Indexed OCR Text

Pages 701-720

٧٠١
(٤٠) - بَابُ لَعْنِ آكِلِ الرِّبًا - حديث رقم (٤٠٨٥)
المعطي: المعين عليه، وكاتبه: الذي يكتب وثيقته، وشاهداه: من يتحمَّل
الشهادة بعقده، وإن لم يؤدها، وفي معناه: من حضره فأقرَّه، وإنما سوَّى بين
هؤلاء في اللعنة؛ لأنه لم يحصل عقد الرِّبا إلا بمجموعهم، ويجب على
السلطان إذا وقع له أحد من هؤلاء أن يُغلِّظ العقوبة عليهم في أبدانهم
بالضرب، والإهانة، وبإتلاف مال الربا عليهم بالصدقة به، كما يفعل بالمسلم
إذا أجّر نفسه في عمل الخمر، فإنه يتصدَّق بالأجرة، وبثمن الخمر إذا باعها،
ويدلّ على صحة ما ذكرناه قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَواْ﴾ [البقرة: ٢٧٦]؛ أي:
يفسخ عقده، ويرفع بركته، وتمام المحق بإتلاف عينه. انتهى(١).
(قَالَ: قُلْتُ) السائل إبراهيم، والمسؤول علقمة، بيّن ذلك النسائيّ، فقد
أخرجه في ((الكبرى)) (٣٠٦/٦) من طريق المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن
مغيرة، عن إبراهيم قال: قلت لعلقمة: أقال عبد الله: لَعَنَ النبيّ ◌َّ آكل الربا،
وموکله، وشاهدیه، وکاتبه؟ قال: آكل الربا، وموكله، قلت: وشاهدیه،
وكاتبه؟ قال: إنما نُحَدِّث بما سمعنا. انتهى.
(وَكَاتِيَهُ، وَشَاهِدَيْهِ؟) يعني هل كان في الحديث لعن كاتبه، وشاهديه؟ وإنما
سأل عنه لأنه مذكور في حديث عبد الله ظبه في رواية غير علقمة، كما سأبيّنه.
(قَالَ) علقمة (إِنَّمَا نُحَدِّثُ) بالبناء للفاعل (بِمَا سَمِعْنَا) أي: من ابن
مسعود ره، يعني أنه لم يسمع منه إلا قوله: (لعن رسول الله وَلّ آكل الربا،
وموكله)) فقط، فلا يُحدّث إلا بالذي سمعه منه، وقد سمعه غيره، فقد أخرج
الحديث الترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، من طريق سماك بن حرب، عن
عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن ابن مسعود، قال: ((لعن رسول الله والهم
آكل الربا، وموكله، وشاهدیه، وكاتبه))، قال الترمذيّ: حديث حسن
صحيح(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((المفهم)) ٤/ ٥٠٠.
(٢) إنما صححه الترمذيّ مع أن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود مختلف في سماعه
من أبيه؛ لأنه لم ينفرد به، فقد رواه الحارث الأعور، عن ابن مسعود، عند أحمد
في ((مسنده))، والحارث وإن تُكلّم فيه إلا أنه يصلح للمتابعة، وأيضاً للحديث شاهد=

٧٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود به هذا من أفراد
المصنّف تَخَذْتُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠٨٥/٤٠] (١٥٩٧)، و(أبو داود) في ((البيوع))
(٣٣٣٣)، و(الترمذيّ) في ((البيوع)) (١٢٠٦)، و(النسائيّ) في ((الزينة)) (١٤٧/٨
و١٤٨) و((الكبرى)) (٣٢٦/٣ و٤٢٣/٥ و٤٢٤ و٣٠٦/٦)، و(ابن ماجه) في
((التجارات)) (٢٢٧٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٩٣/١ و٣٩٤ و٤٠٢ و٤٥٣)،
و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٤٦/٢)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٨/٤)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٤٤/٨ و٣٩٩/١١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣/
٣٩٥)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٥٤٥/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٥٪
٢٧٥) و((الصغرى)) (٢٦/٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم الربا، وأنه فعل مذموم يستحقّ فاعله اللعن
والطرد عن رحمة الله تعال﴾ .
٢ - (ومنها): أن آكل الربا، ومؤكله، وكاتبه، وشاهديه كلهم ملعون
بسبب تعاونهم على الإثم والعدوان.
٣ - (ومنها): تحريم كتابة المبايعة بين المترابيين، وكذا الشهادة عليهما .
٤ - (ومنها): تحريم الإعانة على الباطل، وهو معنى ما جاء في الآية:
من حديث جابر
الآتي بعد هذا.
=
ثم وجدت تابعه مسروق، فقد أخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه)) (٨/٤) (٢٢٥٠)
قال تخلفه: حدّثنا علي بن سهل الرمليّ، حدّثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن
عبد الله بن مرّة، عن مسروق، قال: قال عبد الله: ((آكل الربا، وموكله، وشاهداه،
إذا علماه، والواشمة، والمستوشمة، ولاوي الصدقة، والمرتد أعرابيّاً بعد الهجرة،
ملعونون على لسان محمد 18 يوم القيامة)). انتهى.

٧٠٣
(٤٠) - بَابُ لَعْنِ آكِلِ الرِّبًا - حديث رقم (٤٠٨٦)
﴿وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى اُلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ﴾ الآية [المائدة: ٢]، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٠٨٦] (١٥٩٨) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ،
وَهُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ:
لَعَنَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ آكِلَ الرِّبَا، وَمُوكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: ((هُمْ سَوَاءٌ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاح) الدُّولابِيّ، أبو جعفر البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٢٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٧/٥.
٢ - (هُشَيْمُ) بن بشير بن القاسم بن دينار السلميّ، أبو معاوية بن أبي
خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت١٨٣) وقد
قارب المائة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٣ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، تقدّم قريباً.
٤ - (جَابِرُ) بن عبد الله بن عمرو بن حرام ﴿ها، تقدّم أيضاً قريباً.
والباقيان ذُكرا في السند الماضي، والباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف رَُّهُ، وهو
(٢٧٣) من رباعيّات الكتاب، وشرح الحديث، وفوائده تقدّمت في الحديث
الماضي.
وقوله: (هُمْ سَوَاءٌ) قال النوويّ كَّتُهُ: هذا تصريح بتحريم كتابة المبايعة
بين المترابيين، والشهادة عليهما، وفيه تحريم الإعانة على الباطل، والله أعلم.
انتھی(١).
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر ته هذا من أفراد المصنّف نَظّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٦/١١.

