Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
(٣٤) - بَابُ تَحْرِيمٍ بَيْعِ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالأَصْنَامِ - حديث رقم (٤٠٤٥)
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ) العيشيّ، أبو بكر البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت٢٣١)
(خ م س) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٢/٧.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌّ [٨] (ت
(١٨٢) (ع) تقدم في ((الإيَّمان)) ١٣٢/٧.
٣ - (رَوْحُ بْنُ الْقَاسِم) التميميّ الْعَنبريّ، أبو غياث البصريّ، ثقةٌ حافظٌ
[٦] (ت١٤١) (خ م د س ◌َق) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٢/٧.
و(عمرو بن دینار)) ذُکر قبله.
[تنبيه]: رواية روح بن القاسم، عن عمرو بن دينار هذه ساقها أبو عوانة
في ((مسنده)) ٣٧١/٣ فقال:
(٥٣٥٧) - حدّثنا عباس الدُّوريّ، قئنا (١) أبو أمية بن بسطام(٢)، قئنا
يزيد بن زُريع، عن رَوْح بن القاسم، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن
ابن عباس، عن عمر بن الخطاب؛ أنه قال: قاتل الله فلاناً حين يبيع الخمر،
أما والله لقد سمع قول رسول الله وَي في يهود: ((حُرِّمت عليهم الشحوم،
فجملوها، ثم باعوها)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٠٤٥] (١٥٨٣) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ
بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ؛ أَنَّهُ
حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَّسُولِ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ، حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِمُ
الشُّحُومَ، فَبَاهُوهَا، وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا))).
(١) مختصر من ((قال: حدّثنا)).
(٢) كذا وقع في النسخة: ((أبو أميّة بن بسطام))، والصواب ((أميّة بن بسطام))، كما هو
في ((صحيح مسلم))، فتنبّه.

٥٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم تقدّموا في الباب، وقبل باب، وكذا شرح الحديث، وفوائده قد
تقدّمت في الأحاديث الماضية، فلا حاجة إلى إعادتها .
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة حبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠٤٥/٣٤ و٤٠٤٦] (١٥٨٣)، و(البخاريّ) في
((البيوع)) (٢٢٢٤)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٦٢/٢ و٥١٢)، و(أبو عوانة) في
(مسنده) (٣٧١/٣ - ٣٧٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخّْتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٠٤٦] ( ... ) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ، حُرِّمَ عَلَيْهِمُ الشَّحْمُ، فَبَاعُوهُ، وَأَكَلُوا ثَمَنَهُ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وقد تقدّموا قبل باب، وكذا شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الباب،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٣٥) - (بَابُ الرِّبَا)
الرِّبا في اللغة: الزيادة مطلقاً، يقال: ربا الشيءُ، يربو: إذا زاد، ومنه
الحديث: ((فلا والله ما أخذنا من لقمة إلا رَبًا من تحتها))، متّفقٌ عليه؛ يعني به
الطّعام الذي دعا فيه النبيّ ◌َّه بالبركة.
ثم إن الشرع قد تصرَّف في هذا الإطلاق، فقصَرَه على بعض موارده،
فمرَّة أطلقه على اكتساب الحرام كيفما كان، كما قال تعالى في اليهود:
﴿وَأَخْذِهِمُ أَلِّبَواْ وَقَدْ نُهُواْ عَنَّهُ﴾ [النساء: ١٦١]، ولم يُرِد به الرِّبا الشرعيَّ الذي

٥٦٣
(٣٥) - بَابُ الرِّبَا
حُكم بتحريمه علينا؛ وإنما أراد المال الحرام، كما قال تعالى: ﴿سَفَّعُونَ
لِلْكَذِبِ أَكَّلُونَ لِلِسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢]؛ يعني به المال الحرام من الرشا،
ومما استحلوه من أموال الأميين حيث قالوا: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِىِ الْأُمَّيْنَ سَبِيلٌ﴾
[آل عمران: ٧٥]، وعلى هذا: فيدخل فيه النهي عن كل مال حرام بأيّ وجه
اکتُسِب.
والربا الذي غلب عليه عُرْفُ الشرع: تحريم النَّساء، والتفاضل في
النقود، وفي المطعومات، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى، قاله أبو
العبّاس القرطبيّ كَُّهُ في ((المفهم))(١).
وقال النوويّ تَخْتُ: الربا مقصور، وهو من ربا يربو، فيكتب بالألف،
وتثنيته رِبوان، وأجاز الكوفيون کَتْبه، وتثنيته بالياء؛ لسبب الكسرة في أوله،
وغَلَّطهم البصريون، قال العلماء: وقد كتبوه في المصحف بالواو، وقال الفراء:
إنما كتبوه بالواو؛ لأن أهل الحجاز تعلموا الخط من أهل الْحِيرة، ولغتهم
الربو، فعلّموهم صورة الخط على لغتهم، قال: وكذا قرأها أبو سماك العدويّ
بالواو، وقرأ حمزة، والكسائيّ بالإمالة بسبب كسرة الراء، وقرأ الباقون
بالتفخيم؛ لفتحة الياء، قال: ويجوز كتبه بالألف، والواو، والياء، وقال أهل
اللغة: والرِّمَاء بالميم، والمدّ هو الربا، وكذلك الرُّبية بضم الراء، والتخفيف
لغة في الربا، وأصل الربا: الزيادة، يقال: ربا الشيء يربو: إذا زاد، وأربى
الرجل، وأربى عامل بالربا. انتهى(٢).
وقال الفيّوميّ نَّهُ: الربا: الفضل، والزيادة، وهو مصدر على الأشهر،
ويُثنّى رِبَوَان بالواو على الأصل، وقد يقال: رِبيان على التخفيف، ويُنسب إليه
على لفظه، فيقال: رِبويّ. قاله أبو عُبيد وغيره: وزاد الْمُطرِّزِيّ، فقال: الفتح
في النسبة خطأ، وَرَبَا الشيءُ يربو: إذا زاد، وأربى الرجل بالألف: دخل في
(٣)
الربا. انتهى (٣).
وقال أبو عبد الله القرطبي تَُّ في ((تفسيره)): والربا في اللغة: الزيادة
(١) ((المفهم)) ٤/ ٤٧٢ - ٤٧٣.
(٣) ((المصباح المنير)) ٢١٧/١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٨/١١ - ٩.

