَا
يَصْبُولَهَا مَنْ هَمُّهُ ضَبْطُ الْمَالْ
هَذِي فَوَائِدُ عَزِيزَةُ الْمَنَالْ
٣ - (ومنها): أن فيه جابرَ بنَ عبد الله ﴿ه الصحابيّ ابن الصحابيّ، وهو
من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثاً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) ◌َبه أنه (قَالَ: جَاءَ عَبْدٌ) قال صاحب ((التنبيه)): لا أعرف هذا
العبد، ولا سيّده، ولا العبدين الأسودين. انتهى (١). (فَبَابَعَ النَّبِيَّ وَّ عَلَى
الْهِجْرَةِ)؛ أي: على أن يهاجر من بلده إلى المدينة (وَلَمْ يَشْعُرْ) بالبناء للفاعل،
يقال: شَعَرْتُ بالشيء شُعُوراً، من باب قَعَدَ، وشِعْراً، وشِعْرَةً بكسرهما:
(٢)
علِمت، قاله الفيومي
.
وقال المجد تَّلُ: شَعَرَ به، كنصر، وكَرُمَ شِعْراً - بالكسر - وشَعْراً
- بالفتح -، وشِّعْرةً - مثلّئةً: عَلِمَ به، وفَطِنَ له، وعَقَلَه. انتهى باختصار(٣).
[تنبيه]: فاعل ((يشعر)) ضمير النبيّ وَّلفيه، كما بيّنته رواية النسائيّ، ولفظها:
((ولا يشعر النبيّ وَ﴿ أنه عبد)» (أَنَّهُ)؛ أي: أن ذلك العبد المبايَع (عَبْدٌ) إذ لو
عَلِمَ لم يبايعه إلا بإذن سيّده (فَجَاءَ سَيِّدُهُ يُرِيدُهُ)؛ أي: يريد أخذ ذلك العبد،
ويطلب أن يذهب به إلى بلده (فَقَالَ لَّهُ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((بِعْنِيهِ))) إنما طلب ◌َِّ بيعه
له؛ كراهة أن يُرُدّ العبد خائباً عما قصده من الهجرة، وملازمة الصحبة، فاشتراه
ليتمّ له ما أراد (فَاشْتَرَاهُ بِعَبْدَيْنِ أَسْوَدَيْنٍ) قال أبو العبّاس القرطبيّ تَّتُهُ: هذا
إنما فعله النبيّ وَّ﴿ على مقتضى مكارم أخلاقه، ورغبةً في تحصيل ثواب
العتق، وكراهية أن يفسخ له عقد الهجرة، فحصل له العتق، وثبت له الولاء،
فهذا المُعتَقُ مولى للنبيّ وَّ غير أنه لا يُعرف اسمه. انتهى(٤).
(١) ((تنبيه المعلم)) ص٢٦٩.
(٢) ((المصباح المنير)) ٣١٥/١.
(٣) راجع: ((القاموس المحيط)) ص٦٨٩ - ٦٩٠.
(٤) ((المفهم)) ٤ / ٥١١.

٢٧
(٤٤) - بَابُ جَوَازٍ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ مِنْ جِنْسِهِ مُتَفَاضِلاً - حديث رقم (٤١٠٦)
وقال النوويّ تَخُّْ: هذا محمول على أن سيّده كان مسلماً، ولهذا باعه
بعبدين أسودين، والظاهر أنهما كانا مسلمين؛ إذ لا يجوز بيع العبد المسلم لكافر،
ويَحْتَمِل أنه كان كافراً، أو أنهما كانا كافرين، ولا بدّ من ثبوت ملكه للعبد الذي
بايع على الهجرة، إما ببيّنة، وإما بتصديق العبد قبل إقراره بالحرّيّة. انتهى (١).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ كَُّ: لم يرد في شيء من طرقه أنه وَلّ طالب
سيّده بإقامة بيّنة، فيحَتْمَل أن يكون النبيّ ◌َّ علِم صحّة مُلکه له حین عرَف
سيّده، ويَحْتَمِل أن يكون اكتَفَى بدعواه، وتصديق العبد له، فإن العبد بالغٌ
عاقلٌ، يُقبَل إقراره على نفسه، ولم يكن للسيّد من يُنازعه، ولا يُستَحلَف
السيّد، كما إذا ادّعى اللقطة، وعرَف عفاصها، ووِكاءها، أخذها، ولم
يُستَحلَف؛ لعدم المنازع فيها. انتهى (٢).