٧٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠٨٦/٤٠] (١٥٩٨)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٣٠٤/٣)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (١٦٣/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(٣٩٥/٣)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٧٧/٣ و٤٥٩)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٢٧٥/٥) و((الصغرى)) (٢٦/٥)، و(البغويّ) في ((تفسيره)) (٢٦٣/١)،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اُلْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَغْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٤١) - (بَابُ أَخْذِ الْحَلَالِ، وَتَرْكِ الشُّبُهَاتِ)
(الشبهات)) - بضمّتين، أو بضمّ، فسكون: هي الأمور الملتبسات، قال
الفيّوميّ تَخْتُ: واشتبهت الأمور، وتشابهت: التبست، فلم تتميّز، ولم
تظهر، ومنه: اشتبهت القبلة، ونحوها، والشُّبْهَة في العقيدة: المأخذُ
الملبَّسُ، سُمّيت شبهة؛ لأنها تشبه الحقّ، والشبهة: الْعُلْقَة، والجمع فيهما
شُبَةٌ، وشُبُهات، مثلُ غُرْفة، وغُرَف، وغُرُفات، قال: والاشتباه: الالتباس.
انتھی(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٤٠٨٧] (١٥٩٩) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرِ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا
أَبِي، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنٍ بَشِيرٍ، قَالَّ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ - وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ -: ((إِنَّ الْحَلَالَ
بَيِّنْ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ، لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى
الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي
يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكِ حِمَّىَ، أَا وَإِنَّ
حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ،
وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ))).
(١) ((المصباح المنير)) ٣٠٣/١ - ٣٠٤.

٧٠٥
(٤١) - بَابُ أَخْذِ الْحَلَالِ، وَتَرْكِ الشُُّهَاتِ - حديث رقم (٤٠٨٧)
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرِ الْهَمْدَانِيُّ) أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ
حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ سُنيّ، صاحب
حديث، من كبار [٩] (ت١٩٩) وله (٨٤) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٣ - (زَكَرِيَّاءُ) بن أبي زائدة خالد، أو هُبيرة بن ميمون بن غَيْروز الْهَمْدانيّ
الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ يُدلّس [٦] (ت٧ أو ٨ أو ١٤٩) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٤٤٩/٨٣.
٤ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ مشهور فاضلٌ
[٣] مات بعد المائة، وله نحو من ثمانين سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٥ - (النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ) بن سعد بن ثعلبة الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ
ابن الصحابيّ ﴿يَا، سكن الشام، ثم ولي إمرة الكوفة، ثم قُتل بحمص سنة
(٦٥) وله (٦٤) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٥٢٢/٩٧.
[تنبيه] من لطائف هذا الإسناد: أنه مسلسلٌ بالكوفيين، وقد دخل النعمان
الكوفة، وولي إمرتها، وفيه رواية الراوي عن أبيه، وصحابيّه ابن صحابيّ
.
شرح الحديث:
(عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شَرَاحيل الفقيه المشهور (عَنِ الثَّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ)
(يَقُولُ) وفي رواية عون بن عبد الله،
(قَالَ) الشعبيّ (سَمِعْتُهُ) أي: النعمان
عن الشعبيّ الآتية: ((أنه سمع نعمان بن بشير، وهو يخطب الناس بحمص))،
ولأبي عوانة في ((صحيحه)) من طريق أبي حَرِيز - وهو بفتح الحاء المهملة،
وآخره زاي - عن الشعبيّ؛ أن النعمان بن بشير خَطَب به بالكوفة.
قال في ((الفتح)): ويُجْمَع بينهما بأنه سَمِع منه مرتين، فإنه وَلِي إمرة
البلدين، واحدةً بعد أخرى (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ - وَأَهْوَى النُّعْمَانُ
بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ - ) قال في ((الفتح)): وفي هذا ردّ لقول الواقديّ، ومن تبعه:
إن النعمان لا يصح سماعه من رسول الله و4#، وفيه دليل على صحة تحمل
الصبيّ المميِّز؛ لأن النبيّ وَّي مات، وللنعمان ثمان سنين، وزكرياء موصوف

٧٠٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
بالتدليس، قال الحافظ: ولم أره في ((الصحيحين))، وغيرهما من روايته عن
الشعبيّ إلّا معنعناً، ثم وجدته في ((فوائد ابن أبي الهيثم)) من طريق يزيد بن
هارون، عن زكريا، حدّثنا الشعبيّ، فحَصَل الأمن من تدليسه. انتهى(١).
[فائدة]: اذَّعَى أبو عمرو الدانيّ أن هذا الحديث لم يروه عن النبيّ
وَيُـ
غير النعمان بن بشير ﴿ًا، قال الحافظ: فإن أراد من وجه صحيح فمُسَلَّم،
وإلا فقد رويناه من حديث ابن عمر، وعمّار، في ((الأوسط)) للطبرانيّ، ومن
حديث ابن عباس في ((الكبير)) له، ومن حديث واثلة في ((الترغيب)) للأصبهانيّ،
وفي أسانيدها مَقالٌ.
واذَّعَى أيضاً أنه لم يروه عن النعمان غير الشعبيّ، وليس كما قال، فقد
رواه عن النعمان أيضاً خيثمة بن عبد الرحمن، عند أحمد وغيره، وعبد الملك بن
عُمير عند أبي عوانة وغيره، وسماك بن حرب، عند الطبرانيّ، لكنه مشهور عن
الشعبيّ، رواه عنه جمع جَمٌّ، من الكوفيين، ورواه عنه من البصريين عبد الله بن
عون، وقد ساق البخاريّ إسناده في ((البيوع))، ولم يسق لفظه، وساقه أبو
داود، وسنشير إلى ما فيه من فائدة - إن شاء الله تعالى. انتهى كلام
الحافظ تخذلهُ .
قال الجامع عفا الله عنه: رواية عبد الله بن عون هي الرواية الآتية
للمصنّف بعد حديثين، وسنتكلّم عليها هناك - إن شاء الله تعالى -.
((إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ) أي: في عينهما، ووصفهما بأدلّتهما
الظاهرة، قال القرطبيّ تَّثُ: يعني أن كل واحد منهما مُبَيَّن بأدلته في كتاب الله
تعالى، وسنّة رسوله ﴿ تأصيلاً وتفصيلاً، فمن وقف على ما في الكتاب
والسُّنة من ذلك وجد فيهما أموراً جلية التحليل، وأموراً جلية التحريم، وأموراً
مترددة بين التحليل والتحريم، وهي التي تتعارض فيها الأدلة، فهي
(٢)
المتشابهات. انتهى
وقال النوويّ ◌َّلُهُ: قوله وَ﴿: ((الحلال بَيِّنٌ، والحرام بَيِّنٌ))، فمعناه: أن
(١) ((الفتح)) ٢٢٨/١ ((كتاب الإيمان)) رقم (٥٢).
(٢) ((المفهم)) ٤٨٨/٤.

