Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨١
(٣٥) - بَابُ الرِّبًا - حديث رقم (٤٠٤٧)
منها في عمليّات الإقراض، وفي مشروعاته المختلفة، ويتعهّد بردّ المثل
للمودِعين - المقرضين - والمصرف ضامنٌ في جميع الحالات، وهذا في حقيقته
عقد قرض، ثم تأتي الفوائد، وهي النسبة الزائدة على القرض مقابل الزمن
الذي يستغرقه هذا القرض. وهذا هو الربا المحرّم.
(ومنها): خصم الأوراق التجاريّة:
الأوراق التجاريّة تتضمن التزاماً بدفع مبلغ من النقود، وتقبل التداول
بطريق التظهير، ويقبلها العرف التجاريّ، ويُقصد بالخصم دفع البنك قيمة الورقة
قبل ميعاد استحقاقها بعد خصم مبلغ معيّن بفائدة عن المدّة التي بين تاريخ
الوفاء، وتاريخ ميعاد الاستحقاق، وبهذا يُعلم أن هذا الخصم عمليّة ربويّة.
(ومنها): السندات: صورة من صور عقد القرض، وذلك حينما يحتاج
البنك مثلاً إلى مبلغ مائة مليون ريال، فيُصدر عشرة آلاف سند، قيمة كلّ سند
مائة ألف ريال، ويُحدّد لها فائدة، فيُصبح البنك بهذا السند مديناً بقيمة السند،
والزيادة الربويّة، أما مشتري هذا السند فهو الدائن، فهذه من الصور الممنوعة.
(ومنها): الأسهم: السهم جزء من الشركة المساهمة، والمساهم فيها
يملك أجزاء من الشركة بقدر أسهمه، والشركاء يشتركون في الْغُنْمِ والْغُرْم، كلّ
بقدر ما يملك، والمساهم تارة يملك الأسهم من أجل استثمارها، وتارة
يتّخذها للتجارة، فيبيع فيها ويشتري. والأسهم تكون حلالاً إذا أُسّست الشركة
لأعمال مباحة، وتكون حراماً إذا أسست لأعمال محرّمة، كتعاطيها الأعمال
الربويّة، أو تكون شركة خمور، وغير ذلك.
(ومنها): شهادة الاستثمار: هي شهادة يُصدرها البنك لمدّة مؤجّلة
محدّدة، فيشتريها الراغب فيها، وفوائدها مختلفة كثرةً وقلّةً، حسب طول المدّة
وقصرها، والبنك يستلم ثمن الشهادة، فيستثمرها لمصلحته الخاصّة، أما
استثمار مشتري الشهادة فهو الزيادة الربويّة التي يأخذها مقابل بقاء نقوده عند
البنك، يستثمرها لمصلحته الخاصّة.
وإذا تأملنا هذه الشهادة وجدناها لا تخرج عن كونها عقد قرض بفائدة،
فهي الربا المحرّم. وذلك لأنه لا يمكن تخريج النقود على أنها مؤجّرة عند
البنك، ولا على أنها وديعة تحفظ بعينها عنده، أما إذا كانت شهادة الاستثمار

٥٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
صادرة من مصرف إسلاميّ، فشهادة الاستثمار تعني وحدة استثمار، يقوم
باستثمارها المصرف الإسلاميّ لصالح مالك هذه الوحدة على سبيل المضاربة،
فهذه جائزة.
(ومنها): الحساب الجاري:
الحساب الجاري يُعتبر وديعةً تحت الطلب، فمن حقّ صاحبه أن يأخذ
رصيده كلّه، أو جزءاً منه متى شاء، فإن البنك ملتزم بالسداد الفوريّ متى طلب
المودع، وتسميته وديعةً اصطلاحُ بنكيّ عرفيّ، وإلا فهو في حقيقة الأمر قرضٌ،
وذلك أنه يختلف في أحكامه عن الوديعة، كما عرّفها الفقهاء، ويختلفان
بأمور، منها :
١ - أن المودَع - بفتح الدال ــ لا يجوز له الانتفاع بالوديعة، واستعمالها،
وهذا البنك يتصرّف بالنقود التي وُضعت عنده.
٢ - إذا تلفت الوديعة بدون تعدّ، ولا تفريط من المودع - بفتح الدال ـ لم
يضمن، أما البنك لو حصل عليه كارثة أتلفت موجوداته، ولو بلا تفريط، فإنه
ضامنٌ لما وضعه الناس عنده.
٣ - ملكيّة النقود انتقلت إلى البنك، بخلاف الوديعة، فملكيّتها باقية
بعينها لصاحبها .
(ومنها): السحب على المكشوف:
معنى السحب على المكشوف أن البنك يسمح أحياناً لبعض عملائه أن
يكتبوا شيكات يسحبون بموجبها أكثر مما لهم من رصيد في البنك، والبنك
يصرف الشيك؛ لأنه يثق في عميله ثقة تامّةً، أو لأن عنده ضمانات أُخر
للسداد، والبنك يقيّد عليه المبلغ الذي سحبه، ويقيّد عليه زيادة هي الفائدة
الربوية، فالساحب أخذ من البنك قرضاً ربويّاً، وهذا ما أجمع علماء المسلمين
على تحريمه؛ لأنه من الربا.
والحلّ لهذه المعاملة المحرّمة، وأمثالها هو تطبيق الشريعة الإسلاميّة في
معاملاتنا كما نطبقها في عباداتنا، والله تعالى وليّ التوفيق.
البديل الإسلاميّ من أعمال الربا:
الحلال بيّن، والحرام بيّن، ولكن المشكل هو في الأمور المشبَّهة التي لا