(ثُمَّ لَمْ يُبَايِعْ) النبيّ وَّرِ (أَحَداً بَعْدُ)؛ أي: بعد مبايعته هذا العبد الذي
طلبه سيّده، فاشتراه منه (حَتَّى يَسْأَلَهُ: أَعَبْدٌ هُوَ؟)؛ يعني: أنه لَمّا وقعت له هذه
الواقعة أخذ بالحزم، والحذر، فكان يسأل من يرتاب فيه، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر نَّلهُ هذا من أفراد المصنّف تَخَذَتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف هنا [٤١٠٦/٤٤] (١٦٠٢)، و(أبو داود) في ((البيوع))
(٣٣٥٨)، و(الترمذيّ) في ((البيوع)) (١٢٣٩)، و((السير)) (١٥٩٦)، و(النسائيّ)
في ((البيعة)) (١٥٠/٧) و((البيوع)) (٢٩٦) و((الكبرى)) (٤١/٤ و٤٢٩ و٢١٩/٥)،
و(ابن ماجه) في ((الجهاد)) (٢٨٦٩)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (١٤٠/١)
و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٤٩/٣، ٣٥٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٥٥٠
و٥٠٢٧)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٤١٠/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٥/
٢٨٦، ٢٨٧) و((المعرفة)) (٤٠٩/٤ و١٦٠/٧)، والله تعالى أعلم.
(١) (شرح النوويّ)) ٣٩/١١.
(٢) ((المفهم)) ٥١١/٤.

٢٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز بيع الحيوان بالحيوان من جنسه متفاضلاً، كعبد
بعبدين، سواء كانت القيمة متّفقةً، أو مختلفةً، وهذا مجمع عليه، إذا بيع نقداً،
فإن باع عبداً بعيدين، أو بعيراً ببعيرين إلى أجل، فمذهب الجمهور جوازه،
وقال أبو حنيفة، والكوفيّون: لا يجوز، وفيه مذاهب لغيرهم، سيأتي تحقيقها،
مع أدلّتها في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٢ - (ومنها): بيان حكم بيعة المماليك، وهو لا يجوز إلا أن يأذن له
سیّده .
٣ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ ◌َ ﴿﴿ من مكارم الأخلاق، والإحسان
العامّ، فإنه كَرِهَ أن يُرُدّ العبد خائباً عما قصده، من الهجرة، ومصاحبته ◌َّقے،
فاشتراه ليُتمّ له غرضه.
٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ كَّلُهُ: فيه دليلٌ على أن الأصل في الناس
الحرّيّة، ولذلك لم يسأله النبيّ ◌َّه إذ حمله على ذلك الأصل، حيث لم يَظهر
له ما يُخرجه عن ذلك، ولو لم يكن الأمر كذلك لتعيّن أن يسأله، وهذا أصل
مالك في الباب، فكلُّ من ادّعى مُلك أحد من بني آدم كان مدفوعاً إلى بيان
ذلك، لكن إذا ناكره المدّعى رقّه، وادّعَى الحرّيّة، وسواء كان ذلك المدّعى
رقّه ممن كثُر ملك نوعه، أو لم يكن، فإن كان في حوز المدّعِي لرقّه كان
القول قولَه، إذا كان حَوْزَ رقّ، فإن لم يكن، فالقول قول المدّعَى عليه مع
یمینه. انتھی(١).
٥ - (ومنها): بيان أنه ﴿ لا يعلم من الغيب إلا ما أعلمه الله تعالى،
حيث إنه بايع هذا العبد، ولم يعلم بحاله.
٦ - (ومنها): الأخذ بالأحوط؛ لأنه وَ* كان بعد ذلك لا يبايع أحداً
حتى يسأل أهو عبدٌ؟، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم بيع الحيوان بالحيوان
متفاضلاً، وكذا نسيئةً:
(١) ((المفهم)) ٥١١/٤.

٢٩
(٤ ٤) - بَابُ جَوَازٍ بَنْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَیْوَانِ مِنْ جِنْسِهِ مُتَقَاضِلاً - حديث رقم (٤١٠٦)
قال الخطابيّ تَظُّ: اختلف أهل العلم في بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً،
فكّرِه ذلك عطاء بن أبي رَبَاحِ، ومنع منه سفيان الثوريّ، وهو مذهب أصحاب
الرأي، ومنع منه أحمد، واحتجّ بحديث سمرة، وقال مالك: إذا اختلفت
أجناسها جاز بيعها نسيئة، وإن تشابهت لم يَجُز، وجوّز الشافعيّ بيعها نسيئةً،
كانت جنساً واحداً، أو أجناساً مختلفةً، إذا كان أحد الحيوانين نقداً. انتهى
كلام الخطّبيّ كَّهُ(١).
وقال الإمام البخاريّ كَُّ في ((صحيحه)):
(باب بيع العبيد، والحيوان بالحيوان نسيئة))، واشتَرَى ابن عمر راحلةً
بأربعة أبعرة، مضمونة عليه، يُوفيها صاحِبَهَا بالرَّبَذَة، وقال ابن عباس: قد
يكون البعير خيراً من البعيرين، واشترى رافع بن خَدِيج بعيراً ببعيرين، فأعطاه
أحدهما، وقال: آتيك بالآخر غداً، رَهْواً، إن شاء الله، وقال ابن المسيِّب: لا
ربا في الحيوان، البعير بالبعيرين، والشاة بالشاتين إلى أجل، وقال ابن سيرين:
لا بأس بعير ببعيرين نسيئة.
