Indexed OCR Text

Pages 661-680

٦٦١
(٣٩) - بَابُ بَيْعِ الطَّعَامِ مِثْلاً بِمِثْلٍ - حديث رقم (٤٠٧٣)
٦ - (بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ) مولى ابن الحضرميّ المدنيّ، ثقةٌ عابد جليلٌ [٢]
(ت١٠٠) (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٠١/٣١.
٧ - (مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن نافع بن نَضْلة بن عوف بن عُبيد بن عُويج بن
عَدِيّ بن كعب بن لؤيّ بن غالب القرشيّ، وهو معمر بن أبي معمر، وقيل غير
ذلك في نسبه.
أسلم قديماً، وهاجر إلى الحبشة.
رَوَى عن النبيّ ◌َّ﴾، وعن عمر بن الخطاب، وعنه سعيد بن المسيِّب،
وبُسر بن سعيد، وعبد الرحمن بن جُبير المصريّ، وعبد الرحمن بن عقبة
العدويّ مولاه.
قال ابن عبد البرّ: كان من شيوخ بني عديّ.
وجاء أنه حَلَق رأس رسول الله وَّ في حجة الوداع.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وله في هذا
الكتاب حديثان فقط، برقم (١٥٩٢)، و(١٦٠٥): ((من احتكر فهو خاطئ))،
وأعاده بعده.
لطائف هذا الاسناد:
(منها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، ونصفه الثاني بالمدنيين،
ومسلسلٌ بالتحديث والإخبار، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعي، وأن صحابيّه
من المقلّين من الرواية، ليس له في الكتب الستة إلا الحديثان المذكوران في
ترجمته، راجع: ((تحفة الأشراف)) (١).
شرح الحديث:
(عَنْ مَعْمَرٍ) بفتح الميمين، بينهما عين مهملة ساكنة (ابْنِ عَبْدِ اللهِ)
(أَنَّهُ أَرْسَلَ غُلَامَهُ)؛ أي: خادمه، قال صاحب ((التنبيه)): لا أعرف اسم هذا
الغلام. انتهى. (بِصَاعٍ قَمْح) بفتح القاف، وسكون الميم، آخره حاء مهملة:
هو البرّ (فَقَالَ: بِعْهُ، ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ)؛ أي: بثمنه (شَعِيراً، فَذَهَبَ الْغُلَامُ، فَأَخَذَ
(١) ((تحفة الأشراف)) ١٦٨/٨ - ١٦٩.

٦٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
صَاعاً)؛ أي: من الشعير (وَزِيَادَةَ بَعْضٍ صَاعٍ، فَلَمَّا جَاءَ مَعْمَراً أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ
لَهُ مَعْمَرٌ: لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ) أي: بيع صاع الَّقَمْح بصاع الشعير والزيادة (انْطَلِقْ)
أي: اذهب (فَرُدَّهُ، وَلَا تَأْخُذَنَّ إِلَّا مِثْلاً بِمِثْل) أي: لا تأخذ الشعير بالقَمح إلا
متماثلين في الكيل (فَإِنِّي كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلاً
بِمِثْلِ))، قَالَ) معمر ◌َبِهِ (وَكَانَ طَعَامُنَا يَوْمَئِذٍ) أي: يوم قول النبيّ وَّ: ((الَطعام
بالطَّعام ... )) (الشَّعِيرَ، قِيلَ لَهُ)؛ أي: لمعمر (فَإِنَّهُ) أي: الشعير (لَيْسَ بِمِثْلِهِ)
أي: مثل الْقَمْح، يعني أنه ليس من جنسه؛ أي: أن القمح والشعير جنسان
مختلفان، فلا يحرم فيهما التفاضل؛ لقوله وَلقول: ((فإذا اختَلَفت الأجناس، فبيعوا
كيف شئتم))، فلماذا تريد أن تفسخ هذا البيع؟ (قَالَ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُضَارِعَ)؛
أي: يشابه، ويشارك، ومعناه أخاف أن يكون في معنى المماثل، فيكون له
حكمه في تحريم الربا، واحتجّ مالك بهذا الحديث في كون الحنطة والشعير
صنفاً واحداً، لا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلاً، قال النوويّ: ومذهبنا،
ومذهب الجمهور أنهما صنفان، يجوز التفاضل بينهما؛ كالحنطة مع الأرز،
ودليلنا ما سبق عند قوله وَ﴾: «فإذا اختَلَفَت هذه الأجناس، فبيعوا كيف
شئتم))، مع ما رواه أبو داود، والنسائيّ في حديث عبادة بن الصامت عظاته أن
النبيّ وَّه قال: ((لا بأس ببيع البر بالشعير، والشعيرُ أكثرُهما يداً بيد)»، وأما
حديث مَعْمَر هذا فلا حجة فيه؛ لأنه لم يصرِّح بأنهما جنس واحد، وإنما خاف
من ذلك، فَتَوَرَّع عنه احتياطاً. انتهى(١).
وقال القرطبيّ تَّثُ: قد تقدَّم ذكر الخلاف في عدِّ البُرِّ والشعير صنفاً
واحداً بما يغني عن إعادته، لكنا نبيِّن في هذا الحديث أن حديث مَعْمَر لا
حجَّة فيه لأصحابنا، وإن كانوا قد أطبقوا على الاحتجاج به، ووجه ذلك أن
غايتهم في التمسك به أن يحتجوا بمذهب معمر، وهو قول صحابيّ، وهو أعلم
بالمقال، وأقعد بالحال.
قال: إن قول معمر هذا رأي منه، لا رواية، وما استَدَلّ به من قوله ◌َله:
((الطّعام بالطّعام)) لا حجَّة له فيه؛ لأنه إن حُمِل على عمومه لزم منه ألا يباع
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٠/١١.

٦٦٣
(٣٩) - بَابُ بَيْعِ الطَّعَامِ مِثْلاً بِمِثْلٍ - حديث رقم (٤٠٧٤)
التمر بالبُرِّ، ولا الشعير بالملح، إلا مثلاً بمثل، وذلك خلاف الإجماع، فظهر
أن المراد به الجنس الواحد من الطّعام، وقد بيَّن النبيّ ◌َّ الأجناس المختلفة
في حديث عبادة بن الصامت وغيره، وفصّلها واحداً واحداً، ففصل التمر عن
البر، والشعير عنه، ثم قال بعد ذلك: ((فإذا اختلفت الأصناف، فبيعوا كيف
شئتم))، ثم الظاهر من فُتيا معمر: إنما كانت منه تَقِيَّةً وخوفاً، ألا ترى نصّه،
حيث قال: إني أخاف أن يُضَارع؟! والحجَّة في قول النبيّ وََّ لا في قول
غيره. انتهى كلام القرطبيّ كَخْذُهُ(١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث معمر بن عبد الله رضيته هذا من أفراد
المصنّف تَخَذَتُهُ من بين الكتب الستّة.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠٧٣/٣٩] (١٥٩٢)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٤٠٠/٦ و٤٠١)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٤٤٧/٢٠)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٥٠١١)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٣٩٦/٣)، و(الطحاويّ) في
(شرح معاني الآثار)) (٣/٤)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٢٤/٣)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٢٨٣/٥)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٠٧٤] (١٥٩٣) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ، حَدَّثَنَا سَلَيْمَانُ
- يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ - عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحمَنِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ
سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يُحَدِّثُ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَأَبَا سَعِيدٍ حَدَّثَاهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَيهوى
بَعَثَ أَخَا بَنِي عَدِّ الأَنْصَارِيَّ، فَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى خَيْبَرَ، فَقَدِمَ بِتَمْرِ جَنِيبٍ، فَقَالَ لَهُ
رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((أَكُلُّ تَمْرٍ خَيْبَرَ هَكَذَا؟))، قَالَ: لَا، وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا
(١) ((المفهم)) ٤/ ٤٨٠ - ٤٨١.