٥٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
مطلقاً، يقال: ربا الشيء يربو: إذا زاد، ومنه حديثُ مسلم: ((فلا والله ما
أخذنا من لقمة، إلا ربا من تحتها)): يعني الطعام الذي دعا فيه النبيّ وَ ﴾
بالبركة.
قال: وقياس كتابته بالياء؛ للكسرة في أوله، وقد كتبوه في القرآن بالواو.
وقال أيضاً: اختلف النحاة في لفظ ((الربا))، فقال البصريون: هو من ذوات
الواو؛ لأنك تقول في تثنيته: ربوان، قاله سيبويه، وقال الكوفيون: يكتب
بالياء، وتثنيته بالياء؛ لأجل الكسرة التي في أوله، قال الزجاج: ما رأيت خطأ
أقبح من هذا، ولا أشنع، لا يكفيهم الخطأ في الخط، حتى يخطئوا في التثنية،
وهم يقرءون: ﴿وَمَآ ءَاتَّيْتُم مِّن رِّبًا لِيَرَبُوَا فِ أَفَوَلِ اَلنَّاسِ﴾ [الروم: ٣٩]، قال
محمد بن يزيد: كتب الربا في المصحف بالواو؛ فرقاً بينه وبين الزنا، وكان
الربا أولى منه بالواو؛ لأنه من ربا يربو.
قال: ثم إن الشرع قد تصرف في هذا الإطلاق، فقصره على بعض
موارده، فمرة أطلقه على كسب الحرام، كما قال الله تعالى في اليهود:
﴿وَأَخْذِهِمُ الْرِّبَوْ وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ﴾ الآية [النساء: ١٦١]، ولم يرد به الربا الشرعيّ
الذي حَكَم بتحريمه علينا، وإنما أراد المال الحرام، كما قال تعالى:
﴿سَنَعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّلُونَ لِلشُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢] يعني به المال الحرام، من
الرشا، وما استحلوه من أموال الأميين، حيث قالوا: ﴿لَيَسُ عَلَيْنَا فِ الْأُمَّيْنَ
سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥]، وعلى هذا فيدخل فيه النهي عن كل مال حرام، بأيّ
وجه اکتُسب.
والربا الذي عليه عرف الشرع شيئان: تحريم النساء، والتفاضل في
العقود، وفي المطعومات على ما نبينه، وغالبه ما كانت العرب تفعله، ومن
قولها للغريم: أتقضي، أم تربي؟ فكان الغريم يزيد في عدد المال، ويصبر
الطالب عليه، وهذا كله محرَّم باتفاق الأمة.
قال: أكثر البيوع الممنوعة، إنما تجد منعها لمعنى زيادة، إما في عين
مال، وإما في منفعة لأحدهما، من تأخير، ونحوه، ومن البيوع ما ليس فيه
معنى الزيادة، كبيع الثمرة قبل بُدُوّ صلاحها، وكالبيع ساعة النداء يوم الجمعة،
فإن قيل لفاعلها: آكل الربا، فتجوُّز وتشبيه. انتهى كلام القرطبيّ

٥٦٥
(٣٥) - بَابُ الرِّبَا - حديث رقم (٤٠٤٧)
المفسّر دَخْذَهُ(١).
وقال ابن قدامة تَخَّقُ: الربا في اللغة: هو الزيادة، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا
أَنزَلْنَا عَلَيَّهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ الآية [الحج: ٥]، وقال: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةُ هِىَ أَرْبَ
مِنْ أُمَّةٍ﴾ [النحل: ٩٢] أي: أكثر عدداً، يقال: أربى فلانٌ على فلان: إذا زاد
عليه .
وهو في الشرع: الزيادة في أشياء مخصوصة، وهو محرَّم بالكتاب،
والسنة، والإجماع.
أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الْرِّيَوْ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وما بعدها من
الآيات، وأما السنة فقول النبيّ وَيقول: ((اجتنبوا السبع الموبقات))، قيل: يا
رسول الله ما هي؟ قال: ((الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حَرَّم الله إلا
بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات
المؤمنات الغافلات))، متّفقٌ عليه، وعنه وِّ﴿ أنه «لَعَن آكل الربا، وموكله،
وشاهديه، وكاتبه))، مُتَّفق عليه، في أخبار سوى هذين كثيرة، وأجمعت الأمة
على أن الربا محرَّم. انتهى(٢) .
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٠٤٧] (١٥٨٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ،
عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ
بِالذَّهَبِّ، إِلَّا مِثْلاً بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِقُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ
بِالْوَرِقِ، إِلَّا مِثْلاً بِمِثْلِ، وَلَا تُشِفُوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِباً
بِنَاجِزٍ»).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلهم تقدّموا في الباب الماضي، وقبل باب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف ◌َُّ، وهو
(٢٧١) من رباعيّات الكتاب.
(١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ٣٤٨/٣.
(٢) ((المغني)) لابن قدامة ◌َلَهُ ٢٥/٤.

٥٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) ◌َهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَِّ قَالَ: ((لا) ناهية، ولذا
◌ُزم الفعل بعدها (تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ) يدخل في الذهب جميع أصنافه، من
مضروب، ومنقوش، وجَيِّد، ورديء، وصحيح، ومُكَسَّر، وحلي، وتِبْرٍ،
وخالص، ومغشوش، ونقل النوويّ تبعاً لغيره في ذلك الإجماع(١). (إِلَّا مِثَلاً
بِمِثْلِ) منصوب على الحال؛ أي: إلا متماثلين، وفي رواية أبي صالح السمّان،
عن أبي سعيد الآتية: ((إلا وزناً بوزن، مِثلاً بمثل، سواءً بسواء)) (وَلَا تُشِفُّوا)
بضم حرف المضارعة، وكسر الشين المعجمة، وتشديد الفاء؛ أي: لا
تُفَضِّلوا، وهو رباعيّ، من أشفّ، والشِفّ بالكسر: الزيادة، ويطلق على
النقصان، فهو من الأضداد، يقال: شفّ الدرهم بفتح الشين يَشِفّ بكسرها:
إذا زاد، وإذا نقص، وأشفّه غيره يُشِفّه(٢)، ذكره النوويّ نَُّ.
وقال الفيّوميّ: شفّ الشيءُ يَشِفّ شَفّاً، مثلُ حَمَلَ يَحْمِلُ حَمْلاً: إذا زاد،
وقد يُستعمل في النقص أيضاً، فيكون من الأضداد، يقال: هذا يَشِفّ قليلاً؛
أي: ينقُص، وأشففتُ هذا على هذا؛ أي: فضّلتُ. انتهى(٣).
وقال التوربشتيّ: قوله: ((ولا تُشفّوا)) أي: لا تفضّلوا، والشِّفّ بالكسر:
الفضل والربح، والشِّف أيضاً النقصان، وكلمة ((على)) هي الفارقة في هذا
الحديث بين الزيادة والنقصان. انتهى (٤).
(بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ) الضمير للذهب؛ لأنه يجوز تأنيثه، قال الجوهريّ:
الذهب معروف، وربّماً أُنّث. انتهى.
وقال الفيّوميّ: الذَّهَبُ: معروف، ويُؤَنَّث، فيقال: هي الذَّهَبُ الحمراء، ويقال:
إن التأنيث لغة الحجاز، وبها نزل القرآن، وقد يؤنث بالهاء، فيقال: ذَهَبَةٌ، وقال
الأزهريّ: الذَّهَبُ مذكَّر، ولا يجوز تأنيثه، إلا أن يُجعل جمعاً لذَهَبَةٍ، والجمع: أَذْهَابٌ،
مثل سبب وأسباب، وذُهْبَانٌ، مثل رُغْفَان، وأَذْهَبْتُهُ، بالألف: مَوَّهته بالذهب. انتهى(٥).
(١) ((شرح النوويّ)) ٩/١١.
(٣) ((المصباح المنير)) ٣١٧/١ - ٣١٨.
(٤) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٧/ ٢١٢٧.
(٢) (شرح النوويّ)) ١٠/١١.
(٥) ((المصباح المنير)) ٢١٠/١.