ثم أخرج بسنده عن أنس به، قال: ((كان في السبي صفية، فصارت
إلى دحية الكلبيّ، ثم صارت إلى النبيّ ونَ ( 9)). انتهى.
قال في ((الفتح)): قوله: ((باب بيع العبد، والحيوان بالحيوان نسيئة)):
التقدير: بيع العبد بالعبد نسيئة، والحيوان بالحيوان نسيئة، وهو من عطف العام
على الخاص، وكأنه أراد بالعبد جنس من يُستعبد، فيدخل فيه الذكر والأنثى،
ولذلك ذكر قصة صفية، أو أشار إلى إلحاق حكم الذّكر بحكم الأنثى في
ذلك؛ لعدم الفرق.
قال ابن بطال تخلُ: اختلفوا في ذلك، فذهب الجمهور إلى الجواز، لكن
شَرَط مالك أن يختلف الجنس، ومنع الكوفيون، وأحمد مطلقاً؛ لحديث سمرة
المخرَّج في ((السنن))، ورجاله ثقات، إلا أنه اختُلِف في سماع الحسن من
سمرة .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث سمرة ﴿به المذكور ضعيف، وقد
(١) (معالم السنن)) ٢٩/٥.

٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
حقّقت ذلك بأدلته في ((شرح النسائيّ))، فراجعه تستفد(١).
قال: وفي الباب: عن ابن عباس ﴿ًا، عند البزار، والطحاويّ، ورجاله
ثقات أيضاً، إلا أنه اختُلف في وصله وإرساله، فرجّح البخاريّ، وغير واحد
إرساله، وعن جابر ظه عند الترمذيّ وغيره، وإسناده ليّن، وعن جابر بن
سمرة به عند عبد الله بن أحمد في زيادات («المسند»، وعن ابن عمر عند
الطحاويّ، والطبرانيّ.
واحتُجّ للجمهور بحديث عبد الله بن عمرو: ((أن النبي وَ*، أمره أن
يُجَهّز جيشاً، وفيه: فابتاع البعير بالبعيرين، بأمر رسول الله (وَ لات))، أخرجه
الدار قطنيّ وغيره، وإسناده قويّ، واحتَجّ البخاري هنا بقصة صفية، واستشهد
بآثار الصحابة
وقوله: ((واشترى ابن عمر راحلة بأربعة أبعرة)) الحديث وصله مالك،
والشافعيّ عنه، عن نافع، عن ابن عمر بهذا، ورواه ابن أبي شيبة من طريق
أبي بشر، عن نافع: أن ابن عمر اشترى ناقة، بأربعة أبعرة بالرَّبَذَة، فقال
لصاحب الناقة: اذهب، فانظر، فإن رضيت فقد وجب البيع.
وقوله: ((راحلة))؛ أي: ما أمكن ركوبه من الإبل، ذكراً أو أنثى، وقوله:
(مضمونة)) صفة ((راحلة))؛ أي: تكون في ضمان البائع حتى يوفيها؛ أي:
يسلمها للمشتري، والربذة - بفتح الراء، والموحدة، والمعجمة -: مكان
معروف بين مكة والمدينة.
وقوله: وقال ابن عباس: ((قد يكون البعير خيراً من البعيرين)): وصله
الشافعيّ، من طريق طاوس: أن ابن عباس سئل عن بعير ببعيرين؟ فقاله.
قوله: ((واشترى رافع بن خديج بعيراً ببعيرين، فأعطاه أحدهما، وقال:
آتيك بالآخر غداً، رَهْواً، إن شاء الله)): وصله عبد الرزاق، من طريق مُطَّف بن
عبد الله عنه.
وقوله: ((رَهْواً)) بفتح الراء، وسكون الهاء - أي: سهلاً -، والرهو السير
السهل، والمراد به هنا أن يأتيه به سريعاً، من غير مَظْلٍ.
(١) راجع: ((ذخيرة العقبى)) ١١١/٣٥ - ١١٢.

٣١
(٤٤) - بَابُ جَوَازٍ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَّوَانِ مِنْ جِنْسِهِ مُتَفَاضِلاً - حديث رقم (٤١٠٦)
وقوله: ((وقال ابن المسيِّب: لا ربا في الحيوان: البعير بالبعيرين، والشاة
بالشاتين، إلى أجل)): أما قول سعيد: فوصله مالك، عن ابن شهاب عنه، لا
ربا في الحيوان، ووصله ابن أبي شيبة، من طريق أخرى، عن الزهري عنه: لا
بأس بالبعير بالبعيرين نسيئة.
وقوله: ((وقال ابن سيرين: لا بأس ببعير ببعيرين، ودرهم بدرهم نسيئة)):
وصله عبد الرزاق، من طريق أيوب عنه، بلفظ: ((لا بأس بعير ببعيرين، ودرهم
بدرهم نسيئة، فإن كان أحد البعيرين نسيئة، فهو مكروه))، وروى سعيد بن
منصور، من طريق يونس عنه، أنه كان لا يرى بأساً بالحيوان بالحيوان يداً بيد،
أو الدراهم نسيئةً، ويكره أن تكون الدراهم نقداً، والحيوان نسيئة. انتهى(١).