٦٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
لَتَشْتَرِي الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ مِنَ الْجَمْعِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((لَا تَفْعَلُوا، وَلَكِنْ
مِثْلاً بِمِثْلٍ، أَوْ بِيعُوا هَذَا، وَاشْتَرُوا بِثَمَنِهِ مِنْ هَذَا، وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ، أبو
وهب، أو أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن عمه أبي سلمة بن عبد الرحمن، وابن عمه صالح بن إبراهيم بن
عبد الرحمن بن عوف، وسعيد بن المسيِّب، وعطاء بن أبي رباح، وأبي صالح
السمان، وغيرهم.
وروى عنه مالك، وسليمان بن بلال، وعبد الله بن سعيد بن أبي هند،
والمغيرة بن عبد الرحمن المخزوميّ، وابن أبي الزناد، وغيرهم.
قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقةٌ، وكذا قال النسائيّ، وقال أبو
حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن الْبَرْقِيّ: ثقة،
وقال الحاكم: شيخ من ثقات المدنيين، عزيز الحديث، وحَكَى ابن عبد البر أن
بعض الرواة عن مالك سمّاه عبد الحميد، ونَسَب ذلك ليحيى بن يحيى الليثيّ،
وعبد الله بن نافع، وعبد الله بن يوسف.
قال الحافظ: وهو في البخاريّ عن عبد الله بن يوسف: عبد المجيد
كالجمهور، والله أعلم.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب
ثلاثة أحاديث فقط، برقم (١٥٩٣) وأعاده بعده، و(٩٩٧(١)): ((دَبَّر رجل من
الأنصار غلاماً له ... ))، و(٣٠٢٤): ((تدري آخر سورة نزلت من القرآن؟ ... )).
٢ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) تقدّم قريباً.
والباقون تقدّموا قبل بابين.
لطائف هذا الإسناد:
أنه مسلسلٌ بالمدنيين، وفيه سعيد بن الْمُسيِّب من الفقهاء السبعة، وأن
(١) رقم مكرر.

٦٦٥
(٣٩) - بَابُ بَيْعِ الطَّعَامِ مِثْلاً بِمِثْلٍ - حديث رقم (٤٠٧٤)
صحابيه من المكثرين السبعة، فالأول روى (٥٣٧٤)، والثاني روى (١١٧٠)
حديثاً .
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ) - بميم مفتوحة، بعدها جيم - ومن قال: عبد الحميد
بالمهملة، ثم الميم، فقد صَحَّف، قاله في ((الفتح))(١). (ابْنِ سُهَيْلٍ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يُحَدِّثُ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) رَُّه
(وَأَبَا سَعِيدٍ) الخدريّ ◌َّهِ (حَدََّاهُ) قال ابن عبد البرّ: ذِكْرُ أبي هريرة لا يوجد
في هذا الحديث إلا لعبد المجيد، وقد رواه قتادة عن سعيد بن المسيِّب، عن
أبي سعيد وحده، وكذلك رواه جماعة من أصحاب أبي سعيد عنه، ورواية
قتادة أخرجها النسائيّ، وابن حبان من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، ولكن
سياقه مغاير لسياق قصة عبد المجيد، وسياق قتادة يشبه سياق عقبة بن
عبد الغافر، عن أبي سعيد، قاله في ((الفتح))(٢). (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَهُ بَعَثَ أَخَا
بَنِي عَدِيِّ الأَنْصَارِيَّ) وأخرجه أبو عوانة، والدارقطنيّ من طريق الدراورديّ، عن
عبد المجيد، فسمّاه سَوَاد بن غَزِيَّة، وهو بفتح السين المهملة، وتخفيف الواو،
وفي آخره دال مهملة، وغَزِيّة، بغين معجمة، وزاي، وتحتانية ثقيلة بوزن
عَطِيَّةٍ(٣). (فَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى خَيْبَرَ) وفي رواية البخاريّ من طريق الدراورديّ، عن
عبد المجيد بن سهيل: ((أن النبيّ ◌َّله بَعَث أخا بني عديّ، من الأنصار إلى
خيبر، فأَمَّره عليها)) (فَقَدِمَ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ) - بجيم، ونون، وتحتانية، وموخَّدة،
وزن عظيم - قال مالك: هو الْكَبِيسَ، وقال الطحاويّ: هو الطَّيِّب، وقيل:
الصَّلْب، وقيل: الذي أُخرج منه حشفه، ورديئه، وقال غيرهم: هو الذي لا
يُخلَط بغيره، بخلاف الجمع (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَ لخر) وفي بعض النسخ: ((فقال
له رسول الله وَلَ)) ((أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟)) الهمزة للاستفهام (قَالَ) ذلك الرجل
(لَا) أي: ليس هكذا (وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَنَشْتَرِي الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ) وفي
الرواية التالية: ((إنّا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة)) (مِنَ
(١) ((الفتح)) ٦٧٧/٥.
(٣) ((الفتح)) ٦٧٨/٥.
(٢) ((الفتح)) ٦٧٧/٥.