٥٦٧
(٣٥) - بَابُ الرِّبَا - حديث رقم (٤٠٤٧)
(وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ) قال الفيّومِيّ ◌َُّهُ: الْوَرِق بكسر الراء، وتُسكّن
تخفيفاً: النُّقْرة(١) المضروبةَ، ومنهم من يقول: النُّقْرة مضروبةً كانت، أو غير
مضروبة، قال الفارابيّ: الْوَرِقُ: المال من الدراهم، ويُجمع على أوراق،
والرِّقَةُ بوزن عِدَة مثلُ الورق(٢).
وقال الجوهريّ تَّقُهُ: الوَرْقُ: الدراهمُ المضروبة، وكذلك الرِقة، والهاء
عوضٌ من الواو. وفي الحديث: ((في الرِقَةِ رُبْعُ العُشْرِ))، ويجمع رِقِينَ، مثل إرَةٍ
وإرينَ. ومنه قولهم: إن الرِقينَ تغطّي أَفْنَ الأَفينَ. وتقول في الرفع: هذه
الرِقونَ. وفي الوَرْقِ ثلاث لغات حكاهنَّ الفراء: وَرِقٌ ووِرْقٌ ووَرْقٌ. ورجلٌ
وَرَّاقٌ، وهو الذي يُوَرِّقُ ويكتب. ووَرَّاقٌ أيضاً: كثير الدراهم. قال الراجز:
جاريةٌ من ساكِني العِراقِ تأكل من كِيسِ امرئٍ وَرَّاقٍ
قال ابن الأعرابيّ؛ أي: كثير الورق والمال. انتهى(٣).
(إِلَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِقُوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِباً
بِنَاجِزٍ))) بنون، وجيم وزاي؛ أي: مُؤَجَّلاً بحالٌ، والمراد بالغائب أعمّ من
المؤجل، كالغائب عن المجلس مطلقاً، مؤجلاً كان أو حالاً، والناجز
الحاضر.
قال ابن بطال: فيه حجة للشافعيّ في قوله: من كان له على رجل
دراهم، ولآخر عليه دنانير لم يجز أن يقاصّ أحدهما الآخر بما له؛ لأنه يدخل
في معنى بيع الذهب بالورق ديناً؛ لأنه إذا لم يجز غائب بناجز، فأحرى أن لا
يجوز غائب بغائب.
وأما الحديث الذي أخرجه أصحاب ((السنن)) عن ابن عمر، قال: كنت
أبيع الإبل بالبقيع، أبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم، وآخذ
الدنانير، فسألت رسول الله وسلم عن ذلك؟ فقال: ((لا بأس به إذا كان بسعر
يومه، ولم تفترقا وبينكما شيء))، فلا يدخل في بيع الذهب بالورق ديناً؛ لأن
النهي بقبض الدراهم عن الدنانير لم يقصد إلى التأخير في الصرف، قاله
(١) ((النُّقْرة)) بالضمّ: الفضّة.
(٣) ((الصحاح في اللغة)) ٢٧٥/٢.
(٢) راجع: ((المصباح)) ٦٥٥/٢.

٥٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
ابن بطال(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
، هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠٤٧/٣٥ و٤٠٤٨ و٤٠٤٩ و٤٠٥٠] (١٥٨٤)،
و(البخاريّ) في ((البيوع)) (٢١٧٦ و٢١٧٧)، و(الترمذيّ) في ((البيوع)) (٣/
٥٤٣)، و(النسائيّ) في ((البيوع)) (٢٧٨/٧ - ٢٧٩) و((الكبرى)) (٣٠/٤)،
و(مالك) في ((الموظٍّ)) (٦٣٢/٢ و٦٣٣)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (١٥٧/٢)،
و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢١٨١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤/٣ و٩ و٥٣ و٦١
و٧٣)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٦٤٩)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢/
٥١٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٠١٦)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٣/
٣٧٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٧٦/٥) و((الصغرى)) (٣٠/٥) و((المعرفة))
(٢٨٧/٤ و٢٨٨ و٢٨٩)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٠٦١)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم الربا، وهو مجمع عليه.
٢ - (ومنها): ما قاله النوويّ كَّلُهُ: وقد أجمع العلماء على تحريم بيع
الذهب بالذهب، أو بالفضة مؤجلاً، وكذلك الحنطة بالحنطة، أو بالشعير،
وكذلك كل شيئين اشتركا في علة الربا، أما إذا باع ديناراً بدينار، كلاهما في
الذمّة، ثم أخرج كل واحد الدينار، أو بعث من أحضر له ديناراً من بيته،
وتقابضا في المجلس فيجوز بلا خلاف عند أصحابنا؛ لأن الشرط أن لا يتفرقا
بلا قبض، وقد حصل، ولهذا قال ◌َ﴿ في الرواية التي بعد هذه: ((ولا تبيعوا
شيئاً غائباً منها بناجز، إلا يداً بيد))، وأما قول القاضي عياض: اتَّفَق العلماء
على أنه لا يجوز بيع أحدهما بالآخر، إذا كان أحدهما مؤجلاً، أو غاب عن
(١) ((شرح ابن بطّال على البخاريّ)) ٣٠٥/٦.