٥٨٣
(٣٥) - بَابُ الرِّبَا - حديث رقم (٤٠٤٧)
يعلمها كثير من الناس، فمن الحلال البيّن البيع، قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ
اُلْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ومن الحرام البيّن الربا، قال تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الْرِيَواْ﴾ [البقرة:
٢٧٥]، أما الأمور المشكلة المشبَّهة، فعلى علماء المسلمين أن يدرسوها دراسة
دقيقة عميقة وافيةً، فإذا اتّضح جانب الحلال أخذوا به، وإذا اتّضح جانب
الحرام اجتنبوه، أما إذا أظلمت الأمور، واشتبهت، ولم تتضح، فعلينا أن
نستبرئ لديننا وعرضنا، ولا نحوم حول الحمى، فنقع فيه، وحمى الله تعالى
محارمه، والواجب على المسلمين أن يكون لهم شخصيّة مستقلّة في دينهم، ولا
يكونوا إمّعةً لأنظمة بنوك، أنشأتها أفكار يهوديّة، ولا يهمها من الأعمال إلا
جمع المال بأيّ طريق كان، وبأيّ وسيلة توصّل بها، وإنما واجب المسلمين
من علماء، ورجال الاقتصاد أن يُخضعوا البنوك لاقتصاد إسلاميّ مستقلّ متميّز،
والبديل الإسلاميّ ليس نظريّة من النظريّات، وإنما هو حقيقة ثابتة مدركة،
فالإسلام عاش أزهى عصور اقتصاده قروناً طويلة، بلغت شعوبه من الثروة
الطائلة، والرفاهية والرخاء ما لم تبلغه دولة من الدول القديمة والجديدة، وها
هي التجربة الثابتة في دولة باكستان التي أعلنت منع التعامل بنظام الفائدة
الربويّة في جميع البنوك، فأصبحت تجربة ناجحة رائدة.
وإن من البدائل التي يقدّمها الإسلام المعاملاتِ الآتية:
١ - باب السَّلَم الذي فتحه الإسلام في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
إِذَا تَدَايَنتُ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى فَأَكْتُبُوهُ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]، وقال ◌َّ: (من
أسلف في شيء، فليُسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم))،
فبالسلم يستفيد البائع بتعجيل الثمن للقيام بلوازمه، ويستفيد المشتري لشرائه
السلعة برخص.
٢ - بيع السلع بالتقسيط بآجال معلومة، وأقساط معلومة، فيستفيد البائع
بزيادة الثمن في سلعته، ويستفيد المشتري بدفع الثمن بأقساط ميسّرة.
٣ - مشاركة البنك المستفيد المستثمر في نشاطه الاقتصاديّ، فالبنك يموّن
المستثمر، ويقدّم له الخبرة، والتوجيه في مشروعه التجاريّ، أو الزراعيّ، أو
الصناعيّ، والمستفيد يقوم بالعمل والجهد، ويكون رأس المال للبنك، أما
الربح فهو بينهما على ما شرطاه.

٥٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
٤ - إن من عنده مالٌ، فإنه يوظّف ماله في البنك على أساس الشركة مما
يحصل من الربح في استثمار البنك له استثماراً شرعياً، أو أن البنك يكون
وكيلاً باستثمار المال، أما الربح الذي يحصل من استثمار البنك له، فكلّه
لصاحب رأس المال.
٥ - شركة المضاربة: يكون من أحد الرجلين تقديم رأس المال، ويكون
من الآخر العمل، فيعمل المضارب في المال، ويكون رأس المال لصاحبه،
وأما الربح فهو شركة بينهما على حسب ما اتّفقا عليه.
٦ - يقوم البنك بمساعدة التجّار على توريد السلع، وذلك عن طريق فتح
الاعتماد، فإن كان للعميل رصيد يغطّي ثمن السلعة كلّها، فالبنك في هذه
الحال وسيط بأجر على وساطته فيما بين العميل والمصدر، وإن لم يكن للعميل
رصيد يغطّ الثمن، فالمصرف يكون شريكاً في هذه الصفقة، ويتمّ بيع البضاعة
لحساب الشریکین.
وهناك طرقٌ شرعيّة أخرى، يكون فيها الكفاية والبديل عن الربا الذي
قال الله تعالى عنه: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الْرَّوَا﴾ الآية [البقرة: ٢٧٦]، وقال: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ
فَأَذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ"﴾ الآية [البقرة: ٢٧٩]، فالذي يجب على المسلمين:
الابتعاد عنه، وأن يُخضعوا معاملاتهم للأحكام الشرعيّة، فإن الدين عند الله
الإسلام، والإسلام ليس فقط عبادات، وإنما عادات، ومعاملات، وعبادات،
فكلها جميعاً لا بدّ أن تكون خاضعة لأحكامه، ونظامه، والله تعالى وليّ
التوفيق.
(اعلم): أن الأصل في المعاملات الإباحة، وأنه لا يحرم منها إلا ما
حرّمه الله ◌ُعَلَ ورسوله وَّهر، وأن من ادّعى تحريم تعامل، أو عقد، فعليه إقامة
الدليل على حكم التحريم.
وهذه القاعدة مبنيّة على نصوص كثيرة من الكتاب والسنّة، كقوله
تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم ◌َا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ الآية [البقرة: ٢٩]، وكقوله
تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَمَشُواْ فِ مَنَاكِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهٌِ﴾ الآية
[الملك: ١٥]، والأحاديث في هذا الباب كثيرة مشهورة، ولكن هناك مسائل فيها

٥٨٥
(٣٥) - بَابُ الرِّبَا - حديث رقم (٤٠٤٧)
إشكالٌ، ويكثر السؤال عنها، أحببنا إيضاحها لمن يُشكل عليه حقيقتها، فمن
تلك المشكلات أربع صور من المعاملات نذكرها، ونبيّن حكمها :
[الأولى]: مسألة التورّق، والتورّق هو أن يشتري الإنسان السلعة بثمن
مؤجّل، لا لذات السلعة، وإنما ليبيعها على غير بائعها عليه، وينتفع بثمنها،
والراجح من قولي العلماء جوازها؛ لأن الأصل في الشرع حلّ جميع المعاملات،
وأنه لا يحرم منها إلا ما قام الدليل على تحريمه، وأنه لا يُعلم حجة شرعيّة تمنع
من هذه المعاملة، بل عموم الحديث المتّفق عليه، من حديث أبي سعيد الخدريّ،
وأبي هريرة ﴾: ((أن رسول الله وقال﴾ استعمل رجلاً على خيبر، فجاءه بتمر جنیب،
فقال رسول الله وَله: ((أكُلّ تمر خيبر هكذا؟)) قال: لا والله يا رسول الله، إنا
لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله وَالت: (لا
تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جَنيباً)) يدل على جوازها.
[الثانية]: البيع بالتقسيط، وهذا البيع من البيوع المنتشرة في عصرنا
انتشاراً كبيراً، وكثر التعامل به، واحتاج الناس إليه في شراء مراكبهم، وتأثيث
منازلهم، والحصول على حاجاتهم، وضروراتهم، وصفته أن يشتري السلعة من
التاجر بثمن مؤجّل مقسّط، زائد على ثمنها لو عُجّل حال الشراء، فيستفيد
الطرفان - البائع والمشتري - فالبائع يستفيد الربح من الزيادة في الثمن،
والمشتري يستفيد تسهيل دفع الثمن عليه أقساطاً معلومة الأجل والمقدار،
فشرط حلّها العلم بالآجال، والعلم بقدر القسط الذي يَحُلّ في كل وقت، وهو
بيع جائز، لا شبهة فيه، داخل تحت قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا
تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى فَاكْتُبُوهُ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢].
[الثالثة]: السُّفْتَجَة:
وهي أن يكتب الإنسان لمن دفع إليه مالاً على سبيل التمليك لكي يقبض
بدلاً عنه في بلد آخر معيّن، والقصد منها تفادي أخطار الطريق بنقل المال
عيناً، وفي هذه الطريقة مصلحة مشتركة للطرفين، وقد اختلف العلماء في
حكمها، فمنعها الحنفيّة، والشافعيّة؛ لأنها عندهم من القرض الذي جرّ نفعاً،
وأجازها الحنابلة، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيميّة؛ لأنهم يرونها حوالةً،
والمنفعة الحاصلة منها لا تخصّ المقرض، بل ينتفع بها الطرفان، والأصل في