٦٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
الْجَمْعِ) - بفتح الجيم، وسكون الميم -: التمر المختلط، قاله في ((الفتح))،
وقال النوويّ تَخْثُ: هو تمر رديء، وقد فسّره في الرواية الأخيرة بأنه الْخِلْط
من التمر، ومعناه: مجموع من أنواع مختلفة. انتهى(١). (فَقَالَ رَسُولُ الهِ ◌ِلّهِ:
(لَا تَفْعَلُوا) أي: لا تبيعوا الصاع بالصاعين من جنس واحد (وَلَكِنْ مِثْلاً بِمِثْلٍ)
أي: بيعوا الجنس الواحد بعضه ببعض متماثلاً في الكيل (أَوْ بِيعُوا هَذَا) أيّ:
بيعوا الجمع بالدراهم (وَاشْتَرُوا بِثَمَنِهِ مِنْ هَذَا) أي: الجنيب.
قال النوويّ كَّلُهُ: هذا الحديث محمول على أن هذا العامل الذي باع
صاعاً بصاعين لم يعلم تحريم هذا؛ لكونه كان في أوائل تحريم الربا، أو لغير
ذلك، واحتَجَّ بهذا الحديث أصحابنا وموافقوهم في أن مسألة الْعِينة ليست
بحرام، وهي الحيلة التي يعملها بعض الناس توصلاً إلى مقصود الربا، بأن
يريد أن يعطيه مائة درهم بمائتين، فيبيعه ثوباً بمائتين، ثم يشتريه منه بمائة،
وموضع الدلالة من هذا الحديث أن النبيّ وَ ر قال له: ((بيعوا هذا، واشتروا
بثمنه من هذا»، ولم يُفَرِّق بين أن يشتري من المشتري، أو من غيره، فدَلّ على
أنه لا فرق، وهذا كله ليس بحرام عند الشافعيّ، وآخرين، وقال مالك،
وأحمد: هو حرام. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره النوويّ من كون بيع العينة جائزاً
عند الشافعيّ، سيأتي في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى - أن الصحيح ما
ذهب إليه مالك وأحمد من تحريمه، فتنبّه.
وقوله: (وَكَذَلِكَ الْمِیزَانُ») أي: لا يباع الموزون إلا مثلاً بمثل، فلا يباع
رطل برطلين.
قال النوويّ: هذا يستدل به الحنفية؛ لأنه ذَكَر في هذا الحديث الكيل
والميزان، وأجاب أصحابنا وموافقوهم بأن معناه: وكذلك الميزان لا يجوز
التفاضل فيه، فيما كان ربويّاً موزوناً. انتهى(٢).
وقال ابن عبد البرّ: كل من روى عن عبد المجيد هذا الحديث ذكر فيه
المیزان، سوى مالك. انتهى.
(١) ((شرح النوويّ)) ٢١/١١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢١/١١ -٢٢.

٦٦٧
(٣٩) - بَابُ بَيْعِ الطََّامِ مِثْلاً بِمِثْلٍ - حديث رقم (٤٠٧٤)
وتعقّبه الحافظ، ولم يتبيّن لي وجه تعقّبه، فليُتأمل.
قال: وهو أمر مجمع عليه، لا خلاف بين أهل العلم فيه، كلٌّ يقول على
أصله: إن كل ما دخله الربا من جهة التفاضل، فالكيل والوزن فيه واحد،
ولكن ما كان أصله الكيل لا يباع إلا كيلاً، وكذا الوزن، ثم ما كان أصله
الوزن لا يصح أن يباع بالكيل، بخلاف ما كان أصله الكيل، فإن بعضهم يجيز
فيه الوزن، ويقول: إن المماثلة تُدرك بالوزن في كل شيء، قال: وأجمعوا على
أن التمر بالتمر لا يجوز بيع بعضه ببعض، إلا مثلاً بمثل، وسواء فيه الطيِّب
والدون، وأنه كله على اختلاف أنواعه جنس واحد، قال: وأما سكوت من
سكت من الرواة عن فسخ البيع المذكور، فلا يدلّ على عدم الوقوع، إما
ذهولاً، وإما اكتفاءً بأن ذلك معلوم.
وقد ورد الفسخ من طريق أخرى، كأنه يشير إلى ما سيأتي لمسلم من
طريق أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدريّ نحو هذه القصة، وفيه: ((فقال: هذا
الربا، فردّوه)).
قال: ويَحْتَمِل تعدد القصة، وأن القصة التي لم يقع فيها الردّ كانت قبل
تحريم ربا الفضل، والله أعلم. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ، وأبي هريرة ﴿ها هذا متّفقٌ
عليه .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠٧٤/٣٩ و٤٠٧٥] (١٥٩٣)، و(البخاريّ) في
(البيوع)) (٢٢٠١ و٢٢٠٢) و((الوكالة)) (٢٣٠٢ و٢٣٠٣) و((الاعتصام)) (٧٣٥٠
و٧٣٥١)، و(النسائيّ) في ((البيوع)) (٢٧١/٧ و٢٧٢) و((الكبرى)) (٢٤/٤)،
و(مالك) في ((الموظٍّ)) (٦٢٣/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٥/٣ و٦٧)،
(١) ((الفتح)) ٦٧٨/٥.

٦٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٥٨/٢)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٣٩٢/٣)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٥٠٢١)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (١٧/٣)، و(البيهقيّ)
في ((الكبرى)) (٢٨٥/٥ و٢٩١) و((الصغرى)) (٣٦/٥) و((المعرفة)) (٣٠٥/٤)،
و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٠٦٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان حكم بيع التمر بالتمر، متفاضلاً، وهو التحريم.
٢ - (ومنها): قيام عذر من لا يعلم التحريم، حتى يعلمه.
٣ - (ومنها): أن فيه جوازَ الرفق بالنفس، وترك الحمل على النفس؛
لاختيار أكل الطيب على الرديء، خلافاً لمن منع ذلك، من المتزهدين.
٤ - (ومنها): البحث عما يستريب به الشخص، حتّى ينكشف حاله.
٥ - (ومنها): النصّ على تحريم ربا الفضل.
٦ - (ومنها): اهتمام الإمام بأمر الدين، وتعليمه لمن لا يعلمه، وإرشاده
إلى التوصّل إلى المباحات، وغيرها.
٧ - (ومنها): أن فيه أن صفقة الربا لا تصحّ.
٨ - (ومنها): أن بعضهم استدل به على جواز بيع العينة، وهو: أن يبيع
السلعة من رجل بنقد، ثم يشتريها منه بأقل من الثمن؛ لأنه لم يَخُصّ بقوله:
(ثم اشتر بالدراهم جنيباً) غير الذي باع له الجمع.
وتُعُقِّب بأنه مطلق، والمطلق لا يشمل، ولكن يَشِيع، فإذا عُمل به في
صورة، سقط الاحتجاج به فيما عداها، ولا يصح الاستدلال به على جواز
الشراء، ممن باعه تلك السلعة بعينها .
وقيل: إن وجه الاستدلال به لذلك، من جهة ترك الاستفصال، ولا
يخفى ما فيه.
٩ - (ومنها): ما قال القرطبيّ تَخْلَتُهُ: استَدَلّ بهذا الحديث، من لم يقل
بسدّ الذرائع؛ لأن بعض صور هذا البيع، يؤدي إلى بيع التمر بالتمر متفاضلاً،
ويكون الثمن لغواً، قال: ولا حجة في هذا الحديث؛ لأنه لم ينص على جواز
شراء التمر الثاني، ممن باعه التمر الأول، ولا يتناوله ظاهر السياق بعمومه،
بل بإطلاقه، والمطلق يحتمل التقييد إجمالاً، فوجب الاستفسار، وإذا كان