٥٦٩
(٣٥) - بَابُ الرِّبًا - حديث رقم (٤٠٤٧)
المجلس فليس كما قال، فإن الشافعيّ وأصحابه وغيرهم متفقون على جواز
الصُّوَر التي ذكرتها، والله أعلم. انتهى(١).
٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ بقوله: ((مثلاً بمثل)) على بطلان البيع بقاعدة مُدّ
عَجْوَة، وهو أن يبيع مُدَّ عَجْوة وديناراً بدينارين مثلاً، وأصرح من ذلك في
الاستدلال على المنع حديث فَضَالة بن عُبيد الآتي عند مسلم بعد بابين في ردّ
البيع في القلادة التي فيها خَرَزٌ وذهب، حتى تُفَصَّل، وفي رواية أبي داود:
فقلت: إنما أردت الحجارة، فقال: ((لا حتى تميّز بينهما)).
٤ - (ومنها): ما قاله ابن بطّال تخّثهُ: في هذا الحديث حجة للشافعيّ في
قوله: إن من كان له على رجل دراهم، ولذلك الرجل عليه دنانير فلا يجوز أن
يقاصّ أحدهما ماله بما له عليه، وإن كان قد حَلّ أجلهما جميعاً؛ لأنه يدخل
في معنى نهيه وَّه عن بيع الذهب بالورق ديناً؛ لأنه غائب بغائب، وإذا لم يجز
غائب بناجز، فأحرى أن لا يجوز غائب بغائب، وأجاز ذلك مالك إذا كان قد
خَلَّا جميعاً، فإن كانا إلى أجل لم يجز؛ لأنه يكون ذهب بفضة متأخراً.
وقال أبو حنيفة: يجوز في الحالّ وغير الحالّ، والحجة لمالك في إجازته
ذلك في الحال دون الأجل أنه إذا حلّ أجل الدين، واجتمع المتصارفان فإن
الذمم تبرأ كالعين إذا لم يفترقا إلا وقد تفاضلا في صرفهما، والغائب لا يحل
بيعه بناجز، ولا بغائب مثله، ومن حجته حديث ابن عمر أنه قال: ((كنت أبيع
الإبل بالبقيع أبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ بالدنانير،
فسألت رسول الله عن ذلك فقال: ((لا بأس به إذا كان بسعر يومكما، ولم
تفترقا وبينكما شيء)). رواه سماك بن حرب عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر.
وحجة من أجاز ذلك في الحال وغير الحال أن النبيّ وَل# لما لم يسأله
عن الدين أحالّ هو أم مؤجل، دلّ ذلك على استواء الحكم فيهما، ولو كان
بينهما فرق في الشريعة لوقفه عليه.
وأما تقاضي الدنانير من الدراهم، والدراهم من الدنانير من غير دين
يكون على الآخر، فأجازه عمر بن الخطاب وابن عمر، وروي عن عطاء،
(١) (شرح النوويّ)) ١٠/١١ - ١١.

٥٧٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
وطاوس، والحسن، والقاسم، وبه قال مالك، والثوريّ، والأوزاعيّ،
والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وقال كثير منهم: إذا كان بسعر
يومه، ورخّص فيه أبو حنيفة بسعر ذلك اليوم وبأغلى وأرخص، وكَرِه ذلك ابن
عباس، وأبو سلمة، وابن شبرمة، وهو قول الليث، ورُوي عن طاوس قول
ثالث: أنه كَرِه في البيع، وأجازه في القرض، وقال ابن المنذر: والقول الأول
أولی؛ لحديث ابن عمر.
قال: ولا يدخل هذا في نهيه وَ﴿﴿ عن بيع الذهب بالورق ديناً؛ لأن الذي
يقتضي الدنانير من الدراهم لم يقصد إلى تأخير في الصرف، ولا نواه، ولا
عَمِل عليه، فهذا الفرق بينهما. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قال ابن قدامة تَخْدَثُ: الربا على ضربين: ربا الفضل،
وربا النسيئة، وأجمع أهل العلم على تحريمهما، وقد كان في ربا الفضل
اختلاف بين الصحابة، فحُكي عن ابن عباس، وأسامة بن زيد، وزيد بن أرقم،
وابن الزبير ؛ أنهم قالوا: إنما الربا في النسيئة؛ لقوله ويليه: ((لا ربا إلا في
النسيئة))، رواه البخاريّ، والمشهور من ذلك قول ابن عباس، ثم إنه رجع إلى
قول الجماعة، رَوَى ذلك الأثرم بإسناده، وقاله الترمذيّ، وابن المنذر،
وغيرهم، وقال سعيد، بإسناده عن أبي صالح، قال: صحبت ابن عباس حتى
مات، فوالله ما رجع عن الصرف، وعن سعيد بن جبير قال: سألت ابن عباس
قبل موته بعشرين ليلة عن الصرف؟ فلم ير به بأساً، وكان يأمر به، والصحيح
قول الجمهور؛ لحديث أبي سعيد الخدريّ: إن رسول الله وَله، قال: ((لا تبيعوا
الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا تُشِفُّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق
بالورق إلا مثلاً بمثل، ولا تشفّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا غائباً بناجز))،
ولحديث أبي سعيد ﴿به أيضاً في قصّة بلال به المذكور في الباب، مُتّفقٌ
عليهما، قال الترمذيّ ◌َُّهُ: على حديث أبي سعيد ◌َّهِ العملُ عند أهل
العلم، من أصحاب النبيّ ◌َ ﴿ وغيرهم، وقولُ النبيّ ◌َّ: ((لا ربا إلا في
(١) ((شرح ابن بطال على البخاريّ)) ١١/ ٣١٧.

٥٧١
(٣٥) - بَابُ الرِّبَا - حديث رقم (٤٠٤٧)
النسيئة)) محمول على الجنسين. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): قال ابن قدامة دَّثُ أيضاً: وقد رُوي عن النبيّ
في الربا أحاديث كثيرة، ومن أتمها ما رَوَى عبادة بن الصامت ظُهُ عن
النبيّ وَل؛ أنه قال: ((الذهب بالذهب مثلاً بمثل، والفضة بالفضة مثلاً بمثل،
والتمر بالتمر مثلاً بمثل، والبر بالبر مثلاً بمثل، والملح بالملح مثلاً بمثل،
والشعير بالشعير مثلاً بمثل، فمن زاد، أو ازداد فقد أربى، بيعوا الذهب بالفضة
كيف شئتم يداً بيد، وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم يداً بيد، وبيعوا الشعير
بالتمر، کیف شئتم يداً بيد»، رواه مسلم.
فهذه الأعيان المنصوص عليها، يثبت الربا فيها بالنصّ، والإجماع،
واختَلَف أهل العلم فيما سواها، فحُكي عن طاوس وقتادة: أنهما قصرا الربا
عليها، وقالا: لا يجري في غيرها، وبه قال داود، ونُفاة القياس، وقالوا: ما
عداها على أصل الإباحة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ الآية
[البقرة: ٢٧٥]، واتفق القائلون بالقياس، على أن ثبوت الربا فيها بعلّة، وأنه يثبت
في كل ما وُجدت فيه علتها؛ لأن القياس دليل شرعيّ، فيجب استخراج علة
هذا الحكم، وإثباته في كل موضع وُجدت علّته فيه، وقول الله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ
الرِّبَواْ﴾ [البقرة: ٢٧٥] يقتضي تحريم كل زيادة، إذ الربا في اللغة الزيادة، إلا ما
أجمعنا على تخصيصه، وهذا يعارض ما ذكروه، ثم اتفق أهل العلم على أن
ربا الفضل، لا يجري إلا في الجنس الواحد، إلا سعيد بن جبير، فإنه قال:
كل شيئين يتقارب الانتفاع بهما، لا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلاً؛
كالحنطة بالشعير، والتمر بالزبيب، والذَّرة بالدُّخْن؛ لأنهما يتقارب نفعهما،
فجريا مجرى نوعي جنس واحد، وهذا يخالف قول النبيّ وَله: ((بيعوا الذهب
بالفضة، كيف شئتم يداً بيد، وبيعوا البر بالتمر، كيف شئتم))، فلا يُعَوَّل عليه،
ثم يَبْطُل بالذهب بالفضة، فإنه يجوز التفاضل فيهما، مع تقاربهما، واتفق
المعلِّلُون على أن علة الذهب والفضة واحدة، وعلّة الأعيان الأربعة واحدة، ثم
اختلفوا في علة كل واحد منهما :
فرُوي عن أحمد في ذلك ثلاث روايات:

