Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
(٥) - بَابٌ فِي إِلَاءِ الرَّجُلِ مِنْ نِسَائِهِ، وَتَأْدِيِهِنَّ بِاعْتِزَالِهِنَّ - حديث رقم (٣٦٩١)
الشهر، فالجمهور على أنه لا يقع البَرّ إلا بثلاثين. انتهى (١).
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): هذا مشكلٌ في هذه الرواية، فإن ظاهره أن
النبيّ وَّ نزل عقب ما خاطبه عمر، فيلزم منه أن يكون عمر تأخر كلامه معه
تسعاً وعشرين يوماً، وسياق غيره ظاهر في أنه تكلم معه في ذلك اليوم، وكيف
يُمْهِل عمر تسعاً وعشرين يوماً لا يتكلم في ذلك، وهو مصرِّح بأنه لم يصبر
ساعةً في المسجد، حتى يقوم، ويرجع إلى الغرفة، ويستأذن؟
ولكن تأويل هذا سهلٌ، وهو أن يُحْمَل قوله: ((فنزل)) أي: بعد أن مضت
المدة، ويستفاد منه أنه كان يتردد إلي النبيّ وَل# في تلك المدة التي حَلَف
عليها، فاتَّفَق أنه كان عنده عند إرادته النزول، فنزل معه، ثم خَشِي أن يكون
نَسِي فذَگَّره، کما ذَگَّرته عائشة پا، كما سيأتي. انتهى(٢).
(فَقُمْتُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَنَادَيْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي: لَمْ يُطَلِّقْ رَسُولُ اللهِ وَهِ
نِسَاءَهُ) إنما فعل ذلك؛ ليزيل الكرب الذي حلّ بالصحابة ﴿َه بسبب توهّمهم
أَنِهِ وَلِّ طلّق نساءه (وَنَزَّلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ) هذا بيان صريحٌ على أن سبب نزول هذه
الآية هو قصّة عمر ظبه هذه، وهذا أصح مما ذكره المفسّرون، كابن جرير(٣)
من أنها نزلت في المنافقين، على أنه لا يبعد أن تنزل في الأمرين معاً، والله
تعالى أعلم.
(﴿وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ، وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ
وَإِلَ أُوْلِ الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُوْنَهُ مِنْهُمّ﴾﴾ [النساء: ٨٣] قال أبو عبد الله
القرطبيّ تَظْتُهُ في ((تفسيره): قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ﴾ في ((إذا))
معنى الشرط، ولا يُجازَم(٤) بها، وإن زيدت عليها ((ما)) وهي قليلة الاستعمال،
قال سيبويه: والجيّد ما قال كعب بن زهير [من الخفيف]:
مَغْرِبَ الشَّمْسِ نَاشِطاً مَذْهُورًا(٥)
وَإِذَا مَا تَشَاءُ تَبْعَثُ مِنْهَا
(٢) ((الفتح)) ٢٨٦/١١.
(١) ((الفتح)) ٦٢٢/١١.
(٣) راجع: ((تفسير ابن جرير الطبريّ)) ٥٦٨/٨ - ٥٧٠.
(٤) وقع في النسخة: ((لا يجازى)) والظاهر أنه مصحّف، فتنبّه.
(٥) وصف ناقته بالنشاط والسرعة بعد سير النهار كلّه، فشبّهها في انبعاثها مسرعةً =

١٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
يعني أن الجيّد لا يجزم بـ((إذا ما)) كما لم يجزم في هذا البيت.