٦٦٩
(٣٩) - بَابُ بَيْعِ الطَّعَامِ مِثْلاً بِمِثْلٍ - حديث رقم (٤٠٧٤)
كذلك، فتقييده بأدنى دليل كاف، وقد دلّ الدليل على سد الذرائع، فلتكن هذه
الصورة ممنوعة .
واستَدَلّ بعضهم على الجواز، بما أخرجه سعيد بن منصور، من طريق
ابن سيرين، أن عمر خطب، فقال: إن الدرهم بالدرهم، سواءً بسواء، يداً
بيد، فقال له ابن عوف: فنعطي الجنيب، ونأخذ غيره؟ قال: لا، ولكن ابتع
بهذا عَرْضاً، فإذا قبضته، وكان له فيه نية، فاهضم ما شئت، وخذ أيّ نقد
شئت.
واستَدَلّ أيضاً بالاتفاق، على أن من باع السلعة التي اشتراها، ممن
اشتراها منه بعد مدّة، فالبيع صحيح، فلا فرق بين التعجيل في ذلك،
والتأجيل، فدل على أن المعتبر في ذلك وجود الشرط، في أصل العقد وعدمه،
فإن تشارطا على ذلك في نفس العقد، فهو باطل، أو قبله، ثم وقع العقد بغير
شرط، فهو صحيح، ولا يخفى الورع.
وقال بعضهم: ولا يضر إرادة الشراء، إذا كان بغير شرط، وهو كمن أراد
أن يزني بامرأة، ثم عدل عن ذلك، فخطبها، وتزوجها، فإنه عدل عن الحرام
إلى الحلال، بكلمة الله التي أباحها، وكذلك البيع، والله أعلم.
١٠ - (ومنها): جواز اختيار طيِّب الطعام، وجواز الوكالة في البيع وغيره.
١١ - (ومنها): أن البيوع الفاسدة كلّها تُفسخ، وتردّ، إذا لم تَفُتْ.
١٢ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ كَُّ أيضاً: إنه يدلّ على وجوب فسخ
صفقة الربا، وأنها لا تصحّ بوجه، وهو حجةٌ للجمهور على أبي حنيفة حيث
يقول: إن بيع الربا جائز بأصله، من حيث إنه بيع، ممنوع بوصفه، من حيث
إنه ربا، فيُسقَطُ الربا، ويصح البيع. ولو كان على ما ذَكر لَمَا فسخ النبيّ وَّ
هذه الصفقة، ولأمَره بردِّ الزيادة على الصاع، ولصحّح الصفقة في مقابلة
الصاع. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): مما يتعلّق بهذا البحث الكلام على بيع العينة (١):
(١) ((العِينة) بكسر العين، كما في ((الصحاح))، و((القاموس))، و((المصباح))، فما في
((شرح الطيبيّ)) من ضبطه بفتح العين، فغلط، فتنبّه.
=

٦٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
صورة بيع العينة - كما قال ابن الأثير تَخْذَلُ في ((النهاية)) ٣٣٤/٣ -: أن
يبيع من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل مسمّى، ثم يشتريها منه بأقلّ من الثمن
الذي باعها، فإن اشترى بحضرة طالب العِينة سلعة من آخر بثمن معلوم،
وقبضها، ثم باعها من طالب العينة بثمن أكثر مما اشتراها إلى أجل مسمّى، ثم
باعها المشتري من البائع الأول بالنقد بأقلّ من الثمن، فهذه أيضاً عِينة، وهي
أهون من الأولى، وسُمّيت عِينةً لحصول النقد لصاحب العينة؛ لأن العين هو
المال الحاضر من النقد، والمشتري إنما يشتريها ليبيعها بعين حاضرة، تَصِلُ
إلیه معجّلةً. انتهى.
وقال ابن قُدامة كَُّهُ في ((المغني)): من باع سلعة بثمن مؤجل، ثم
اشتراها بأقلّ منه نقداً، لم يَجُز في قول أكثر أهل العلم، رُوي ذلك عن ابن
عباس، وعائشة، والحسن، وابن سيرين، والشعبيّ، والنخعيّ، وبه قال أبو
الزناد، وربيعة، وعبد العزيز بن أبي سلمة، والثوريّ، والأوزاعيّ، ومالك،
وإسحاق، وأصحاب الرأي، وأجازه الشافعيّ؛ لأنه ثمن يجوز بيعها به، من
غير بائعها، كما لو باعها بمثل ثمنها .
ولنا ما رَوَى غندر، عن شعبة، عن أبي إسحاق السبيعيّ، عن امرأته
العالية بنت أيفع بن شُرَحبيل، أنها قالت: دخلت أنا وأم ولد زيد بن أرقم،
وامرأته على عائشة ﴿يا، فقالت أم ولد زيد بن أرقم: إني بعت غلاماً من
زيد بن أرقم، بثمانمائة درهم إلى العطاء، ثم اشتريته منه بستمائة درهم، فقالت
= وعبارة ((المصباح)) (٢/ ٤٤١): والعِينَةُ بالكسر: السَّلَف، واعْتَانَ الرجل: اشترى
الشيءَ بالشيء نسيئةً، وبعته عَيْناً بِعَيْنٍ: أي حاضراً بحاضر، وعَايَنْتُهُ مُعَايَنَةً،
وعِيَاناً، وعَيَّنَ التاجر تَعْييناً، والاسم: العِينَةُ بالكسر، وفسّرها الفقهاء بأن يبيع
الرجل متاعه إلى أجل، ثم يشتريه في المجلس بثمن حالّ ليسلم به من الربا، وقيل
لهذا البيع: عِينَةٌ؛ لأن مشتري السلعة إلى أجل يأخذ بدلها عَيْناً: أي نقداً حاضراً،
وذلك حرام إذا اشتَرَط المشتري على البائع أن يشتريها منه بثمن معلوم، فإن لم
يكن بينهما شرط فأجازها الشافعيّ؛ لوقوع العقد سالماً من المفسدات، ومنعها
بعض المتقدمين، وكان يقول: هي أخت للربا، فلو باعها المشتري من غير بائعها
في المجلس، فهي عِينَةٌ أيضاً، لكنها جائزة باتفاق. انتهى.