٥٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
أشهرهنّ: أن علة الربا في الذهب والفضة كونه موزونَ جنسٍ، وعلةُ
الأعيان الأربعة مكيلَ جنسٍ، نقلها عن أحمد الجماعة، وذكرها الخرقي، وابن
موسى، وأكثر الأصحاب، وهو قول النخعيّ، والزهريّ، والثوريّ، وإسحاق،
وأصحاب الرأي، فعلى هذه الرواية يجري الربا في كل مكيل، أو موزون
بجنسه، مطعومًاً كان، أو غير مطعوم؛ كالحبوب، والأشنان، والنُّورة،
والقطن، والصوف، والكتّان، والوَرْس، والحنّاء، والعصفر، والحديد،
والنحاس، ونحو ذلك، ولا يجري في مطعوم، لا يكال ولا يوزن؛ لما رَوَى
ابنُ عمر ﴿يا قال: قال رسول الله وَله: ((لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا
الدرهم بالدرهمين، ولا الصاع بالصاعين، فإني أخاف عليكم الرَّمَاء)»، وهو
الربا، فقام إليه رجل، فقال: يا رسول الله، أرأيت الرجل يبيع الفرس
بالأفراس، والنجيبة بالإبل، فقال: ((لا بأس إذا كان يداً بيد))، رواه الإمام
أحمد في («المسند»، عن أبي جناب، عن أبيه، عن ابن عمر ◌ٍ﴾(١).
وعن أنس ﴿به أن النبيّ ◌َ ل﴿ قال: ((ما وُزن مثلاً بمثل، إذا كان نوعاً
واحداً، وما كيل مثلاً بمثل، إذا كان نوعاً واحداً))، رواه الدار قطنيّ(٢)، رواه
عن ابن صاعد، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أحمد بن محمد بن
أيوب، عن أبي بكر بن عياش، عن الربيع بن صَبِيح، عن الحسن، عن عبادة،
وأنس، عن النبيّ وَل﴿، وقال: لم يروه غير أبي بكر عن الربيع هكذا، وخالفه
جماعة، فرووه عن الربيع، عن ابن سيرين، عن عبادة، وأنس، عن النبيّ وَلغيره
بلفظ غير هذا اللفظ.
وعن عمار: أنه قال: ((العبد خير من العبدين، والثوب خير من الثوبين،
فما كان يداً بيد، فلا بأس به، إنما الربا في النساء، إلا ما كيل أو وزن))،
ولأن قضية البيع المساواة، والمؤثر في تحقيقها الكيل والوزن والجنس، فإن
(١) حديث ضعيف؛ لأن في سنده أبا جناب الكلبيّ يحيى بن أبي حيّة، ضعّفوه؛ لكثرة
تدليسه، وأبو حيّة الكلبيّ مجهول.
(٢) في إسناده الربيع بن صَبِيح صدوقٌ سيّئ الحفظ، وأبو بكر بن عيّاش لَمّا كبر ساء
حفظه .

٥٧٣
(٣٥) - بَابُ الرِّبًا - حديث رقم (٤٠٤٧)
الوزن أو الكيل، يُسَوّي بينهما صورة، والجنس يسوي بينهما معنى، فكانا علة،
ووجدنا الزيادة في الكيل محرّمة، دون الزيادة في الطعم، بدليل بيع الثقيلة
بالخفيفة، فإنه جائز إذا تساويا في الكيل.
[الرواية الثانية عن أحمد]: أن العلة في الأثمان الثمنية، وفيما عداها
كونه مطعوم جنس، فيختص بالمطعومات، ويخرج منه ما عداها، قال أبو بكر:
رَوَى ذلك عن أحمد جماعةٌ، ونحوَ هذا قال الشافعيّ، فإنه قال: العلة الطعم،
والجنس شرط، والعلة في الذهب والفضة جوهرية الثمنية غالباً، فيختص
بالذهب والفضة؛ لِمَا رَوَى معمر بن عبد الله به: ((أن النبيّ وَّهِ، نَهَى عن بيع
الطعام بالطعام إلا مثلاً بمثل))، رواه مسلم، ولأن الطعم وصفُ شَرَفٍ؛ إذ به
قوام الأبدان، والثمنية وصف شرف، إذ بها قوام الأموال، فيقتضي التعليل
بهما، ولأنه لو كانت العلة في الأثمان الوزن، لم يجز إسلامهما في
الموزونات؛ لأن أحد وصفي علة ربا الفضل يكفي في تحريم النساء.
[والرواية الثالثة عنه]: العلة فيما عدا الذهب والفضة، كونه مطعوم
جنسٍ، مكيلاً، أو موزوناً، فلا يجري الربا في مطعوم، لا يكال ولا يوزن؛
كالتفاح، والرمان، والخوخ، والبطيخ، والكُمَّثْرَى، والأترج، والسفرجل،
والإِجّاص، والخيار، والجوز، والبيض، ولا فيما ليس بمطعوم؛ كالزعفران،
والأشنان، والحديد، والرصاص، ونحوه، ويروى ذلك عن سعيد بن المسيِّب،
وهو قديم قولي الشافعيّ؛ لِمَا رُوي عن سعيد بن المسيِّب، عن رسول الله وَّةِ؛
أنه قال: ((لا ربا إلا فيما كيل، أو وُزن مما يؤكل أو يشرب))، أخرجه
الدارقطني، وقال: الصحيح أنه من قول سعيد، ومن رفعه فقد وَهِمَ، ولأن لكل
واحد من هذه الأوصاف أثراً، والحكم مقرون بجميعها في المنصوص عليه،
فلا يجوز حذفه، ولأن الكيل والوزن والجنس، لا يقتضي وجوب المماثلة،
وإنما أثره في تحقيقها في العلة ما يقتضي ثبوت الحكم، لا ما تحقق شرطه،
والطعم بمجرده لا تتحقق المماثلة به؛ لعدم المعيار الشرعيّ فيه، وإنما تجب
المماثلة في المعيار الشرعيّ، وهو الكيل والوزن، ولهذا وجبت المساواة في
المكيل كيلاً، وفي الموزون وزناً، فوجب أن يكون الطعم معتبراً في المكيل
والموزون، دون غيرهما .

