Indexed OCR Text

Pages 721-740

٧٢١
(٤١) - بَابُ أَخْذِ الْحَلَالِ، وَتَرْكِ الشُّبُهَاتِ - حديث رقم (٤٠٨٧)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث النعمان بن بشير طه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠٨٧/٤١ و٤٠٨٨ و٤٠٨٩ و٤٠٩٠] (١٥٩٩)،
و(البخاريّ) في ((الإيمان)) (٥٢) و((البيوع)) (٢٠٥١)، و(أبو داود) في ((البيوع))
(٣٣٢٩ و٣٣٣٠)، و(الترمذيّ) في ((البيوع)) (١٢٠٥)، و(النسائيّ) في ((البيوع))
(٢٤١/٧) و((الأشربة)) (٣٢٤/٨) و((الكبرى)) (٤٦٨/٣ و٤٦٩)، و(ابن ماجه)
في ((الفِتَن)) (٣٩٨٤)، و(الطيالسيّ) في («مسنده)) (١٠٦/١)، و(ابن أبي شيبة)
في ((مصنّفه)) (٤٤٨/٤)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٩١٨)، و(أحمد) في
(مسنده)) (٢٦٧/٤ و٢٦٩ و٢٧٠ و٢٧١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٩٧/٣
و٤٠١)، و(الدارميّ) في («مسنده)) (٢٤٥/٢)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى))
(٥٥٥)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٣٧٣/٢)، و(الطحاويّ) في ((مشكل
الآثار)) (٢١٩/٢ و٢٢٢)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (٢٧٠/٤ و٣٣٦)، و(ابن
حبّان) في (صحيحه)) (٧٢١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٦٤/٥ و٢٦٤)
و ((الصغرى)) (١١٨/١) و((شعب الإيمان)) (٥٧٤٠ و٥٧٤١ و٥٧٤٢)، و(البغويّ)
في ((شرح السنّة)) (٢٠٣١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الحثّ على الأخذ بالحلال، واجتناب الشبهات في
الکسب.
٢ - (ومنها): بيان عظم موقع هذا الحديث، وأنه ذو شأن، ونباهة، فلذا
قد توارد أكثر أئمة الحديث الذين خرّجوه على إيراده في ((كتاب البيوع))؛ لأن
الشبهة في المعاملات تقع فيها كثيراً، وله أيضاً تعلّق بالنكاح، وبالصيد،
والذبائح، والأطعمة، والأشربة، وغير ذلك، من أبواب المعاملات، كما لا
يخفى على من تأمّل ذلك.
٣ - (ومنها): بيان أن الحلال، والحرام بيّنان واضحان لكلّ من له علم
بالنصوص الشرعية.
٤ - (ومنها): أن بين الحلال والحرام مرتبة ينبغي التنبّه لها، وأخذ الحذر

٧٢٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
منها، ألا وهي الشبهات، فعلى العاقل أن يُحاسب نفسه عندها، ويأخذ حذره
منها، فإنه إذا أرخى العنان لنفسه فيها، جرّه ذلك إلى التجاوز إلى الحرام،
فليتّق الله تعالى عند الشبهات، ليسهل عليه البعد عن المحرّمات، وإلا وقع في
المهلكات.
٥ - (ومنها): ضرب المثل لإيضاح الأحكام.
٦ - (ومنها): أن من وقع في الشبهات، فقد عرّض دينه، وعرضه
للطعن.
٧ - (ومنها): أن فيه تقسيمَ الأحكام إلى ثلاثة أشياء، وهو صحيحٌ؛ لأن
الشيء إما أن يُنصّ على طلبه مع الوعيد على تركه، أو يُنصّ على تركه، مع
الوعيد على فعله، أو لا ينصّ على واحد منهما، فالأول الحلال البيّن، والثاني
الحرام البيّن، فمعنى قوله: ((الحلال بيّن)) أي: لا يحتاج إلى بيانه، ويشترك في
معرفته كلّ أحد، والثالث: مشتبه؛ لخفائه، فلا يُدرى هل هو حلالٌ، أو
حرامٌ، وما كان هذا سبيله ينبغي اجتنابه؛ لأنه إن كان في نفس الأمر حراماً،
فقد برىء من تبعتها، وإن كان حلالاً، فقد أُجر على تركها بهذا القصد؛ لأن
الأصل في الأشياء مختلف فيه حظراً، وإباحةً، والأوّلان قد يَرِدان جميعاً، فإن
عُلم المتأخّر منهما، وإلا فهو من حيّز القسم الثالث، قاله في ((الفتح)) (١).
٨ - (ومنها): أن فيه دليلاً على جواز الجرح والتعديل، قاله البغويّ في
((شرح السنّة)).
٩ - (ومنها): أن بعضهم استنبط منه منع إطلاق الحلال والحرام على ما
لا نصّ فيه؛ لأنه من جملة ما لم يستبن، لكن قوله ويدلر: ((لا يعلمها كثير من
الناس)) يُشعر بأن منهم من يعلمها، قاله في ((الفتح)) (٢)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فيما قاله أهل العلم من التنويه بشأن هذا الحديث:
قال النوويّ تَثْتُ: أجمع العلماء على عظم وقع هذا الحديث، وكثرة
(١) ((الفتح)) ٥٠٥/٥ - ٥٠٦ ((كتاب البيوع)) رقم (٢٠٥١).
(٢) ((الفتح)) ٥٠٦/٥.

٧٢٣
(٤١) - بَابُ أَخْذِ الْحَلَالِ، وَتَرْكِ الشُّبُهَاتِ - حديث رقم (٤٠٨٧)
فوائده، وأنه أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، قال جماعة: هو ثلث
الإسلام، وإن الإسلام يدور عليه، وعلى حديث: ((الأعمال بالنيّات))،
وحديث: ((لا يؤمن أحدكم حتّى يُحبّ لأخيه ما يُحبّ لنفسه))، وقيل:
حديث: ((ازهد في الدنيا يُحبّك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبّك
الناس))، قال العلماء: وسبب عظم موقعه أنه ◌َّ نبّه فيه على إصلاح
المطعم، والمشرب، والملبس، وغيرها، وأنه ينبغي ترك المشتبهات، فإنه
سبب لحماية دينه وعرضه، وحذّر من مواقعة الشبهات، وأوضح ذلك بضرب
المثل بالحمى، ثم بيّن أهمّ الأمور، وهو مراعاة القلب، فقال ◌َله: ((ألا إن
في الجسد مضغة)) إلخ، فبيّن ◌َ﴿ أن بصلاح القلب يصلح باقي الجسد،
وبفساده يفسد باقيه. انتهى))(١).
وقال القاضي عياض تَظّْثُ: رُوي عن أبي داود السجستانيّ، قال: كتبت
عن رسول الله وَّيم خمسمائة ألف حديث، الثابت منها أربعة آلاف حديث،
وهي ترجع إلى أربعة أحاديث: قوله وَالآتى: ((إنما الأعمال بالنيّات))، وقوله: ((من
حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه))، وقوله: ((الحلال بيّن، والحرام بيّن))،
وقوله: ((لا يكون المرء مؤمناً حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه))، وروي مكان
هذا: ((ازهد في الدنيا يحبّك الله)) الحديث، قال: وقد نظم هذا أبو الحسن
طاهر بن مفوّز في بيتين، فقال [من الخفيف]:
مُسْنَدَاتٌ مِنْ قَوْلِ خَيْرِ الْبَرِيَّهْ
عُمْدَةُ الدِّينِ عِنْدَنَا كَلِمَاتٌ
اتْرُكِ الْمُشْبَهَاتِ وَازْهَدْ وَدَعْ مَا لَيْسَ يَعْنِيكَ وَاعْمَلَنَّ بِنِيَّهْ
وقال في ((الفتح))، ما حاصله: وقد عظّم العلماء أمر هذا الحديث،
فَعَدُّوه رابع أربعة، تدور عليها الأحكام، كما نُقل عن أبي داود، وفيه البيتان
المشهوران، قال: والمعروف عن أبي داود، عَدُّ: ((ما نهيتكم عنه فاجتنبوه))
الحديث، بدل: ((ازهد فيما في أيدي الناس))، وجعله بعضهم ثالثَ ثلاثة،
حذف الثاني، وأشار ابن العربي إلى أنه يُمكن أن ينتزع منه وحده، جميع
الأحكام، قال القرطبي: لأنه اشتمل على التفصيل بين الحلال وغيره، وعلى
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٧/١١.