وقال الإمام ابن القيّم تَظُّ في ((تهذيب السنن)) (٢٩/٥): اختَلَفَ أهلُ
العلم في هذه المسألة على أربعة أقوال، وهي أربع روايات عن أحمد:
[إحداها]: أن ما سوى المكيل والموزون من الحيوان، والنبات، ونحوه
يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلاً ومتساوياً، وحالّاً، ونَساء، وأنه لا يجري فيه
الربا بحال، وهذا مذهب الشافعيّ، وأحمد في إحدى رواياته، واختارها
القاضي، وأصحابه، وصاحب ((المغني)).
[والرواية الثانية عن أحمد]: أنه يجوز التفاضل فيه يداً بيد، ولا يجوز
نسيئةً، وهي مذهب أبي حنيفة، كما دلّ عليه حديثا جابر، وابن عمر ظَه.
[والرواية الثالثة عنه]: أنه يجوز فيه النَّساء إذا كان متماثلاً، ويحرم مع
التفاضل، وعلى هاتين الروايتين، فلا يجوز الجمع بين النسيئة والتفاضل، بل إن
وُجد أحدهما حرم الآخر، وهذا أعدل الأقوال في المسألة، وهو قول مالك،
فيجوز عبد بعبدين حالّاً، وعبد بعبد نَساءً، إلا أن لمالك فيه تفصيلاً، والذي عقد
عليه أصل قوله: أنه لا يجوز التفاضل والنَّساء معاً في جنس من الأجناس،
والجنس عنده معتبر باتفاق الأغراض والمنافع، فيجوز بيع البعير البختيّ بالبعيرين
من الحَمولة، ومن حاشية إبله إلى أجل؛ لاختلاف المنافع، وإن أشبه بعضها
بعضاً، اختلفت أجناسها، أو لم تختلف، فلا يجوز منها اثنان بواحد إلى أجل.
(١) (الفتح)) ٧٠٨/٥ - ٧٠٩، كتاب ((البيوع)) رقم (٢٢٢٨).

٣٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
فسِرُّ مذهبه أنه لا يجتمع التفاضل والنَّساء في الجنس الواحد عنده،
والجنس ما اتفقت منافعه، وأشبه بعضه بعضاً، وإن اختلفت حقيقته، فهذا
تحقيق مذاهب الأئمة في هذه المسألة المعضلة، ومآخذهم.
وحديث عبد الله بن عمرو ﴿ا صريح في جواز المفاضلة والنَّساء، وهو
حديث حسن، قال عثمان بن سعيد: قلت ليحيى بن معين: أبو سفيان الذي
روى عنه محمد بن إسحاق - يعني هذا الحديث - ما حاله؟ قال: مشهور ثقة،
قلت: عن مسلم بن كثير، عن عمرو بن حُريش الزبيديّ؟ قال: هو حديث
مشهور، ولكن مالك يحمله على اختلاف المنافع والأغراض، فإن الذي كان
يأخذه إنما هو للجهاد، والذي جعله عِوَضه هو من إبل الصدقة، قد يكون من
بني المخاض، ومن حواشي الإبل، ونحوها.
وأما الإمام أحمد كَّتُ فإنه كان يُعلّل أحاديث المنع كلّها، قال: ليس
فيها حديث يُعتمد عليه، ويُعجبني أن يتوقّاه، وذُكر له حديث ابن عباس، وابن
ـّ، فقال: هما مرسلان، وحديث سمرة عن الحسن، قال الأثرم: قال
عمر
أبو عبد الله: لا يصحّ سماع الحسن من سمرة.
وأما حديث جابر ﴿ه، من رواية حجاج بن أرطاة، عن أبي الزبير،
عنه، فقال الإمام أحمد: هذا حجاج زاد فيه: ((نَساء)»، والليث بن سعد سمعه
من أبي الزبير، لا يذكر فيه: ((نساء))
وهذه ليست بعلّة في الحقيقة، فإن قوله: ((ولا بأس به يداً بيد)) يدلّ على
أن قوله: ((لا يصلح))؛ يعني: نَساء، فذكرُ هذه اللفظة زيادة إيضاح، لو سكت
عنها لكانت مفهومة من الحديث، ولكنه معلّل بالحَجّاج، فقد أكثر الناس
الكلام فيه، وبالغ الدارقطنيّ في ((السنن)) في تضعيفه، وتوهينه.
وقد قال أبو داود: إذا اختلفت الأحاديث عن النبيّ وَ* نظرنا إلى ما
عَمِل به أصحابه من بعده.
وقد ذكرنا الآثار عن الصحابة بجواز ذلك متفاضلاً ونسيئةً.