٥٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
والأحاديث الواردة في هذا الباب يجب الجمع بينها، وتقیید کل واحد
منها بالآخر، فنَهِيُّ النبيّ وَّه عن بيع الطعام، إلا مثلاً بمثل، يتقيد بما فيه
معيار شرعيّ، وهو الكيل والوزن، ونهيه عن بيع الصاع بالصاعين، يتقيد
بالمطعوم المنهيّ عن التفاضل فيه.
وقال مالك تَخْذَلُهُ: العلة القوت، أو ما يصلح به القوت، من جنس واحد
من المدَّخَرات. وقال ربيعة: يجري الربا فيما تجب فيه الزكاة، دون غيره،
وقال ابن سيرين: الجنس الواحد علة، وهذا القول لا يصح؛ لقول النبيّ وَل،
في بيع الفرس بالأفراس، والنجيبة بالإبل: ((لا بأس به إذا كان يداً بيد))(١)،
ورُوي أن النبيّ وَلغيره، ابتاع عبداً بعبدين، رواه أبو داود، والترمذي، وقال: هو
حديث حسن صحيح(٢).
وقول مالك يَنتقض بالحطب والإدام، يُستصلَح به القوت، ولا ربا فيه
عنده، وتعليل ربيعة ينعكس بالملح، والعكس لازم عند اتحاد العلة.
والحاصل أن ما اجتمع فيه الكيل والوزن والطعم من جنس واحد، ففيه
الربا رواية واحدة؛ كالأرز، والدُّخْن، والذرة، والقطنيات، والدهن، والخل،
واللبن، واللحم ونحوه، وهذا قول أكثر أهل العلم، قال ابن المنذر: هذا قول
علماء الأمصار، في القديم والحديث، سوى قتادة، فإنه بلغني أنه شَذّ عن
جماعة الناس، فقصر تحريم التفاضل على ستة أشياء، وما انعدم فيه الكيل
والوزن والطعم، واختلف جنسه فلا ربا فيه، رواية واحدة، وهو قول أكثر أهل
العلم؛ كالتين، والنوى، والقَتّ، والماء، والطين الأرمني، فإنه يؤكل دواءً،
فيكون موزونا مأكولاً، فهو إذاً من القسم الأول، وما عداه إنما يؤكل سَفَهاً،
فجرى مجرى الرَّمْل، والحصى. وقد روي عن النبيّ وَلفي أنه قال لعائشة: ((لا
تأكلي الطين، فإنه يصفر اللون))(٣)، وما وجد فيه الطعم وحده، أو الكيل أو
(١) تقدّم قريباً أنه حديث ضعيف، فلا تنسَ.
(٢) بل رواه مسلم في ((صحيحه)) برقم (١٦٠٢).
(٣) قال ابن القيّم نَظّتُهُ في ((زاد المعاد)» (٣٣٧/٤): وكلّ حديث في الطين، فإنه لا
يصحّ، ولا أصل له عن رسول الله وَله .

٥٧٥
(٣٥) - بَابُ الرِّبًا - حديث رقم (٤٠٤٧)
الوزن من جنس واحد، ففيه روايتان، واختلف أهل العلم فيه، والأولى - إن
شاء الله تعالى - حِلّه؛ إذ ليس في تحريمه دليل موثوق به، ولا معنى يُقَوِّي
التمسك به، وهي مع ضعفها يعارض بعضها بعضاً، فوجب اطّراحها، أو
الجمع بينها، والرجوع إلى أصل الحِل، الذي يقتضيه الكتاب والسنة
والاعتبار.
ولا فرق في المطعومات، بين ما يؤكل قوتاً؛ كالأرز، والذرة، والدخن،
أو أُدْماً؛ كالقطنيات، واللبن، واللحم، أو تفكهاً؛ كالثمار، أو تداوياً؛
كالأهليلج، والسقمونيا، فإن الكل في باب الربا واحد. انتهى، كلام ابن
قدامة دَّهُ(١)، وهو تحقيق نفيس، والله تعالى أعلم.
وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة كثّثهُ: في تحريم التفاضل في الأصناف
الستّة: الذهب، والفضّة، والحنطة، والشعير، والتمر، والملح، هل هو
التماثل؟ وهو الكيل والوزن، أو هو الثمنيّة والطعم، أو هو الثمنيّة، والتماثل
مع الطعم، والقوت، وما يصلحه؟ أو النهي غير معلّل، والحكم مقصور على
مورد النصّ؟ على أقوال مشهورة:
[الأول]: مذهب أبي حنيفة، وأحمد في أشهر الروايات عنه.
[والثاني]: قول الشافعيّ، وأحمد في رواية.
[والثالث]: قول أحمد في رواية ثالثة، اختارها أبو محمد، وقول مالك
قريب من هذا، وهذا القول أرجح من غيره.
[والرابع]: قول داود، وأصحابه، ويُروَى عن قتادة، ورجّح ابن عقيل
هذا القول في ((مفرداته))، وضعّف الأقوال المتقدّمة، وفيها قولٌ شاذّ: أن العلّة
الماليّة، وهو مخالف للنصوص، ولإجماع السلف، والاتّحاد في الجنس شرط
على كلّ قول من ربا الفضل.
قال: والأظهر أن علّة تحريم الربا في الدنانير والدراهم هو الثمنيّة، لا
الوزن، كما قاله جمهور العلماء، ولا يحرم التفاضل في سائر الموزونات؛
كالرصاص، والحديد، والحرير، والقطن، والكتّان، ومما يدلّ على ذلك اتّفاق
(١) ((المغني)) ٥٣/٦ - ٥٨.