٧٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
تعلق جميع الأعمال بالقلب، فمن هنا يمكن أن تردّ جميع الأحكام إليه، والله
(١)
المستعان. انتهى
وقال المازريّ كَّلُ: وإنما نبّه أهل العلم على عِظم هذا الحديث؛ لأن
الإنسان إنما يعبد بطهارة قلبه وجسمه، فأكثر المذامّ المحظورات إنما تنبعث من
القلب، وأشار ◌َالر لإصلاحه، ونبّه على أن إصلاحه هو إصلاح الجسم، وأنه
الأصل، وهذا صحيح، يؤمن به حتّى من لا يؤمن بالشرع، وقد نصّ عليه
الفلاسفة، والأطبّاء، والأحكام، والعبادات آلة يتصرّف الإنسان عليها بقلبه
وجسمه فيها، يقع في مشكلات، وأمور ملتبسات، تكسب التساهل فيها،
وتعويد النفس الجراءة عليها، وتكسب فساد الدين والعرض، فنبّه وَّ على
توقّي هذه، وضرب لها مثلاً محسوساً؛ لتكون النفس له أشدّ تصوّراً، والعقل
أعظم قبولاً، فأخبر أن الملوك لهم أحمية، وكانت العرب تعرف في الجاهليّة
أن العزيز فيهم يحمي مُرُوجاً، وأفنيةً، ولا يتجاسر عليها، ولا يدنو منها أحدٌ
مهابةً من سطوته، وخوفاً من الوقوع في حوزته، وهكذا محارم الله ◌َيْلَ مَنْ تَرَك
منها ما قرب، فهو من توسطها أبعد، ومن تحامى طرف النهي أُمن عليه أن
يتوسّط، ومن قرب توسّط. انتهى.
وقال القرطبيّ تَُّ بعد ذكر نحو ما تقدّم في كلام القاضي وغيره، ما
نصّه: وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة رحمهم الله أجمعين حسنٌ، غير أنهم لو
أمعنوا النظر في هذا الحديث كلّه من أوّله إلى آخره لوجدوه متضمّناً لعلوم
الشريعة كلّها، ظاهرها وباطنها، وإن أردت الوقوف على ذلك، فأعد النظر فيما
عقدناه من الجمل في الحلال والحرام، والمتشابهات، وما يُصلح القلوب، وما
يُفسدها، وتعلّق أعمال الجوارح بها، وحينئذ يستلزم ذلك الحديث معرفة تفاصيل
أحكام الشريعة كلّها، أصولها، وفروعها، والله هو المسؤول أن يستعملنا بما
علّمنا، ويوفّقنا لما يرضى به عنّا، إنه وليّ ذلك، والقادر عليه. انتهى كلام
القرطبيّ تَخَُّ(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((الفتح)) ٢٣٢/١ ((كتاب الإيمان)) رقم (٥٢).
(٢) ((المفهم)) ٤٩٩/٤ - ٥٠٠.

٧٢٥
(٤١) - بَابُ أَخْذِ الْحَلَالِ، وَتَرْكِ الشُّبُّهَاتِ - حديث رقم (٤٠٨٧)
(المسألة الخامسة): في قوله وَّ: «الحلالُ بيِّنٌّ، والحرامُ بيِّن، وبينهما
أمور مشتبهات، لا يعلمهنَّ كثيرٌ من الناس)):
قال الحافظ ابن رجب كَّتُهُ: معناه: أنَّ الحلال المحض بَيِّنٌ لا اشتباه
فيه، وكذلك الحرامُ المحضُ، ولكن بين الأمرين أمورٌ تشتبه على كثيرٍ من
الناس، هل هي من الحلال أم من الحرام؟ وأما الرَّاسخون في العلم، فلا
يشتبه عليهم ذلك، ويعلمون من أيِّ القسمين هي.
فأما الحلالُ المحضُ: فمثل أكلِ الطيبات من الزروع، والثمار، وبهيمة
الأنعام، وشرب الأشربة الطيبة، ولباسٍ ما يحتاج إليه من القطن والكتَّان، أو
الصوف أو الشعر، وكالنكاح، والتسرِّي وغير ذلك إذا كان اكتسابُه بعقدٍ صحيح
كالبيع، أو بميراث، أو هبة، أو غنيمة.
والحرام المحض: مثلُ أكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وشرب
الخمر، ونكاح المحارم، ولباس الحرير للرجال، ومثل الأكساب المحرَّمة
كالرِّبا، والميسر، وثمن ما لا يحل بيعه، وأخذ الأموال المغصوبة بسرقة أو
غصب، أو تدلیس، أو نحو ذلك.
وأما المشتبه: فمثلُ أكل بعضٍ ما اختلفَ في حلُّه أو تحريمهِ، إمَّا من
الأعيان كالخيلِ والبغالِ والحميرِ، والضبِّ، وشربِ ما اختلف من الأنبذة التي
يُسكِرُ كَثيرُها، ولبسٍ ما اختلف في إباحة لبسه من جلود السباع ونحوها، وإما
من المكاسب المختلف فيها كمسائل العِينة، والتورّق(١)، ونحو ذلك، وبنحو
هذا المعنى فسَّرَ المشتبهات أحمدُ وإسحاق وغيرهما من الأئمة.
وحاصلُ الأمر أنَّ الله تعالى أنزل على نبيّه وَّه الكتاب، وبيّن فيه للأمة
ما يحتاجُ إليه من حلال وحرام، كما قال تعالى: ﴿وَزَّْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ نِبْيَنًا
لِّكُلِّ شَىْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، قال مجاهد وغيرُه: لكلِّ شيءٍ أُمِرُوا به، أو نُهوا عنه،
وقال تعالى في آخر سورة النساء التي بَيَّنَ الله فيها كثيراً من أحكام الأموال،
(١) ((العِينة)) تقع من رجل مضطر إلى نقد؛ لأن الموسر يضنّ عليه بالقرض فيضطر إلى
أن يشتري منه سلعة ثم يبيعها؛ فإن اشتراها منه بائعها كانت عينة، وإنْ باعها من
غيره فهي التورق. انظر: حاشية ابن القيم ٩/ ٢٥٠.