٦٧١
(٣٩) - بَابُ بَيْعِ الطَّعَامِ مِثْلاً بِمِثْلٍ - حديث رقم (٤٠٧٤)
لها: بئسما شريت، وبئسما اشتريت، أبلغي زيد بن أرقم، أنه قد أبطل جهاده
مع رسول الله ◌َ، إلا أن يتوب، رواه الإمام أحمد، وسعيد بن منصور،
والظاهر أنها لا تقول مثل هذا التغليظ، وتُقْدِم عليه، إلا بتوقيف، سَمِعَتْه من
رسول الله ◌َ*، فجرى مجرى روايتها ذلك عنه؛ ولأن ذلك ذريعة إلى الربا،
فإنه يُدخِل السلعة ليستبيح بيع ألف بخمسمائة، إلى أجل معلوم، وكذلك روي
عن ابن عباس في مثل هذه المسألة، أنه قال: أرى مائة بخمسين، بينهما حريرة
- يعني خرقة حرير - جعلاها في بيعهما، والذرائع معتبرة؛ لِمَا قدّمناه، فأما
بيعها بمثل الثمن، أو أكثر فيجوز؛ لأنه لا يكون ذريعة، وهذا إذا كانت السلعة
لم تنقص عن حالة البيع، فإن نقصت، مثل أن هُزِلَ العبد، أو نَسِي صناعة، أو
تخرّق الثوب، أو بَلِي جاز له شراؤها بما شاء؛ لأن نقص الثمن لنقص المبيع،
لا للتوسل إلى الربا، وإن نقص سعرها، أو زاد لذلك، أو لمعنى حدث فيها،
لم يجز بيعها بأقل من ثمنها، كما لو كانت بحالها. نصّ أحمد على هذا كله.
قال: وإن اشتراها بعَرْض، أو كان بيعها الأول بعرض، فاشتراها بنقد
جاز، وبه قال أبو حنيفة، ولا نعلم فيه خلافاً؛ لأن التحريم إنما كان لشبهة
الربا، ولا ربا بين الأثمان والعُروض، فأما إن باعها بنقد، ثم اشتراها بنقد
آخر، مثل أن يبيعها بمائتي درهم، ثم اشتراها بعشرة دنانير، فقال أصحابنا -
الحنابلة -: يجوز؛ لأنهما جنسان، لا يحرم التفاضل بينهما، فجاز كما لو
اشتراها بعرض، أو بمثل الثمن، وقال أبو حنيفة: لا يجوز؛ استحساناً؛ لأنهما
كالشيء الواحد في معنى الثَّمنية، ولأن ذلك يُتَّخَذُ وسيلةً إلى الربا، فأشبه ما لو
باعها بجنس الثمن الأول، وهذا أصح، إن شاء الله تعالى.
قال: وهذه المسألة تسمى مسألة العينة، قال الشاعر [من الطويل]:
أَنَدَّانُ أَمْ نَعْتَانُ أَمْ يَنْبَرِي لَنَا فَتَّى مِثْلُ نَصْلِ السَّيْفِ مِيزَتْ مَضَارِبُهْ
فقوله: ((نَعْتَان)) أي: نشتري عِينة مثل ما وصفنا، وقد روى أبو داود
بإسناده، عن ابن عمر: قال: سمعت رسول الله وَ ﴿ يقول: ((إذا تبايعتم بالعِينة،
وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سَلَّطَ اللهُ عليكم ذُلّاً لا
ینزعه حتى ترجعوا إلی دینکم)، وهذا وعید یدل على التحريم، وقد رُوي عن
أحمد؛ أنه قال: العينة أن يكون عند الرجل المتاع، فلا يبيعه إلا بنسيئة، فإن

٦٧٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
باعه بنقد، ونسيئة فلا بأس، وقال: أكره للرجل أن لا يكون له تجارة، غير
العينة، لا يبيع بنقد، وقال ابن عقيل: إنما كره النسيئة لمضارعتها الربا، فإن
الغالب أن البائع بنسيئة، يقصد الزيادة بالأجل، ويجوز أن تكون العينة اسماً
لهذه المسألة، وللبيع بنسيئة جميعاً، لكن البيع بنسيئة، ليس بمحرم اتفاقاً، ولا
يُكره، إلا أن لا يكون له تجارة غيره. انتهى كلام ابن قدامة ◌َّثهُ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي تحريم بيع العينة؛ لحديث
أبي داود المذكور، فإنه حديث صحيح، صححه جماعة من المحققين،
بمجموع طرقه. انظر ما كتبه الشيخ الألبانيّ تَُّ في ((السلسلة الصحيحة)) ١/
١٥ - ١٧ رقم ١١، وفيه الوعيد الشديد لمن يتعاطى هذا الأمر، ولا يكون
الوعيد إلا على شيء محرّم شرعاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الخامسة): إن باع سلعة بنقد، ثم اشتراها بأكثر منه نسيئة، فقال
أحمد في رواية حرب: لا يجوز ذلك، إلا أن يغيّر السلعة؛ لأن ذلك يتخذه
وسيلة إلى الربا، فأشبه مسألة العينة، فإن اشتراها بنقد آخر، أو بسلعة أخرى،
أو بأقل من ثمنها نسيئة جاز؛ لِمَا ذكرناه في مسألة العينة، ويَحْتَمِل أن يجوز له
شراؤها بجنس الثمن بأكثر منه، إلا أن يكون ذلك عن مواطأة، أو حيلة فلا
يجوز، وإن وقع ذلك اتفاقاً من غير قصد جاز؛ لأن الأصل حِلّ البيع، وإنما
حُرِّم في مسألة العينة بالأثر الوارد فيه، وليس هذا في معناه، ولأن التوسل
بذلك أكثر، فلا يلتحق به ما دونه، ذكره ابن قُدامة ◌َّتُهُ(٢)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): من باع طعاماً إلى أجل، فلما حلّ الأجل، أخذ منه
بالثمن الذي في ذمته طعاماً قبل قبضه لم يَجُز، رُوي ذلك عن ابن عمر،
وسعيد بن المسيِّب، وطاوس، وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق. وأجازه
جابر بن زيد، وسعيد بن جبير، وعليّ بن حسين، والشافعيّ، وابن المنذر،
وأصحاب الرأي، قال عليّ بن حسين: إذا لم يكن لك في ذلك رأي، ورُوي
(١) ((المغني)) ٢٦٠/٦ - ٢٦٢.
(٢) («المغني)) ٢٦٣/٦.

٦٧٣
(٣٩) - بَابُ بَيْعِ الطَّعَامِ مِثْلاً بِمِثْلٍ - حديث رقم (٤٠٧٤)
عن محمد بن عبد الله بن أبي مريم؛ أنه قال: بعت تمراً من التمارين، كُلَّ
سبعة آصع بدرهم، ثم وجدت عند رجل منهم تمراً، يبيعه أربعة آصع بدرهم،
فاشتريت منه، فسألت عكرمة عن ذلك؟ فقال: لا بأس، أخذت أنقص مما
بعت، ثم سألت سعيد بن المسيِّب عن ذلك؟ وأخبرته بقول عكرمة، فقال:
كذب، قال عبد الله بن عباس: ما بعت من شيء، مما يكال بمكيال، فلا تأخذ
منه شيئاً، مما يكال بمكيال إلا ورقاً أو ذهباً، فإذا أخذت ورقك، فابتع ممن
شئت، منه أو من غيره، فرجعت، فإذا عكرمة قد طلبني، فقال: الذي قلت لك
هو حلال، هو حرام، فقلت لسعيد بن المسيِّب: إن فضل لي عنده فضل؟
قال: فأعطه أنت الكسر، وخذ منه الدرهم. ووجه ذلك أنه ذريعة إلى بيع
الطعام بالطعام نسيئة، فَحَرُمَ كمسألة العينة، فعلى هذا كلُّ شيئين، حَرُم النَّساء
فيهما، لا يجوز أن يأخذ أحدهما عوضاً عن الآخر قبل قبض ثمنه، إذا كان
البيع نَساء، نص أحمد على ما يدل على هذا، وكذلك قال سعيد بن المسيب،
فیما حکینا عنه.
قال ابن قدامة: والذي يَقْوَى عندي جواز ذلك، إذا لم يفعله حِيلةً، ولا
قصد ذلك في ابتداء العقد، كما قال علي بن الحسين، فيما يَروي عنه عبد الله بن
زيد، قال: قدمت على علي بن الحسين، فقلت له: إني أَجُذُّ نخلي، وأبيع
ممن حضرني التمر إلى أجل، فيقدمون بالحنطة، وقد حل ذلك الأجل،
فيوقفونها بالسوق، فأبتاع منهم، وأُقاصّهم؟ قال: لا بأس بذلك، إذا لم يكن
منك على رأي، وذلك لأنه اشترى الطعام بالدراهم، التي في الذمة بعد انبرام
العقد أوّلَ لزومه فصح، كما لو كان المبيع الأول حيواناً، أو ثياباً، ولِمَا ذكرنا
في الفصل الذي قبل هذا، فإنه لم يأخذ بالثمن طعاماً، ولكن اشترى من
المشتري طعاماً بدراهم، وسلّمها إليه، ثم أخذها منه وفاء، أو لم يسلّمها إليه،
لكن قاصّه بها، كما في حديث علي بن الحسين، ذكره ابن قُدامة كَُّهُ أيضاً.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي صححه ابن قُدامة من جواز
أخذ الطعام بالثمن الذي في ذمّته هو الذي يظهر ليّ، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