٥٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
العلماء على جواز إسلام النقدين في الموزونات، وهذا بيع موزون بموزون إلى
أجل، فلو كانت العلة الوزن لم يجُز هذا.
قال: والتعليل بالثمنيّة تعليل بوصف مناسب، فإن المقصود من الأثمان
أن تكون معياراً للأموال، يُتوسل بها إلى معرفة مقادير الأموال، ولا يقصد
الانتفاع بعينها. انتهى كلام شيخ الإسلام تَخْذَتُ باختصار(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي أشار إليه شيخ الإسلام تَظُّ في
كلامه السابق من أن الربا يجري بين كلّ ما يصلح ثمناً للأشياء، وكل ما
يكال، أو يوزن من الطعم، أو القوت، إذا بيع بجنسه متفاضلاً، أو مثلاً بمثل
من غير قبض في المجلس، هو الأرجح عندي؛ لقوّة مُدْرَكه، كما بيّنه ◌َظُّهُ،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): قال ابن قدامة تَخْلُقُهُ: الجيّد والرديء، والتبر
والمضروب، والصحيح والمكسور، سواء في جواز البيع مع التماثل وتحريمه
مع التفاضل، وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم أبو حنيفة، والشافعيّ، وحُكي
عن مالك جواز بيع المضروب بقيمته من جنسه، وأنكر أصحابه ذلك ونفوه
عنه، وحَكَى بعض أصحابنا عن أحمد رواية لا يجوز بيع الصحاح بالمكسرة،
ولأن للصناعة قيمة، بدليل حالة الإتلاف، فيصير كأنه ضم قيمة الصناعة إلى
الذهب.
قال: ولنا قول النبيّ ◌َله: ((الذهب بالذهب مثلاً بمثل، والفضة بالفضة
مثلاً بمثل))، وعن عبادة، عن النبيّ وَل# أنه قال: ((الذهب بالذهب تبرها
وعينها، والفضة بالفضة تبرها وعینها»، رواه أبو داود.
وروى مسلم عن أبي الأشعث؛ أن معاوية أمر ببيع آنية من فضة، في
أعطيات الناس، فبلغ عبادة، فقال: ((سمعت رسول الله مَّل، ينهى عن بيع
الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والملح
بالملح، إلا سواء بسواء، عيناً بعين، فمن زاد أو ازداد، فقد أربى)).
وروى الأثرم عن عطاء بن يسار؛ أن معاوية، باع سقاية من ذهب، أو
(١) ((مجموع الفتاوى)) ٢٩/ ٤٧٠ - ٤٧٢.

٥٧٧
(٣٥) - بَابُ الرِّبًا - حديث رقم (٤٠٤٧)
ورق بأكثر من وزنها، فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله وَّل، ينهى عن مثل
هذا إلا مثلاً بمثل، ثم قَدِم أبو الدرداء على عمر بن الخطاب ﴿يَا، فذكر له
ذلك، فكتب عمر إلى معاوية: لا تبع ذلك إلا مثلاً بمثل، وزناً بوزن، ولأنهما
تساويا في الوزن، فلا يؤثر اختلافهما في القيمة؛ كالجيد والرديء، فأما إن
قال الصائغ: صغ لي خاتماً وزنه درهم، وأعطيك مثل وزنه، وأجرتك درهماً،
فليس ذلك ببيع درهم بدرهمين، وقال أصحابنا: للصائغ أخذ الدرهمين:
أحدهما في مقابلة الخاتم، والثاني أجرة له. انتهى، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): قال ابن قدامة كَُّ أيضاً: لا خلاف في جواز
التفاضل في الجنسين، نعلمه إلا عن سعيد بن جبير؛ أنه قال: ما يتقارب
الانتفاع بهما لا يجوز التفاضل فيهما، وهذا يردّه قول النبيّ وقال : ((بيعوا الذهب
بالفضة، كيف شئتم يداً بيد، وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم يداً بيد، وبيعوا
الشعير بالشعير كيف شئتم يداً بيد)»، وفي لفظ: ((إذا اختلفت هذه الأشياء فبيعوا
كيف شئتم، إذا كان يداً بيد)). رواه مسلم، وأبو داود، ولأنهما جنسان، فجاز
التفاضل فيهما، كما لو تباعدت منافعهما، ولا خلاف في إباحة التفاضل في
الذهب بالفضة، مع تقارب منافعهما .
فأما النَّسَاء، فكل جنسين يجري فيهما الربا بعلّة واحدة؛ كالمكيل
بالمكيل، والموزون بالموزون، والمطعوم بالمطعوم عند من يُعلل به، فإنه يحرم
بيع أحدهما بالآخر نساء بغير خلاف نعلمه، وذلك قوله بَّه: ((فإذا اختلفت
هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم، يداً بيد))، وفي لفظ: ((لا بأس ببيع الذهب
بالفضة، والفضةُ أكثرهما يداً بيد، وأما نسيئة فلا، ولا بأس ببيع البر بالشعير،
والشعيرُ أكثرهما يداً بيد، وأما النسيئة فلا))، رواه داود، إلا أن يكون أحد
العوضين ثمناً، والآخر مثمَّناً، فإنه يجوز النَّساء بينهما بغير خلاف؛ لأن الشرع
أرخص في السلم، والأصل في رأس المال الدراهم والدنانير، فلو حُرِّم النَّساء
ههنا لانْسَدَّ باب السَّلم في الموزونات في الغالب.
فأما إن اختلفت علتهما كالمكيل بالموزون، مثل بيع اللحم بالبر ففيهما
روايتان :