وهذا كله مع اتحاد الجنس، وأما إذا اختلف الجنس، كالعبيد بالثياب،
والشاء بالإبل، فإنه يجوز عند جمهور الأمة التفاضل فيه والنَّساء، إلا ما حُكي
رواية عن أحمد: أنه لا يجوز بيعه متفاضلاً يداً بيد، ولا يجوز نَساءً، وحَکَی

٣٣
(٤٥) - بَابُ جَوَازِ الرَّهْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ
هذا أصحابنا عن أحمد رواية رابعةً في المسألة، واحتجّوا لها بظاهر حديث
جابر ظه: ((الحيوان اثنان بواحد لا يصلح نسيئةً، ولا بأس به يداً بيد))، ولم
يخصّ به الجنس المتّحد، وكما يجوز التفاضل في المكيل المختلف الجنس،
دون النَّساء، فكذلك الحيوان وغيره، إذا قيل: إنه ربويّ، وهذه الرواية في غاية
الضعف؛ لمخالفتها النصوص، وقياس الحيوان على المكيل فاسد؛ إذ في محلّ
الحكم في الأصل أوصاف معتبرة، غير موجودة في الفرع، وهي مؤثّرةٌ في
التحریم.
وحديث جابر ظه لو صحّ، فإنما المراد به مع اتحاد الجنس، دون
اختلافه، کما هو مذکورٌ في حدیث ابن عمر پًا.
فهذه نُكَت في هذه المسألة المعضلة، لا تكاد توجد مجموعةً في كتاب،
وبالله تعالى التوفيق. انتهى كلام ابن القيّم تَخْدَثُ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الأرجح هو المذهب الأول
الذي قال به الشافعيّ، وأحمد في رواية، وهو جواز بيع الحيوان بعضه ببعض،
متفاضلاً، ونساءً؛ لصحة الأحاديث بذلك، كما أوضحت ذلك في ((شرح
النسائيّ))، ولصحة الآثار عن الصحابة ﴿ه، كما أشار إليه البخاريّ تَّتُهُ في
كلامه المتقدّم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾.
(٤٥) - (بَابُ جَوَازِ الرَّهْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ)
((الرهن)) - بفتح أوله وسكون الهاء - في اللغة: الاحتباس، من قولهم:
رَهَنَ الشيءُ من باب قعد: إذا دام، وثبت، ومنه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِنَةُ
(٣٨)
الآية [المدثر: ٣٨].
وفي الشرع: جعلُ مال وثيقةً على دَين، ويُظْلَق أيضاً على العين
المرهونة؛ تسميةً للمفعول باسم المصدر، وأما الرُّهُن بضمتين، فجمع رهن،
(١) ((تهذيب السنن)) ٣٠/٥ - ٣١.

٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
كفلس وفُلُوس، ويُجْمَع أيضاً على رِهان بكسر الراء، ككتب وكتاب، وقُرئ
بهما، أفاده في ((الفتح))(١).
وقال ابن قُدامة تَخْتُهُ في ((المغني)): ((الرهن)) في اللغة: الثبوت والدوام،
يقال: ماءٌ راهن؛ أي: راكد، ونعمة راهنة؛ أي: ثابتة دائمة، وقيل: هو من
الحبس، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ أَمْرِيٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ﴾﴾ [الطور: ٢١]، وقال:
﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِيَنَةُ (®﴾ [المدثر: ٣٨]، وقال الشاعر [من البسيط]:
وَفَارَقَتْكَ بِرَهْنٍ لَا فِكَاكَ لَهُ يَوْمَ الْوَدَاعِ فَأَضْحَى الرَّهْنُ قَدْ غَلِقَا
شَبَّه لزوم قلبه لها، واحتباسه عندها لشدة وجْده بها، بالرهن الذي يلزمه
المرتهن، فيُبقيه عنده، ولا يفارقه، وغَلَقُ الرهن: استحقاق المرتهن إياه؛ لعجز
الراهن عن فکاکه.
والرهن في الشرع: المال الذي يُجعَل وثيقة بالدَّين؛ ليُستَوفَى من ثمنه،
إن تعذر استيفاؤه ممن هو عليه، وهو جائز بالكتاب، والسُّنَّة، والإجماع:
أما الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاِبًا فَرِهَانٌ
مَّقْبُوضَةٌ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٣]، وتُقرأ (فَرُهُن)) والرِّهَان جمع رَهْن، والرُّهُن جمع
الجمع، قاله الفراء، وقال الزجاج: يَحْتَمِل أن يكون جمع رَهْن، مثل سَقْف وسُقُف.
وأما السُّنَّة: فروت عائشة رضيؤُها: ((أن رسول الله وَّلو، اشترى من يهودي
طعاماً، ورهنه درعه)) متفق عليه، ورَوَى أبو هريرة ◌َُّبه قال: قال رسول الله وَله :
((الظهر يُركب بنفقته، إذا كان مرهوناً، ولبن الدرّ يُشْرَب بنفقته، إذا كان
مرهوناً، وعلى الذي يركب، ويشرب: النفقة))، رواه البخاريّ، وعن أبي
هريرة ◌َظُه: أن رسول الله وَّه قال: ((لا يَغْلَقُ الرهنُ))(٢).
وأما الإجماع: فأجمع المسلمون على جواز الرهن في الجملة. انتهى
كلام ابن قُدامة رَظْهُ(٣) .