٦٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٤٠٧٥] ( .. ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ
عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ
أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ اسْتَعْمَلَ رَجُلاً عَلَى
خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((أَكُلُّ تَمْرٍ خَيْبَرَ هَكَذَا؟))،
فَقَالَ: لَا، وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ وَالصَّاعَيْنِ
بِالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((فَلَا تَفْعَلْ، بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ
جَنِيباً)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم ذُكروا قبله، سوى الأوَّلَين، فتقدّما قبل ثلاثة أبواب.
وقوله: (اسْتَعْمَلَ رَجُلاً عَلَى خَيْبَرَ) تقدّم أنه سواد بن غزيّة الأنصاريّ
وقوله: (بِتَمْرٍ جَنِيبٍ) بوزن حبيب: نوع من أعلى أنواع التمر، وقيل: هو
ما أُخرج منه حَشَفَه، ورديئه، يعني المنتقى، وقيل: هو الذي لا يُخلط بغيره،
بخلاف الجمع.
وقوله: ((أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟))) فيه أن الاستخبار عن أحوال البلاد،
وعما يوجد فيها من الأطعمة، والثمار، ونحو ذلك ليس من فضول الكلام،
ولا اللغو منه.
وقوله: (وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ) كذا في رواية مسلم، وفي رواية البخاريّ:
((بالثلاث))، وكلاهما صحيح؛ لأن الصاع يذكّر ويؤنّث، قال الفيّوميّ تَخْذُّ:
والصَّاعُ: يُذكَّر ويؤنث، قال الفراء: أهل الحجاز يؤنثون الصاع، ويجمعونها
في القِلّة على أَصْوُعِ، وفي الكثرة على صِيَعَانٍ، وبنو أسد، وأهل نجد
يذكِّرون، ويجمعون عَلَى أَصْوَاعِ، وربما أنّها بعض بني أسد، وقال الزجاج:
التذكير أفصح عند العلماء، ونقل الْمُطَرِّريّ، عن الفارسيّ أنه يُجمع أيضاً على
آصُع بالقلب، كما قيل: دار وآدر بالقلب، وهذا الذي نقله جعله أبو حاتم من
خطأً العوامّ، وقال ابن الأنباريّ: وليس عندي بخطأ في القياس؛ لأنه وإن كان
غير مسموع من العرب، لكنه قياسُ ما نُقِل عنهم، وهو أنهم ينقلون الهمزة من

٦٧٥
(٣٩) - بَابُ بَيْعِ الطَّعَامِ مِثْلاً بِمِثْلٍ - حديث رقم (٤٠٧٦)
موضع العين إلى موضع الفاء، فيقولون: أَبْارٌ وآبَارٌ. انتهى(١).
وقوله: (بعِ الْجَمْعَ) هو المخلوط الذي يجمع الجيّد والرديء.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، في الحديث
الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٠٧٦] (١٥٩٤) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِح
الْوُحَاظِيُّ(٢)، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ التَّمِيمِيُّ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُّ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ - وَاللَّفْظُ لَهُمَا - جَمِيعاً، عَنْ يَحْيَى بْنِ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا
مُعَاوِيَةُ - وَهُوَ ابْنُ سَلَّم - أَخْبَرَنِي بَحْيَى - وَهُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ - قَالَ: سَمِعْتُ
عُقْبَةَ بْنَ عَبْدِ الْغَافِرِ، يَقُوِّلُ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ يَقُولُ: جَاءَ بِلَالٌ بِتَمْرٍ بَرْنِيٌّ، فَقَالَ
لَهُ رَسُولُ اللهِهِ: ((مِنْ أَيْنَ هَذَا؟»، فَقَالَ بِلَالٌ: تَمْرٌ كَانَ عِنْدَنَا رَدِيٌ، فَبِعْتُ مِنْهُ
صَاعَيْنِ بِصَاعٍ لِمَطْعَمِ النَّبِيِّ وَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِلَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ: ((أَوَّْ، عَيْنُ الرِّبَا،
لَا تَفْعَلْ، وَلَّكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ الثَّمْرَ، فَبِعْهُ بِبَيْعٍ آخَرَ، ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ»، لَمْ
يَذْكُرِ ابْنُ سَهْلٍ فِي حَدِيثِهِ عِنْدَ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ التَّمِيمِيُّ) مولاهم، أبو بكر البخاريّ، نزيل بغداد،
ثقةٌ [١١] (ت٢٥١) (م ت س) تقدم في ((الصيام)) ٢٥٣٥/٨.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمد السمر قنديّ الحافظ،
صاحب ((المسند))، ثقةٌ فاضلٌ متقنٌّ [١١] (٢٥٥) وله (٧٤) سنةً (م د ت) تقدم
في ((المقدمة)) ٢٩/٥.
(١) ((المصباح المنير)) ٣٥١/١ - ٣٥٢.
(٢) بضمّ الواو، بعدها حاء مهملة، وآخره ظاء معجمة: نسبة إلى وُحاظة بن سعد بن
عديّ بن مالك بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جُشم بن
عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطر بن عريب، قاله في ((اللباب في تهذيب
الأنساب)) ٤٢٦/٢.