والمعنى أنهم إذا سمعوا شيئاً من الأمور، فيه أمن، نحو ظَفَر المسلمين،
وقتل عدوّهم، ﴿أَوِ الْخَوْفِ﴾ وهو ضدّ هذا ﴿أَذَاعُواْ بِ،﴾ أي: أفشَوْه،
وأظهروه، وتحدّثوا به قبل أن يَقِفُوا على حقيقته، فقيل: كان هذا من ضَعَفة
المسلمين عن الحسن(١)؛ لأنهم كانوا يُفشون أمر النبيّ ◌َّ، ويظنون أنهم لا
شيء عليهم في ذلك، وقال الضحاك، وابن زيد: هو في المنافقين، فُهُوا عن
ذلك؛ لما يلحقهم من الكذب في الإرجاف.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَ أُوْلِ الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ أي: لم
يُحدِّثوا به، ولم يُفشوه حتى يكون النبيّ ◌َّ هو الذي يحدث به، ويفشيه، أو
أولو الأمر، وهم أهل العلم والفقه، عن الحسن، وقتادة، وغيرهما، وقال
السُّدّيّ، وابن زيد: الولاةُ، وقيل: أمراء السرايا ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُوْنَهُ مِنْهُمّ﴾
أي: يستخرجونه؛ أي: لعلموا ما ينبغي أن يُفْشَى منه، وما ينبغي أن يُكْتَمَ،
والاستنباط مأخوذ من استنبَطتُ الماءَ: إذا استخرجته، والنَّبْطُ: الماء المستنبط
أوّلَ ما يَخرُج من ماء البئر أوّلَ ما تُحْفَر، وسُمِّي النَّبَطِ نَبَطاً لأنهم يستخرجون
ما في الأرض، والاستنباط في اللغة: الاستخراج، وهو يدلّ على الاجتهاد،
إذا عُدِم النصّ، والإجماع. انتهى كلام القرطبيّ تَذْتُهُ(٢).
وقال الحافظ ابن كثير ◌َّتُهُ: قوله: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ اُلْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ
أَذَاعُواْ بِهِ،﴾ إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها، فيخبر بها، ويُفشيها،
ويَنشرها، وقد لا يكون لها صحة، وقد أخرج مسلم في ((مقدمة صحيحه))، عن
أبي هريرة تظله، عن النبيّ وَّل﴿ قال: ((كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما
سمع)) .
وفي ((الصحيحين)) عن المغيرة بن شعبة ظبه أن رسول الله نَهَى عن قيل
= بناشط قد ذُعر من صائد، أو سبع، والناشط: الثور يخرج من بلد إلى بلد، فذلك
أوحش له، وأذعر.
(١) أي هذا القول محكيّ عن الحسن البصريّ تَّتُهُ.
(٢) (الجامع لأحكام القرآن)) ٢٩١/٥ - ٢٩٢.

١٦٣
(٥) - بَابٌ فِي إِلَاءِ الرَّجُلِ مِنْ نِسَائِهِ، وَتَأْدِيِهِنَّ بِاعْتِزَالِهِنَّ - حديث رقم (٣٦٩٢)
وقال؛ أي: الذي يَكثُر من الحديث عما يقول الناس، من غير تثبت، ولا
تدبر، ولا تبيّن.
وفي ((سنن أبي داود)) أن رسول الله رَ له قال: ((بئس مَطِيّة الرجل زَعَمُوا)).
وفي ((صحيح مسلم)) مرفوعاً: ((من حدّث بحديث، وهو يرى أنه كذب،
فهو أحد الكاذبين)).
قال: ومعنى ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ أي: يستخرجونه من معادنه، يقال: استنبط
الرجل العين: إذا حَفَرها، واستخرجها من قُعُورها. انتهى كلام ابن كثير تَخْشُهُ
باختصار(١).
قال عمر نظُبه: (فَكُنْتُ أَنَا اسْتَنْبَطْتُ ذَلِكَ الْأَمْر) أي: أمر طلاق النبيّ
نساءه؛ أي: تتبعتّه، واستخرجت حقيقته، وعلمت عدم صحّته.
(وَأَنْزَلَ اللهُ رَى آيَةَ التَّخْبِيرِ) هي الآية السابقة، وقد مضى البحث فيها
مستوفَّى، ولله الحمد والمنّة.