٧٠٧
(٤١) - بَابُ أَخْذِ الْحَلَالِ، وَتَرْكِ الشُّبُهَاتِ - حديث رقم (٤٠٨٧)
الأشياء ثلاثة أقسام: حلال بَيِّنٌ واضحٌ لا يخفى حِلّه؛ كالخبز، والفواكه،
والزيت، والعسل، والسمن، ولبن مأكول اللحم، وبيضه، وغير ذلك من
المطعومات، وكذلك الكلام، والنظر، والمشي، وغير ذلك من التصرفات فيها
حلال بَيِّن واضح، لا شكّ في حله، وأما الحرام الْبَيِّنُ؛ فكالخمر، والخنزير،
والميتة، والبول، والدم المسفوح، وكذلك الزنى، والكذب، والغيبة،
والنميمة، والنظر إلى الأجنبية، وأشباه ذلك، وأما المشتبهات، فمعناه أنها
ليست بواضحة الحلّ، ولا الحرمة، فلهذا لا يعرفها كثير من الناس، ولا
يعلمون حكمها، وأما العلماء فيعرفون حكمها بنصّ، أو قياس، أو
استصحاب، أو غير ذلك. انتهى(١).
(وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ) بوزن مُفْتَعِلات بتاء مفتوحة، وعين خفيفة مكسورة،
والمعنى: أنها موحّدة اكتَسَبت الشَّبَهَ من وجهين متعارضين، ووقع في بعض
روايات البخاريّ بلفظ: ((مشَبَّهات)) بتشديد الموحّدة المفتوحة؛ أي: شُبّهت
بغيرها مما لم يتبيّن به حكمها على التعيين، وفي رواية الدارميّ: ((وبينهما
متشابهات)).
(لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) أي: لا يعلم حكمهنّ، وجاء واضحاً في
رواية الترمذيّ بلفظ: ((لا يدري كثير من الناس أمن الحلال هي، أم من
الحرام؟))، ومفهوم قوله: ((كثيرٌ)) أن معرفة حكمها ممكن، لكن للقليل من
الناس، وهم المجتهدون، فالشبهات على هذا في حقّ غيرهم، وقد تقع لهم
حيث لا يظهر لهم ترجيح أحد الدليلين، قاله في ((الفتح))(٢).
وقال القرطبيّ تَُّهُ: قوله: ((لا يعلمهنّ كثير من الناس)) أي: لا يعلم
حكمهنّ من التحليل والتحريم، وإلا فالذي يعلم الشبهة يعلمها من حيث إنها
مشكلة؛ لترددها بين أمور محتملة، فإذا عَلِمَ بأي أصل تُلحَق زال كونها شبهة،
وكانت إما من الحلال، أو من الحرام، وفيه دليلٌ: على أن الشبهة لها حكم
خاصّ بها، عليه دليل شرعيّ، يمكن أن يصل إليه بعض الناس، فمن ظَفِرَ به
فهو المصيب كما بيّناه، في الأصول.
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٧/١١ - ٢٨.
(٢) ((الفتح)) ٢٢٩/١.

٧٠٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
قال: وقد اختُلِف في حكمها، فقيل: مواقعتها حرام؛ لأنها توقع في
الحرام، وقيل: مكروهة، والورع تركها، وقيل: لا يقال فيها واحد منهما،
والصواب الثاني؛ لأن الشرع قد أخرجها من قسم الحرام، فلا توصف
به، وهي مما يرتاب فيه، وقد قال وَ﴿: ((دَعْ ما يَرِيبك إلى ما لا
يَرِيبك))، وهذا هو الورع، وقد قال فيها بعض الناس: إنها حلال ويُتَورَّع
عنها .
قال القرطبيّ: وليست بعبارة صحيحة؛ لأن أقل مراتب الحلال أن يستوي
فعله وتركه، فيكون مباحاً، وما كان كذلك لم يُتَصَّور فيه الورع من حيث هو
متساوي الطرفين، فإنَّه إن ترجَّح أحد طرفيه على الآخر خرج عن كونه مباحاً،
وحينئذ يكون تركه راجحاً على فعله، وهو المكروه، أو فعله راجحاً على تركه،
وهو المندوب.
[فإن قيل]: فهذا يؤدِّي إلى رفع معلوم من الشرع، وهو: أن النبيّ وَّو
والخلفاء بعده، وأكثر أصحابه ﴿ه كانوا يزهدون في المباح، فإنَّهم رَفَضُوا
التنعم بأكل الطيبات من الأطعمة، ويلباس اللَّين الفاخر من الملابس، وبسكنى
المباني الأنيقة من المساكن، ولا شك في إباحة هذه الأمور، ومع هذا فآثروا
أكل الخشن، ولباس الخشن، وسكنى الطين واللّبن، وكل هذا معلوم من
حالهم، منقول من سيرتهم.
فالجواب أن تركهم التنعم بالمباح لا بدّ له من موجب شرعيّ أوجب
ترجيح الترك على الفعل، وحينئذ يلزم عليه خروج المباح عن كونه مباحاً، فإن
حقيقته التساوي من غير رجحان، فلم يزهدوا في مباح، بل في أمرٍ تَرْكُهُ خيرٌ
من فعله شرعاً، وهذه حقيقة المكروه. فإذاً إنما زهدوا في مكروه، غير أن
المكروه تارة يكرهه الشرع من حيث هو، كما كره لحوم السِّباع، وتارة يكرهه
لما يؤدِّي إليه، كما يكره القبلة للصَّائم، فإنها تُكره لِمَا يُخاف منها من فساد
الصوم، وتركهم للتنعم من هذا القبيل، فإنَّه انكشف لهم من عاقبته ما خافوا
على نفوسهم منه مفاسد إما في الحال، كالرُّكون إلى الدنيا، وإما في المآل
كالحساب عليه، والمطالبة بالشكر، وغير ذلك ممَّا ذُكر في كتب الزهد، وعلى