٥٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
المعاملات الحلّ، ولا يوجد محذور شرعيّ يمنع منها، وهي مما اضطرّ الناس
إليها في هذا العصر، والأخذ باليسر، من مقاصد الشريعة.
وكان عبد الله بن الزبير ﴿ في مكة، وأخوه مصعب في العراق، فكان
الرجل يسلّم نقوده عبد الله، فيرسل معه ورقةً إلى مصعب، فيسلّم الرجل مثل
نقوده، ولم ينكر ذلك عليهما من عاصرهما من الصحابة
٠
[الرابعة]: تحويلات البنوك، وصورته أن يستلم البنك نقود الرجل في
بلد، ويُعطيه بها شيكاً ليستلمها في بلد آخر، وقد يكون التحويل من بنك لآخر
في بلد واحد، وفائدة ذلك إذا كان التحويل بين بلدين أنه مخرج حينما تمنع
دولة البلد المحال إليها دخول النقود إليها، أو تمنع الدولة المحال خروج
النقود منها، أو يكون في نقلها خطر، وهي شبيهة بالسفتجة، إلا أن بينهما
ثلاثةَ فروق(١) :
الأول: أن السفتجة لا بدّ أن تكون بين بلدين، وأما التحويل البنكيّ،
فتارة يكون كذلك، وتارة یکون بین بنکین في بلد واحد.
الثاني: أن في السفتجة اتحاد جنس النقد المدفوع عند العقد، والمؤدّى
عند الوفاء، وأما التحويل المصرفيّ، فلا يقتصر على هذا، فإن المصرف في
أغلب الأحيان يأخذ النقود من جنس، ويكتب المصرف من جنس آخر، وهذه
ليست قرضاً محضاً.
الثالث: أن السفتجة لا يؤخذ عليها أجر، أما المصرف فيتقاضى أجراً
يُسمّى عمولةً، والحنابلة، وشيخ الإسلام أجازوا السفتجة، والتحويل المصرفيّ
إذا كانت العمولة بقدر أتعاب المصرف، فإنه لا يوجد مانع شرعيّ منها .
قال شيخ الإسلام: وإذا أقرضه دراهم ليستوفي منه في بلد آخر، مثل أن
يكون المقترض له دراهم في ذلك البلد، وهو محتاج إلى دراهم في بلد
المقرض، فيكتب المقترض ورقة إلى بلد المقترض، فقد اختلف العلماء في
جوازه، والصحيح الجواز. انتهى، وكلامه يشمل السفتجة والتحويل المصرفيّ.
وقال الشيخ عبد العزيز ابن باز: إذا دعت الضرورة إلى التحويل عن
(١) قال الجامع: هذه الفروق الثلاثة محلّ نظر؛ فإنها ليست واضحة، فتأملها.

٥٨٧
(٣٥) - بَابُ الرِّبًا - حديث رقم (٤٠٤٨)
طريق البنوك الربويّة، فلا حرج في ذلك، إن شاء اللهُ، ولا شكّ أن التحويل
عن طريقها من الضرورات العامّة في هذا العصر، وهكذا الإيداع فيها للضرورة
بدون الفائدة.
وكلام الشيخ ابن باز هنا ليس عن جواز التحويل، فهو جائز عنده، وإنما
كلامه في التحويل عن طريق البنوك الربوية، والله أعلم. انتهى ما كتبه الشيخ
عبد الله بن عبد الرحمن آل بسام(١) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه البحوث التي ذكرها الشيخ البسّام ◌َّهُ
بحوث نفيسة نافعة جدّاً ينبغي الاهتمام بها؛ لكثرة تداول هذه المعاملات في
عصرنا الحاضر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْلُ أوّل الكتاب قال:
[٤٠٤٨] ( .. ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ
ابْنُ رُمْح، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ: إِنَّ
أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَأْثُرُ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَه ◌ِـِ فِي رِوَايَةٍ قُتَيْبَةَ - فَذَهَبَ عَبْدُ اللهِ
وَنَافِعُ مَعَهُ، - وَفِي حَدِيثِ ابْنِ رُمْحِ - قَالَ نَافِعٌ: فَذَهَبَ عَبْدُ اللهِ، وَأَنَا مَعَهُ،
وَاللَّيْئِيُّ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا أَخْبَرَنِي أَنَّكَ تُخْبِرُ
أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَرِقِ بِالْوَرِقِ، إِلَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ، وَعَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ
بِالذَّهَبِ، إِلَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ، فَأَشَارَ أَبُو سَعِيدٍ بِإِصْبَعَيْهِ (٢) إِلَى عَيْنَيْهِ وَأُذُنَيْهِ، فَقَالَ:
أَبْصَرَتْ عَيْنَ، وَسَمِعَتْ أُذُنَاتَ رَسُولَ اللهِ وَلِ يَقُولُ: (لَا تَبِعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ،
وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ، إِلَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ، وَلَا تُثِقُوا بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا
شَيْئاً غَائِباً مِنْهُ بِنَاجِزٍ، إِلَّا يَدأَ بِيَدٍ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح) بن المهاجر النُّجِيبيّ المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]
(ت٢٤٢) (م ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦.
(١) ((الاختيارات الجلية)) ٨٨/٣ - ٩٦.
(٢) وفي نسخة: ((بإصبعه)).

