Indexed OCR Text
Pages 761-780
٧٦١ (٤٢) - بَابُ بَيْعِ الْبَعِيرِ، وَاسْتِثْنَاءِ رُكُوبِهِ - حديث رقم (٤٠٩١) ٦ - (ومنها): أن إجابة الكبير بقول: ((لا)) جائز في الأمر الجائز. ٧ - (ومنها): جواز التحدث بالعمل الصالح؛ للإتيان بالقصة على وجهها، لا على وجه تزكية النفس، وإرادة الفخر. ٨ - (ومنها): أن فيه تفقدَ الإمام، والكبير لأصحابه، وسؤاله عما ينزل بهم، وإعانتهم بما تيسر من حال، أو مال، أو دعاء. ٩ - (ومنها): بيان تواضعه ١٠ - (ومنها): جواز ضرب الدابة للسير، وإن كانت غير مكلفة، ومحله ما إذا لم يتحقق أن ذلك منها، من فَرْط تعب، وإعياء. ١١ - (ومنها): أن فيه توقيرَ التابع لرئيسه. ١٢ - (ومنها): أن فيه الوكالةَ في وفاء الديون، ونحوها. ١٣ - (ومنها): أن وزن الثمن على المشتري. ١٤ - (ومنها): جواز الشراء بالنسيئة. ١٥ - (ومنها): أن فيه ردَّ العطية قبل القبض؛ لقول جابر: هو لك، قال: ((لا ، بل بعنيه)). ١٦ - (ومنها): أن فيه جوازَ إدخال الدوابّ، والأمتعة إلى رحاب المسجد، وحواليه. ١٧ - (ومنها): أنه استدلّ به بعضهم على طهارة أبوال الإبل، وتعقّبه الحافظ بأنه لا حجة فيه، وقد تقدّم في ((الطهارة)) أن الحقّ طهارة أبوال الإبل، وغيرها، فراجعه تستفد. ١٨ - (ومنها): أن فيه المحافظة على ما يُتبرك به؛ لقول جابر نظراته: ((لا تفارقني الزيادة)). ١٩ - (ومنها): أن فيه جوازَ الزيادة في الثمن، عند الأداء، والرجحان في الوزن، لكن برضى المالك، وهي هبة مستأنفة، حتى لو رُدّت السلعة بعيب مثلاً، لم يجب ردّها، أو هي تابعة للثمن، حتى تردّ؟ فيه احتمال، والأظهر الأول. ٢٠ - (ومنها): استحباب نكاح البكر. ٢١ - (ومنها): استحباب ملاعبة الرجل لزوجته. ٧٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع ٢٢ - (ومنها): استحباب الابتداء بالمسجد، وصلاة ركعتين فيه عند القدوم من السفر. ٢٣ - (ومنها): استحباب الدلالة على الخير. حيث ترك حظ نفسه، وامتثل ٢٤ - (ومنها): أن فيه فضيلةً لجابر أمر النبيّ ټێ له ببيع جمله، مع احتیاجه إليه. ئه حيث ترك حظّ نفسه من ٢٥ - (ومنها): أن فيه أيضاً فضيلة لجابر نكاح البكر، واختار مصلحة أخواته في نكاح ثيّب تقوم بمصالحهنّ. ٢٦ - (ومنها): أن فيه معجزةً ظاهرةً للنبيّ وَّر، في انبعاث جمل جابر ◌ُبه، وإسراعه بعد إعيائه. ٢٧ - (ومنها): استحباب التبرّك بآثار رسول الله وَله؛ لقول جابر ((لا تفارقه زيادة رسول الله وَالچ)) . ٢٨ - (ومنها): جواز تقدّم بعض الجيوش الراجعين بإذن الأمير. ٢٩ - (ومنها): جواز إضافة الشيء إلى من كان مالكه قبل ذلك، باعتبار ما كان. ٣٠ - (ومنها): أنه استدَلّ به بعضهم على صحة البيع بغير تصريح بإيجاب، ولا قبول؛ لقوله فيه: ((قال: بعنيه بأوقية، فبعته))، ولم يذكر صيغة. وتعقّبه في ((الفتح))، بأنه لا حجة فيه؛ لأن عدم الذكر لا يستلزم عدم الوقوع، وقد وقع في رواية عطاء عند البخاريّ في ((الوكالة)): ((قال: بعنيه، قال: قد أخذته بأربعة دنانير))، قال: فهذا فيه القبول، ولا إيجاب فيه، وفي رواية له في ((الجهاد)): ((قال: بل بعنيه، قلت: لرجل عليّ أوقية ذهب، فهو لك بها، قال: قد أخذته))، ففيه الإيجاب والقبول معاً، وأبين منها رواية ابن إسحاق، عن وهب ابن كيسان، عند أحمد: ((قلت: قد رضيت، قال: نعم، قلت: فهو لك بها، قال: قد أخذته))، فيستدل بها على الاكتفاء في صيغ العقود بالكنايات. انتھی(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: اشتراط الإيجاب والقبول قول لا دليل (١) ((الفتح)) ٦٠٩/٦ - ٦١٠. ٧٦٣ (٤٢) - بَابُ بَيْعِ الْبَعِيرِ، وَاسْتِنَاءِ رُكُوبِهِ - حديث رقم (٤٠٩١) عليه، لا من الكتاب، ولا من السنّة، ولا من الإجماع، فالحقّ أن البيع ينعقد بكلّ ما تعارفه الناس، من الأقوال، أو الأفعال، كالمعاطاة، وقد تقدّم تحقيق ذلك في ((البيوع))، فراجعه تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق. [تكميل]: قال الحافظ تَّتُهُ: آل أمرُ جمل جابر ◌ُه هذا؛ لِمَا تقدم له من بركة النبيّ وَ﴿، إلى مآل حسن، فرأيت في ترجمة جابر رائه من ((تاريخ ابن عساكر))، بسنده إلى أبي الزبير، عن جابر له، قال: فأقام الجمل عندي زمانَ النبيّ ◌َّ﴿، وأبي بكر، وعمر، فعجز، فأتيت به عمر ◌ُه، فعرف قصته، فقال: اجعله في إبل الصدقة، وفي أطيب المراعي، ففعل به ذلك، إلى أن مات. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في بيان اختلاف الروايات في وقوع الاشتراط في قصّة بيع جمل جابر ربه المذكورة: قال البخاريّ كَّلُ: الاشتراط أكثر، وأصح عندي: أي أكثر طُرُقاً، وأصح مخرجاً، وأشار بذلك إلى أن الرواة اختلفوا عن جابر، في هذه الواقعة، هل وقع الشرط في العقد عند البيع، أو كان ركوبه للجمل بعد بيعه إباحةً من النبيّ وَّ بعد شرائه، على طريق العارية؟ وأصرح ما وقع في ذلك رواية النسائي من طريق ابن عُيينة، عن أيوب، بلفظ: ((وقد أعرتك ظهره إلى المدينة))، لكن اختَلَف فيها حماد بن زيد، وسفيان بن عيينة، وحماد أعرف بحديث أيوب، من سفيان. والحاصل أن الذين ذكروه بصيغة الاشتراط أكثر عدداً، من الذين خالفوهم، وهذا وجه من وجوه الترجيح، فيكون أصح، ويترجح أيضاً بأن الذين رووه بصيغة الاشتراط، معهم زيادة، وهم حفاظ، فتكون حجة، وليست رواية من لم يذكر الاشتراط، منافية لرواية من ذكره؛ لأن قوله: ((لك ظهره))، و ((أفقرناك ظهره))، و((تبلغ عليه))، لا يمنع وقوع الاشتراط قبل ذلك، وقد رواه عن جابر بمعنى الاشتراط أيضاً أبو المتوكل، عند أحمد، ولفظه: ((فبعني، ولك ظهره إلى المدينة))، لكن أخرجه البخاريّ في ((الجهاد)) من طريق أخرى، (١) ((الفتح)) ٦/ ٦١٠. ٧٦٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع عن أبي المتوكل، فلم يتعرض للشرط إثباتاً ولا نفياً، ورواه أحمد من هذا الوجه، بلفظ: ((أتبيعني جملك؟ قلت: نعم، قال: أقدم عليه المدينة))، ورواه أحمد من طريق أبي هبيرة، عن جابر، بلفظ: (فاشترى مني بعيراً، فجعل لي ظهره حتى أقدم المدينة))، ورواه ابن ماجه، وغيره، من طريق أبي نضرة، عن جابر، بلفظ: ((فقلت: يا رسول الله، هو ناضحك، إذا أتيت المدينة))، ورواه أيضاً عن جابر نُبَيحٌ الْعَنَزِيّ، عند أحمد، فلم يذكر الشرط، ولفظه: ((قد أخذته بوقية، قال: فنزلت إلى الأرض، فقال: ما لك؟ قلت: جملك، قال: اركب، فركبت حتى أتيت المدينة))، ورواه أيضاً من طريق وهب بن كيسان، عن جابر، فلم يذكر الشرط، قال فيه: ((حتى بلغ أوقية، قلت: قد رضيتَ؟ قال: نعم، قلت: فهو لك، قال: قد أخذته، ثم قال يا جابر: هل تزوجت؟))، الحديث. قال الحافظ: وما جنح إليه البخاريّ، من ترجيح رواية الاشتراط، هو الجاري على طريقة المحققين، من أهل الحديث؛ لأنهم لا يتوقفون عن تصحيح المتن، إذا وقع فيه الاختلاف، إلا إذا تكافأت الروايات، وهو شرط الاضطراب، الذي يُرَدُّ به الخبر، وهو مفقود هنا، مع إمكان الترجيح. قال ابن دقيق العيد: إذا اختلفت الروايات، وكانت الحجة ببعضها دون بعض، تَوَقَّف الاحتجاجُ بشرط تعادل الروايات، أما إذا وقع الترجيح لبعضها، بأن تكون رُواتُها أكثر عدداً، أو أتقن حفظاً، فيتعيّن العمل بالراجح، إذ الأضعف لا يكون مانعاً من العمل بالأقوى، والمرجوحُ لا يمنع التمسك بالراجح. وقد جنح الطحاويّ إلى تصحيح الاشتراط، لكن تأوّله بأن البيع المذكور، لم يكن على الحقيقة؛ لقوله في آخره: ((أتُراني ماكستك ... إلخ))، قال: فإنه يُشعر بأن القول المتقدم، لم يكن على التبايع حقيقة. وردّه القرطبي بأنه دعوى مجردة، وتغيير، وتحريف، لا تأويل، قال: وكيف يَصنَع قائله في قوله: ((بعته منك بأوقية))، بعد المساومة؟ وقوله: «قد أخذته))؟ وغير ذلك من الألفاظ المنصوصة في ذلك. واحتج بعضهم بأن الركوب، إن كان من مال المشتري، فالبيع فاسد؛ لأنه شَرَطَ لنفسه ما قد ملكه المشتري، وإن كان من ماله ففاسد؛ لأن المشتري ٧٦٥ (٤٢) - بَابُ بَبْعِ الْبَعِيرِ، وَاسْتِثْنَاءِ رُكُوبِهِ - حديث رقم (٤٠٩١) لم يملك المنافع بعد البيع من جهة البائع، وإنما ملكها؛ لأنها طرأت في ملكه . وتُعُقّب بأن المنفعة المذكورة، قُدِّرت بقدر من ثمن المبيع، ووقع البيع بما عداها، ونظيره مَن باع نخلاً، قد أُبرت، واستثنى ثمرتها، والممتنع إنما هو استثناء شيء مجهول البائع والمشتري، أما لو علماه معاً، فلا مانع، فيحمل ما وقع في هذه القصة على ذلك. وأغرب ابن حزم، فزعم أنه يؤخذ من الحديث أن البيع لم يتم؛ لأن البائع بعد عقد البيع، مخيَّر قبل التفرق، فلما قال في آخره: ((أتُراني ماكستك))، دَلّ على أنه كان اختار ترك الأخذ، وإنما اشترط لجابر ركوب جمل نفسه، فليس فيه حجة، لمن أجاز الشرط في البيع. قال الحافظ: ولا يخفى ما في هذا التأويل من التكلف. وقال الإسماعيليّ: قوله: ((ولك ظهره))، وَعْدٌ قام مقام الشرط؛ لأن وعده لا خلف فيه، وَهِبَتُه لا رجوع فيها؛ لتنزيه الله تعالى له عن دناءة الأخلاق، فلذلك ساغ لبعض الرواة أن يعبِّر عنه بالشرط، ولا يلزم أن يجوز ذلك في حق غيره. وحاصله أن الشرط لم يقع في نفس العقد، وإنما وقع سابقاً، أو لاحقاً، فتبرع بمنفعته أولاً، كما تبرع برقبته آخراً. ووقع في كلام القاضي أبي الطيب الطبريّ، من الشافعية: أن في بعض طرق هذا الخبر: ((فلما نقدني الثمن شرطت حُمْلاني إلى المدينة))، واستُدل بها على أن الشرط تأخر عن العقد. قال الحافظ: لكن لم أقف على الرواية المذكورة، وإن ثبتت، فيتعيّن تأويلها على أن معنى: ((نقدني الثمن)) أي: قرره لي، واتفقنا على تعيينه؛ لأن الروايات الصحيحة صريحة، في أن قبضه الثمن إنما كان بالمدينة، وكذلك يتعيّن تأويل رواية الطحاويّ: ((أتبيعني جملك هذا؟ إذا قدمنا المدينة بدينار))، الحديث، فالمعنى: أتبيعني بدينار أُوفِيكَهُ، إذا قدمنا المدينة . وقال المهلَّب: ينبغي تأويل ما وقع في بعض الروايات، من ذكر الشرط، على أنه شرط تفضّل، لا شرط في أصل البيع؛ ليوافق رواية من رَوَى: ٧٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع ((أفقرناك ظهره))، و((أعرتك ظهره))، وغير ذلك مما تقدم، قال: ويؤيده أن القصة جرت كلها على وجه التفضل والرفق بجابر، ويؤيده أيضاً قول جابر: (هو لك، قال: لا، بل بعنيه))، فلم يقبل منه إلا بثمن؛ رفقاً به، وسبق الإسماعيلي إلى نحو ذلك، وزعم أن النكتة في ذكر البيع؛ أنه وَّ، أراد أن يَبَرّ جابراً على وجه، لا يحصل لغيره طمع في مثله، فبايعه في جمله، على اسم البيع؛ ليتوفر عليه بِرّه، ويبقى البعير قائماً على ملكه، فيكون ذلك أهنا لمعروفه، قال: وعلى هذا المعنى أَمْرُهُ بلالاً، أن يزيده على الثمن، زيادة مبهمة في الظاهر، فإنه قصد بذلك زيادة الإحسان إليه، من غير أن يحصل لغيره تأمیل في نظير ذلك. وتُعُقّب بأنه لو كان المعنى ما ذكر، لكان الحال باقياً في التأميل المذكور، عند ردّه عليه البعير المذكور، والثمن معاً. وأجيب بأن حالة السفر غالباً تقتضي قلّة الشيء، بخلاف حالة الحضر، فلا مبالاة عند التوسعة من طمع الآمل. قال الحافظ: وأقوى هذه الوجوه في نظري، ما تقدم نقله عن الإسماعيلي، من أنه وَعْدٌ حَلَّ محل الشرط. وأبدى السُّهَيليّ في قصة جابر ظ له مناسبة لطيفة، غير ما ذكره الإسماعيليّ، مُلَخَّصها: أنه وَلَّ، لَمّا أخبر جابراً بعد قتل أبيه بأحد، أن الله أحياه، وقال: ما تشتهي فأزيدك؟