٧٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
والأبضاع: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُواْ وَاَللّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٧٦]،
وقال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ أَسْمُ اللَِّ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ
عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا أَضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ
لِيُضِلَ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَنهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]، ووكل بيان
ما أشكل من التنْزيل إلى الرسول وَ*، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ
لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وما قُبض وَّهِ حتّى أكمل له ولأُمته
الدينَ، ولهذا أنزل عليه بعرفة قَبْلَ موته بمدة يسيرة: ﴿اَلْيَّوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
وقال ◌َّهُ: ((تَركتُكُم على بيضاءَ نقية، لَيلُها كنهارِها، لا يَزِيغُ عنها إلَّا
هالِكٌ))(١).
وقال أبو ذرِّ ◌َظُه: توفي رسولُ اللهِ وََّ، وما طائِرٌ يُحرِّكُ جناحَيهِ في
السَّماءِ إلَّ وقد ذَكَرَ لنا منه عِلماً(٢).
ولمَّا شكَّ النَّاسُ في موتِه ◌ِ نَّهَ، قال عمُّه العباس ◌َله: والله ما ماتَ
رسولُ اللهِ وَلَّ حتّى تركَ السبيلَ نهجاً واضحاً، وأحلَّ الحلالَ وحرَّم الحرامَ،
ونكَحَ وطلَّق، وحارب وسالم، وما كان راعي غنم يتبع بها رؤوس الجبال
يَخْبِطُ عليها العِضاةَ بِمِخْبَطهِ، ويَمْدُرُ حوضَها بيده بأنصَب ولا أدأب من
رسول الله ﴿﴿ كانَ فيكُم(٣).
ومع هذا فلا بد في الأمة من عالم يُوافق قولُه الحقَّ، فيكون هو العالِم
بهذا الحكم، وغيرُه يكون الأمر مشتبهاً عليه، ولا يكون عالماً بهذا، فإنَّ هذه
الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولا يظهرُ أهلُ باطلها على أهلِ حقِّها، فلا يكونُ
الحقُّ مهجوراً غير معمولٍ به في جميع الأمصار والأعصار، ولهذا قال
رسول الله وَ﴿ في المشتبهات: ((لا يَعْلَمُهُنَّ كثيرٌ من النَّاس))، فدلّ على أنَّ من
(١) قطعة من حديث حسن، رواه أحمد (٢٦/٤)، وابن ماجه (٤٣)، واللالكائيّ في
((شرح أصول الاعتقاد)) (٧٩).
(٢) رواه أحمد ١٦٢/٥ والطبرانيّ، وإسناد الطبرانيّ صحيح.
(٣) رواه ابن سعد في ((الطبقات)) ٢٦٦/٢ - ٢٦٧ ورجاله ثقات، إلا أنه مرسل.

٧٢٧
(٤١) - بَابُ أَخْذِ الْحَلَالِ، وَتَرْكِ الشُّبُهَاتِ - حديث رقم (٤٠٨٧)
الناس من يعلمها، وإنَّما هي مشتبهة على من لم يعلمها، وليست مشتبهة في
نفس الأمر، فهذا هو السبب المقتضي لاشتباه بعض الأشياء على كثير من
العلماء.
وقد يقع الاشتباه في الحلال والحرام بالنسبة إلى العلماء وغيرهم من
وجه آخر، وهو أنَّ مِن الأشياء ما يعلم سببُ حِلُّه وهو الملك المتيقن، ومنها
ما يُعلم سببُ تحريمه وهو ثبوتُ ملك الغير عليه، فالأوَّل لا تزولُ إباحته إلا
بيقين زوال الملك عنه، اللهمَّ إلا في الأبضاع عندَ من يُوقعُ الطلاقَ بالشك فيه
كمالكِ، أو إذا غلب على الظن وقوعُه كإسحاق ابن راهويه، والثاني: لا يزول
تحريمُه إلا بيقينِ العلم بانتقال الملك فيه.
وأمَّا ما لا يُعلم له أصلُ مُلكٍ كما يجده الإنسان في بيته ولا يدري: هل
هو له أو لغيره؟ فهذا مشتبه، ولا يحرم عليه تناوله؛ لأنَّ الظاهر أنَّ ما في بيته
ملكُه لثبوت يده عليه، والورعُ اجتنابه، فقد قال النَّبِيُّ وَّهِ: ((إِنِّي لأنقلب إلى
أهلي فأجدُ التمرة ساقطة على فراشي فأرفعها لآكلها، ثم أخشى أنْ تكون
صدقةً، فألقيها))، متفقٌ عليه.
فإنْ كان هناك من جنس المحظور، وشكّ هل هو منه أم لا؟ قويت
الشبهةُ، وفي حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ أنَّ النَّبيَّ ◌َلِّ أصابه
أرقٌ من الليل، فقال له بعضُ نسائه: يا رسول الله أرقت الليلة، فقال: ((إني
كنتُ أصبتُ تمرةً تحت جنبي، فأكلتُها وكان عندنا تمر من تمر الصدقة،
فخشيتُ أنْ تكون منه))(١).
ومن هذا أيضاً ما أصلهُ الإباحة كطهارة الماء، والثوب، والأرض إذا لم
يتيقن زوال أصله، فيجوز استعمالُه، وما أصله الحظر كالأبضاع ولحوم
الحيوان، فلا يحلُّ إلا بيقين حلّه من التذكية والعقد، فإنْ تردّد في شيء من
ذلك لظهور سبب آخر رجع إلى الأصل فبنى عليه، فيبني فيما أصله الحرمة
على التحريم، ولهذا نهى النَّبِيُّ وَِّ عن أكل الصيدِ الذي يجدُ فيه الصائد أثر
سهمٍ غير سهمه، أو كلبٍ غير كلبهِ، أو يجده قد وقع في ماء. متّفقٌ عليه،
(١) حديث حسن، رواه أحمد ١٨٣/٢ و١٩٣.

٧٢٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
وعَلَّل بأنَّه لا يُدرى: هل مات من السبب المبيح له أو من غيره؟ فيرجع فيما
أصله الحلُّ إلى الحِلِّ، فلا ينجسُ الماءُ والأرض والثوبُ بمجرّد ظنِّ النجاسة،
وكذلك البَدَنُ إذا تحقق طهارته، وشكَّ: هل انتقضت بالحدث؟ عند جمهور
العلماء خلافاً لمالك: إذا لم يكن قد دخل في الصلاة، وقد صحَّ عن
النَّبِيِّ ◌َّهِ: ((أنَّه شُكي إليه الرجلُ يُخَيَّل إليه أنَّه يجد الشيءَ في الصلاة))، فقال:
((لا ينصرف حتّى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً))، متّفقٌ عليه.
وفي بعض الروايات: ((في المسجد)) بدل: ((الصلاة)).
وهذا يعمُّ حالَ الصلاةِ وغيرها، فإنْ وُجِدَ سبب قويٌّ يغلب معه على
الظنِّ نجاسة ما أصلُه الطهارة مثل أنْ يكونَ الثوبُ يلبسه كافر لا يتحرَّزُ من
النجاسات، فهذا محلّ اشتباه، فمن العلماء من رخّص فيه أخذاً بالأصل،
ومنهم من كرهه تنزيهاً، ومنهم من حرّمه إذا قوي ظن النجاسة مثل أنْ يكون
الكافر ممن لا تباح ذبيحتُه أو يكون ملاقياً لعورته كالسراويل والقميص، وترجع
هذه المسائل وشبهها إلى قاعدة تعارض الأصل والظاهر، فإنَّ الأصل الطهارة
والظاهر النجاسة، وقد تعارضت الأدلَّةُ في ذلك.
فالقائلون بالطهارة يستدلون بأنَّ الله أحلَّ طعام أهل الكتاب، وطعامهم
إنَّما يصنعونه بأيديهم في أوانيهم، وقد أجاب النَّبيُّ بَِّ دعوة يهودي، وكان هو
وأصحابه يلبسون ويستعملون ما يُجلَب إليهم مما نَسَجَه الكفارُ بأيديهم من
الثياب والأواني، وكانوا في المغازي يقتسمون ما وقع لهم من الأوعية
والثياب، ويستعملونها، وصحَّ عنهم أنَّهم استعملوا الماء مِنْ مزادة مشركة،
رواه البخاريّ.
وقد فسَّر الإمام أحمد الشبهة بأنَّها منْزلةٌ بينَ الحلال والحرام، يعني:
الحلالَ المحض والحرام المحض، وقال: من اتَّقاها، فقد استبرأ لدينه،
وفسَّرها تارةً باختلاط الحلال والحرام.
ويتفرَّعُ على هذا معاملة من في ماله حلال وحرام مختلط، فإنْ كان أكثرُ
ماله الحرامَ، فقال أحمد: ينبغي أنْ يجتنبه إلا أنْ يكونَ شيئاً يسيراً، أو شيئاً لا
يُعرف، واختلف أصحابه: هل هو مكروه أو محرَّم؟ على وجهين.
وإنْ كان أكثرُ ماله الحلال، جازت معاملته والأكلُ من ماله، وقد روى