٥٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.
وقوله: (قَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ) هو عمرو بن ثابت الْعُتْوَارِيّ(١)، كما
بيّنه أبو عوانة في روايته الآتية.
وقوله: (يَأْثُرُ هَذَا إلخ) بضم الثاء المثلّثة، من بابي نصر، وضرب - كما
في ((القاموس))؛ أي: ينقله.
وقوله: (وَاللَّيْئِيُّ) معطوف على ((أنا))؛ أي: وذهب معهما الرجل الليثيّ
الذي أخبر ابنَ عمر ◌َّا عن أبي سعيد به هذا الحديث.
وقوله: (بِإِصْبَعَيْهِ) وفي بعض النسخ: ((بإصبعه)) بالإفراد، وهي بكسر
الهمزة، وفتح الموحّدة أفصح لغاتها، وهي عشرة: تثليث الهمزة، مع تثليث
الموحّدة، والعاشرة: أُصبوع، بوزن أُسبوع.
وقوله: (أَبْصَرَتْ عَيْنَايَ، وَسَمِعَتْ أُذْنَايَ رَسُولَ اللهِ وَِّ﴾ ((رسول اللهِ وَ)
منصوب على المفعوليّة لـ((أبصرت))، و(سمعت)) على سبيل التنازع، كما قال في
(الخلاصة)) :
قَبْلُ فَلِلْوَاحِدٍ مِنْهُمَا الْعَمَلْ
إِنْ عَامِلَانِ اقْتَضَيَا فِي اسْمِ عَمَلْ
وَاخْتَارَ عَكْساً غَيْرُهُمْ ذَا أَسْرَهْ
وَالثَّانِ أَوْلَى عِنْدَ أَهْلِ الْبَصْرَةْ
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٤٠٤٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُوخَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ - يَعْنِي ابْنَ حَازِمِ -
(ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ
(ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدٍِّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، كُلُّهُمْ عَنْ
نَافِعِ، بِنَحْوِ حَدِيثِ اللَّيْثِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَََِّّ).
(١) لا ينافي هذا كونه من بني ليث؛ لأن عُتْوَارة هو ابن عامر بن ليث بن بكر بن
عبد مناة بن كنانة بن خزيمة، كما قاله في ((اللباب)) ١٠٣/٢.

٥٨٩
(٣٥) - بَابُ الرِّبَا - حديث رقم (٤٠٤٩)
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الْحَبَطَيّ، أبو محمد الأُبُلّيّ، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي
بالقدر، من صغار [٩] (٥ أو ٢٣٦) وله بضع وتسعون سنةً (م د س) تقدم في
((الإيمان)) ١٢/ ١٥٧.
٢ - (جَرِيرُ بْنُ حَازِمِ) بن زيد الأزديّ، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ، إلا في
قتادة، ففيه ضعف [٦] (ت١٧٠َ) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨١.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل بابين.
٤ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨]
(ت١٩٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧/ ١٧٣.
٥ - (يَحْبَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٦ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو
البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت١٩٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٨/٦.
٧ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أَرْطبان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ فاضلٌ [٥] (ت١٥٠) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٣.
و«نافع)) ذُكر قبله.
وقوله: (كُلَّهُمْ عَنْ نَافِع) أي: كلّ هؤلاء الثلاثة: جرير بن حازم،
ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وأَبن عون رووا هذا الحديث عن نافع، عن أبي
سعيد الخدريّ ظَالله، عن النبيّ ◌َل﴾.
[تنبيه]: رواية جرير بن حازم، عن نافع هذه ساقها أبو عوانة في ((مسنده))
٣٧٦/٣ فقال:
(٥٣٧٨) - حدّثنا محمد بن حيويه، قئنا (١) حجاج بن منهال، قثنا جرير بن
حازم، عن نافع، قال: حدَّث رجل ابنَ عمر بحديث عن أبي سعيد، عن
رسول الله ◌َ* قال: فأخذ الرجل بيد ابن عمر، فقال أبو سعيد: بَصُر عيني،
وسَمِع أذني، قالها ثلاثاً من رسول الله وَّر، وهو يقول: ((لا تبيعوا الذهب
بالذهب، ولا الورق بالورق، إلا مثلاً بمثل، سواءً بسواء، ولا تُشِفُّوا بعضها
على بعض، ولا تبيعوا منها شيئاً غائباً بناجز)). انتهى.
(١) قوله: ((قثنا)) في الموضعين مختصر من ((قال: حدّثنا))، فتنبّه.

٥٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
وأما رواية يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن نافع، فقد ساقها أيضاً أبو
عوانة في («مسنده)) ٣٧٥/٣ فقال:
(٥٣٧٧) - حدّثنا محمد بن عبد الملك الواسطيّ، قثنا يزيد بن هارون،
قال: أنبا يحيى بن سعيد؛ أن نافعاً أخبره؛ أن عمرو بن ثابت الْعُتْوَاريّ ذكر
لعبد الله بن عمر؛ أنه سمع أبا سعيد الخدريّ، يحدّث أنه سمع رسول الله وَلخلقه
يقول: ((الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، ليس بينهما فضل))، فمشى ابن عمر
معه، ومعه نافع إلى أبي سعيد الخدريّ، حتى دخل عليه، فسأله عن الحديث،
فقال أبو سعيد، وأشار بإصبعه إلى عينيه وأذنيه، فقال: بَصُر عيني، وسَمِع أذني
رسول الله * يقول: ((الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، ليس بينهما فضل،
ولا يباع عاجل بآجل)). انتهى.
وأما رواية ابن عون، عن نافع، فقد ساقها النسائيّ في ((المجتبى)) ٧/
٢٧٩ فقال :
(٤٥٧١) - أخبرنا حميد بن مَسْعَدة، وإسماعيل بن مسعود، قالا: حدّثنا
يزيد، وهو ابن زُريع، قال: حدّثنا ابن عون، عن نافع، عن أبي سعيد
الخدريّ، قال: بَصُر عيني، وسَمِع أذني، من رسول الله بَّر، فذكر النهي عن
الذهب بالذهب، والورق بالورق، إلا سواءً بسواء، مثلاً بمثل، ولا تبيعوا غائباً
بناجز، ولا تُشِفّوا أحدهما على الآخر. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٠٥٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِي ابْنَ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ - عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَهِ قَالَ: ((لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، وَلَا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ، إِلَّا وَزْناً
بِوَزْنٍ، مِثْلاً بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، ثقةٌ [٨]
(ت١٨١) (خ م د ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٥/٣٥.