، أكد ◌َ ر الخبر بما يشتهيه، فاشترى منه الجمل، وهو مطيّته بثمن معلوم، ثم وَفّر عليه الجمل والثمن، وزاده على الثمن، كما اشترى الله من المؤمنين أنفسهم، بثمن هو الجنة، ثم رَدَّ عليهم أنفسهم، وزادهم، كما قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَ وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. انتهى ملخّصاً من ((الفتح))(١)، وهو بحث نفيس جدّاً، وحاصله ترجيح الاشتراط لجابر به ليركب جمله إلى المدينة، كما صنع ذلك إمام أهل هذه الصناعة البخاريّ رحمه الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) راجع: ((الفتح)) ٦ /٦٠٥ - ٦٠٦. ٧٦٧ (٤٢) - بَابُ بَيْعِ الْبَصِيرِ، وَاسْتِثْنَاءِ رُكُوبِهِ - حديث رقم (٤٠٩١) (المسألة الخامسة): في بيان اختلاف الروايات في مقدار ثمن الجمل: قد أشار البخاريّ أيضاً في كلامه السابق إلى هذا الاختلاف، وحاصل الاختلاف عنده: أوقية، وهي رواية الأكثر، كما أشار إليه البخاريّ، وأربعة دنانير، وهي لا تخالفها كما تقدم، وأوقية الذهب، وأربع أواق، وخمس أواق، ومائتا درهم، وعشرون ديناراً، هذا ما ذكر البخاريّ. ووقع عند أحمد، والبزار، من رواية علي بن زيد، عن أبي المتوكل: ثلاثة عشر ديناراً، وقد جمع عياض وغيره، بين هذه الروايات، فقال: سبب الاختلاف أنهم رووا بالمعنى، والمراد أوقيةُ الذهب، والأربعُ أواق، والخمسُ بقدر ثمن الأوقية الذهب، والأربعة دنانير، مع العشرين ديناراً، محمولة على اختلاف الوزن والعدد، وكذلك رواية الأربعين درهماً، مع المائتي درهم، قال: وكأن الإخبار بالفضة عما وقع عليه العقد، وبالذهب عما حصل به الوفاء، أو بالعكس. انتهى، ملخصاً . وقال الداوديّ: المراد أوقية ذهب، ويُحمَل عليها قول من أطلق، ومن قال: خمس أواق، أو أربع، أراد من فضة، وقيمتها يومئذ أوقية ذهب، قال: ويَحْتَمِل أن يكون سبب الاختلاف، ما وقع من الزيادة على الأوقية، قال الحافظ: ولا يخفى ما فيه من التعسف. وقال القرطبيّ: اختلفوا في ثمن الجمل، اختلافاً لا يقبل التلفيق، وتَكَلِّفُ ذلك بعيد عن التحقيق، وهو مبني على أمر، لم يصح نقله، ولا استقام ضبطه، مع أنه لا يتعلق بتحقيق ذلك حكم، وإنما تحصل من مجموع الروايات؛ أنه باعه البعير، بثمن معلوم بينهما، وزاده عند الوفاء، زيادة معلومة، ولا يضر عدم العلم بتحقيق ذلك. قال الإسماعيليّ: ليس اختلافهم في قدر الثمن بضارّ؛ لأن الغرض الذي سيق الحديث لأجله، بيان كرمه وَله، وتواضعه، وحُنُوّه على أصحابه، وبركة دعائه، وغير ذلك، ولا يلزم من وَهْم بعضهم في قدر الثمن، توهينه لأصل الحديث. قال الحافظ: وما جنح إليه البخاريّ من الترجيح أقعد، وبالرجوع إلى التحقيق أسعد، فَلْيُعْتَمَدْ ذلك، وبالله التوفيق. انتهى ملخّصاً من ((الفتح)) (١)، (١) راجع: ((الفتح)) ٦٠٨/٦ - ٦٠٩. ٧٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع وهو تحقيق نفيسٌ جدّاً، وحاصله ترجيح من قال بأن الثمن كان أوقيّة، كما مرّ بيانه آنفاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الشرط في البيع: قد تكلّم العلامة ابن قُدامة تَُّ في ((المغني)) في هذه المسألة، وفصّلها تفصيلاً حسناً، أحببتُ إيراده هنا ملخّصاً؛ تتميماً للفائدة، ونشراً للعائدة: قال ◌َّتُهُ، ما خلاصته: ثبت عن أحمد نَظّتُهُ؛ أنه قال: الشرط الواحد لا بأس به، إنما نُهي عن الشرطين في البيع، ذهب أحمد إلى ما رَوَى عبد الله بن عمرو، عن النبيّ وَّ أنه قال: ((لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا تَبِعْ ما ليس عندك))، أخرجه أبو داود، والنسائيّ، والترمذيّ، وقال: حديث حسن صحيح(١)، قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: إن هؤلاء يكرهون الشرط في البيع؟ فنفض يده، وقال: الشرط الواحد، لا بأس به في البيع، إنما نَهَى رسول الله 8* عن شرطين في البيع، وحديث جابر ظله يدل على إباحة الشرط، حين باعه جمله، وشرط ظهره إلى المدينة. واختُلِف في تفسير الشرطين المنهي عنهما، فرُوي عن أحمد أنهما شرطان صحيحان، ليسا من مصلحة العقد، فحكى ابن المنذر عنه، وعن إسحاق فيمن اشترى ثوباً، واشترط على البائع خياطته، وقصارته، أو طعاماً، واشترط طحنه وحمله، إن اشترط أحد هذه الأشياء، فالبيع جائز، وإن اشترط شرطين فالبيع باطل، وكذلك فسر القاضي في ((شرحه)) الشرطين المبطلين بنحو من هذا التفسير. وروى الأثرم عن أحمد تفسير الشرطين أن يشتريها على أنه لا يبيعها من أحد، وأنه يطؤها، ففسّره بشرطين فاسدين. وروى عنه إسماعيل بن سعيد في الشرطين في البيع: أن يقول إذا بعتكها، فأنا أحق بها بالثمن، وأن تخدُمني سنة. وظاهر كلام أحمد؛ أن الشرطين المنهيّ عنهما، ما كان من هذا النحو، فأما إن شرط شرطين، أو أكثر من مقتضى العقد، أو مصلحته، مثل أن يبيعه (١) هو كما قال صحيح. ٧٦٩ (٤٢) - بَابُ بَيْعِ الْبَعِيرِ، وَاسْتْنَاءِ رُكُوبِهِ - حديث رقم (٤٠٩١) بشرط