والحديث متّفقٌ عليه، وسيأتي بيان مسائله بعد ثلاثة أحاديث - إن شاء الله
تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٣٦٩٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ، يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ، أَخْبَرَنِي يَحْنَى، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ بْنُ حُنَيْنٍ؛
أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُ، قَالَ: مَكَثْتُ سَنَةً، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ
الْخَطَّبِ عَنْ آيَةٍ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْأَلَهُ؛ هَيْبَةً لَهُ، حَتَّى خَرَجَ حَاجّاً، فَخَرَجْتُ
مَعَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ، فَكُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، عَدَلَ إِلَى الْأَرَاكِ لِحَاجَةٍ لَهُ، فَوَقَفْتُ لَهُ،
حَتَّى فَرَغَ، ثُمَّ سِرْتُ مَعَهُ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَنِ اللَّتَانِ تَظَاهَرَنَا عَلَى
رَسُولِ اللهِ وَّهِ مِنْ أَزْوَاجِهِ؟ فَقَالَ: تِلْكَ حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: وَاللهِ إِنْ
كُنْتُ لَأُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ هَذَا مُنْذُ سَنَّةٍ، فَمَا أَسْتَطِيعُ؛ هَيْئَةً لَكَ، قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ،
مَا ظَنْتَ أَنَّ عِنْدِي مِنْ عِلْمِ، فَسَلْنِي (٢) عَنْهُ، فَإِنْ كُنْتُ أَعْلَمُهُ أَخْبَرْتُكَ، قَالَ: وَقَالَ
(١) ((تفسير ابن كثير)) ٥٣٠/١ - ٥٣١.
(٢) وفي نسخة: ((فاسألني)).

١٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
عُمَرُ: وَاللهِ إِنْ كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، مَا نَعُدُّ لِلنِّسَاءِ أَمْراً، حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِنَّ
مَا أَنْزَلَ، وَقَسَمَ لَهُنَّ مَا قَسَمَ، قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا فِي أَمْرِ أَأَتَمِرُهُ، إِذْ قَالَتْ لِي
امْرَأَتِي: لَوْ صَنَعْتَ كَذَا وَكَذَا، فَقُلْتُ لَهَا: وَمَا لَكِ أَنْتِ وَلِمَا هَا هُنَا؟ وَمَا
تَكَلُّفُكِ فِي أَمْرٍ أُرِيدُهُ؟ فَقَالَتْ لِي: عَجَباً لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، مَا تُرِيدُ أَنْ
تُرَاجَعَ أَنْتَ، وَإِنَّ ابْنَتَكَ لَتُرَاجِعُ رَسُولَ اللهِ وَهِ حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضْبَانَ، قَالَ
عُمَرُ: فَآَخُذُ رِدَائِ، ثُمَّ أَخْرُجُ مَكَانِي، حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ لَهَا: يَا
بُنَيَّةُ، إِنَّكِ لَتُرَاجِعِينَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضْبَانَ؟ فَقَالَتْ حَقْصَةُ:
وَاللهِ إِنَّا لَنُرَاجِعُهُ، فَقُلْتُ: تَعْلَمِينَ أَنِّي أُحَذِّرُكِ عُقُوبَةَ اللهِ، وَغَضَبَ رَسُولِهِ، يَا
بُنَيَّةُ لَا تَغُرَّنَّكِ هَذِهِ الَّتِي قَدْ أَعْجَبَهَا حُسْنُهَا، وَحُبُّ رَسُولِ اللهِ نَّهِ إِيَّاهَا، ثُمَّ
خَرَجْتُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ؛ لِقَرَابَتِي مِنْهَا، فَكَلَّمْتُهَا، فَقَالَتْ لِي أُمُّ
سَلَمَةَ: عَجَباً لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، قَدْ دَخَلْتَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى تَبْتَغِيَ أَنْ
تَدْخُلَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ وَأَزْوَاجِهِ(١)، قَالَ: فَأَخَذَتْنِي أَخْذَاً، كَسَرَتْنِي عَنْ بَعْضٍ