٥٩١
(٣٥) - بَابُ الرِّبَا - حديث رقم (٤٠٥١)
٢ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح، أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت١٣٨) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦١.
٣ - (أَبُوهُ) أبو صالح ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (١٠١)
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
والباقيان ذُكرا في الباب.
وقوله: (إِلَّ وَزْناً بِوَزْنٍ، مِثْلاً بِمِثْلِ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ) قال النوويّ ◌َخْتُهُ: يَحْتَمِل
أن يكون الجمع بين هذه الألفاظ توكيداً، ومبالغةً في الإيضاح. انتهى (١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٠٥١] (١٥٨٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ
ابْنُ عِيسَى، قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ
سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: إِنَّهُ سَمِعَ مَالِكَ بْنَ أَبِي عَامِرٍ، يُحَدِّثُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ؛
أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((لَا تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ، وَلَا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ))).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ) أبو جعفر المصريّ، ثقةٌ فاضلٌ [١٠]
(ت٢٥٣) وله (٨٣) سنةً (مد س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩.
٢ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) المعروف بابن التستريّ المصريّ، صدوقٌ تُكلم في
بعض سماعاته بلا حجة [١٠] (ت٢٤٣) (خ م س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٤/٨.
٣ - (مَخْرَمَةُ) بن بُكير بن عبد الله، أبو الْمِسور المدنيّ، صدوقٌ، وروايته
عن أبيه وجادة، وقيل: سمع منه قليلاً [٧] (ت ١٥٩) (بخ م د س) تقدم في
((الطهارة)) ٥٥٤/٤.
٤ - (أَبُوهُ) بكير بن عبد الله بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم، أبو عبد الله، أو
أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت١٢٠) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٤/ ٥٥٤.
(١) ((شرح النوويّ)) ١١/١١ - ١٢.

٥٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
٥ - (سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ، مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة المدنيّ،
ثقةٌ فاضلٌ، فقيه، من كبار [٣] مات بعد المائة، أو قبلها (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٩.
٦ - (مَالِكُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ) الأصبحيّ، ثقةٌ، سمع من عمر وظ
٧٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٩/٢.
[٢] (ت
٧ - (عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ) بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس الأمويّ،
أمير المؤمنين، ذو النورين، أحد الخلفاء الراشدين، والعشرة المبشّرين،
استُشهد في ذي الحجة سنة (٣٥) وعمره ثمانون، قيل: أكثر، وقيل: أقلّ (ع)
تقدم في ((الإيمان) ١٤٤/١٠.
والباقيان تقدّما في الباب الماضي، وشرح الحديث واضح، يُعلم مما
سبق .
وقوله: (لَا تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ، وَلَا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ) قال أبو عمر
ابن عبد البرّ تَخّلهُ: هذا لفظ مجمل تفسيره قوله وَله: ((ولا تُشِفّوا بعضها على
بعض))، وقوله وَّ﴾: ((من زاد فقد أربى))، ولا أعلم خلافاً بين أئمة الأنصار
بالحجاز، والعراق، وسائر الآفاق في أن الدينار لا يجوز بيعه بالدينارين، ولا
بأكثر منه وزناً، ولا الدرهم بالدرهمين، ولا بشيء من الزيادة عليه، إلا ما كان
عليه أهل مكة قديماً وحديثاً من إجازتهم التفاضل في ذلك، إذا كان يداً بيد،
أخذوا ذلك عن ابن عباس ﴿ها، فإنه كان يقول: لا بأس بالدرهم بالدرهمین،
وإنما الربا في النسيئة؛ لِمَا رواه عن أسامة بن زيد ظه، عن النبيّ وَلّ أنه
قال: ((لا ربا إلا في النسيئة)).
قال أبو عمر: لم يتابع ابن عباس على تأويله في قوله في حديث أسامة
هذا أحدٌ من الصحابة، ولا من التابعين، ولا مَنْ بَعْدَهم، من فقهاء المسلمين،
إلا طائفة من المكيين أخذوا ذلك عنه، وعن أصحابه، وهم محجوجون بالسنّة
الثابتة التي هي الحجة على من خالفها، وجَهِلها، وليس أحد بحجة عليها.
وقد رُوي عن ابن عباس أنه رجع عن ذلك، وقال: لا علم لي بذلك،
إنما أسامة بن زيد أخبرني أن رسول الله وَ قير قال: ((إنما الربا في النسيئة)).
ورَوَى معمر، عن عمرو بن دينار، عن أبي صالح، قال: لقي أبو سعيد

٥٩٣
(٣٥) - بَابُ الرِّبًا - حديث رقم (٤٠٥١)
الخدريّ ابنَ عباس، فقال له: أرأيت ما تُفتي به الناس من الصرف، أشيء
وجدته في كتاب الله، أم سنة من رسول الله وَليه؟ قال: ولا في كليهما، وأنتم
أصحاب رسول الله والله أعلم به مني، ولكن أسامة بن زيد أخبرني أنه سمع
رسول الله ﴿ يقول: ((الربا في النسيئة)).
قال أبو عمر: حديثه عن أسامة صحيح، ولكنه وضعه غير موضعه،
وحمله على غير المعنى الذي له أَتَی.
ومعنى الحديث عند العلماء أنه خرج على جواب سائل سأل عن الذهب
بالورق، أو البر بالتمر، أو نحو ذلك، مما هو جنسان، فقال رسول الله وَله :
((لا ربا إلا في النسيئة))، فسمع أسامة كلام رسول الله وَصير، ولم يسمع سؤال
السائل، فنقل ما سمع، والله أعلم.
والدليل على صحة هذا التأويل إجماع الناس ما عدا ابنَ عباس عليه،
وما صح عن النبيّ ◌َ ر أنه قال: ((الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، لا فضل
بينهما))، وقوله وَلي: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، إلا مثلاً
بمثل، يداً بيد، ولا تُشفّوا بعضها على بعض))، رواه أبو سعيد الخدريّ وغيره،
عن النبيّ ێۇ .
ثم أخرج أبو عمر بسنده عن أبي الجوزاء، قال: سمعت ابن عباس،
وهو يأمر بالضرب(١) الدرهم بالدرهمين، والدينار بالدينارين، يداً بيد، فقدِمت
العراق، فابتليت الناس بذلك، ثم بلغني أنه نزل عن ذلك، فقدٍمت مكة،
فسألته، فقال: إنما كان ذلك رأياً مني، وهذا أبو سعيد يحدث عن النبيّ وَل ◌ّ
بالنهي عنه.
ورَوى ابن عيينة، عن فُرات القزاز قال: دخلنا على سعيد بن جبير
نعوده، فقال له عبد الملك بن ميسرة الزّرّاد: كان ابن عباس نزل عن الصرف،
فقال سعيد: عهدي به قبل أن يموت بستة وثلاثين يوماً، وهو يقوله، وما رجع
عنه .
(١) كذا في النسخة، والظاهر أن الصواب ((بالصرف))، فليُحرّر.