٧٢٩
(٤١) - بَابُ أَخْذِ الْحَلَالِ، وَتَرْكِ الشُّبُهَاتِ - حديث رقم (٤٠٨٧)
الحارث عن عليٍّ أنَّه قال في جوائز السلطان: لا بأس بها، ما يُعطيكم من
الحلال أكثر مما يُعطيكم من الحرام، وكان النبيُّ ◌َّ وأصحابه يُعاملون
المشركين وأهل الكتاب مع علمهم بأنَّهم لا يجتنبون الحرامَ كلَّه.
وإنْ اشتبه الأمر فهو شبهة، والورع تركُه. قال سفيان: لا يعجبني ذلك،
وتركه أعجب إليَّ.
وقال الزُّهريُّ ومكحول: لا بأس أنْ يؤكل منه ما لم يعرف أنَّه حرامٌ
بعينه، فإنْ لم يُعلم في ماله حرام بعينه، ولكنه علم أنَّ فيه شبهةً، فلا بأس
بالأكل منه، نصَّ عليه أحمد في رواية حنبل.
وذهب إسحاق ابنُ راهويه إلى ما رُوي عن ابن مسعود وسلمانَ وغيرِهما
مِنَ الرُّخصة، وإلى ما رُوي عَنِ الحسنِ وابنٍ سيرين في إباحةِ الأخذ مما يقضي
من الرِّبا والقمار، نقله عنه ابنُ منصور.
وقال الإمام أحمد في المال المشتبه حلاله بحرامه: إنْ كان المالُ كثيراً،
أخرج منه قدرَ الحرام، وتصرَّف في الباقي، وإنْ كان المالُ قليلاً، اجتنبه كلَّه،
وهذا لأنَّ القليل إذا تناول منه شيئاً، فإنَّه تَبْعُدُ معه السلامةُ من الحرام بخلاف
الكثير، ومن أصحابه مَنْ حَمَل ذلك على الورعِ دُون التَّحريم، وأباح التصرُّف
في القليل والكثير بعد إخراج قدر الحرام منه، وهو قولُ الحنفيَّة وغيرهم،
وأخذ به قومٌ مِنْ أهل الورع منهم بشرٌ الحافي.
ورخّص قومٌ من السَّلف في الأكل ممن يُعلم في ماله حرام ما لم يُعلم
أنّه من الحرام بعينه، كما تقدَّم عن مكحولٍ والزُّهريِّ، وروي مثلُه عن
الفُضیل بن عياض.
وروي في ذلك آثارٌ عن السَّلف، فصحَّ عن ابن مسعود أنَّه سُئِلَ عمَّن له
جارٌ يأكلُ الرِّبا علانيةً ولا يتحرَّجُ من مالٍ خبيثٍ يأخُذُه يدعوه إلى طعامه،
قال: أجيبوهُ، فإنَّما المَهْنَأُ لكم والوِزْرُ عليه (١)، وفي رواية أنَّه قال: لا أعلمُ له
شيئاً إلّ خبيثاً أو حراماً، فقال: أجيبوه، وقد صحح الإمام أحمد هذا عن ابن
(١) أخرجه: عبد الرزاق (١٤٦٧٥ و١٤٦٧٦) وإسناده صحيح.

٧٣٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
مسعود، ولكنَّه عارضه بما رُوي عنه أنَّه قال: الإثم حَوَازُّ القلوب(١).
وروي عن سلمان مثلُ قولِ ابنِ مسعود الأول(٢)، وعن سعيد بن جبير،
والحسن البصري، ومُورِّق العِجْليّ، وإبراهيم النَّخعيّ، وابنٍ سيرين وغيرهم،
والآثار بذلك موجودة في كتاب ((الأدب)) لحُمَيد ابن زَنجويه، وبعضها في كتاب
((الجامع)) للخلال، وفي مصنَّفَي عبد الرزاق وابن أبي شيبة وغيرهم.
ومتى علم أنَّ عينَ الشيء حرامٌ، أُخِذَ بوجه محرم، فإنَّه يحرم تناولُه،
وقد حَكى الإجماعَ على ذلك ابنُ عبد البرِّ وغيرُه، وقد رُوي عن ابن سيرين في
الرجل يُقضى من الربا، قال: لا بأس به، وعن الرجل يُقضى من القمار قال:
لا بأس به، خرَّجه الخلال بإسناد صحيح، ورُوي عن الحسن خلاف هذا، وأنَّه
قال: إنَّ هذه المكاسب قد فسدت، فخذوا منها شبه المضطر.
وعارض المروي عن ابن مسعود وسلمان، ما روي عن أبي بكر الصدِّيق
أنَّه أكل طعاماً ثم أُخبر أنَّه من حرام، فاستقاءه(٣) .
وقد يقع الاشتباه في الحكم، لكون الفرع متردِّداً بين أصول تجتذبهُ،
(١) قول ابن مسعود هذا، أخرجه: هناد في ((الزهد)) (٩٣٤)، والطبراني في ((الكبير))
(٨٧٤٨ و٨٧٤٩) وذكره الهيثميّ في ((المجمع)) ١٧٦/١ وقال: رواه الطبرانيّ كلّه
بأسانيد رجالها ثقات.
وقوله: ((حواز القلوب)): رواه شمر بتشديد الواو، من حاز يحوز، أي: يجمع
القلوب ويغلب عليها، والمشهور بتشديد الزاي، وهو المشهور عند المحدّثين:
جمع حازة، وهي الأمور التي تَحُزُّ في القلوب وتَحُُّ وتؤثر. انظر: ((النهاية)) ١/
٤٥٩، ((تاج العروس)) ١٢٥/١٥ (حرز).
(٢) أخرجه: عبد الرزاق (١٤٦٧٧).
(٣) أخرجه: البخاري ٥٣/٥ (٣٨٤٢)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٥٧٧٠) من
حديث عائشة ﴿ا ، قالت: ((كان لأبي بكر غلامٌ يخرج له الخرج، وكان أبو بكر
يأكل من خراجه فجاء يوماً بشيءٍ فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: تدري ما
هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية، وما أحسنُ
الكهانة إلا أني خدعتهُ فلقيني فأعطاني بذلك، فهذا الذي أَكلت منه. فأدخل أبو
بكر يده، فقاء كل شيء في بطنه)).