٧٠٩
(٤١) - بَابُ أَخْذِ الْحَلَالِ، وَتَرْكِ الشُّبُهَاتِ - حديث رقم (٤٠٨٧)
هذا فقد ظهر ولاح: أنهم لم يزهدوا ولا تورعوا عن مباح. انتهى (١).
وقال النوويّ تَخْتُ: معنى قوله: ((لا يعلمهنّ كثير من الناس)) أنها ليست
بواضحة الحلّ، ولا الحرمة، فلهذا لا يعرفها كثير من الناس، ولا يعلمون
حكمها، وأما العلماء فيعرفون حكمها بنصّ، أو قياس، أو استصحاب، أو غير
ذلك، فإذا تردد الشيء بين الحلّ والحرمة، ولم يكن فيه نصّ، ولا إجماع،
اجتَهَدَ فيه المجتهد، فألحقه بأحدهما بالدليل الشرعيّ، فإذا ألحقه به صار
حلالاً، وقد يكون دليله غير خال عن الاحتمال البيّن، فيكون الورع تركه،
ويكون داخلاً في قوله وَلّى: ((فمن اتقى الشبهات، فقد استبرأ لدينه وعرضه))،
وما لم يَظهر للمجتهد فيه شيء، وهو مشتبه، فهل يؤخذ بحله، أم بحرمته، أم
يُتَوَقَّف فيه؟ ثلاثة مذاهب، حكاها القاضي عياض وغيره، والظاهر أنها مُخَرَّجة
على الخلاف المذكور في الأشياء قبل ورود الشرع، وفيه أربعة مذاهب:
الأصح أنه لا يُحكم بحلّ، ولا حرمةُ ولا إباحة، ولا غيرها؛ لأن التكليف
عند أهل الحقّ لا يثبت إلا بالشرع، والثاني أن حكمها التحريم، والثالث
الإباحة، والرابع التوقف، والله أعلم. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الأرجح القول بالإباحة في المنافع،
وبالتحريم في المضارّ؛ لقوله تعالى في معرض الامتنان: ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِى
اُلْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ الآية [البقرة: ٢٩]، ولا يمتنّ الله تعالى إلا بما أباحه، ولِمَا صحّ
من قوله ◌َ﴾: ((لا ضَرَر، ولا ضِرار))، حديث صحيح، رواه أحمد، وغيره؛
أي: لا يجوز في ديننا إلحاق الضرر بنفسه، أو بغيره، والله تعالى أعلم.
وقال في ((الفتح)): واختُلِف في حكم الشبهات، فقيل: التحريم، وهو
مردودٌ، وقيل: الكراهة، وقيل: الوقف، وهو كالخلاف فيما قبل الشرع.
وحاصل ما فسّر به العلماء الشبهات أربعة أشياء:
[أحدها]: تعارض الأدلة، كما تقدم.
[ثانيها]: اختلاف العلماء، وهي منتزعة من الأولى.
[ثالثها]: أن المراد بها مسمى المكروه؛ لأنه يجتذبه جانبا الفعل والترك.
(١) ((المفهم)) ٤٨٨/٤ - ٤٨٩.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢٧/١١ - ٢٨.

٧١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
[رابعها]: أن المراد بها المباح، ولا يمكن قائل هذا أن يَحمله على
متساوي الطرفين من كل وجه، بل يمكن حمله على ما يكون من قسم خلاف
الأولى، بأن يكون متساوي الطرفين، باعتبار ذاته، راجح الفعل أو الترك
باعتبار أمر خارج.
ونقل ابن الْمُنَيِّر في مناقب شيخه القباريّ عنه أنه كان يقول: المكروهُ
عقبة بين العبد والحرام، فمن استكثر من المكروه تطرَّق إلى الحرام، والمباحُ
عقبة بينه وبين المكروه، فمن استكثر منه تطرّق إلى المكروه، وهو مَنْزَعُ حسن،
ويؤيِّده رواية ابن حبان من طريقٍ، ذَكَر مسلم إسنادها، ولم يسق لفظها، فيها
من الزيادة: ((اجعلوا بينكم وبين الحرام سُترة من الحلال، مَن فعل ذلك استبرأ
لعرضه ودينه، ومن أرتع فيه كان كالمرتع إلى جنب الحمى، يوشك أن يقع
فیه)) .
والمعنى أن الحلال حيث يُخشى أن يؤول فعله مطلقاً إلى مكروه، أو
محرّم ينبغي اجتنابه، كالإكثار مثلاً من الطيبات، فإنه يُحوج إلى كثرة الاكتساب
الموقع في أخذ ما لا يستحق، أو يفضي إلى بطر النفس، وأقلّ ما فيه
الاشتغال عن مواقف العبودية، وهذا معلوم بالعادة، مشاهد بالعيان.
قال الحافظ: والذي يظهر لي رجحان الوجه الأول على ما سأذكره، ولا
يبعد أن يكون كلٌّ من الأوجه مراداً، ويختلف ذلك باختلاف الناس، فالعالم
الفَطِن لا يخفى عليه تمييز الحكم، فلا يقع له ذلك إلا في الاستكثار من
المباح، أو المكروه، كما تقرر قبلُ، ودونه تقع له الشبهة في جميع ما ذُكر،
بحسب اختلاف الأحوال، ولا يخفى أن المستكثر من المكروه تصير فيه جُرأة
على ارتكاب المنهيّ في الجملة، أو يَحمله اعتياده ارتكابَ المنهيّ غير المحرم
على ارتكاب المنهيّ المحرم، إذا كان من جنسه، أو يكون ذلك لشبهة فيه،
وهو أن من تعاطى ما نُهِي عنه يصير مظلم القلب؛ لفقدان نور الورع، فيقع في
الحرام، ولو لم يختر الوقوع فيه.
ووقع عند البخاريّ في ((البيوع)) من رواية أبي فَرْوة، عن الشعبيّ في هذا
الحديث: ((فمن ترك ما شُبِّه عليه من الإثم، كان لِمَا استبان له أترك، ومن

٧١١
(٤١) - بَابُ أَخْذِ الْحَلَالِ، وَتَرْكِ الشُّبُهَاتِ - حديث رقم (٤٠٨٧)
اجترأ على ما يَشُكّ فيه من الإثم، أوشك أن يواقع ما استبان))، قال
الحافظ ◌َّتُهُ: وهذا يُرَجِّح الوجه الأول، كما أشرت إليه.
[تنبيه]: استَدَلّ به ابن المنير على جواز بقاء المجمل بعد النبيّ وَّ، قال
الحافظ: وفي الاستدلال بذلك نظرٌ، إلا إن أراد به أنه مُجْمَلٌ في حق بعض
دون بعض، أو أراد الردّ على منكري القياس، فَيَحْتَمِل ما قال، والله أعلم(١).
(فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ) بضمّ الموحّدة: جمع شُبُهة؛ أي: حَذِرَ منها، وفي
رواية للبخاريّ: ((فمن اتّقى المشبّهات))، قال في ((الفتح)): والاختلاف في
لفظها بين الرواة نظير التي قبلها. انتهى. (اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ) ((استبرأ)»
بالهمز، بوزن استَفْعَل، من البراءة؛ أي: بَرَأَ دينُهُ من النقص، وعِرْضُهُ من
الطعن فيه؛ لأن من لم يُعْرَف باجتناب الشبهات لم يَسْلَم لقول من يَطعن فيه،
وفيه دليل على أن من لم يتوق الشبهة في كسبه ومعاشه، فقد عَرَّض نفسه للطعن
فيه، وفي هذا إشارة إلى المحافظة على أمور الدين، ومراعاة المروءة(٢).
وقال ابن رجب تَّلُ: معنى (استبرأ)): طلب البراءة لدينه وعرضه مِنَ
النَّقْص والشَّين، والعِرْضُ: هو موضعُ المدح والذمِّ من الإنسان، وما يحصل له
بذكره بالجميل مدحٌ، وبذكره بالقبيح قدحٌ، وقد يكون ذلك تارةً في نفس
الإنسان، وتارةً في سلفه، أو في أهله، فمن اتَّقى الأمور المشتبهة واجتنبها،
فقد حَصَّنَ عِرْضَهُ مِنَ القَدح والشَّين الداخل على من لا يجتنبها، وفي هذا دليل
على أنَّ من ارتكب الشُّبهات، فقد عرَّض نفسه للقدح فيه والطّعن، كما قال
بعض السَّلف: من عرَّض نفسه للُّهم، فلا يلومنَّ من أساء به الظنَّ. انتهى كلام
ابن رجب كَذَثُ(٣).
وقال الطيبيّ تَخْذُ: قوله: ((استبرأ ... إلخ)) أي: احتاط لنفسه، وطلب
البراءة، وقال النوويّ: أي حَصَّل البراءة لدينه من الذّمّ الشرعيّ، وصان عِرضه
من كلام الطاعن، وقال في ((شرح السنّة)): فيه دليل على جواز الجرح
(١) ((الفتح)) ٢٢٩/١ - ٢٣٠.
(٣) ((جامع العلوم والحكم)) ٢٠٣/١ - ٢٠٤.
(٢) ((الفتح)) ٢٢٩/١.