٥٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
قال أبو عمر: رجع ابن عباس، أو لم يرجع، بالسنّة كفايةٌ عن قول كل
أحد، ومن خالفها جهلاً بها رُدَّ إليها .
قال عمر بن الخطاب: رُدُّوا الجهالات إلى السنة. انتهى كلام ابن
عبد البرّ تَظْلُ باختصار(١).
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عثمان بن عفّان ◌َالله هذا من أفراد
المصنّف نَخَذَتْهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠٥١/٣٥] (١٥٨٥)، و(مالك) في ((الموظّا))
(٦٣٣/٢)، و(الشافعيّ) في («مسنده)) (١٨١/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣/
٣٩٠)، و(البزّار) في ((مسنده)) (٣٧/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٧٨/٥)
و((المعرفة)) (٢٩١/٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اُلْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ .
(٣٦) - (بَابُ الصَّرْفِ، وَبَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ نَقْداً)
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذّتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٠٥٢] (١٥٨٦) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ
الْحَدَثَانِ؛ أَنَّهُ قَالَّ: أَقْبَلْتُ أَقُولُ: مَنْ يَصْطَرِفُ الدَّرَاهِمَ، فَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ،
وَهُوَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَرِنَا ذَهَبَكَ، ثُمَّ اثْتِنَا إِذَا جَاءَ خَادِمُنَا نُعْطِكَ(٢)
وَرِقَكَ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّبِ: كَلَّ، وَاللّهِ لَتُعْطِيَنَّهُ وَرِقَهُ، أَوْ لَتَرُدَّنَّ إِلَيْهِ ذَهَبَهُ، فَإِنَّ
رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((الْوَرِقُ بِالذَّهَبِ رِباً إِلَّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِباً إِلَّ هَاءَ
وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِباً إِلَّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِباً إِلَّ هَاءَ وَهَاءَ))).
(١) الاستذكار ٣٥١/٦ - ٣٥٤.
(٢) وفي نسخة: ((نعطيك)).

(٣٦) - بَابُ الصَّرْفِ، وَبَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ نَقْداً - حديث رقم (٤٠٥٢)
٥٩٥
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مَالِكُ بْنُ أَوْسٍ بْنِ الْحَدَثَانِ) - بفتح المهملة، والمثلّثة - ابن سعد بن
يربوع النَّصْريّ - بالنون - أبو سعيد المدنيّ، مختلف في صحبته، وهو ثقةٌ.
رَوَى عن النبيّ ◌َ ﴿ مرسلاً، وقيل: إنه رأى أبا بكر، وروى عن عمر،
وعثمان، وعليّ، والعباس، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف،
وسعد بن أبي وقاص، وأبي ذرّ.
وروى عنه الزهريّ، ومحمد بن عمرو بن عطاء، وعكرمة بن خالد،
ومحمد بن جبير بن مطعم، وعبيد الله بن مِقْسم، وسلمة بن وَرْدان، وغيرهم.
ذكره ابن سعد في طبقة من أدرك النبيّ وَّر، ورآه، ولم يحفظ عنه شيئاً،
قال: ويقولون: إنه ركب الخيل في الجاهلية، قال: وكان قديماً، ولكنه تأخر
إسلامه، وقال البخاريّ: قال بعضھم: له صحبة، ولا تصحّ، وقال أبو حاتم،
وابن معين: لا تصح له صحبة، وقال عُقيل عن الزهريّ: ذكرت لعروة حديث
مالك بن أوس، فقال: صدوق، وقال ابن خِرَاش: ثقة، وذكره ابن حبان في
((الثقات))، وقال: من زعم أن له صحبةً، فقد وَهِمَ.
وأثبت له الصحبة أحمد بن صالح المصريّ، ذكره ابن عبد البر، وقال:
إنه رَوَى عن العشرة، وقال أنس بن عياض، عن سلمة بن وَرْدان، عن مالك بن
أوس بن الحدثان، قال: كنا عند النبيّ وَل﴿، فقال: ((وجبت وجبت ... ))
الحديث، ولكن سلمة ضعيف، وقال ابن منده: إن الصواب عن سلمة بن
وردان، عن أنس بن مالك، وقال أبو القاسم البغويّ: يقال: إنه رأى النبيّ وَّ،
ولم تثبت له عنه رواية.
قال الواقديّ، وآخرون: مات سنة اثنتين وتسعين، وقال يحيى بن بكير
مرة أخرى: مات سنة إحدى.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (١٥٨٦)،
و (١٧٥٧) وأعاده بعده.
٢ - (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) بن نُفيل القرشيّ العدويّ، أمير المؤمنين، جمّ
المناقب، استُشهد في ذي الحجة سنة (٢٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
والباقون تقدّموا في البابين الماضيين.
:

٥٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف تَُّ، وله فيه إسنادان، فرّق
بينهما بالتحويل؛ لاختلاف كيفيّة التحمّل والأداء؛ فقتيبة أخذه سماعاً، وابن
رُمح قراءة، وكذا اختلافهما في اسم شيخهما بإدخال عليه، وعدمه.
٢ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٣ - (ومنها): أن صحابيّه ذو مناقب جمة، فهو أحد السابقين إلى
الإسلام، وأحد الخلفاء الأربعة، والعشرة المبشرين بالجنّة، ومن المحدّثين من
هذه الأمة
شرح الحديث:
(عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ) بفتحات (أَنَّهُ قَالَ: أَقْبَلْتُ أَقُولُ: مَنْ)
استفهاميّة (يَصْطَرِفُ الدَّرَاهِمَ) أي: من يبيعها بمقابلة الذهب، وهو افتعال من
الصرف، وفي رواية للبخاريّ ((أنه التمس صرفاً بمائة دينار))، ورواية له: ((أنه
قال: من عنده صرف؟))؛ أي: من عنده دراهم يُعَوِّضها بالدنانير؛ لأن الصرف
بيع أحد النقدين بالآخر، يقال: صَرَفْتُ الذهب بالدراهم، من باب ضرب: إذا
بعته، واسم الفاعل من هذا صيرفيّ، وصَيْرفٌ، وصرّافٌ للمبالغة، قال ابن
فارس: الصرف فضل الدرهم في الجودة على الدرهم، ومنه اشتقاق الصيرفيّ،
ذكره الفيّوميّ(١).
وقال في ((العمدة)): قال العلماء: بيع الذهب بالفضة يُسَمَّى صرفاً؛ لصرفه
عن مقتضى البياعات، من جواز التفرَّق قبل التقابض، وقيل: من صريفهما،
وهو تصويتهما في الميزان، كما أن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة يُسَمَّى
مُرَاطَلَةً. انتهى(٢) .
، استشهد يوم
(فَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) أحد العشرة المبشّرين بالجنّة
الْجَمَل سنة (٣٦) تقدّمت ترجمته في ((الإيمان)) ١٠٩/٢. وقوله: (وَهُوَ عِنْدَ عُمَرَ
رُ جملة في محلّ نصب على الحال من ((طلحة)) (أَرِنَا ذَهَبَكَ،
بْنِ الْخَطَّابِ)
(١) ((المصباح المنير)) ٣٣٨/١.
(٢) ((عمدة القاري)) ٢٩٣/١١.