٦٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
٣ - (يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ) البصريّ، نزيل تنّيس، ثقةٌ [٩] (ت٢٠٨) (خ م د
ت س) تقدم في ((الحيض)) ٧٢٣/٧.
٤ - (عُقْبَةُ بْنُ عَبْدِ الْغَافِرِ) الأزديّ الْعَوْذيّ، أبو نهّار البصريّ، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن أبي سعيد، وعبد الله بن مغفل، وأبي أمامة، وأبي عُبيدة بن
عبد الله بن مسعود.
وروى عنه يحيى بن أبي كثير، وقتادة، ويحيى بن أبي إسحاق
الحضرميّ، وسليمان التيميّ، وابن عون، وغيرهم.
قال العجليّ، والنسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، ذكر ابن
أبي حاتم في ((المراسيل)) أنه أرسل عن النبيّ وَلّ شيئاً، قال البزار: كان من
أجلّة أهل البصرة، وحَكَى ابن سعد عن ثابت البنانيّ قال: ما كان أحد من
الناس أحبّ إليّ أن ألقى الله في مِسْلاخه من عقبة بن عبد الغافر، فلما وقعت
الفتنة أتيناه، فقال: ما أعرفكم.
وقال خليفة: قُتِل یوم الزاوية سنة (٨٢)، وقال أحمد بن یحیی بن سعيد:
قُتِل في الجماجم سنة (٨٣).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان
فقط هذا الحديث برقم (١٥٩٤)، و(٢٧٥٧): ((أن رجلاً فيمن كان قبلكم
راشَهُ الله مالاً وولداً ... )).
والباقون تقدّموا قبل باب، و((معاوية)) هو ابن سلّام المذكور بعد التحويل.
شرح الحديث:
عن أبي سعيد الخدريّ ◌َ﴿به أنه قال: (جَاءَ بِلَالٌ) هو ابن رَباح مؤذّن
النبيّ وَ﴿ المتوفّى سنة (١٧ أو ١٨ أو٢٠) تقدّمت ترجمته في ((الطهارة)) ٢٣/
٦٤٣. (بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ) - بفتح الموحّدة، وسكون الراء، بعدها نون، ثم تحتانية
مشدّدة -: ضرب من التمر معروف، قيل له ذلك؛ لأن كل تمرة تشبه الْبَرْنِيّة (١)،
وقد وقع عند أحمد مرفوعاً: ((خيرُ تمراتكم البرنيّ، يُذهب الداء، ولا داء فيه)).
(١) ((الْبَرْنِيّةُ)): إناءٌ من خَزَف، والدِّيكُ الصغير أولَ ما يُدرك. قاله في ((القاموس)).

٦٧٧
(٣٩) - بَابُ بَيْعِ الطَّعَامِ مِثْلاً بِمِثْلٍ - حديث رقم (٤٠٧٦)
(فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((مِنْ أَيْنَ هَذَا؟») وفي رواية النسائيّ: ((ما هذا؟))
(فَقَالَ بِلَالٌ) رَُّهُ: (تَمْرٌ) خبر لمحذوف؛ أي: هذا تمر (كَانَ عِنْدَنَا رَدِيٌ)
بالهمزة، بوزن عظيم، يقال: رَدُؤْ الشيءُ بالهمز رَدَاءةً، فهو رديء، على فَعِيل؛
أي: وَضِيعٌ خَسِيسٌ، وَرَدَا يَرْدُو، من باب علا لغةٌ، فهو رَدِيٌّ بالتثقيل، قاله
الفيّوميّ تَّثُ(١). (فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعِ لِمَطْعَم النَّبِيِّ وَيه) ولفظ البخاريّ:
(لنُطعم النبيّ وََّ)) (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَّعِنْدَ ذَلِكَ: ((أَوَّْ، عَيْنُ الرِّبَا) ولفظ
البخاريّ: ((أَوّه أوّه، عين الربا)) مكرّراً، ومعنى ((عين الربا)» أن هذا العقد هو
نفس الربا الذي حرّمه الله رَك، لا نظيره.
وقال النوويّ كَّتُهُ: قال أهل اللغة: ((أوّه)) كلمة توجُّع وتحزُّن، ومعنى
((عين الربا)) أنه حقيقة الربا المحرَّم، وفي هذه الكلمة لغات: الفصيحة
المشهورة في الروايات: «أَوَّة)) بهمزة مفتوحة، وواو مفتوحة مشدّدة، وهاء
ساكنة، ويقال: بنصب الهاء منونةً، ويقال: ((أَوْهِ))، بإسكان الواو، وكسر الهاء
منونةً، وغير منونة، ويقال: ((أَوِّ)) بتشديد الواو مكسورة منوّنة، بلا هاء، ويقال:
(آهٍ)) بمدّ الهمزة، وتنوين الهاء، ساكنةً من غير واو. انتهى.
وقال ابن الأثير تَخْذَلُهُ: ((أو)) كلمة يقولها الرجل عند الشّكاية والتّوجع،
وهي ساكنة الواو، مكسورة الهاء، وربما قلبوا الواو ألفاً، فقالوا: آهٍ من كذا،
وربما شدّدوا الواو، وكسروها، وسكَّنوا الهاء، فقالوا: أوّهْ، وربما حذفوا
الهاء، فقالوا: أوّ، وبعضهم بفتح الواو مع التشديد، فيقول: أوّه. انتهى(٢).
وقال ابن التين: إنما تَأَوَّه النبيّ ◌َّير؛ ليكون أبلغ في الزجر، وقاله إمّا
للتألُّم من هذا الفعل، وإمّا من سوء الفهم، قاله في ((الفتح)) (٣).
(لَا تَفْعَلْ) أي: لا تبع هذا البيع الربويّ، ولفظ النسائيّ: ((لا تقربه)) بفتح
الراء، من باب عَلِمَ؛ أي: إنّ قُرْبَه يضرّ فضلاً عن مباشرته، وليس في هذه
الرواية أنه * أمره بردّه، ولكن الرواية التالية بيّنت ذلك، ولفظها: ((هذا الربا،
فَرُدّه».
(١) ((المصباح المنير)) ٢٢٥/١.
(٣) ((الفتح)) ٦/ ١٠٤.
(٢) ((النهاية في غريب الأثر)) ١٩٥/١.