(١) ((الفتح)) ٣٢٥/٦.
(٢) رواه ابن ماجه في ((سننه)) ٨١٦/٢، وهو حديث ضعيف؛ لأن في سنده محمد بن
حُميد الرازيّ، ضعّفه الجمهور، وشيخه سيئ الحفظ.
(٣) («المغني)) ٤٤٣/٦ - ٤٤٤.

٣٥
(٤٥) - بَابُ جَوَازِ الرَّهْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ - حديث رقم (٤١٠٧)
[٤١٠٧] (١٦٠٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ،
وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا
أَبُو مُعَاوِيَةَ - عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَت: اشْتَرَى
رَسُولُ اللهِ نَّهِ مِنْ يَهُودِيٌّ طَعَاماً بِنَسِيئَةٍ، فَأَعْطَاهُ دِرْعاً لَهُ رَهْنَاً).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) تقدّم قبل بابين.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، أحفظ الناس
لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره، ورُمي بالإرجاء، من كبار [٩]
(ت١٩٥) وله (٨٢) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
٣ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم قبل بابين.
٤ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد النخعيّ، تقدّم قريباً.
٥ - (الأَسْوَدُ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن
الكوفيّ، مخضرم، ثقةٌ فقيه مكثر [٢] (ت٤ أو ٧٥) (ع) تقدم في ((الطهارة))
٣٢ / ٦٧٤.
٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ◌َيُنَا، تقدّمت قريباً.
والباقيان ذُكِرا في الباب الماضيين.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رَّلهُ .
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، من شيخه محمد بن العلاء
إلى آخره.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين، من شيخه المذكور.
٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين الكوفيين، روى بعضهم عن
بعض: الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، وأن الأسود خال لإبراهيم، فإن
أمه هي مُليكة بنت يزيد أخت الأسود المذكور، والله تعالى أعلم.

٣٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
شرح الحديث:
(عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النخعيّ، وفي رواية للبخاريّ من طريق عبد الواحد عن
الأعمش، قال: ((ذكرنا عند إبراهيم الرَّهْن في السلم، فقال: حدّثني الأسود،
عن عائشة ﴿ّ))، فذكره (عَنِ الْأَسْوَدِ) بن يزيد النخعيّ (عَنْ عَائِشَةَ) أم
المؤمنين فيها، أنها (قَالَت: اشْتَرَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ مِنْ يَهُودِيٍّ) هذا اليهوديّ:
هو أبو الشَّحْم، بَيّنه الشافعيّ، ثم البيهقيّ، من طريق جعفر بن محمد، عن
أبيه: ((أن النبيّ وَِّ، رَهَنَ درعاً له، عند أبي الشحم اليهوديّ، رجلٍ من بني
ظَفَر في شعير)). انتهى.
و((أبو الشَّحْم)) - بفتح المعجمة وسكون المهملة -: اسمه كنيته، و((ظَفَر))
- بفتح الظاء والفاء - بطن من الأوس، وكان حليفاً لهم، وضبطه بعض
المتأخرين بهمزة ممدودة، وموحّدة مكسورة، اسم فاعل من الإباء، وكأنه
التبس عليه بـ((أبي اللحم)) الصحابيّ المشهور.
(طَعَاماً) المراد به هنا الشعير؛ لِمَا يأتي في رواية البخاريّ، من حديث
أنس رَظُه: ((ولقد رَهَنَ درعاً له، عند يهوديّ بالمدينة، وأخذ منه شعيراً
لأهله)» .
وكان قدر الشعير المذكور ثلاثين صاعاً، كما هو عند البخاريّ من حديث
عائشة ◌َّا في ((الجهاد))، وأواخر ((المغازي))، وكذلك رواه أحمد، والنسائيّ،
وابن ماجه، والطبرانيّ وغيرهم من طريق عكرمة، عن ابن عباس ◌ًّا، وأخرجه
الترمذيّ، من هذا الوجه، فقال: ((بعشرين)).
قال الحافظ تَّتُ: ولعلّه كان دون الثلاثين، فَجُبِر الكسر تارةً، وأُلغي
أخرى، ووقع لابن حبان من طريق شيبان، عن قتادة، عن أنس وظ ه: أن قيمة
الطعام كانت ديناراً، وزاد أحمد من طريق شيبان في آخره: ((فما وَجَد ما
یفتگّها به حتی مات».
(بِنَسِيئَةٍ) وفي الرواية الآتية: ((إلى أجل))، وقد تبيّن مدة الأجل عند ابن
حبّان في ((صحيحه)) من طريق عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش: أنه سنة
(فَأَعْطَاهُ دِرْعاً لَهُ رَهْناً) وفي الرواية التالية: ((ورهنه درعاً له من حديد)). وهو
بكسر الدال المهملة، وسكون الراء، قال صاحب ((التنبيه)): هي ذات

٣٧
(٤٥) - بَابُ جَوَازِ الرَّهْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ - حديث رقم (٤١٠٧)
الفضول(١)، قاله غير واحد. انتهى(٢).