٥٩٧
(٣٦) - بَابُ الصَّرْفِ، وَبَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ نَقْداً - حديث رقم (٤٠٥٢)
ثُمَّ اثْتِنَا إِذَا جَاءَ خَادِمُنَا) قال الحافظ تَخْذُهُ: لم أقف على تسمية الخازن الذي
أشار إليه طلحة. انتهى (١). (نُعْطِئِكَ وَرِقَكَ) ((نُعطيك)) جواب ((إذا)) مرفوع، ولذا
ثبتت الياء، ووقع في بعض النسخ: ((نُعطك)) بحذفها، ويوجّه على لغة الجزم
بـ((إذا)) الشرطيّة، وهو قليلٌ، كما في قول الشاعر [من الكامل]:
اسْتَغْنِ مَا أَغْنَاكَ رَبُّكَ بِالْغِنَى وَإِذَا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّلِ
وفي رواية البخاريّ: ((فدعاني طلحة بن عُبيد الله، فتراوضنا(٢)، حتى
اصطرف منّي، فأخذ الذهب يُقلّبها في يده، ثم قال: حتى يأتي خازني من
الغابة، وعمر يسمع ذلك، فقال: والله لا تفارقه ... )) (فَقَالَ عُمَرُ بْنُ
الْخَطَّابِ) وَظُه: (كَلَّا) أي: ارتدع وانزجر عما تقوله من تأخير العوض حتى
يأتي خازنك (وَاللهِ لَتُعْطِيَنَّهُ وَرِقَهُ) بفتح الواو، وكسر الراء؛ أي: فضّته (أَوْ لَتَرُدَّنَّ
إِلَيْهِ ذَهَبَهُ) ثم بيّن عمر ر ◌ُّه متمسّکه في هذا الذي قاله لطلحة ◌ُته، بالفاء
التعليليّة، فقال: (فَإِنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((الْوَرِقُ) بفتح الواو، وكسر الراء،
وتُسكّن مع فتح الواو، وكسرها، تخفيفاً، وكَكَتف، وجَبَل، قال المجد ◌َُّهُ:
(الورق)) مثلثةً، وككَتِفٍ، وجبَل: الدراهم المضروبة، جمعها أوراق، ووِراقٌ.
(٣)
انتھی(٣).
وقال في ((الفتح)): والوَرِق: الفضة، وهو بفتح الواو، وكسر الراء،
وباسكانها على المشهور، ويجوز فتحهما، وقيل: بكسر الواو: المضروبة،
وبفتحها: المال، والمراد هنا جميع أنواع الفضة، مضروبةً وغير مضروبة.
(٤).
انتهى .
وقال القرطبيّ كَُّ: قوله: ((الْوَرِقُ)) - بكسر الراء -: الفضة، وهو اسم
جنس معرَّف بالألف واللام الجنسيتين، فيتضمن ذلك الجنس كله، مسکوکه،
ومصوغه، وتبره، ونقاره، وكذلك الذهب، فلا يجوز مصوغ بتبر إلا مثلاً
بمثل، وكذلك جميع أنواعها، وليس له أن يستفضل قيمة الصنعة، ولا
(١) ((الفتح)) ٦٤٣/٥.
(٢) أي تجارينا الكلام في قدر العوض بالزيادة والنقص.
(٣) ((القاموس المحيط)) ص١٣٩٣.
(٤) ((الفتح)) ٦٤٣/٥.

٥٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
عُمالتها، وسيأتي لهذا مزيد بيان - إن شاء الله تعالى _(١).
(بِالذَّهَبِ رِباً) قال ابن عبد البرّ: لم يُخْتَلَف على مالك فيه، وحَمَله عنه
الحفاظ، حتى رواه يحيى بن أبي كثير، عن الأوزاعيّ، عن مالك، وتابعه
معمر، والليث، وغيرهما، وكذلك رواه الحفاظ عن ابن عيينة، وشدَّ أبو نعيم
عنه، فقال: ((الذهب بالذهب))، كذلك رواه ابن إسحاق، عن الزهريّ.
ويجوز في قوله: ((الورق بالذهب)» الرفعُ؛ أي: بيع الورق بالذهب،
فحُذف المضاف للعلم به، أو المعنى: الورقُ يباع بالذهب، ويجوز النصب؛
أي: بيعوا الورق.
قال في ((الفتح)): والذهب: يُطلق على جميع أنواعه: المضروبة،
وغيرها .
(إِلَّ هَاءَ وَهَاءَ) قال القرطبيّ تَخْذُ: الرواية المشهورة في (هاء)): بالمد،
وبهمز مفتوحة، وكذلك رويته، ومعناها: خذ. فكأنها اسم من أسماء الأفعال،
كما تقول: هاؤم، وفيها أربع لغات:
[إحداها]: ما تقدَّم، وفيها لغتان:
إحداهما: أنها تُقال للمذكر والمؤنث، والواحد والاثنين، والجمع، بلفظ
واحد ((هاء)) من غير زيادة، قال السيرافيّ: كأنهم جعلوها صوتاً؛ كصَهْ، ومَهْ.
وثانيهما: أنها تُلْحَق بها العلامات المفرَّقة، فتقول للمذكر: هاءَ،
وللمؤنث: هائي. وللاثنين: هاءا، وللجمع: هاؤوا؛ كالحال في: هاؤم،
وفي : هَلُمّ.
[الثانية]: هَأْ، بالقصر والهمزة الساكنة، فتقول: هَأْ، كما تقول: خَفْ،
وفيها اللغتان المتقدمتان، حكاها ثابت وغيره من أهل اللغة.
[الثالثة]: هاءٍ بالمدّ، وكسر الهمزة، وهي للواحد، والاثنين، والجمع
بلفظ واحد، غير أنهم زادوا ياءً مع المؤنث، فقالوا: هائي.
[الرابعة]: ها، بالقصر، وترك الهمز، حكاها بعض اللغويين، وأنكرها
أكثرهم، وخُطّئ من رواها من المحدِّثين كذلك.
(١) ((المفهم)) ٤/ ٤٧٢.