٧٣١
(٤١) - بَابُ أَخْذِ الْحَلَالِ، وَتَرْكِ الشُّبُهَاتِ - حديث رقم (٤٠٨٧)
كتحريم الرجل زوجته، فإنَّ هذا متردِّدٌ بين تحريم الظّهار الذي ترفعه الكفَّارةُ
الكبرى، وبين تحريم الطَّلقة الواحدة بانقضاء عدتها الذي تُباحُ معه الزوجة بعقدٍ
جديدٍ، وبين تحريم الطَّلاق الثلاث الذي لا تُباح معه الزوجةُ بدون زوج
وإصابة، وبين تحريم الرجل عليه ما أحلَّه الله له مِنَ الطّعام والشراب الذي لا
يحرمه، وإنَّما يُوجب الكفَّارة الصُّغرى، أو لا يُوجب شيئاً على الاختلاف في
ذلك، فمن ها هنا كَثُرَ الاختلافُ في هذه المسألة في زمن الصحابة فمن بعدهم.
وبكل حال فالأمور المشتبهة التي لا تتبين أنَّها حلال ولا حرام لكثير من
الناس، كما أخبر به النَّبِيُّ وَّهَ، قد يتبيَّنُ لبعضِ النَّاس أنَّها حلال أو حرام، لِمَا
عِنده مِنْ ذلك من مزيدٍ علم، وكلام النَّبِيِّ نَّهِ يدلُّ على أنَّ هذه المشتبهات مِنَ
النَّاسِ من يعلمُها، وكثيرٌ منّهم لا يعلمها، فدخل فيمن لا يعلمها نوعان:
[أحدهما]: من يتوقّف فيها؛ لاشتباهها عليه.
[والثاني]: من يعتقدُها على غيرِ ما هي عليه، ودل كلامُه على أنَّ غير
هؤلاء يعلمها، ومرادُه أنَّه يعلمها على ما هي عليه في نفس الأمر من تحليل أو
تحريم، وهذا من أظهر الأدلة على أنَّ المصيبَ عند الله في مسائل الحلال
والحرام المشتبهة المختلفِ فيها واحدٌ عند الله رَى، وغيره ليس بعالم بها،
بمعنى أنَّه غيرُ مصيب لحكم الله فيها في نفس الأمر، وإنْ كان يعتقدُ فيها
اعتقاداً يستندُ فيه إلى شبهة يظنُّها دليلاً، ويكون مأجوراً على اجتهاده، ومغفوراً
له خطؤه لعدم اعتماده. انتهى كلام ابن رجب ◌َّتُهُ، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): فيما يتعلّق بقوله وَله: ((فمن اتقى الشبهات، فقد
استبرأ لدينه وعرضه»:
قال الحافظ ابن رجب كَّلُهُ: قسَّم الناس في الأمور المشتبهة إلى
قسمين، وهذا إنَّما هو بالنسبة إلى من هي مشتبهة عليه، وهو ممن لا يعلمها،
فأمَّا مَنْ كان عالماً بها، واتَّبع ما دلَّه علمهُ عليها، فذلك قسمٌ ثالثٌ، لم يذكره
لظهور حكمه، فإنَّ هذا القسم أفضلُ الأقسام الثلاثةِ؛ لأنَّه عَلِمَ حكمَ الله في
هذه الأمور المشتبهة على النَّاس، واتَّبع علمَه في ذلك. وأما من لم يعلم
حكم الله فيها، فهم قسمان:

٧٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
[أحدهما]: من يتقي هذه الشبهات؛ لاشتباهها عليه، فهذا قد استبرأ لدينه
وعرضه .
وفي روايةٍ للترمذيّ في هذا الحديث: ((فمن تركها استبراءً لدينه وعرضه،
فقد سَلِمَ))، والمعنى: أنَّه يتركُها بهذا القصد - وهو براءةُ دينه وعرضه من
النقص - لا لغرضٍ آخر فاسدٍ من رياءٍ ونحوه.
وفيه دليلٌ على أنَّ طلب البراءة للعرض ممدوحٌ كطلب البراءة للدِّين،
ولهذا ورد: ((أنَّ ما وقى به المرءُ عِرضَه، فهو صدقةٌ))(١).
وفي رواية في ((الصحيحين))(٢) في هذا الحديث: ((فمن ترك ما يشتبه عليه
مِنَ الإثم، كان لما استبانَ أتركَ)) يعني: أنَّ من ترك الإثمَ مع اشتباهه عليه،
وعدم تحققه، فهو أولى بتركه إذا استبان له أنَّه إثمٌّ، وهذا إذا كان تركه تحرُّزاً
من الإثم، فأمَّا من يَقصِدُ التصنعَ للناسِ، فإنَّه لا يتركُ إلا ما يَظُنُّ أنَّه ممدوحٌ
عندهم تركُهُ.
[القسم الثاني]: من يقع في الشبهات مع كونها مشتبهةً عنده، فأمَّا مَنْ
أتى شيئاً مما يظنُّه الناس شبهةً، لعلمه بأنَّه حلال في نفس الأمر، فلا حَرَج
عليه من الله في ذلك، لكن إذا خشيَ من طعن الناس عليه بذلك، كان تركُها
حينئذ استبراءً لعرضه، فيكون حسناً، وهذا كما قال النَّبيُّ وَلِّ لمن رآه واقفاً مع
صفية: ((إنَّها صفيَّةُ بنتُ حُبي))، متّفقٌ عليه.
وخرج أنس إلى الجمعة، فرأى الناسَ قد صلَّوا ورجعوا، فاستحيى،
ودخل موضعاً لا يراهُ النَّاس فيه، وقال: ((من لا يستحيي من الناس لا يستحيي
من الله))، وخرّجه الطبراني مرفوعاً، ولا يصحُ(٣).
(١) أخرجه: الدارقطني ٢٨/٣، والحاكم ٥٠/٢، وهو حديث ضعيف ضعّفه الذهبي
في ((التلخيص))؛ لأن في سنده عبد الحميد بن الحسن الهلاليّ ضعّفوه، وأقره ابن
الملقن في ((مختصر استدراك الذهبي)) ٥٥٦/١.
(٢) هكذا عزاه ابن رجب إلى ((الصحيحين))، والظاهر أنها رواية للبخاريّ، لا لمسلم،
فليُتنبّه.
(٣) رواه الطبرانيّ في: ((الأوسط)) (٧١٥٩)، وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ٨٪
٢٧، وفيه جماعة لم أعرفهم.

٧٣٣
(٤١) - بَابُ أَخْذِ الْحَلَالِ، وَتَرْكِ الشُّبُهَاتِ - حديث رقم (٤٠٨٧)
وإنْ أتى ذلك لاعتقاده أنَّه حلال، إمَّا باجتهادٍ سائغ، أو تقليدٍ سائغٍ،
وكان مخطئاً في اعتقاده، فحكمهُ حكمُ الذي قبلَه، فإنْ كانَ الاجتهادُ ضعيفاً،
أو التقليدُ غيرَ سائغ، وإنَّما حمل عليه مجرّد اتباع الهوى، فحكمُهُ حكمٌ من أتاه
مع اشتباهه عليه، والذي يأتي الشبهات مع اشتباهها عليه، فقد أخبر عنه
النَّبِيُّ وَّرَ أَنَّه وقع في الحرام، وهذا يفسّر بمعنيين:
[أحدهما]: أنْ يكونَ ارتكابُهُ للشبهة مع اعتقاده أنَّها شبهة ذريعة إلى
ارتكابه الحرام الذي يعتقد أنَّه حرام بالتدريج والتسامح، وفي رواية في
((الصحيحين))(١) لهذا الحديث: ((ومن اجترأَّ على ما يشُّ فيه مِنَ الإثم، أوْشَكَ
أنْ يُواقِعَ ما استبانَ))، وفي رواية: ((ومَنْ يُخالطِ الرِّيبةَ، يوشِكُ أن يَّجْسُرَ))(٢)
أي: يَقرُب أنْ يُقْدِم على الحرام المحضٍ، والْجَسورُ: المقدام الذي لا يهابُ
شيئاً، ولا يُراقب أحداً، ورواه بعضهم: ((يجشُر)) بالشِّين المعجمة؛ أي: يرتع،
والجَشْر: الرَّعْيُ، وجَشَرتُ الدابة: إذا رعيتها، وفي مراسيل أبي المتوكل
الناجيّ، عنِ النَّبِيِّ بَّهِ: ((مَنْ يرعى بجنباتِ الحرام، يوشكُ أنْ يخالطُهُ، ومن
تهاون بالمحقِّرات، يُوشِكُ أنْ يُخالِطَ الكبائر))(٣) .
[والمعنى الثاني]: أنَّ من أقدم على ما هو مشتبهٌ عنده، لا يدري: أهو
حلالٌ أو حرام، فإنَّه لا يأمن أنْ يكون حراماً في نفس الأمر، فيُصادِفُ الحرام
وهو لا يدري أنَّه حرامٌ. وقد رُوي من حديث ابن عمر عنِ النَّبِيِّ ◌ِ لّه قال:
((الحلالُ بيِّنٌّ والحرامُ بيِّن وبينهما مُشتبهاتٌ، فمن اتَّقاها، كان أنزَه لدينِهِ
وعِرضه، ومن وقعَ في الشُّبهَاتِ أوشَكَ أنْ يقع في الحَرامِ، كالمرتع حَولَ
الحِمى، يُوشِكُ أنْ يُواقعَ الحِمى وهو لا يشعر))، خرَّجه الطبراني(٤) وغيره.
واختلف العلماء: هل يُطيع والديه في الدُّخول في شيءٍ من الشُّبهة أم لا
(١) هي رواية للبخاريّ، فقط، كما قال بعض المحقّقين، فليُتنبّه.
(٢) هي رواية لأبي داود (٣٣٢٩)، والنسائيّ (٣٢٧/٨)، وابن حبّان (٧٢١).
(٣) وهو ضعيف لإرساله.
(٤) قال الهيثميّ نَّثُ في ((المجمع)): رواه الطبرانيّ في ((الأوسط))، وفي إسناده سعد بن
زنبور، قال أبو حاتم: مجهول.