وقال الفيّوميّ: دِرْعُ الحديد مؤنّثة في الأكثر، وتُصغّر على دُريع، بغير
هاء على غير قياس، وجاز أن يكون التصغير على لغة من ذكّر، وربّما قيل:
دُريعةٌ بالهاء، وجمعها أدرٌُ، ودُرُوعٌ، وأَدْراعٌ، قال ابن الأثير: وهي الزَّرَدِيَّةُ.
(٣) .
انتھی
قال في ((الفتح)): واستُدِلّ به على جواز بيع السلاح من الكافر، ووقع
عند البخاريّ في أواخر ((المغازي)) من طريق الثوريّ، عن الأعمش، بلفظ:
((تُوفّي رسول الله وَ ﴿، ودرعه مرهونة عند يهوديّ بثلاثين صاعاً من شعير))، وفي
حديث أنس، عند أحمد: ((فما وجد ما يَفتَكُها به)).
وفيه دليل على أن المراد بقوله وَلفيه، في حديث أبي هريرة ظُه: ((نَفْس
المؤمن مُعَلَّقة بدینه، حتی یُقضَی عنه))، وهو حدیث صححه ابن حبان وغيره،
محله في غير نَفْس الأنبياء، فإنها لا تكون معلقة بدين، فهي خصوصية، أو
لمن لم يَترك عند صاحب الدَّين ما يحصل له به الوفاء، واليه جنح الماورديّ.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن محمل حديث أبي هريرة .
المذكور: ((نفس المؤمن معلّقة إلخ ... )) أن يكون متساهلاً في الدَّين، بأن كان
غير عازم على أدائه، أو ماطل صاحبه مع قدرته على الوفاء، والحجة في ذلك
حديث الباب، وهو أصحّ منه، ودعوى الخصوصيّة غير مقبولة؛ لأنها لا تثبت
بدلیل .
وأصرح من هذا ما أخرجه البخاريّ في (صحيحه)) عن أبي هريرة ظُه،
عن النبيّ وَّر قال: ((من أخذ أموال الناس يريد أداءها أَدَّى الله عنه، ومن أخذ
يريد إتلافها أتلفه الله))، فهذا نصّ صريح في أن من كانت نيّته صالحة في أداء
دَينه، فإن الله ومك يؤدّي عنه إن مات قبل الأداء، فتبصّر، والله تعالى أعلم
بالصواب.
قال: وذكر ابن الطلاع في ((الأقضية النبوية)): أن أبا بكر افْتَكّ الدرع بعد
(١) اسم لدرع النبيّ ێ.
(٣) ((المصباح المنير)) ١٩٢/١.
(٢) ((تنبيه المعلم)) ص٢٦٩.

٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
النبيّ وَ*، لكن رَوَى ابن سعد عن جابر ظ ◌ُبه أن أبا بكر ◌َظُهُ قضى عِدَات
النبيّ وَ ﴿، وأن عليّاً قَضَى ديونه، ورَوَى إسحاق بن راهويه في ((مسنده)) عن
الشعبيّ، مرسلاً أن أبا بكر افْتَكّ الدرع، وسلّمها لعليّ بن أبي طالب.
وأما من أجاب بأنه ◌َّ افتكها قبل موته، فمعارض بحديث عائشة
المذكور، أفاده في ((الفتح)) (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤١٠٧/٤٥ و٤١٠٨ و٤١٠٩ و٤١١٠] (١٦٠٣)،
و(البخاريّ) في ((البيوع)) (٢٠٦٨ و٢٠٩٦ و٢٢٠٠) و((السلم)) (٢٢٥١ و٢٢٥٢)
و (الاستقراض)) (٢٣٨٦) و((الرهن)) (٢٥٠٩ و٢٥١٣) و((المغازي)) (٢٤٦٧)
و((الجهاد)) (٢٩١٦)، و(النسائيّ) في ((البيوع)) (٢٨٨/٧) و((الكبرى)) (٦٢٠٢
و٦٢٤٦)، و(ابن ماجه) في ((الرهون)) (٢٤٣٦)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه))
(١٤٠٩٤)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٦/٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٦/
٤٢ و١٦٠ و٢٣٠)، و(ابن راهويه) في («مسنده)) (٨٤٥/٣ و٨٤٦)، و(ابن
حبّان) في (صحيحه)) (٥٩٣٦ و٥٩٣٨)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٦٦٤)،
و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٠٧/٣) و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٩/٦)
و((الصغرى)) (٢٦٦/٥)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢١٢٩ و٢١٣٠)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة الرهن عند الشراء إلى أجل، قال
القرطبيّ تَخَُّ: فيه من الفقه جواز أخذ الدَّين عند الحاجة، وجواز الاستيثاق
بالرهن، والكفالة في الدَّين والسَّلَم، وقد مَنَعَ الرهن في السلم زُفرُ،
(١) ((الفتح)) ٣٢٨/٦ - ٣٢٩.