٥٧٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
[إحداهما]: يحرم النَّساء فيهما، وهو الذي ذكره الْخِرَقي ههنا؛ لأنهما
مالان من أموال الربا، فحرِّم النساء فيهما؛ كالمكيل بالمكيل.
[والثانية]: يجوز النساء فيهما، وهو قول النخعيّ؛ لأنهما لم يجتمعا في
أحد وَصْفَي علة ربا الفضل، فجاز النساء فيهما؛ كالثياب بالحيوان. انتهى كلام
ابن قُدامة كَفُهُ(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): في البحث عن مسائل عصريّة، ابتُلي بها المسلمون في
هذه الأعصار المتأخّرة، ينبغي أن نتكلّم فيها لمسيس الحاجة إليها، وهي
أنواع، نلخّص ما تيسّر منها، وهي مما كتبه الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن آل
بسّامَ كْثُ في كتابه ((الاختيارات الجلية)) التي كتبها في هامش كتابه ((نيل
المآرب في تهذيب شرح عمدة الطالب))، فقد لخّصها، وأحسن في ذلك:
(فمنها): حكم الآمر بالشراء، وهو أن يتقدّم شخص إلى بنك أو غيره،
فيطلب منه شراء سلعة معيّنة، أو سلعة موصوفة؛ ليشتريها البنك لنفسه، ثم
يبيعها على الآمر بالشراء بثمن مؤجّل زائد على الثمن الذي اشتراها به، فهذه
الصورة إن كان شراء الأول شراء صحيحاً بمعنى أن السلعة دخلت في ملكه،
وتحمّل مسؤوليّة الشراء، وتبعات الملك، من تلف، أو خسارة إن قُدّر ذلك،
وإن الآمر بالشراء لو عدل عن وعده بالشراء، للزمت المشتري الأول، فهذا بيع
صحيحٌ في العقد الأول، وفي العقد الثاني.
وأما إن كان الشراء الأول صوريّاً فقط، فالمشتري الأول لم يشتر حقيقة،
وإنما سلّم ثمن السلعة حاضرةً؛ ليربَح الزيادة المقابلة للأجل، فهذا ليس بيعاً،
وإنما هو قرض جرّ نفعاً، وهو محرّم بالإجماع.
(ومنها): خيار الشرط الممنوع، وصورته أن يكون لرجل على آخر دینٌ،
لا يستطيع وفاءه إلا ببيع عقاره الذي لا يرغب في بيعه حقيقةً، والدائن يريد
استيفاء دينه، فيعمِد الدائن والمدين إلى بيع صوريّ، فيه خيار شرط صوريّ
أيضاً، وذلك بأن يبيع المدين عقاره على الدائن، ويجعلان خيار شرط في البيع
إلى أجل، فيقبض المشتري المبيع، وينتفع به بسكن، أو استثمار، ويتجمّد
(١) ((المغني)) ٦/ ٦١ - ٦٣.

٥٧٩
(٣٥) - بَابُ الرِّبًا - حديث رقم (٤٠٤٧)
الدين مدّة الخيار، فهذا البيع، والخيار فيه ما هو إلا ربا الجاهليّة، وهذا يسمّيه
الحنفيّة بيع الوفاء، ويجيزونه.
ولذا فإن المشتري لا يتحقّق غالباً عن حال البيع، وإنما تحقّقه من أن
قيمته لو بيع لغّت الدين الذي على البائع، والمشتري قد يبيعه هذا البيع
بنصف ثمنه؛ لِعِلْمه أنه ليس بيعاً حقيقةً.
(ومنها): ودائع البنوك:
الودائع البنكية قسمان:
[أحدهما]: ودائع بلا فائدة، وحالّة غير مؤجّلة، فهي طلب المودع -
بكسر الدال ـ وهذا ما يُسمّى بالحساب الجاري، فالبنك ملزم بالسداد الفوريّ
عند طلب صاحب النقود، فهذا في حقيقته عقد قرض، لا وديعة بمعناها
الفقهيّ، وليس هو القرض الحسن، وإنما هو قرض مباح، فالغرض منه
لصاحب المال حفظ نقوده بمؤسّسة أمينة، والسحب منه على طريقة منتظمة
منضبطة، وغرض البنك من قبضه هو استثمار هذه الودائع لصالحه، وهذه
صورة مباحة، لا محذور فيها، إلا أنه ينبغي للمودع إذا وجد مصرفاً لا يتعاطى
المعاملات الربويّة أن يؤثره بهذا القرض، ليُعينه على أعماله، ويشجّعه على
نهجه، وإن لم يجد إلا بنكاً ربويّاً أودع عنده للحاجة.
[الثاني]: ودائع مؤجّلة بفائدة، وذلك بأن يضع صاحب النقود نقوده عند
البنك بفائدة يتلقّاها مقابل استثمار البنك نقوده مدّة معلومة، قد حدّد البنك
حسب نظامه مدّتها، وقدّر الفائدة المقابلة لأجلها، فهذه الفوائد هي عين الربا،
وقد حرّمها علماء العصر، كما حرّمها أعضاء المجامع الفقهيّة التي منها:
١ - مجمع البحوث الإسلامية في القاهرة.
٢ - مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربيّة السعوديّة.
٣ - مجلس المجمع الفقهي التابع لمؤتمر المنظّمة الإسلاميّة.
٤ - مجلس المجمع الفقهيّ التابع لرابطة العالم الإسلاميّ.
(ومنها): قروض البنوك:
صورتها أن يقرض المصرف، أو غيره شخصاً محتاجاً للقرض بفائدة

٥٨٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
محدّدة معلومة، ويَخضع المقترض لنظام المصرف من حيث مدّة أجل القرض،
ومن قدر الفائدة الذي يقدّرها المصرف.
والقرض نوعان:
[أحدهما]: القرض الاستهلاكيّ، ومعناه أن غرض المقترض هو سداد
حاجته بهذا القرض لبناء مسكن، أو مهر زواج، أو شراء ما هو من ضروراته،
أو حاجته.
[الثاني]: القرض الاستثماريّ، ومعناه أن يقصد المقترض استثمار نقود
القرض في مشروع إنتاجيّ استثماريّ، وفي كلا الحالين يأخذ المصرف من
المقترض فوائد مقابل أجل الدين، وبقاء النقود عند المقترض للاستفادة منها
استهلاكاً، أو إنتاجاً .
والمجامع الفقهيّة، والمحقّقون من فقهاء العصر اعتبروا هذه الفوائد فوائد
ربويّة في كلا القرضين محرّمة، وأن هذه صفقة جمعت بين ربا الفضل من حيث
زيادة أحد العوضين عن الآخر، وربا النسيئة من حيث تأجيل الوفاء. وهذا هو
القول المعتبر شرعاً الصحيح دليلاً وتعليلاً.
وحصل وَهمّ لأفراد من كتّاب العصر، فقالوا: إن التحريم هو في الفوائد
المأخوذة من المقترضين المستهلكين المحتاجين لهذا الغرض، أما المستقرضون
للاستثمار فجائزٌ أخذ الفائدة منهم؛ لأنهم مستفيدون، منتجون لهذا القرض.
وهذا قولٌ مردود، رفضه العلماء، وردّوا عليه، واعتبروه من الأغلاط
على الشرع، وأنه معارض لعموم النصوص التي حرّمت الربا بجميع أنواعه،
وأشكاله، وصوره.
(ومنها): دفتر التوفير:
هذا النوع من أعمال البنوك يشبه ((الحساب الجاري)) من حيث عدم التقيّد
بمدّة معيّنة للسحب من الرصيد، غير أنه يخضع لقيود لا يخضع لها الحساب
الجاري، فنسبة السحب من دفاتر التوفير أقلّ من الحساب الجاري، ولذلك
تستخدم البنوك من أرصدة هذه الدفاتير نسبة أكثر من الحسابات الجارية، وتدفع
فوائد على هذه الأرصدة بشروط معيّنة.
ومعنى هذا أن البنك تنتقل إليه ملكيّة الأرصدة، يتصرّف فيها، ويستفيد