٧٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
يُطيعهما؟ فرُوي عن بشر بن الحارث، قال: لا طاعة لهما في الشُّبهةِ، وعن
محمد بن مقاتل العبَّادانيّ قال: يُطيعهما، وتوقف أحمد في هذه المسألة،
وقال: يُداريهما، وأبى أنْ يُجيبَ فيها.
وقال أحمد: لا يشبعُ الرَّجل مِنَ الشُّبهة، ولا يشتري الثوبَ للَّجمُّل من
الشُّبهة، وتوقف في حدٍّ ما يُؤكل وما يُلبس منها، وقال في الثَّمرة يلقيها الطيرُ:
لا يأكلها، ولا يأخذها، ولا يتعرَّضُ لها.
وقال الثوريّ في الرجل يجد في بيته الأفلُسَ أو الدَّراهِم: أحبُّ إليَّ أنْ
يتنزَّه عنها، يعني: إذا لم يدرِ من أين هي، وكان بعضُ السَّلف لا يأكلُ إلا
شيئاً يعلمُ من أينَ هو، ويسأل عنه حتّى يقفَ على أصله، وقد رُويَ في ذلك
حديثٌ مرفوعٌ، إلا أنَّ فيه ضعفاً (١)، ذكر ذلك كلّه ابن رجبٌ كَذَفُ(٢)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في قوله ◌َّه: ((كالرَّاعي يرعى حولَ الحِمى يُوشِكُ أنْ
يرتَعَ فيه، ألا وإنَّ لكلِّ ملكِ حِمى، وإنَّ حِمى اللهِ محارمه))، قال ابن
رجب تَّثُ: هذا مَثَلٌ ضربه النَّبِيُّ وَّهِ لمن وقع في الشُّبهات، وأنَّه يقرُب وقوعه
في الحرام المحض، وفي بعض الروايات أنَّ النبيَّ ◌َّ ه قال: ((وسأضرب لذلك
(١) أخرجه: ابن أبي الدنيا في ((الورع)) (١١٥)، والطبراني في ((الكبير)) ٤٢٨/٢٥،
والحاكم ١٢٥/٤ - ١٢٦، وأبو نعيم في «الحلية)) ١٠٥/٦ من حديث أم عبد الله
أخت شداد بن أوس، أنَّها بعثت إلى النَّبيِّ وَ ﴿ بقدح لبن عند فطره وهو صائم،
وذلك في طول النهار وشدة الحر، فردّ إليها الرَّسول: ((أنى لك هذا اللبن؟)) قالت:
من شاةٍ لي؛ فردّ إليها رسولها: ((أنى لك هذا الشاة؟»، قالت: اشتريتها من مالي؛
فشرب، فلما كان من غد، أتت أم عبد الله النبيّ ◌َ﴿، فقالت: يا رسول الله:
بعثت إليك بذلك اللبن مرثية لك من طول النهار وشدة الحرِّ، فرددت فيه إليَّ
الرسول! فقال النَّبِيِّ وَل﴿: ((بذلك أُمِرت الرسل قبلي، أنْ لا تأكل إلّا طيباً، ولا
تعمل إلّا صالحاً)).
ذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٢٩١/١٠ قال: ((وفيه أبو بكر بن أبي مريم وهو
ضعيف))، وقال الذهبي في ((تلخيص المستدرك)) ١٢٦/٤: (ابن أبي مريم واهٍ)).
(٢) ((جامع العلوم والحكم)) ٢٠٣/١ - ٢٠٦.

٧٣٥
(٤١) - بَابُ أَخْذِ الْحَلَالِ، وَتَرْكِ الشُّبُهَاتِ - حديث رقم (٤٠٨٧)
مثلاً))، ثم ذكر هذا الكلامَ، فجعل النَّبِيُّ وَّهِ مثلَ المحرمات كالحِمى الذي
تحميه الملوكُ، ويمنعون غيرهم من قُربانه، وقد جعل النَّبيُّ بَّر حول مدينته
اثني عشر ميلاً حمى محرَّماً لا يُقطعُ شجرُه ولا يُصادُ صیدُه، رواه مسلم،
وحمى عمرُ وعثمان أماكنَ ينبت فيها الكلأ لأجل إبل الصدقة، رواه البخاريّ.
والله رَ حمى هذه المحرَّمات، ومنع عباده من قربانها وسمَّاها حدوده،
فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُهَا كَذَلِكَ يُبَيِّدُ اللَّهُ ءَايَتِهِ، لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ
يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وهذا فيه بيان أنَّه حدَّ لهم ما أحلَّ لهم وما حرَّم
عليهم، فلا يقربوا الحرامَ، ولا يتعدّوا الحلال، ولذلك قال في آية أخرى:
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَنَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَكَ هُمُ الظَّلِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩]،
وجعل من يرعى حول الحمى، أو قريباً منه جديراً بأنْ يَدخُلَ الحِمى ويرتع فيه،
فكذلك من تعدَّى الحلال، ووقع في الشبهات، فإنَّه قد قارب الحرام غايةً
المقاربة، فما أخلقَهُ بأنْ يُخالِطَ الحرامَ المحضَ، ويقع فيه، وفي هذا إشارةٌ إلى
أنَّه ينبغي التباعد عن المحرَّماتِ، وأنْ يجعل الإنسان بينه وبينها حاجزاً.
وقد خرّج الترمذيّ، وابن ماجه مِنْ حديثِ عبد الله بن يزيد، عن النَّبِيِّ وَله
قال: ((لا يبلغُ العبدُ أنْ يكونَ من المثَّقين حَتّى يَدَعَ ما لا بأسَ به حذراً مما به
بأسٌ))(١).
وقال أبو الدرداء: تمامُ التقوى أنْ يتقي الله العبدُ، حتّى يتقيَه مِنْ مثقال
ذرَّة، وحتّى يتركَ بعضَ ما يرى أنَّه حلال، خشيةَ أنْ يكون حراماً، حجاباً بينه
وبينَ الحرام.
وقال الحسنُ: ما زالتِ التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيراً من الحلال
مخافة الحرام.
وقال الثوريّ: إنما سُمّوا المتقين؛ لأنَّهم اتَّقَوْا ما لا يُثَّقى، وروي عن
ابن عمر قال: إنِّي لأحبُّ أنْ أدعَ بيني وبين الحرام سترةً من الحلال لا
أخرقها .
(١) رواه الترمذيّ (٢٤٥١)، وابن ماجه (٤٢١٥)، وقال الترمذيّ: حسن غريب. مع
أن في سنده عبد الله بن يزيد الدمشقيّ، وهو ضعيف.