٣٩
(٤٥) - بَابُ جَوَازِ الرَّهْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ - حديث رقم (٤١٠٧)
والأوزاعيّ، وحديث عائشة ◌ّا هذا حجة عليهم؛ إذ لا فرق بين الدين
والسَّلم، وكذلك عموم قوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢].
(١)
انتھی(١) .
٢ - (ومنها): جواز رهن آلة الحرب عند أهل الذمّة.
٣ - (ومنها): جواز الرهن في الحضر، وبه قال الشافعيّ، ومالك، وأبو
حنيفة، وأحمد، والعلماء كافّة، إلا مجاهداً، وداود، فقالا: لا يجوز إلا في
السفر؛ تعلُّقاً بقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَلِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾،
واحتَجَّ الجمهور بهذا الحديث، وهو مقدَّم على دليل خطاب الآية، قاله
النوويّ دَخَّقُ (٢)، وسيأتي تمام البحث في هذا مستوفّى في المسألة السابعة - إن
شاء الله تعالى -.
٤ - (ومنها): جواز معاملة الكفار فيما لم يتحقق تحريم عين المتعامَل
فيه، وعدم الاعتبار بفساد معتقدهم، ومعاملاتهم فيما بينهم، قاله في
(الفتح))(٣).
وقال القرطبيّ تَخُّ: فيه دليلٌ على جواز معاملة أهل الذمّة مع العلم
بأنهم يبيعون الخمر، ويأكلون الربا؛ لأنا قد أقررناهم على ما بأيديهم من
ذلك، وكذلك لو أسلموا لطاب لهم ذلك، وليس كذلك المسلم الذي يعمل
بشيء من ذلك، لا يُقرّ على ذلك، ولا يُترك بيده، ولا يجوز أن يعامَل من كان
كسبه من ذلك، وإذا تاب تصدّق بما بيده منه.
وأما أهل الحرب، فيجوز أن يُعامَلوا، ويُشترى منهم كلّ ما يجوز لنا
شراؤه، وتمّكه، ويباع لهم كلّ شيء من العروض، والحيوان، ما لم يكن ذلك
مُضرّاً بالمسلمين، مما يحتاجون إليه، وما خلا آلة الحرب، وعُدّته، وما يُخاف
أن يَتَقَوّوا به على المسلمين، فلا يُباع منهم شيء منه، ولا يُباع منهم، ولا من
أهل الذّمّة مسلم، ولا مصحف، وقال ابن حبيب: لا يُباع من أهل الحرب
الحرير، ولا الكتّان، ولا البُسُط؛ لأنهم يتجمّلون بذلك في حروبهم، ولا
(١) ((المفهم)) ٥١٨/٤.
(٣) ((الفتح)) ٣٢٧/٦.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٤٠/١١.

٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
الطعام، لعلهم أن يضعفوا. انتهى(١).
وقال النوويّ تَخُّْ: وقد أجمع المسلمون على جواز معاملة أهل الذمّة
وغيرهم من الكفار إذا لم يُتَحَقَّق تحريم ما معه، لكن لا يجوز للمسلم أن يبيع
أهل الحرب سلاحاً، وآلة حرب، ولا ما يستعينون به في إقامة دِينهم، ولا بيع
مصحف، ولا العبد المسلم لكافر مطلقاً، والله أعلم. انتهى (٢).
٥ - (ومنها): أنه استُنبِط منه جواز معاملة من أكثر ماله حرام.
٦ - (ومنها): جواز بيع السلاح، ورهنه، وإجارته، وغير ذلك من
الكافر، ما لم يكن حربياً .
٧ - (ومنها): ثبوت أملاك أهل الذمّة في أيديهم.
٨ - (ومنها): جواز الشراء بالثمن المؤجل.
٩ - (ومنها): اتخاذ الدروع والْعُدَد، وغيرها من آلات الحرب، وأنه غير
قادح في التوكل.
١٠ - (ومنها): أن قنية آلة الحرب لا تدل على تحبيسها قاله ابن المنير.
١١ - (ومنها): أن أكثر قوت ذلك العصر الشعير، قاله الداوديّ.
١٢ - (ومنها): أن القول قول المرتهن في قيمة المرهون مع يمينه، حكاه
ابن التين.
١٣ - (ومنها): أن فيه بيانَ ما كان عليه النبيّ وَّر من التواضع، والزهد
في الدنيا، والتقلل منها، مع قدرته عليها، والكرم الذي أفضى به إلى عدم
الادخار، حتى احتاج إلى رهن درعه، والصبر على ضيق العيش، والقناعة
باليسير .
١٤ - (ومنها): أنه فيه فضيلةَ أزواجه وَّه لصبرهنّ معه على ذلك رضي الله
تعالى عن جميعهنّ.
[فائدة]: قال العلماء - رحمهم الله تعالى -: الحكمة في عدوله وَلثر عن
معاملة مياسير الصحابة، إلى معاملة اليهود، إما لبيان الجواز، أو لأنهم لم
يكن عندهم إذ ذاك طعام فاضل عن حاجة غيرهم، أو خَشِي أنهم لا يأخذون
(١) ((المفهم)) ٥١٨/٤.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٤٠/١١.