٦٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
قال ابن عبد البر كَّلُهُ: إن القصة وقعت مرتين: مرةً لم يقع فيه الأمر
بالردّ، وكان ذلك قبل العلم بتحريم الربا، ومرّةً وقع فيها الأمر بالردّ، وذلك
بعد تحريم الربا، والعلم به.
قال في ((الفتح)): ويدلّ على التعدد أن الذي تولى ذلك في إحدى
القصتين سَوَاد بن غَزِيّة، عامل خيبر، وفي الأخرى بلال.
وعند الطبري من طريق سعيد بن المسيِّب عن بلال قال: ((كان عندي تمر
دُونٌ، فابتعت منه تمراً أجود منه ... )) الحديث، وفيه: فقال النبيّ وَلّى: ((هذا
الربا بعينه، انطلق فرُدّه على صاحبه، وخذ تمرك، وبعه بحنطة، أو شعير، ثم
اشتر به من هذا التمر، ثم جئني به)). انتهى(١).
(وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ الثَّمْرَ) أي: الجيّد (فَبِعْهُ) أي: التمر الرديء
(بِبَبْعِ آخَرَ) أي: بثمن آخر غير جنسه (ثُمَّ اشْتَرٍ بِهِ))) أي: اشتر التمر الجيّد
بالثمن الذي بعت الرديء به.
وفي رواية البخاريّ: ((فبع التمر ببيع آخر، ثم اشتر به))، قال في
((الفتح)): في رواية مسلم: ((ولكن إذا أردت أن تشتري التمر، فبعه ببيع آخر،
ثم اشتره))، قال: وبينهما مغايرة؛ لأن ((التمر)) في رواية البخاريّ المراد به التمر
الرديء، والضمير في ((به)) يعود إلى التمر؛ أي: بالتمر الرديء - أي: بثمنه -،
والمفعول محذوف؛ أي: اشتر به تمراً جيّداً، وأما رواية مسلم: فالمراد
بالتمر: الجيّدُ، والضمير في قوله: ((ثم اشتره)) للجيّد. انتهى.
وفي الحديث: البحث عما يستريب به الشخص، حتى ينكشف حاله،
وفيه النصّ على تحريم ربا الفضل، واهتمام الإمام بأمر الدين، وتعليمه لمن لا
يعلمه، وإرشاده إلى التوصل إلى المباحات وغيرها، واهتمام التابع بأمر
متبوعه، وانتقاء الجيِّد له من أنواع المطعومات وغيرها، وفيه أن صفقة الربا لا
تصح، ذكره في ((الفتح))(٢).
وقوله: (لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ سَهْلٍ فِي حَدِيثِهِ عِنْدَ ذَلِكَ) أشار به إلى اختلاف
وقع بين شيخيه: إسحاق بن منصور، ومحمد بن سهل، فالأول قال: ((فقال
(١) ((الفتح)) ١٠٣/٦.
(٢) ((الفتح)) ٦/ ١٠٤.

٦٧٩
(٣٩) - بَابُ بَيْعِ الطَّعَامِ مِثْلاً بِمِثْلٍ - حديث رقم (٤٠٧٧)
رسول الله 18 عند ذلك: أوه))، وقال الثاني: ((فقال رسول الله وَله: أوّه))،
فأسقط لفظ: ((عند ذلك))، وهذا من تدقيقات المصنّف نَّثُ التي امتاز بها على
غيره، حيث يراعي اختلاف ألفاظ الشيوخ، وإن لم يكن هناك اختلاف في
المعنى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ضُه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠٧٦/٣٩ و٤٠٧٧] (١٥٩٤)، و(البخاريّ) في
(الوكالة)) (٢٣١٢)، و(النسائيّ) في ((البيوع)) (٢٧٣/٧) و((الكبرى)) (٢٥/٤)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٩/٣ و٥٠ و٥١ و٦٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣/
٣٩٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٠٢٢)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني
الآثار)) (٦٨/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٩١/٥)، وفوائد الحديث
تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٠٧٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا
مَعْقِلٌ، عَنْ أَبِي قَزَعَةَ الْبَاهِلِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: أُنِيّ
رَسُولُ اللهِلَّهِ بِتَمْرٍ، فَقَالَ: ((مَا هَذَا التَّمْرُ مِنْ تَمْرِنَ))، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ،
بِعْنَا تَمْرَنَا صَاعَيْنِ بِصَاعٍ مِنْ هَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((هَذَا الرِّبَا، فَرُدُّوهُ، ثُمَّ
بِيعُوا تَمْرَنَا، وَاشْتَرُوا لَنَا مِنْ هَذَا)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) الْمِسْمَعِيّ النيسابوريّ، نزيل مكة، ثقةٌ، من كبار
[١١] مات سنة بضع و(٢٤٠) (م ٤) تقدم في (المقدمة)) ٦/ ٦٠.
٢ - (الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ) هو: الحسن بن محمد بن أعين، نُسب لجدّه، أبو
عليّ الحرّانيّ، صدوقٌ [٩] (ت٢١٠) (خ م س) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤.
٣ - (مَعْقِلُ) بن عبيد الله الْعَبسيّ مولاهم، أبو عبد الله الْجَزَريّ، صدوقٌ
يُخطىء [٨] (ت١٦٦) (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤.

٦٨٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
٤ - (أَبُو قَزَعَةَ الْبَاهِلِيُّ) سُويد بن حُجَير البصريّ، ثقةٌ [٤] (م ٤) تقدم في
((الإيمان)) ١٢٩/٦.
٥ - (أَبُو نَضْرَةَ) المنذر بن مالك بن قُطَعةِ الْعَبْدِيّ الْعَوَقِيّ البصريّ، ثقةٌ
[٣] (ت ٨ أو ١٠٩) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٧/٦.
و((أبو سعيد الخدريّ ◌ُ)) ذُكر قبله.
وقوله: (أُتِيَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِتَمْرٍ) الآتي هو بلال ◌َظُه، كما بُيّن في
الرواية السابقة.
وقوله: (بِتَمْرٍ) أي: بتمر بَرْنيّ، وهو من أجود التمور.
وقوله: ((هَذَا الرِّبًا) هو بمعنى قوله الماضي: ((أوّه عين الربا))؛ أي: هو
الربا نفسه، لا ما يُشبهه.
وقوله: (فَرُدُّوهُ) قال القرطبيّ كَُّ: هذا يدلّ على وجوب فسخ صفقة
الربا، وأنها لا تصح بوجه، وهو حجَّة للجمهور على أبي حنيفة حيث يقول:
إن بیع الربا جائز بأصله، من حيث إنه بيع ممنوع بوصفه من حيث هو ربا،
فيسقط الرِّبا، ويصحّ البيع، ولو كان على ما ذَكر لَمَا فسخ النبيّ وَّ هذه
الصفقة، ولأَمَره بردّ الزيادة على الصَّاع، ولصحَّح الصفقة في مقابلة الصَّاع.
انتھی(١).
وقال النوويّ تَخّْثُ: هذا دليل على أن المقبوض ببيع فاسد يجب ردّه على
بائعه، وإذا ردّه استردّ الثمن، فإن قيل: فلم يذكر في الحديث السابق أنه وَله
أمرَ برّه، فالجواب: أن الظاهر أنها قضيّة واحدة، وأمر فيها بردّه، فبعض
الرواة حَفِظ ذلك، وبعضهم لم يحفظه، فقبلنا زيادة الثقة، ولو ثبت أنهما
قضيتان لَحُمِلت الأولى على أنه أيضاً أمر به، وإن لم يبلغنا ذلك، ولو ثبت أنه
لم يأمر به مع أنهما قضيتان لَحَملناها على أنه جُهِل بائعه، ولا يمكن معرفته،
فصار مالاً ضائعاً لمن عليه دين بقيمته، وهو التمر الذي قبضه عوضاً، فحصل
أنه لا إشكال في الحديث، ولله الحمد. انتهى كلام النوويّ تَُّهُ(٢).
وقوله: (ثُمَّ بِيعُوا تَمْرَنَا، وَاشْتَرُوا لَنَا مِنْ هَذَا))) قال القرطبيّ ◌َّتُهُ: قد
(١) ((المفهم)) ٤/ ٤٨٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢٢/١١ - ٢٣.