٥٩٩
(٣٦) - بَابُ الصَّرْفِ، وَبَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ نَفْداً - حديث رقم (٤٠٥٢)
وقد حُكيت لغة خامسة: هاءَكِ، بمدَّةٍ، وهمزة مفتوحة، وكاف خطاب
مكسورة للمؤنث.
قال القرطبيّ: ولا بُعْد في أن يقال: إن ((هاء)) هذه هي اللغة الأولى،
وإنما زادوا عليها كاف الخطاب المؤنث خاصة، فلا تكون خامسة.
ومعنى: ((هاء وهاء)): خذ وهات في هذه الحال من غير تراخ، كما قال:
(يداً بيد)). انتهى كلام القرطبيّ كَخَذْهُ(١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((إلا هاء وهاء)) بالمدّ فيهما، وفتح الهمزة،
وقيل: بالكسر، وقيل: بالسكون، وحُكِي القصرُ بغير همز، وخطّأها الخطابيّ،
وردّ عليه النوويّ، وقال: هي صحيحة، لكن قليلة، والمعنى: خُذْ، وهَاتِ،
وحُكي هاكٍ بزيادة كاف مكسورة، ويقال: هاءٍ بكسر الهمزة، بمعنى هات،
وبفتحها بمعنى خذ، بغير تنوين.
وقال ابن الأثير: هاءَ وهاءَ هو أن يقول كلُّ واحد من الْبَيِّعين: هاء،
فيعطيه ما في يده، كالحديث الآخر: ((إلا يداً بيد))، يعني مقابضةً في المجلس،
وقيل: معناه: خذ وأعط، قال: وغير الخطابيّ يجيز فيها السكون على حذف
العوض، ويتنزل منزلة ها التي للتنبيه.
وقال ابن مالك: ((ها)) اسم فعل بمعنى خُذْ، وإن وقعت بعد ((إلّا))،
فيجب تقدير قولٍ قبله، يكون به محكيّاً، فكأنه قيل: ولا الذهب بالذهب إلا
مقولاً عنده من المتبايعين: هاء وهاء، وقال الخليل: كلمةٌ تُستَعمل عند
المناولة.
والمقصود من قوله: ((هاء وهاء)) أن يقول كل واحد من المتعاقدين
لصاحبه: هاء، فيتقابضان في المجلس.
قال ابن مالك: حقُّها أن لا تقع بعد ((إلّا))، كما لا يقع بعدها: خُذْ،
قال: فالتقدير: لا تبيعوا الذهب بالورق إلا مقولاً بين المتعاقدين: هاء وهاء.
واستُدِلّ به على اشتراط التقابض في الصرف في المجلس، وهو قول أبي
حنيفة، والشافعيّ، وعن مالك: لا يجوز الصرف إلا عند الإيجاب بالكلام،
(١) ((المفهم)) ٤ /٤٧٠ - ٤٧١.

٦٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
ولو انتقلا من ذلك الموضع إلى آخر لم يصحّ تقابضهما، ومذهبه أنه لا يجوز
عنده تراخي القبض في الصرف، سواء كانا في المجلس، أو تفرقا، وحَمَل
قول عمر: ((لا يفارقه)) على الفور، حتى لو أخّر الصيرفيّ القبض حتى يقوم إلى
قَعْرِ دُكّانه، ثم يفتح صندوقه لَمَا جاز. انتهى(١).
وقال القرطبيّ ◌َّثُ: وقد بالغ مالك ◌َّثُ في هذا، حتى منع المواعَدة
على الصرف، والحوالة، والوكالة على عقد الصرف دون القبض، ومنع أن
يعقد الصرف، ويقوم إلى فَعْرِ دكانه، ثم يفتح صندوقه، ويخرج ذهبه؛ بناءً على
ما تقدَّم من أصله، وهذا هو الذي فهمه عمر ظُه عن الشرع حين قال: ((وإن
أنظرك إلى أن يَلِج بيته فلا تنظره، إني أخاف عليكم الربا))، وقال: «دَعُوا الربا
والريبة)). انتهى (٢).
(وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِباً إِلَّ هَاءَ وَهَاءَ) ((الْبُرُ)) - بضم الموحّدة، ثم راء: من أسماء
الحنطة، واحده: بُرّةٌ، والجمع: أبرار(٣)، وقال الجوهريّ: البُرّ: جمع بُرّة،
من الْقَمْحِ، ومَنَع سيبويه أن يُجمع الْبُرّ على أَبْرار، وجوّزه المبرّد قياساً.
انتهى (٤). (وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ) - بفتح أوله: معروف، وحُكِي جواز كسره، وقال
الفيّوميّ: الشعير: حَبّ معروف، قال الزجّاج: وأهل نجد تؤنّثه، وغيرهم
يذكّره، فيقال: هي الشعير، وهو الشعير. انتهى(٥).
وقال ابن منظور كَّلُهُ: الشعير: جنس من الحبوب معروفٌ، واحدته
شعيرة، وبائعه شَعِيريّ، قال سيبويه: وليس مما بُني على فاعل، ولا فَعّال،
كما يغلب في هذا النحو، وأما قول بعضهم: شِعِير، وبِعِيرٌ، ورِغِيفٌ، وما أشبه
ذلك - يعني بكسر أولها وثانيها - لتقريب الصوت من الصوت - يعني للمناسبة -
فلا يكون هذا إلا مع حروف الحلق. انتهى (٦).
(رِباً إِلَّ هَاءَ وَهَاءَ) استُدِلّ بهذا على أن البرّ والشعير صنفان، وهو قول
(١) ((الفتح)) ٦٤٤/٥.
(٢) ((المفهم)) ٤/ ٤٧٢.
(٣) راجع: ((المصابيح)) ٤٣/١، و((القاموس)) ص٩٤.
(٤) ((الصحاح)) ص ٨٤.
(٦) ((لسان العرب)) ٤١٠/٤.
(٥) ((المصباح المنير)) ٣١٥/١.