٧٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
وقال ميمون بن مهران: لا يسلم للرجل الحلالُ حتى يجعل بينه وبين
الحرام حاجزاً من الحلال.
وقال سفيان بن عيينة: لا يصيب عبدٌ حقيقة الإيمان حتى يجعل بينه وبينَ
الحرام حاجزاً من الحلال، وحتى يدعَ الإثم وما تشابه منه.
ويَستدِلُّ بهذا الحديثِ مَنْ يذهب إلى سدِّ الذرائع إلى المحرَّمات وتحريم
الوسائل إليها، ويَدُلُّ على ذلك أيضاً من قواعدِ الشَّريعة تحريمُ قليلِ ما يُسكر
كثيرُه، وتحريمُ الخلوة بالأجنبية، وتحريمُ الصَّلاة بعد الصُّبح وبعدَ العصرِ سدّاً
لذريعة الصَّلاة عند طلوع الشَّمس وعندَ غروبها، ومنعُ الصَّائم من المباشرة إذا
كانت تحرِّكُ شهوتَه، ومنع كثيرٍ من العلماءِ مباشرةَ الحائضِ فيما بين سرّتها
ورُكبتها إلا مِنْ وراء حائلٍ، كما كان النَّبِيُّ ◌َ ﴿ يأمر امرأتَه إذا كانت حائضاً أنْ
تَتَّزر، فيباشِرُها مِنْ فوق الإزار، متّفقٌ عليه.
ومن أمثلة ذلك وهو شبيه بالمثل الذي ضربه النَّبِيُّ وَّهِ: من سيَّب دابَّته
ترعى بقُرْب زرع غيرِهِ، فإنَّه ضامن لما أفسدته من الزرع، ولو كان ذلك نهاراً،
وكذا الخلاف لو أرسل كلبَ الصَّيدِ قريباً من الحرم، فدخل الحرمَ فصاد فيه،
ففي ضمانه روايتان عن أحمد، وقيل: يضمنه بكلِّ حال، ذكر هذا كلّه ابن
رجب ◌َّهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الثامنة): في قوله وَلجر: ((ألا وإنَّ في الجسد مضغةً، إذا
صَلَحَتْ، صَلَحَ الجسدُ كلُّه، وإذا فسدت فسد الجسدُ كلَّه، ألا وهي القلب))،
قال الحافظ ابن رجب تَخْذِفُهُ: فيه إشارةٌ إلى أنَّ صلاحَ حركاتِ العبدِ بجوارحه،
واجتنابه للمحرَّمات واتَّقاءه للشُّبهات بحسب صلاحِ حركةٍ قلبِهِ.
فإنْ كان قلبُه سليماً، ليس فيه إلا محبة الله ومحبة ما يُحبه الله، وخشية الله
وخشية الوقوع فيما يكرهه، صلحت حركاتُ الجوارح كلّها، ونشأ عن ذلك
اجتناب المحرَّمات كلها، وتَوَقِّ للشبهات حذراً مِنَ الوقوع في المحرَّمات.
وإنْ كان القلبُ فاسداً، قدِ استولى عليه اتِّباعُ هواه،َ وطلب ما يحبُّه، ولو
(١) ((جامع العلوم والحكم)) ٢٠٣/١ - ٢١٠.

٧٣٧
(٤١) - بَابُ أَخْذِ الْحَلَالِ، وَتَرْكِ الشُّبُهَاتِ - حديث رقم (٤٠٨٧)
كرهه الله، فسدت حركاتُ الجوارح كلها، وانبعثت إلى كلِّ المعاصي
والمشتبهات بحسب اتِباع هوى القلب.
ولهذا يقال: القلبُ مَلِكُ الأعضاء، وبقيَّةُ الأعضاءِ جنودُه، وهم مع هذا
جنودٌ طائعون له، منبعثون في طاعته، وتنفيذ أوامره، لا يخالفونه في شيءٍ من
ذلك، فإنْ كان الملكُ صالحاً كانت هذه الجنود صالحةً، وإنْ كان فاسداً كانت
جنودُه بهذه المثابَةِ فاسدةً، ولا ينفع عند الله إلّا القلبُ السليم، كما قال
﴾ [الشعراء: ٨٨
٨٩
تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَ بَنُنَ (٨) إِلَّا مَنْ أَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (
- ٨٩]، وكان النَّبِيُّ وََّ يقول في دعائه: ((اللهم إني أسألُكَ قلباً سليماً))(١)،
فالقلب السليم: هو السالم من الآفات والمكروهات كلِّها، وهو القلبُ الذي
ليس فيه سوى محبة الله وما يحبُّه الله، وخشية الله، وخشية ما يُباعد منه.
وفي ((مسند الإمام أحمد)) عن أنس، عن النَّبِيِّ وَّ، قال: ((لا يستقيمُ
إيمانُ عبدٍ حتى يستقيمَ قلبُه))(٢).
والمراد باستقامة إيمانه: استقامةُ أعمال جوارحه، فإنَّ أعمالَ الجوارح لا
تستقيمُ إلا باستقامة القلب، ومعنى استقامة القلب: أنْ يكونَ ممتلئاً مِنْ
محبَّةِ الله، ومحبّة طاعته، وكراهة معصیته.
وقال الحسن لرجل: داوٍ قلبكَ؛ فإنَّ حاجة الله إلى العباد صلاحُ قلوبهم،
يعني: أنَّ مراده منهم ومطلوبه صلاحُ قلوبهم، فلا صلاحَ للقلوب حتَّى تستقرَّ
فيها معرفةُ اللهِ وعظمتُه ومحبَّتُه وخشيتُهُ ومهابتُه ورجاؤهُ والتوكلُ عليهِ، وتمتلئَ
(١) أخرجه: أحمد ١٢٣/٤ و١٢٥، والترمذي (٣٤٠٧)، والنسائي ٥٤/٣، وفي
((الكبرى)) له (١٠٦٤٨)، وابن حبان (١٩٧٤)، والطبراني في ((الكبير)) (٧١٣٥،
و٧١٧٥)، والحاكم ٥٠٨/١ من حديث شداد بن أوس، به. وإسناده فيه سعيد
الجريريّ، مختلط، وحماد بن سلمة روى عنه بعد الاختلاط، لكن صححه الشيخ
الألباني في ((السلسلة الصحيحة)) رقم (٣٢٢٨).
(٢) وتمامه: ((ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، ولا يدخل رجل الجنّة لا يأمن جاره
بوائقه))، وذكره الهيثميّ في ((المجمع)) (٥٣/١) وقال: فيه علي بن مسعدة، وثّقه
جماعة، وضعّفه آخرون. انتهى. وقال في ((التقريب)): صدوق له أوهام، من
السابعة.