الخيار، والتأجيل، والرهن، والضمين، أو بشرط أن يُسَلُّم إليه المبيع، أو الثمن، فهذا لا يؤثر في العقد، وإن كثر. وقال القاضي في ((المجرد)): ظاهر كلام أحمد أنه متى شَرَط في العقد شرطين بطل، سواء كانا صحيحين، أو فاسدين، لمصلحة العقد، أو لغير مصلحته؛ أخذاً من ظاهر الحديث، وعملاً بعمومه، ولم يفرق الشافعيّ، وأصحاب الرأي، بين الشرط والشرطين، ورووا أن النبيّ وَّةِ، نَهَى عن بيع وشرط؛ ولأن الصحيح لا يؤثر في البيع وإن كثر، والفاسد يؤثر فيه وإن اتحد، والحديث الذي رويناه يدل على الفرق، ولأن الغرر اليسير إذا احتُمِل في العقد، لا يلزم منه احتمال الكثير، وحديثهم لم يصح، وليس له أصل، وقد أنكره أحمد، ولا نعرفه مرويّاً في مسند، ولا يُعَوَّل عليه، وقول القاضي: إن النهي يبقى على عمومه في كل شرطين، بعيد أيضاً، فإنّ شرطَ ما يقتضيه العقد، لا يؤثر فيه بغير خلاف، وشرط ما هو من مصلحة العقد، كالأجل، والخيار، والرهن، والضمين، وشرط صفة في المبيع؛ كالكتابة، والصناعة، فيه مصلحة العقد، فلا ينبغي أن يؤثر أيضاً في بطلانه، قَلَّت، أو كثرت، ولم يذكر أحمد في هذه المسألة شيئاً من هذا القسم، فالظاهر أنه غير مراد له. قال: والشروط تنقسم إلى أربعة أقسام: [أحدها]: ما هو من مقتضى العقد؛ كاشتراط التسليم، وخيار المجلس، والتقابض في الحال، فهذا وجوده كعدمه، لا يفيد حكماً، ولا يؤثر في العقد. [الثاني]: تتعلق به مصلحة العاقدين؛ كالأجل، والخيار، والرهن، والضمين، والشهادة، أو اشتراط صفة مقصودة في المبيع؛ كالصناعة، والكتابة، ونحوها، فهذا شرط جائز، يلزم الوفاء به، ولا نعلم في صحة هذين القسمين خلافاً . [الثالث]: ما ليس من مقتضاه، ولا من مصلحته، ولا ينافي مقتضاه، وهو نوعان: أحدهما: اشتراط منفعة البائع في المبيع، فهذا قد مضى ذكره. الثاني: أن يشترط عقداً في عقد، نحو أن يبيعه شيئاً بشرط أن يبيعه شيئاً آخر، أو يشتري منه، أو يُؤَجّره، أو يزوجه، أو يُسلفه، أو يصرف له الثمن أو ٧٧٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع غيره، فهذا شرط فاسد، يفسد به البيع، سواء اشترطه البائع، أو المشتري. [الرابع]: اشتراط ما ينافي مقتضى البيع، وهو على ضربين: [أحدهما]: اشتراط ما بني على التغليب والسراية، مثل أن يشترط البائع على المشتري عتق العبد، فهل يصح؟ على روايتين: إحداهما: يصح، وهو مذهب مالك، وظاهر مذهب الشافعيّ؛ لأن عائشة ﴿نا، اشترت بريرة، وشَرَط أهلها عليها عتقها، وولاءها، فأنكر النبيّ وَل ﴿ شرط الولاء، دون العتق، والثانية: الشرط فاسد، وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأنه شرط ينافي مقتضى العقد؛ لأنه شرط عليه إزالة ملكه عنه، فأشبه ما لو شرط أن لا يبيعه، وليس في حديث عائشة، أنها شرطت لهم العتق، وإنما أخبرتهم بإرادتها لذلك من غير شرط، فاشترطوا الولاء. [الضرب الثاني]: أن يشترط غير العتق، مثل أن يشترط أن لا يبيع، ولا يهب، ولا يُعتق، ولا يطأ، أو يشترط عليه أن يبيعه، أو يقفه، أو متى نفق المبيع، وإلا ردّه، أو إن غصبه غاصب رجع عليه بالثمن، وإن أعتقه فالولاء له، فهذه وما أشبهها شروط فاسدة، وهل يفسد بها البيع؟ على روايتين: قال القاضي: المنصوص عن أحمد: أن البيع صحيح، وهو ظاهر كلام الخرقيّ ههنا، وهو قول الحسن، والشعبيّ، والنخعيّ، وابن أبي ليلى، وأبي ثور، والثانية: البيع فاسد، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعيّ؛ لأن النبيّ ◌َلآ، نهى عن بيع وشرط، ولأنه شرط فاسد، فأفسد البيع، كما لو شرط فيه عقداً آخر، ولأن الشرط إذا فسد وجب الرجوع بما نقصه الشرط من الثمن، وذلك مجهول، فيصير الثمن مجهولاً، ولأن البائع إنما رضي بزوال ملكه عن المبيع بشرطه، والمشتري كذلك، إذا كان الشرط له، فلو صح البيع بدونه لزال ملكه بغير رضاه، والبيع من شرطه التراضي. قال: ولنا ما روت عائشة ﴿ا، قالت: جاءتني بريرة، فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواق، في كل عام أوقية، فأعينيني، فقلت: إن أحب أهلك، أن أَعُدَّها لهم عَدَّةً واحدة، ويكون لي ولاؤك فعلت، فذهبت بريرة إلى أهلها، فقالت لهم: فأبوا عليها، فجاءت من عندهم، ورسول الله وَّر جالس، فقالت: إني عرضت عليهم، فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم، فسمع النبيّ وَِّ، فأخبرت ٧٧١ (٤٢) - بَابُ بَيْعِ الْبَعِيرِ، وَاسْتِثْنَاءِ رُكُوبِهِ - حديث رقم (٤٠٩٢) عائشة النبيّ وَّله، فقال: ((خذيها، واشترطي الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق))، ففعلت عائشة، ثم قام رسول الله وَّر في الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: ((أما بعد ما بال رجال، يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله؟ ما كان من شرط ليس في كتاب الله، فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحقّ، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق))، متفق عليه، فأبطل الشرط، ولم يبطل العقد، قال ابن المنذر: خبر بريرة ثابت، ولا نعلم خبراً يعارضه، فالقول به یجب. [فإن قيل]: المراد بقوله: ((اشترطي لهم الولاء)) أي: عليهم، بدليل أنه أمرها به، ولا يأمرها بفاسد. [قلنا]: لا يصح هذا التأويل لوجهين: [أحدهما]: أن الولاء لها بإعتاقها، فلا حاجة إلى اشتراطه. [الثاني]: أنهم أبوا البيع، إلا أن يشترط الولاء لهم، فكيف يأمرها بما يعلم أنهم لا يقبلونه منها؟ وأما أمره بذلك، فليس هو أمراً على الحقيقة، وإنما هو صفة الأمر، بمعنى التسوية بين الاشتراط وتركه، كقوله تعالى: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَمْ﴾ الآية [التوبة: ٨٠]، وقوله: ﴿فَصْبِرُواْ أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ الآية [الطور: ١٦]، والتقدير: واشترطي لهم الولاء، أو لا تشترطي، ولهذا قال عقيبه: ((فإنما الولاء لمن أعتق))، وحديثهم لا أصل له، على ما ذكرنا، وما ذكروه من المعنى في مقابلة النص، غير مقبول. انتهى كلام ابن قُدامة كَذَفُ(١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْلَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٠٩٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم، أَخْبَرَنَا عِيسَى - يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ - عَنْ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ عَامِرٍ، حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُّ عَبْدِ اللهِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرِ). (١) ((المغني)) ٣٢١/٦ - ٣٢٦. ٧٧٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم) - بوزن جعفر - المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت٢٥٧) أو بعدها، وقد قَّارب المائة (م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٥/٤. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله، و((زكريّا)) هو: ابن أبي زائدة، و((عامر)) هو: الشعبيّ. [تنبيه]: رواية عيسى بن يونس، عن زكريّا بن أبي زائدة هذه ساقها ابن حبان في ((صحيحه)) (١٤ / ٤٥٠) فقال: (٦٥١٩) - أخبرنا محمد بن إسحاق بن سعيد السعديّ، قال: حدّثنا عليّ بن خَشْرَم، قال: أخبرنا عيسى بن يونس، عن زكريا، عن عامر، قال: حدّثني جابر بن عبد الله؛ أنه كان يسير على جمل له قد أعبى، فأراد أن يُسَيِّه، قال: فلحقني النبيّ ◌َل﴿، فدعا له، وضربه، فسار سيراً لم يسر مثله، وقال: (عنيه بأوقية))، فقلت: لا، ثم قال: ((بعنيه بأوقية))، فقلت: لا، ثم قال: ((بعنيه بأوقية))، فبعته بأوقية، واستثنيتُ حُمْلانه إلى أهلي، فلما بلغت أتيته، فقال لي ◌َ: ((أتُراني ماكستك لآخذ جملك، ودراهمك؟ فهما لك)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَعْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٠٩٣] ( .. ) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لِعُثْمَانَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّرِ، فَتَلَاحَقَ بِي، وَتَحْتِي نَاضِحُ لِي، قَدْ أَعْيَا، وَلَا يَكَادُ يَسِيرُ، قَالَ: فَقَالَ لِي: ((مَا لِبَعِيرٍَكَ؟))، قَالَ: قُلْتُ: عَلِيلٌ، قَالَ: فَتَخَلَّفَ رَسُولُ اللهِ وَلِ، فَزَجَرَهُ، وَدَعَا لَهُ، فَمَا زَالَ بَيْنَ يَدَىٍ الإِبِلِ، قُدَّامَهَا يَسِيرُ، قَالَ: فَقَالَ لِي: ((كَيْفَ تَرَى بَعِيرََكَ؟))، قَالَ: قُلْتُ: بِخَيْرٍ، قَدْ أَصَابَتْهُ بَرَكَتُكَ، قَالَ: ((أَفَتَبِيعُنِيهِ؟))، فَاسْتَحْبَيْتُ، وَلَمْ يَكُنْ لَنَا نَاضِحُ غَيْرُهُ، قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَبِعْتُهُ إِنَّهُ عَلَى أَنَّ لِي فَقَارَ ظَهْرِهِ حَتَّى أَبْلُغَ الْمَدِينَةَ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي عَرُوسٌ، فَاسْتَأْذَنْتُهُ، فَأَذِنَ لِي، فَتَقَدَّمْتُ النَّاسَ إِلَى الْمَدِينَةِ، حَتَّى انْتَهَيْتُ، فَلَقِيَنِي خَالِي، فَسَأَلَنِي عَنِ الْبَعِيرِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا صَنَعْتُ فِيهِ، ٧٧٣ (٤٢) - بَابُ بَيْعِ الْبَعِيرِ، وَاسْتِثْنَاءِ رُكُوبِهِ - حديث رقم (٤٠٩٣) فَلَمَنِي فِيهِ، قَالَ: وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِنَ ﴿ قَالَ لِي حِينَ اسْتَأْذَنْتُهُ: ((مَا تَزَوَّجْتَ؟ أَبِكْراً أَمْ نَيِّباً؟»، فَقُلْتُ لَهُ: تَزَوَّجْتُ ثَيِّباً؟ قَالَ: ((أَفَلَا تَزَوَّجْتَ بِكْراً، تُلَاعِبُكَ وَتُلَاعِبُهَا))، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، تُوُفِّيَ وَالِدِي - أَوِ اسْتُشْهِدَ - وَلِي أَخَوَاتٌ صِغَارٌ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ إِلَيْهِنَّ مِثْلَهُنَّ، فَلَا تُؤَدِّبُهُنَّ، وَلَا تَقُومُ عَلَيْهِنَّ، فَتَزَوَّجْتُ ◌َيِّاً، لِتَقُومَ عَلَيْهِنَّ، وَتُؤَدِّبَهُنَّ، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ وَلِ الْمَدِينَةَ، فَدَوْتُ إِلَيْهِ بِالْبَعِيرِ، فَأَعْطَانِي ثَمَنَهُ، وَرَدَّهُ عَلَيَّ). رجال هذا الإسناد: سبعة: وكلّهم ذُكروا في الأبواب الثلاثة الماضية، و((إسحاق بن إبراهيم)) هو: ابن راهويه، و((جرير)) هو: ابن عبد الحميد الضبيّ، و((مُغيرة)) هو: ابن مِقْسَم الضبيّ. وقوله: (غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ ﴿) تقدّم أن الأرجح أن هذه الغزوة هي ذات الرقاع، وقوله: (وَتَحْتِي نَاضِحُ لِي) ((الناضح)): اسم فاعل من نضَح البعير الماءَ، من بابي ضرب، ونَفَع: إذا حمله من نهر، أو بئر؛ ليسقي الزرع، فهو ناضح، والأُنثى ناضحةٌ بالهاء، سُمّي ناضحاً؛ لأنه ينضح العطشَ؛ أي: يُبُلَّهُ بالماء الذي يحمله، هذا أصله، ثم استُعمل الناضح في كلّ بعير، وإن لم يحمل الماء. أفاده الفيّوميّ كَّفُ(١). وقوله: (قَدْ أَعْيَا) أي: تَعِبَ، وعَجَز عن السير، قال الفيّوميّ تَخْذُّهُ: عَبِيَ بالأمر، وعن حُجّته يَعْيَا، من باب تَعِب عِيّاً: عَجَز عنه، وقد يُدغم الماضي، فيقال: عَيَّ، فالرجل عَيٍّ، وعَبِيٍّ، على فَعْلٍ، وفَعِيلٍ، وعَيِيَ لم يَهتد لوجهه، وأعياني كذا بالألف: أتعبني، فأعييت، يُستعمل لازماً، ومتعدّياً، وأعيا في مشیه، فهو مُعْي، منقوص. انتهى(٢). وقوله: (قُلْتُ: عَلِيلٌ) خبر لمحذوف؛ أي: هو عليل؛ أي: مريض. وقوله: (فَزَجَرَهُ) تقدّم أنه ضربه بقضيب، وفي رواية حجنه بمِحْجن. (١) ((المصباح المنير)) ٦٠٩/٢ - ٦١٠. (٢) ((المصباح المنير)) ٤٤١/٢. ٧٧٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع وقوله: (قُدَّامَهَا يَسِيرُ) ((قُدّامها)) منصوب على الظرفيّة متعلّق بما بعده، والجملة حال مؤكّدة عن قوله: ((بين يدي الإبل)). وقوله: (فَقَارَ ظَهْرِهِ) بفتح الفاء، ثم قاف: جمع فقارة بالهاء، وهو كناية عن ركوب الظهر، ومنه أفقرت الرجلَ: إذا أعرته ذلك، والْفَقَّار: جمع فَقَّارة، وهي خَرَزات الصلب، قاله القرطبيّ ◌َذُ(١). وقال الفيّوميّ كَُّهُ: فَقَارة الظهر بالفتح: الْخَرَزة، والجمع فَقَارٌ، بحذف الهاء، مثلُ سحابة وسَحاب، قال ابن السِّكِّيت: ولا يقال: فِقَارة بالكسر، والفِقْرة لغة في الْفَقَار، وجمعها فِقَرٌ، وفِقَرات، مثلُ سِدْرة وسِدَرات. انتهى(٢). وقال المجد تَّثُ: والْفِقْرة بالكسر، والْفَقْرَة، والْفَقَارةُ بفتحهما: ما انتَضَدَ من عظام الصُّلْب من لدن الكاهل إلى الْعَجْب، جمعه كعِنَبِ، وسَحاب، وفِقْرات بالكسر، أو بكسرتين، وكعِنَات. انتهى(٣). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما قاله المجد أن الفِقْرة يجوز كسر فائها، وفتحه، فتنبّه. وقوله: (إِنِّي عَرُوسٌ) قال النوويّ كَّتُهُ: هكذا يقال للرجل: عَرُوس، كما يقال ذلك للمرأة، لفظها واحد، لكن يختلفان في الجمع، فيقال: رجل عَرُوسٌ، ورجال عُرُس - بضمّ العين، والراء، وامرأة عَرُوس، ونِسوة عَرائس. (٤) ٠ انتھی وقوله: (فَلَقِيَتِي خَالِي) تقدّم أنه الْجَدّ بن قيس. والحدیث متفقٌ علیه، وقد مضی تمام شرحه، وبیان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذّثُ أوّل الكتاب قال: [٤٠٩٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمٍ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: أَقْبَلْنَا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ، فَاعْتَلَّ جَمَلِي، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ، وَفِيهِ: ثُمَّ قَالَ لِي: ((بِعْنِي (١) ((المفهم)) ٥٠٢/٤. (٣) ((القاموس المحيط)) ص ١٠٠٥. (٢) ((المصباح المنير» ٤٧٨٩/٢. (٤) ((شرح النوويّ)) ٣٢/١١. ٧٧٥ (٤٢) - بَابُ بَيْعِ الْبَعِيرِ، وَاسْتِثْنَاءِ رُكُوبِهِ - حديث رقم (٤٠٩٤) جَمَلَكَ هَذَا))، قَالَ: قُلْتُ: لَا، بَلْ هُوَ لَكَ، قَالَ: ((لَا، بَلْ بِعْنِيهِ))، قَالَ: قُلْتُ: لَا، بَلْ هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((لَا، بَلْ بِعْنِيهِ»، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنَّ لِرَجُلٍ عَلَيَّ أُوْقِيَّةَ ذَهَبٍ، فَهُوَ لَكَ بِهَا، قَالَ: (قَدْ أَخَذْتُهُ، فَتَبَلَّغْ عَلَيْهِ إِلَى الْمَدِينَةِ))، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَّدِينَةَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ لِلَالٍ: ((أَعْطِهِ أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ، وَزِدْهُ))، قَالَ: فَأَعْطَانِي أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ، وَزَادَنِي قِيرَاطاً، قَالَ: فَقُلْتُ: لَا تُفَارِقُنِي زِيَادَةُ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ِ، قَالَ: فَكَانَ فِي كِيسٍ لِي، فَأَخَذَهُ أَهْلُ الشَّامِ يَوْمَ الْحَرَّةِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم قريباً. ٢ - (سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ) رافع الْغَطَفانيّ الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ يُرسل كثيراً [٣] (ت٧ أو ١٩٨) (ع) تقدم في ((الحيض)) ٧٢٨/٨. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (أَقْبَلْنَا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ) تقدّم أن الراجح أنه كان في غزوة ذات الرقاع، فيكون معنى قوله هنا: ((أقبلنا من مكة ... إلخ)) أي: من جهة مكة؛ لأن ذات الرقاع كانت بين مكة والمدينة، وليس المراد أنهم رجعوا من مكة نفسها، فتنبه . وقوله: (فَاعْتَلَّ جَمَلِي) أي: أصابته علّة، وهي الإعياء. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ) فاعل ((ساق)) ضمير سالم بن أبي الجعد، ويَحْتمل أن يكون ضمير شيخه عثمان بن أبي شيبة، والأول أظهر. وقوله: (قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّه ◌ِلَالٍ) هو ابن رباح مؤذّن النبيّ وَّ . وقوله: (أَعْطِهِ، وَزِدْهُ) فيه دليل على صحة الوكالة، وعلى جواز الزيادة في القضاء، وهي من باب قوله وَ﴾: ((إن خيركم أحسنكم قضاء))، متّفقٌ عليه. قال القرطبيّ كَُّ: وهذا لا يُختَلَف فيه إذا كان من بيع، وإنما يُختلف فيه إذا كان من قرض، فاتُّفِق على جوازه في الزيادة في الصفة؛ إذا كان بغير شرط، ولا عادة، وزاد أصحابنا - المالكيّة -: ولا قصد من المقرض للزيادة، لقوله : ((كل قرض جرَّ نفعاً فهو ربا))، وأما الزيادة في العدد والوزن، فمنعها مالك في مجلس القضاء حسماً للذريعة. وأجازها ابن حبيب، ولم ٧٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع يُختلف في جواز ذلك؛ إذا كانت الزيادة بعد مجلس القضاء. انتهى (١). وقوله: (فَأَعْطَانِي أُوْقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ) قال أبو جعفر الداوديّ: ليس لأوقية الذهب وزن يُعْرَف، وأما أوقية الفضة: فأربعون درهماً، وفيه دليل على أن وزن الثمن وكَيْلَهُ على المشتري، كما أنه على البائع إن كان المبيع مما يكال، أو يوزن، ولأن على كل واحد منهما أن يسلّم ما لزمه دفعه، ولا يتحقق التسليم إلا بذلك (٢) وقوله: (وَزَادَنِي قِيرَاطاً) قال الفيّومِيّ ◌َخْذُ: ((القِيرَاطُ)) يقال: أصله قِرَّاطٌ، لكنه أبدل من أحد المضعّفين ياء؛ للتخفيف، كما في دينار ونحوه، ولهذا يُرَدّ في الجمع إلى أصله، فيقال: قَرَارِيطُ، قال بعض الحُسّاب: القِيرَاطُ في لغة اليونان حبة خُرْنُوب، وهو نصف دانق، والدرهم عندهم اثنتا عشرة حبة، والْحُسّاب يقسمون الأشياء أربعة وعشرين قيراطاً؛ لأنه أول عدد له ثمن، وربع، ونصف، وثلث صحيحات، من غير كسر. انتهى(٣). وقوله: (فَكَانَ فِي كِيسٍ لِي) قال الفيّوميّ كَّتُهُ: الكِيسُ: ما يُخاط من خِرَق، والجمع أكياس، مثلُ حِمْل وأحمال، وأما ما يُشْرَجُ من أَدِيم، وخِرَق، فلا يقال له: كيسٌ، بل خَرِيطة. انتهى (٤). وقوله: (فَأَخَذَهُ أَهْلُ الشَّامِ يَوْمَ الْحَرَّةِ) يعني حرّة المدينة؛ أي: يوم حارب أهلُ الشام أهل المدينة في الحرّة - بفتح الحاء المهملة، وتشديد الراء -: موضع بالمدينة، فيه حجارة سُودٌ، ويُطلق على كلّ أرض ذات حجارة سُود، والمعنى: أن تلك الزيادة أخذها أهل الشام في ذلك اليوم الذي كان فيه هناك قتالٌ، ونَهْبٌ منهم، وذلك سنة ثلاث وستين من الهجرة. [تنبيه]: رواية سالم بن أبي الجعد، عن جابر ته هذه ساقها النسائيّ في ((المجتبى)) (٢٩٨/٧) فقال: (٤٦٣٩) - حدّثنا محمد بن العلاء، قال: حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد الله، قال: كنت مع (١) ((المفهم)) ٥٠٣/٤. (٣) ((المصباح المنير)) ٤٩٨/٢. (٢) ((المفهم)) ٥٠٣/٤. (٤) ((المصباح المنير)) ٥٤٦/٢. ٧٧٧ (٤٢) - بَابُ بَيْعِ الْبَعِيرِ، وَاسْتِثْنَاءِ رُكُوِهِ - حديث رقم (٤٠٩٥) رسول الله وَ ﴿ في سفر، وكنت على جمل، فقال: ((ما لك في آخر الناس؟)) قلت: أعيا بعيري، فأخذ بذنَبه، ثم زجره، فإن كنت إنما أنا في أول الناس، يُهِمّني رأسه، فلما دنونا من المدينة، قال: ((ما فعل الجمل؟ بعنيه))، قلت: لا، بل هو لك يا رسول الله، قال: ((لا، بل بعنيه)) قلت: لا، بل هو لك، قال: (لا، بل بعنيه، قد أخذته بوُقيّة، اركبه، فإذا قَدِمت المدينة، فأتنا به))، فلما قَدِمت المدينة جئته به، فقال لبلال: ((يا بلالُ زِنْ له أُوقِيّةً، وزده قيراطاً))، قلت: هذا شيء زادني رسول الله وَّلتر، فلم يفارقني، فجعلته في كِيسٍ، فلم يزل عندي، حتى جاء أهل الشام يوم الحرّة، فأخذوا منّا ما أخذوا. انتهى. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٠٩٥] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ◌َِهُ فِي سَفَرٍ، فَتَخَلَّفَ نَاضِجِي، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِيهِ: فَتَخَسَهُ رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ قَالَ لِي: ((ارْكَبْ بِاسْمِ اللهِ))، وَزَادَ أَيْضاً: قَالَ: فَمَا زَالَ بَزِيدُنِي، وَيَقُولُ: ((وَاللهُ بَغْفِرُ لَكَ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُوِ كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ) فُضيل بن حسين بن طلحة البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٧) وله أكثر (٨٠) سنةً (خت م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧. ٢ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِبَادٍ) الْعَبْديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت١٧٦) أو بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ١١/ ٥٨٤. ٣ - (الْجُرَيْرِيُّ) سعيد بن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقةٌ، اختَلَط قبل موته بثلاث سنين [٥] (ت١٤٤) (ع) تقدم في ((الإيمان) ٢٦٦/٤٠. [فإن قلت]: كيف أخرج مسلم للجريريّ، وقد اختلط، وعبد الواحد ليس ممن روى عنه قبل اختلاطه؟ . [قلت]: إنما أخرج له في المتابعة، وقد سبق أن رجّحنا أن ما روي عن ٧٧٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع المختلِط يُقبل بأحد شرطين: إما عن طريق من أخذ عنه قبل الاختلاط، وإما ما وافق فيه الثقات، وهذا منه، فتنبّه، وقد حقّقت هذا البحث في نظمي ((عمدة المحتاط))، وشرحه ((عدّة أولي الاغتباط))، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٤ - (أَبُو نَضْرَةَ) المنذر بن مالك بن قُطَعَةَ الْعَبْدِيّ الْعَوَقِيّ البصريّ، ثقةٌ [٣] (ت٨ أو ١٠٩) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٧/٦. و«جابر بن عبد الله څ)) ذُكر قبله. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) فاعل ((ساق)) ضمير أبي نضرة، ويَحْتَمل أن يكون ضمير شيخه أبي كامل، والأول أظهر، والله تعالى أعلم. وقوله: (فَتَخَسَهُ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ﴾ أي: طعنه، يقال: نَخَست الدابّةَ نَخْساً من باب نصر: طعنته بُعُود، أو غيره، فهاج، والفاعل: نَخّاسٌ مبالغةٌ، ومنه قيل لدلال الدوابّ ونحوها: نَخَّاس، قاله الفيّوميّ كَذُّهُ(١). وقوله: ((ارْكَبْ بِاسْم اللّهِ)) فيه دليلٌ على استحباب التبرك ببسم الله عند افتتاح كل فعل، وإن كان من المباحات، فليس مخصوصاً بالقُرَب، فإنه كما قال في الوضوء: ((توضؤوا باسم الله)) قال هنا في الركوب: ((اركب باسم الله))(٢). وقوله: (فَمَا زَالَ يَزِيدُنِي) أي: في الثمن، كما بيّنه في رواية ابن ماجه الآتية في التنبيه ولفظه: ((فقال لي: ((أتبيع ناضحك هذا بدينار؟ والله يغفر لك)»، قلت: يا رسول الله، هو ناضحكم، إذا أتيت المدينة، قال: ((فتبيعه بدينارين؟ والله يغفر لك))، قال: فما زال يزيدني ديناراً ديناراً، ويقول مكان كل دينار: ((والله يغفر لك)) حتى بلغ عشرين ديناراً)). وقوله: (وَيَقُولُ: ((وَاللهُ يَغْفِرُ لَكَ))) زاد في رواية النسائيّ من طريق سليمان التيميّ، عن أبي نضرة: ((قال أبو نضرة: وكانت كلمةً يقولها المسلمون: افعل كذا وكذا، والله يغفر لك)). والمعنى: أن قوله وَله: ((والله يغفر لك)) كلمة اعتاد المسلمون قولها عندما يأمر بعضهم بعضاً، ولعلهم أخذوا ذلك من هذا الحديث. (١) (المصباح المنير)) ٥٩٦/٢. (٢) ((المفهم)) ٥٠٥/٤. ٧٧٩ (٤٢) - بَابُ بَيْعِ الْبَعِيرِ، وَاسِْنَاءِ رُكُوبِهِ - حديث رقم (٤٠٩٦) فالكلمة هنا المراد بها الكلام، كما قال في ((الخلاصة)): وَكِلْمَةٌ بِهَا كَلَامٌ قَدْ يُؤَمْ وقال القرطبيّ بعد ذكر كلام أبي نضرة هذا، ما نصّه: قلت: وهو كلامٌ يُخرجه فرط المحبّة، والشفقة، وإرادة الخير للمسلمين، وهو على معنى الدعاء. انتهى(١). [تنبيه]: رواية أبي نضرة، عن جابر بن عبد الله ظه هذه ساقها ابن ماجه في «سننه)) (٧٤٣/٢) فقال: (٢٢٠٥) - حدّثنا محمد بن يحيى، ثنا يزيد بن هارون، عن الجريريّ، عن أبي نضرة، عن جابر بن عبد الله، قال: كنت مع النبيّ وَّر في غزوة، فقال لي: ((أتبيع ناضحك هذا بدينار؟ والله يغفر لك))، قلت: يا رسول الله، هو ناضحكم، إذا أتيت المدينة، قال: ((فتبيعه بدينارين؟ والله يغفر لك))، قال: فما زال يزيدني ديناراً ديناراً، ويقول مكان كل دينار: ((والله يغفر لك)) حتى بلغ عشرين ديناراً، فلما أتيت المدينة، أخذت برأس الناضح، فأتيت به النبيّ وَّر، فقال: ((يا بلال أعطه من الغنيمة عشرين ديناراً))، وقال: ((انطلق بناضحك، فاذهب به إلى أهلك)). انتھی. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَفُ أوّل الكتاب قال: [٤٠٩٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: لَمَّا أَتَى عَلَيَّ النَّبِيُّ ◌َّهِ ـِ وَقَدْ أَعْيَا بَعِيرِي - قَالَ: فَنَخَسَهُ، فَوَثَبَ، فَكُنْتُ بَعْدَ ذَلِكَ أَحْبِسُ خِطَامَهُ لِأَسْمَعَ حَدِيثَهُ، فَمَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَلَحِقَنِي النَّبِيُّ ◌َّهِ، فَقَالَ: ((بِعْنِيهِ»، فَبِعْتُهُ مِنْهُ بِخَمْسٍ أَوَاقٍ، قَالَ: قُلْتُ: عَلَى أَنَّ لِي ظَهْرَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، قَالَ: ((وَلَكَ ظَهْرُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ))، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ أَتَيْتُهُ بِهِ، فَزَادَنِي وُقِيَّةٍ(٢)، ثُمَّ وَهَبَهُ لِي). (١) ((المفهم)) ٥٠٤/٤. (٢) وفي نسخة: ((أوقيّةً)). ٧٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُوِ الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ) سليمان بن داود الزهرانيّ، تقدّم قريباً. ٢ - (حَمَّادُ) بن زيد، تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة السَّختيانيّ، تقدّم أيضاً قريباً . ٤ - (أَبُوِ الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس، تقدّم قبل باب. و«جابر څه)) ذُكر قبله. وقوله: (لأَسْمَعَ حَدِيثَهُ) أي: حديث النبيّ ◌َّ. وقوله: (بِخَمْسٍ أَوَاقٍ) تقدّم أن الأرجح كون الثمن وُقيّة، كما رجحه البخاريّ نَظَلُ، فتنبّه. وقوله أيضاً: (فَبِعْتُهُ مِنْهُ بِخَمْسٍ أَوَاقٍ) قال النوويّ تَخْذُّ: هكذا في جميع النسخ: ((فبعته منه))، وهو صحيح، جائز في العربيّة، يقال: بعته، وبعت منه، وقد كثُر ذكر نظائره في الحديث، وقد أوضحته في ((تهذيب اللغات)). انتهى(١). وقال الفيّوميّ تَخُّْهُ: وبِعْتُ زيداً الدارَ يتعدى إلى مفعولين، وكثُر الاقتصار على الثاني؛ لأنه المقصود بالإسناد، ولهذا تتم به الفائدة، نحوُ بعتُ الدارَ، ويجوز الاقتصار على الأول عند عدم اللبس، نحوُ بعتُ الأميرَ؛ لأن الأمير لا يكون مملوكاً يباع، وقد تدخل ((مِنْ)) على المفعول الأول على وجه التوكيد، فيقال: بعت من زيد الدارَ، كما يقال: كتمته الحديثَ، وكتمت منه الحديثَ، وسرَقتُ زيداً المالَ، وسرقت منه المالَ، وربما دخلت اللام مكان ((مِنْ))، يقال: بعتك الشيءَ، وبعته لك، فاللام زائدة زيادَتها في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَأْنَا لِإِبْزَهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ الآية [الحج: ٢٦]، والأصل بوأنا إبراهيمَ. انتھی(٢). وقوله: (فَزَادَنِي وُقِيَّة) بالواو، وفي بعض النسخ: ((أوقيّة)) بالهمزة. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) ((شرح النوويّ)) ٣٤/١١. (٢) ((المصباح المنير)) ٦٩/١.