٧١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
والتعديل، وأن من لم يتوقّ الشُّبَه في كسبه ومعاشه، فقد عرّض دينه، وعرّضه
للطعن. انتهى(١).
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه))
أي: من ترك ما يَشتبه عليه سَلِم دينه مما يفسده، أو ينقصه، وعرضه مما
يَشينه، ويَعيبه، فيسلم من عقاب الله وذمِّه، ويدخل في زمرة المتقين الفائزين
بثناء الله تعالى وثوابه، لكن لا يصحّ اتقاء الشبهات حتى تُعْرَف، ومعرفتها على
التعيين والتفصيل يستدعي تفصيلاً طويلاً، لكن نعقد فيه عقداً كليّاً يكون إن
شاء الله تعالى عن التفصيل مُغنياً، فنقول:
المكلف بالنسبة إلى الشرع: إما أن يترجح فعله على تركه، أو تركه على
فعله، أو لا يترجح واحد منهما، فالراجح الفعل أو الترك؛ إما أن يجوز نقيضه
بوجه ما، أو لا يجوز نقيضه، فإن لم يجز نقيضه فهو المعلوم الحكم من
التحليل؛ كحِلِّيةِ لحوم الأنعام، أو من التحريم؛ كتحريم الميتة والخنزير على
الجملة، فهذان النوعان هما المرادان بقوله: ((الحلال بيِّن، والحرام بيِّن))، وأما
إن جُوِّز نقيض ما ترجَّح عنده: فإمَّا أن يكون ذلك التجويز بعيداً لا مستند له
أكثر من توهم، وتقدير، فلا يُلتَفت إلى ذلك، ويُلغى بكل حال، وهذا كترك
النكاح من نساء بلدة كبيرة مخافة أن يكون له فيها ذات محرم من النسب أو
الرِّضاع، أو كترك استعمال ماء باق على أوصافه في فلاة من الأرض مخافة
تقدير نجاسة وقعت فيه، أو كترك الصلاة على موضع لا أثر، ولا علامة
للنجاسة فيه، مخافة أن يكون فيها بول قد جفّ، أو كتكرار غسل الثوب مخافة
طروء نجاسة لم يشاهدها، إلى غير ذلك مما في معناه. فهذا النوع يجب ألا
يُلتَفت إليه، والتوقف لأجل ذلك التجويز هَوَسٌ، والورع فيه وسوسة شيطانية؛
إذ ليس فيه من معنى الشبهة شيء، وقد دخل الشيطان على كثير من أهل الخير
من هذا الباب، حتى يُعطِّل عليهم واجبات، أو يُنقص ثوابها لهم، وسبب
الوقوع في ذلك عدم العلم بالمقاصد الشرعية، وأحكامها .
قال في ((العمدة)): وقد حَكَى الشيخ عبد الله بن يوسف، والد إمام
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٠٩٩/٧.

٧١٣
(٤١) - بَابُ أَخْذِ الْحَلَالِ، وَتَرْكِ الشُّبُهَاتِ - حديث رقم (٤٠٨٧)
الحرمين عن قوم أنهم لا يلبسون ثياباً جُدُداً حتى يغسلوها؛ لما فيها ممن يعاني
قصر الثياب، ودقّها، وتجفيفها، وإلقاءها وهي رطبة على الأرض النجسة،
ومباشرتها بما يغلب على الظنّ نجاسته من غير أن يُغسل بعد ذلك، فاشتد
نكيره عليهم، وقال: هذه طريقة الخوارج الحروريّة، أبلاهم الله تعالى بالغلق
في غير موضع القلق، وبالتهاون في موضع الاحتياط، وفاعل ذلك معترض
على أفعال النبيّ وَ﴿ والصحابة، والتابعين، فإنهم كانوا يلبسون الثياب الجدد
قبل غسلها، وحال الثياب في أعصارهم كحالها في أعصارنا، ولو أمر
رسول الله وَقو بغسلها ما خفي؛ لأنه مما تعمّ به البلوى.
وذكر أيضاً أن قوماً يغسلون أفواههم إذا أكلوا الخبز؛ خوفاً من روث
الثيران عند الدياس، فإنها تقيم أياماً في المداسة، ولا يكاد يخلو طحينٌ عن
ذلك، قال: وهذا غلوّ، وخروج عن عادة السلف، وما روي عن أحد من
الصحابة والتابعين أنهم رأوا غسل الفم من ذلك. انتهى، ذكر حكايةَ الجوينيّ
العينيُّ كَُّ(١).
قال القرطبيّ: [فإن قيل]: كيف يقال هذا، وقد فعل النبيّ وَلّ مثل ذلك
لَمّا دخل بيته، فوجد فيه تمرة، فقال: ((لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة
لأكلتها))، ودخول الصدقة بيت رسول الله وَل و بعيد؛ لأنها كانت محرمة عليه
وعلى آله، لكنه راعى الاحتمال البعيد، والاحتمالات في الصور التي ذكرتم
ليس بأبعد من هذا الاحتمال، فما وجه الانفصال؟
[قلنا]: لا نسلّم أن ما توقعه النبيّ وَّ ﴾ كان بعيداً؛ لأنهم كانوا يأتون
بصدقات التَّمر للمسجد، وحجرته متصلة بالمسجد، فتوقع أن يكون صبيّ أو
من يغفل عن ذلك يدخل التمرة من الصدقة في البيت، فاتقى ذلك؛ لِقُربه
بحسب ما ظهر له مِمَّا قرب ذلك التقدير، وليس من تلك الصور في شيء؛
لأنها خلية عن الأمارات، وإنما هي محض تجويزات.
وأما إن كان ذلك التجويز له مستند معتبر بوجه ما، فالأصل العمل
بالراجح، والورع الترك إن لم يلزم منه ترك العمل بترك بالراجح.
(١) ((عمدة القاري)) ٣٤٤/١ - ٣٤٥.