٧٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
مِنْ ذَلِكَ، وهذا هوَ حقيقةُ التوحيد، وهو معنى ((لا إله إلا الله))، فلا صلاحَ
للقلوب حتَّى يكونَ إلهُها الذي تألَهُه وتعرفه وتحُّه وتخشاه هوَ الله وحده لا
شريكَ لهُ، ولو كانَ في السماوات والأرض إله يُؤَلَّه سوى الله، لفسدت بذلك
السماوات والأرض، كما قالَ تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِهِمَا ءَاِهَةُ إِلَّ اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾
[الأنبياء: ٢٢].
فَعُلِم بذلك أنَّه لا صلاحَ للعالَم العلوي والسُّفليّ معاً حتى تكونَ حركاتُ
أهلها كلَّها لله، وحركاتُ الجسدِ تابعةً لحركةِ القلب وإرادته، فإنْ كانت حركتُه
وإرادته لله وحده، فقد صَلَحَ وصَلَحَتْ حركاتُ الجسدِ كلِّه، وإنْ كانت حركةُ
القلب وإراداته لغيرِ الله تعالى فسدَ، وفسدت حركاتُ الجسد بحسب فسادٍ
حركة القلب.
وروى الليثُ، عن مجاهدٍ في قوله تعالى: ﴿أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام:
١٥١]، قال: لا تحبُّوا غيري.
وفي ((صحيح الحاكم)) عن عائشة، عن النَّبيِّ وَ قال: ((الشِّركُ أخفى من
دبيب الذرِّ على الصفا في اللَّيلة الّلماء، وأدناهُ أنْ تُحِبَّ على شيءٍ من
الجور، وأنْ تُبغض على شيءٍ من العدل، وهل الدِّينُ إلا الحبُّ والبغض؟
قال الله وَت: ﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُونَ اَللَّهَ فَِّعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١])).
فهذا يدلُّ على أنَّ محبةَ ما يكرهه الله، وبغضَ ما يُحبه متابعةٌ للهوى، والموالاة
على ذلك والمعاداة عليه من الشرك الخفيِّ، ويدل على ذلك قوله: ﴿قُلْ إِن
كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] فجعل الله علامة الصدق في
محبته اتباعَ رسولِهِ، فدلَّ على أنَّ المحبة لا تتمُّ بدون الطاعة والموافقة.
قال الحسن: قال أصحابُ النَّبيِّ وَّ: يا رسول الله، إنّا نُحِبُّ ربنا حباً
شديداً، فأحبَّ الله أنْ يجعل لحبِّه عَلَماً، فأنزل الله هذه الآية: ﴿قُلٌ إِن كُنتُمْ
تُِّبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، ومن هنا قال الحسن: اعلم أنَّك
لن تُحِبَّ الله حتى تُحِبَّ طاعته.
وسئل ذو النون: متى أُحِبُّ ربي؟ قالَ: إذا كانَ ما يُبغضه عندك أمرَّ من
الصبر، وقال بشر بن السَّرِي: ليس من أعلام الحبِّ أنْ تُحبَّ ما يُبغِضُه
حبيبك، وقال أبو يعقوب النهر جوري: كلُّ من ادَّعى محبة الله رَ، ولم

٧٣٩
(٤١) - بَابُ أَخْذِ الْحَلَالِ، وَتَرْكِ الشُّبُهَاتِ - حديث رقم (٤٠٨٧)
يُوافق الله في أمره ونهيه، فدعواه باطل. وقال رُويم: المحبة: الموافقة في كلِّ
الأحوال، وقال يحيى بن معاذ: ليس بصادقٍ من ادَّعى محبة الله ولم يحفظ
حدوده، وعن بعض السَّلف قال: قرأتُ في بعض الكتب السالفة: من أحبَّ الله
لم يكن عنده شيء آثرَ من رضاه، ومن أحبَّ الدنيا لم يكن عنده شيء آثر من
هوى نفسه .
وفي ((السنن)) عن النَّبِيِّ وَّ قال: ((مَنْ أعطى اللهِ، ومنع لله، وأحب لله،
وأبغض لله، فقد استكمل الإيمان))(١)، ومعنى هذا أنَّ حركات القلب والجوارح
إذا كانت كلُّها لله فقد كَمُلَ إيمانُ العبد بذلك ظاهراً وباطناً، ويلزمُ من صلاح
حركات القلب صلاحُ حركات الجوارح، فإذا كان القلب صالحاً ليس فيه إلا
إرادة الله وإرادة ما يريده لم تنبعثِ الجوارحُ إلا فيما يُريده الله، فسارعت إلى
ما فيه رضاه، وكَفَّتْ عما يكرهه، وعما يخشى أنْ يكونَ مما يكرهه، وإنْ لم
یتیقن ذلك.
قال الحسن: ما نظرتُ ببصري، ولا نطقتُ بلساني، ولا بطشتُ بيدي،
ولا نهضتُ على قدمي حتّى أنظر على طاعةٍ أو على معصية، فإنْ كانت طاعةٌ
تقدمت، وإنْ كانت معصية تأخّرت.
وقال محمد بن الفضل البَلخيّ: ما خطوتُ منذ أربعين سنة خطوةً
لغير الله، وقيل لداود الطائيّ: لو تنحيتَ من الظلِّ إلى الشمس، فقال: هذه
خُطا لا أدري كيف تكتب.
فهؤلاء القوم لمّا صلحت قلوبُهم، فلم يبق فيها إرادةٌ لغير الله ريك،
صلحت جوارحُهم، فلم تتحرّك إلا لله رَ، وبما فيه رضاه، والله تعالى أعلم.
ذكر ذلك كلّه ابن رجب تََّثُ(٢)، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
(المسألة التاسعة): قال أبو العبّاس القرطبيّ تَّثُ: ثم اعلم أن الله تعالى
خصّ جنس الحيوان بهذا العضو المسمّى بالقلب، وأودع فيه المعنى الذي
تنتظم به المصالح المقصودة من ذلك النوع، فتجد البهائم تدرك مصالحها،
(١) قال الترمذيّ كََّفُ: حديث حسن، وهو كما قال.
(٢) ((جامع العلوم والحكم)) ٢١٠/١ - ٢١٤.

٧٤٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
ومنافعها، وتميّز بين مفاسدها ومضارّها، مع اختلاف أشكالها، وصُوَرها، إذ
منها ما يمشي على بطنه، ومنها ما يمشي على أربع، ومنها ما يطير بجناحيه،
ثم خصّ الله تعالى من بين سائر الحيوان نوع الإنسان الذي هو المقصود الأول
من الكونين، والمعنيّ في العالمين بهذا القلب المخصوص المشتمل على هذا
المعنى المخصوص الذي به تميّز الإنسان، ووقع بينه وبين سائر الحيوان
الفرقان، وهو المعنى الذي به يفهم القلب المفهومات، ويحصل به على معرفة
الكلّيّات والجزئيّات، ويعرف به فَرقَ ما بين الواجبات، والجائزات،
والمستحيلات، وقد أضاف الله تعالى العقل إلى القلب، كما أضاف السمع إلى
الأذن، والإبصار إلى العين، فقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَمُمْ قُلُوبٌ
يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَِّ فِ
المُدُورِ
[الحجّ: ٤٦]، وهو ردّ على من قال من أهل الضلال: إن العقل
٤٦
في الدماغ، وهو قول من زلّ عن الصواب، وزاغ، كيف لا، وقد أخبرنا عن
محلّه خالقه القدير: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَيْرُ
﴾ [الملك: ١٤]، وقد
روي ذلك عن أبي حنيفة، وما أظنّها عنه معروفة.
وإذا فهمت أن الإنسان إنما شرّفه الله تعالى على سائر الحيوان بهذا
القلب، وأن هذا القلب لم يَشْرُف من حيث صورته الشكليّة، فإنها موجودة
لغيره من الحيوانات البهيميّة، بل من حيث هو مقرّ لتلك الخاصيّة الإلهيّة،
علمت أنه أشرف الأعضاء، وأعزّ الأجزاء؛ إذ ليس ذلك المعنى موجوداً في
شيء منها .
ثم إن الجوارح مسخّرةٌ له، ومطيعة، فما استقرّ فيه ظهر عليها، وعملت
على مقتضاه، إن خيراً فخيرٌ، وإن شرّاً فشرّ، وعند هذا انكشف لك معنى
قوله ويلي: ((إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه))، ولمّا
ظهر ذلك وجبت العناية بالأمور التي يصلح بها القلب؛ ليتّصف بها، وبالأمور
التي تفسد القلب؛ ليتجنّبها، ومجموع ذلك علومٌ، وأعمالٌ، وأحوال:
فالعلوم ثلاثة :
[الأول]: العلم بالله تعالى، وصفاته، وأسمائه، وتصديق رسله فيما
جاؤوا به.