٧١٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
وبيانه بالمثال، وهو: أن جلد الميتة لا يطهره الدباغ في مشهور مذهب
مالك، فلا يجوز أن يستعمل في شيء من المائعات؛ لأنها تَنْجَس إلا الماء
وحده، فإنه يدفع النجاسة عن نفسه؛ لأنه لا ينجس إلا إذا تغيَّر، هذا الذي
ترجّح عنده، ثم إنه اتقى الماء في خاصة نفسه.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي نقله القرطبيّ تَخَّلُ من أن جلد الميتة
لا يطهر بالدباغ خلاف السنة الصحيحة الصريحة: ((أيما إهاب دُبغ، فقد
طهُر))(١)، فلا يُلتَفت إليه، فتنبّه، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى
سواء السبيل.
قال: ونحو ذلك حُكي عن أبي حنيفة أو سفيان الثوريّ أنه قال: لَأَنْ
أخرَّ من السَّماء أهون عليَّ من أن أفتي بتحريم قليل النبيذ، وما شربته قط، ولا
أشربه، فقد أعملوا الراجح في الفتيا، وتورعوا عنه في أنفسهم، وقد قال بعض
المحققين: من حكم الحكيم أن يوسع على المسلمين في الأحكام، ويضيق
على نفسه؛ يعني به ذلك المعنى.
ومنشأ هذا الورع الالتفات إلى مكان اعتبار الشرع ذلك المرجوح، وهذا
الالتفات ينشأ من القول: بأن المصيب واحد، وهو مشهور قول مالك، ومنه
مثار القول في مذهبه بمراعاة الخلاف، كما بينَّاه في الأصول، غير أن تلك
التجويزات المعتبرة - وإن كانت مرجوحة - فهي على مراتب في القرب والبعد،
والقوة والضعف، وذلك بحسب الموجب لذلك الاعتبار، فمنها ما يوجب
حزازة في قلب المتقي، ومنها ما لا يوجب ذلك، فمن لم يجد ذلك، فلا
ينبغي له أن يتوقف؛ لأنه يلتحق ذلك بالقسم الأول عنده، ومن وجد ذلك
توقف وتورَّع وإن أفتا المفتون بالرَّاجح؛ لقوله وَلاته: ((لا يبلغ العبد أن يكون من
المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به البأس))(٢)، وهنا يصدق قولهم(٣):
(١) حديث صحيح، أخرجه النسائيّ، وغيره.
(٢) أخرجه الترمذيّ رقم (٢٤٥١) وابن ماجه رقم (٤٢١٥) وهو ضعيف؛ لأن في سنده
عبد الله بن يزيد الدمشقيّ، وهو ضعيف.
(٣) بل هو حديث مرفوع من حديث وابصة بن معبد ئه، فقد أخرجه الإمام أحمد=

٧١٥
(٤١) - بَابُ أَخْذِ الْحَلَالِ، وَتَرْكِ الشُّبُهَاتِ - حديث رقم (٤٠٨٧)
استفت قلبك وإن أفتوك، لكن هذا إنما يصحّ ممن نوَّر الله قلبه بالعلم، وزيَّن
جوارحه بالورع، بحيث يجد للشبهة أثراً في قلبه، كما يحكى عن كثير من
سلف هذه الأمَّة، كما نقل عنهم في ((الحلية)) و((صفة الصفوة))، وغيرهما من
کتب ذلك الشأن.
وأما إن لم يترجح الفعل على الترك، ولا الترك على الفعل، فهذا هو
الأحق باسم الشبهة، والمتشابه؛ لأنه قد تعارضت فيه الأشباه، فهذا النوع
يجب فيه التوقف إلى الترجيح؛ لأن الإقدام على أحد الأمرين من غير رجحان
حكم بغير دليل، فيحرم؛ إذ لا دليل مع التعارض، ولعل الذي قال: إن الإقدام
على الشبهة حرام؛ أراد هذا النوع، والذي قال: إن ذلك مكروه؛ أراد النوع
الذي قبل هذا، والله أعلم. انتهى كلام القرطبيّ كَّتُهُ(١).
(وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ) قال في ((الفتح)): فيها أيضاً ما تقدّم من اختلاف
الرواة (وَقَعَ فِي الْحَرَامِ) قال التوربشتيّ تَظُْهُ: الوقوع في الشيء السقوط فيه،
وكلّ سقوط شديد يُعبّرَ عنه بذلك، وإنما قال: ((وقع في الحرام)) تحقيقاً لمداناته
الوقوع، كما يقال: من أتبع نفسه هواها، فقد هلك.
وقال الأشرف تَّقُهُ: إنما قال: (وقع في الحرام))، ولم يقل: يوشك أن
يقع تحقيقاً لمداناة الوقوع، كما يقال: من أتبع نفسه هواها، فقد هلك.
= في («مسنده)) ٢٢٨/٤ عن وابصة الأسديّ، قال: أتيت رسول الله وَّر، وأنا أريد أن
لا أدع شيئاً من البرّ والإثم إلا سألته عنه، وحوله عصابة من المسلمين، يستفتونه،
فجعلت أتخطاهم، فقالوا: إليك يا وابصة عن رسول الله وَالفقير، فقلت: دعوني،
فأدنوَ منه، فإنه أحب الناس إليّ أن أدنو منه، قال: ((دعوا وابصة، ادن يا وابصة))
مرتين، أو ثلاثاً، قال: فدنوت منه حتى قعدت بين يديه، فقال: ((يا وابصة
أخبرك، أو تسألني؟)) قلت: لا، بل أخبرني، فقال: ((جئت تسألني عن البرّ
والإثم))، فقال: نعم، فجمع أنامله، فجعل ینکت بهن في صدري، ويقول: ((يا
وابصة استفت قلبك، واستفت نفسك - ثلاث مرات - البرّ ما اطمأنّت إليه النفس،
والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس، وأفتوك))، وهو
حديث حسن لغيره، كما قال الشيخ الألبانيّ كَُّ في ((صحيح الترغيب والترهيب)).
(١) ((المفهم)) ٤٩١/٤ - ٤٩٢.

٧١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
قال الطيبيّ تَخُّْ: ولعلّ السرّ فيه أن حِمَى الأملاك حدوده محسوسة،
يُدركها كل ذي بصر، فيحترز أن يقع فيه، اللهمّ إلا أن يغفل، أو تغلبه الدابّة
الْجَمُوح، وأما حِمى ملك الأملاك، وهو محارمه، فمعقول صِرْفٌ، لا يدركه
إلا الألبّاء من ذوي البصائر، كما قال ◌َّ: ((لا يعلمهنّ كثير من الناس)) يحسب
أحدهم أنه يرتع حول الحمى - يعني الشبهات - إذا هو في وسط محارمه، ومن
ثَمّ ورد النهي في التنزيل عن القربان منها في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا
تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]؛ لأن قربانها هو الوقوع فيها. انتهى (١).
وقال القرطبيّ كَّثُ: قوله: ((وقع في الحرام)) وذلك يكون بوجهين:
[أحدهما]: أن من لم يتق الله تعالى، وتجرّأ على الشبهات، أَفْضَتْ به
إلى المحرمات بطريق اعتياد الجرأة، والتساهل في أمرها، فيحمله ذلك على
الجرأة على الحرام المحض؛ ولهذا قال بعض المتقين: الصغيرة تجر إلى
الكبيرة، والكبيرة تجر إلى الكفر، ولذلك قال وَلجر: ((المعاصي بريد الكفر))(٢)،
وهو معنى قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَأَنَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
[المطفّفين: ١٤].
[وثانيهما]: أن من أكثر من مواقعة الشبهات أظلم عليه قلبه، لفقدان نور
العلم، ونور الورع، فيقع في الحرام، ولا يشعر به، وإلى هذا النور الإشارة
بقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اَللَّهُ صَدْرَُ لِلْإِسْلَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّيِِّ،﴾ الآية [الزمر:
٢٢]، وإلى ذلك الإظلام الإشارة بقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ الَّهِ﴾
(٣) .
[الزمر: ٢٢]. انتهى
(كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى) قال الطيبيّ نَّثُ: «الحمى)» هو المرعى
الذي حماه الإمام، ومنع من أن يُرعَى فيه، وشبّه المحارم من حيث إنها
ممنوعة الوقوع فيها، والتخلّي لحدودها، واجبة التجنّب عن جوانبها وأطرافها
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢١٠٠/٧.
(٢) قال في ((كشف الخفا)): قال ابن حجر المكيّ في ((شرح الأربعين)): أظنه من قول
السلف، وقيل: إنه حديث.
(٣) ((المفهم)» ٤٩٣/٤.

٧١٧
(٤١) - بَابُ أَخْذِ الْحَلَالِ، وَتَرْكِ الشُّبُهَاتِ - حديث رقم (٤٠٨٧)
بحِمَى السلطان، وكما يَحتاط الراعي، ويتحرّز عن مقاربة الحمى؛ حَذَراً عن
أن تتخطّاه ماشيته، فيَتعرّض لسخط السلطان، ويستوجب تأديبه، ينبغي أن
يتورّع المكلّف عن الشبهات، ويتجنّب عن مقاربتها، كيلا يقع في المحارم،
ويستحقّ به السخط العظيم، والعذاب الأليم، ولَمّا كان التورّع، والتهّك مما
يتبع ميلان القلب إلى الصلاح والفجور، نَبّه على ذلك بقوله: ((ألا وإن في
الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه))؛ ليُقبل المكلّف عليه، فيُصلحه،
ويَمنعه عن الانهماك في الشهوات، والإسراع إلى تحصيل المشتهيات، حتى لا
يتبادر إلى الشبهات، ولا يستعمل جوارحه في اقتراف المحرّمات. انتهى كلام
الطيبيّ ◌َّفُ(١)، وهو بحث نفيس، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ تَّتُهُ: هذا مَثَلٌ ضربه النبيّ وَّهِ لمحارم الله تعالى،
وأصله: أن ملوك العرب كانت تحمي مراعي لمواشيها الخاصّة بها، وتُحرَّجُ
بالتوعد بالعقوبة على من قربها، فالخائف من عقوبة السلطان يَبْعُد بماشيته من
ذلك الحمى؛ لأنه إن قرب منه فالغالب الوقوع فيه، وإن كثر الحذر؛ إذ قد
تنفرد الفاذّة، وتشذّ الشاذّة، ولا تنضبط، فالحذر أن يجعل بينه وبين ذلك
الحمى مسافة بحيث يَأْمَن فيها من وقوع الشاذّة والفاذّة، وكذلك محارم الله
تعالى، لا ينبغي أن يحوم حولها مخافة الوقوع فيها على الطريقتين المتقدمتين.
(٢)
انتھی(٢).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((كراعٍ يرعى ... إلخ)) جملة مستأنفة، وردت
على سبيل التمثيل؛ للتنبيه بالشاهد على الغائب، والحمى: الْمَحْمِيّ، أُطلق
المصدر على اسم المفعول، وفي اختصاص التمثيل بذلك نكتة، وهي أن ملوك
العرب كانوا يَحمون لمراعي مواشيهم أماكن مختصة يتوعدون من يرعى فيها
بغير إذنهم بالعقوبة الشديدة، فمثّل لهم النبيّ ◌َ ﴿ بما هو مشهور عندهم،
فالخائف من العقوبة المراقب لرضا الملك يَبْعُد عن ذلك الحمى؛ خشية أن تقع
مواشيه في شيء منه، فبُعْدُهُ أسلم له، ولو اشتدّ حَذَرُهُ، وغير الخائف المراقب
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٠٩٩/٧.
(٢) ((المفهم)) ٤/ ٤٩٣.

٧١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
يقرب منه، ويَرْعَى من جوانبه فلا يأمن أن تنفرد الفاذّة، فتقع فيه بغير اختياره،
أو يمحل المكان الذي هو فيه، ويقع الْخِصب في الحمى، فلا يملك نفسه أن
يقع فيه، فالله ◌َلَ هو الملك حقّاً، وحِماه محارمه.
[تنبيه]: قال الحافظ تَقّتُهُ: ادَّعَى بعضهم أن التمثيل من كلام الشعبيّ،
وأنه مدرج في الحديث، حَكَى ذلك أبو عمرو الداني، ولم أقف على دليله الا
ما وقع عند ابن الجارود، والإسماعيليّ من رواية ابن عون، عن الشعبيّ، قال
ابن عون في آخر الحديث: لا أدري المثل من قول النبيّ وَلّ، أو من قول
الشعبيّ؟
قال الحافظ: وتردُّد ابن عون في رفعه لا يستلزم كونه مُدرجاً؛ لأن
الأثبات قد جزموا باتصاله ورفعه، فلا يقدح شك بعضهم فيه، وكذلك سقوط
المثل من رواية بعض الرواة، كأبي فَرْوة، عن الشعبيّ لا يقدح فيمن أثبته؛
لأنهم حُفّاظ.
قال: ومما يقوِّي عدم الإدراج رواية ابن حبان الماضية، وكذا ثبوت
المثل مرفوعاً في رواية ابن عباس، وعمار بن ياسر أيضاً. انتهى(١).
(يُوشِك) بكسر الشين المعجمة، مضارع أوشك، يقال: يوشك أن يكون
كذا، وهي من أفعال المقاربة، والمعنى: الدنوّ من الشيء، قال الفارابيّ:
الإيشاك: الإسراع، وقال النحاة: استعمال المضارع أكثر من الماضي،
واستعمال اسم الفاعل منها قليلٌ، وقال بعضهم: وقد استعملوا ماضياً ثلاثيّاً،
فقالوا: وَشُكَ، مثلُ قَرُبَ وُشْكاً، أفاده الفيّوميّ تَخَذُهُ(٢).
وقال القرطبيّ نَظُّهُ: معنى ((يوشك)) هنا: يقع في الحرام بسرعة.
(أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ) بفتح حرف المضارعة، والتاء، مضارع رَتَعَ، يقال: رَتَعَت
الماشية رَتْعاً، من باب نَفَعَ، ورُتُوعاً: رَعَتْ كيف شاءت، وأرتع الغيثُ إرتاعاً:
أنبت ما ترتع فيه الماشية، فهو مُرتِعٌ، والماشية رائعةٌ، والجمع رِتَاع بالكسر،
والْمَرْتَع بالفتح: موضع الرتوع، والجمع المراتع، قاله الفيّوميّ تَخَذُهُ(٣).
(١) ((الفتح)) ٢٣٠/١ - ٢٣١ ((كتاب الإيمان)) رقم (٥٢).
(٢) ((المصباح المنير)) ٢/ ٦٦١.
(٣) ((المصباح المنير)) ٢١٨/١.

٧١٩
(٤١) - بَابُ أَخْذِ الْحَلَالِ، وَتَرْكِ الشُّبُهَاتِ - حديث رقم (٤٠٨٧)
(أَلَا) أداة استفتاح وتنبيه، وقال الطيبيّ نَظّثُ: ((ألا)) مركبة من همزة
الاستفهام، وحرف النفي؛ إعطاء معنى التنبيه على تحقّق ما بعدها. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((ألا)) للتنبيه على صحة ما بعدها، وفي إعادتها
وتكريرها دليل على عِظَم شأن مدلولها. انتهى.
(وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكِ حِمَّى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ) وفي رواية للبخاريّ:
((ألا إن حمى الله في أرضه محارمه))، قال في ((الفتح)): والمراد بالمحارم فعل
المنهيّ المحرّم، أو ترك المأمور الواجب، ولهذا وقع في رواية أبي فَرْوة التعبير
بالمعاصي بدل المحارم. انتهى(٢).
(أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً) أي: قَدْرَ ما يُمْضَغ، وعَبّر بها هنا عن مقدار
القلب في الرؤية، وسُمِّي القلبُ قلباً؛ لتقلبه في الأمور، أو لأنه خالص ما في
البدن، وخالص كل شيء قلبه، أو لأنه وُضِع في الجسد مقلوباً، قاله في
((الفتح)).
وقال القرطبيّ تَخْلُهُ: المضغة: القطعة من اللحم، وهي قدر ما يَمضغه
الماضغ، يعني بذلك صغير جرمها، وعظيم قدرها. انتهى (٣).
(إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ) قال
القرطبيّ تَّثُ: رَوَيناه بفتح العين في الماضي، ومضارعُه يصح بضمها، وكذلك
مقابلها، وهي فسد، يفسد، ومعناه: إذا صارت تلك المضغة ذات صلاح أو
ذات فساد، وقد يقال: صَلُح، وفَسُد - بضم العين فيهما -: إذا صار الصلاح
أو الفساد هيئة لازمة لها، كما يقال: ظَرُف، وشَرُف. انتهى.
وقال في ((الفتح)): قوله: ((إذا صلحت، وإذا فسدت)) هو بفتح عينهما،
وتضمّ في المضارع، وحَكَى الفرّاء الضمّ في ماضي صَلُح، وهو يُضَمّ وفاقاً إذا
صار له الصلاح هيئة لازمة لشرف ونحوه، والتعبير بـ(إذا))؛ لتحقق الوقوع
غالباً، وقد تأتي بمعنى ((إِنْ)) كما هنا، وخَصَّ القلبَ بذلك؛ لأنه أمير البدن،
وبصلاح الأمير تصلح الرعية، وبفساده تفسد، وفيه تنبيه على تعظيم قدر
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٠٩٩/٧.
(٢) ((الفتح)) ٢٣١/١.
(٣) ((المفهم)) ٤٩٤/٤.

٧٢٠
البحر المحيط النجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
القلب، والحثّ على صلاحه، والإشارة إلى أن لطيب الكسب أثراً فيه،
والمراد: المتعلّق به من الفهم الذي ركبه الله فيه.
ويُسْتَدَلّ به على أن العقل في القلب، ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ
يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحجّ: ٤٦]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبُ﴾
[ق: ٣٧] قال المفسرون: أي عقل، وعبّر عنه بالقلب؛ لأنه محل استقراره.
[فائدة]: قال في ((الفتح)): لم تقع هذه الزيادة التي أوّلها: ((ألا وإن في
الجسد مضغةً)) إلا في رواية الشعبيّ، ولا هي في أكثر الروايات عن الشعبيّ،
إنما تفرد بها في ((الصحيحين)) زكريا بن أبي زائدة عنه، وتابعه مجاهد عند
أحمد، ومغيرة وغيره عند الطبرانيّ، وعَبَّر في بعض رواياته عن الصلاح
والفساد بالصحة والسقم، ومناسبتها لِمَا قبلها بالنظر إلى أن الأصل في الاتّقاء
والوقوع هو ما كان بالقلب؛ لأنه عماد البدن. انتهى(١).
وقوله: (أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ) قال القرطبيّ كَُّ: هذا اللفظ في الأصل
مصدر قَلَبْتُ الشيءَ، أقلبه قلباً: إذا رددته على بدأته، وقَلَبتُ الإناءَ: إذا رددته
على وجهه، وقلبتُ الرَّجُلَ عن رأيه: إذا صرفته عنه، وعن طريقه كذلك، ثم
نُقِل هذا اللفظ، فسُمِّي به هذا العضو الذي هو أشرف أعضاء الحيوان؛ لسرعة
الخواطر فيه، ولترددها عليه، وقد نظم بعض الفضلاء هذا المعنى فقال [من
البسيط]:
مَا سُمِّيَ الْقَلْبُ إِلَّ مِنْ تَقَلُّبِهِ
فَاحْذَرْ عَلَى الْقَلْبِ من قَلْبٍ وتَحْوِيلٍ (٢)
ثم لما نَقَلت العرب هذا المصدر لهذا العضو التَّزَمَت فيه تفخيم قافه؛
تفريقاً بينه وبين أصله، وليحذر اللبيب من سرعة انقلاب قلبه؛ إذ ليس بين
القلب والقلب إلا التفخيم، وما يعقلها إلا كل ذي فهم مستقيم. انتهى (٣)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((الفتح)) ٢٣١/١ - ٢٣٢.
(٢) وأنشده في ((لسان العرب))، و(تاج العروس)) هكذا:
مَا سُمِّيَ الْقَلْبُ إِلَّ مِنْ تَقَلُّبِهِ وَالرَّأَيُ يَصْرِفُ بِالإِنْسَانِ أَظْوَارًا
(٣) ((المفهم)) ٤٩٤/٤ - ٤٩٥.