مَا كُنْتُ أَجِدُ، فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهَا، وَكَانَ لِي صَاحِبٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، إِذَا غِبْتُ
أَتَانِي بِالْخَبَرِ، وَإِذَا غَابَ كُنْتُ أَنَا آتِيهِ بِالْخَبَرِ، وَنَحْنُ حِينَئِذٍ نَتَخَوَّفُ مَلِكاً مِنْ
مُلُوكٍ غَسَّانَ، ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَسِيرَ إِلَيْنَا، فَقَد امْتَلَأَتْ صُدُورُنَا مِنْهُ، فَأَتَّى
صَاحِبِي الْأَنْصَارِيُّ يَدُقُّ الْبَابَ، وَقَالَ: اقْتَحْ افْتَحْ، فَقُلْتُ: جَاءَ الْغَسَّانِيُّ؟ فَقَالَ:
أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ، اعْتَزَلَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ِ أَزْوَاجَهُ، فَقُلْتُ: رَغِمَ أَنْفُ حَفْصَةَ
وَعَائِشَةَ، ثُمَّ آخُذُ ثَوْبِي، فَأَخْرُجُ حَتَّى جِئْتُ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ،
يُرْتَقَى إِلَيْهَا بِعَجَلَةٍ (٢)، وَغُلَامٌ لِرَسُولِ اللهِ نَّهِ أَسْوَدُ عَلَى رَأْسِ الدَّرَجَةِ، فَقُلْتُ:
هَذَا عُمَرُ، فَأُذِنَ لِي، قَالَ عُمَرُ: فَقَصَصْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَهِ هَذَا الْحَدِيثَ،
فَلَمَّا بَلَغْتُ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ، تَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ، وَإِنَّهُ لَعَلَى حَصِيرٍ، مَا بَيْنَهُ
وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمِ، حَشْوُهَا لِيفٌ، وَإِنَّ عِنْدَ رِجْلَيْهِ فَرَظاً
(١) وفي نسخة: ((وبين أزواجه)).
(٢) وفي نسخة: ((بعجلها))، وفي أخرى: ((بعجلتها)).

١٦٥
(٥) - بَابٌ فِي إِلَاءِ الرَّجُلِ مِنْ نِسَائِهِ، وَتَأْدِيِهِنَّ بِاعْتِزَالِهِنَّ - حديث رقم (٣٦٩٢)
مَضْبُوراً (١)، وَعِنْدَ رَأْسِهِ أُهُباً مُعَلَّقَةً، فَرَأَيْتُ أَثَرَ الْحَصِيرِ فِي جَنْبِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ،
فَبَكَيْتُ، فَقَالَ: ((مَا يُبْكِيكَ؟))(٢)، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ كِسْرَى، وَقَيْصَرَ فِيمَا
هُمَا فِيهِ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمَا
الدُّنْيَا، وَلَكَ الْآخِرَةُ؟»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠]
(ت٢٥٣) (م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) المدنيّ، تقدّم قريباً.
٤ - (يَحْيَى) بن سعيد الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥]
(ت١٤٤) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٦/٦.
٥ - (عُبَيْدُ بْنُ حُنَيْنِ) أبو عبد الله المدنيّ، مولى آل زيد بن الخطاب،
ويقال: مولى بني زريق، ثَقَةٌ قليل الحديث [٣].
رَوَى عن قتادة بن النعمان، وأبي موسى الأشعريّ، وابن عمر، وأبي
سعيد بن الْمُعَلَّى، وغيرهم.
وروى عنه سالم أبو النضر، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وأبو الزناد،
ومروان بن عثمان بن أبي سعيد بن الْمُعَلَّى، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي
ذُباب، وغيرهم.
قال ابن سعد: كان ثقةً، وليس بكثير الحديث، وقال أبو حاتم: صالح
الحديث، ذكره ابن حبان في ((الثقات)).
قال الواقديّ وغيره: مات سنة خمس ومائة، وهو ابن سبعين سنةً،
ويقال: وهو ابن تسعين سنةً(٣).
(١) وفي نسخة: ((مصبوراً)) بالصاد المهملة.
(٢) وفي نسخة: ((ما يُبكيك يا عمر؟)).
(٣) قال الحافظ المزيّ كَّقُ بعد ذكر ((ابن سبعين سنةً)): وقال في ((الكمال)): وهو ابن =

١٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط برقم (١٤٧٩)
وأعاده بعده، و(٢٣٨٢): ((أن رسول الله وَل جلس على المنبر، فقال:
عبد خيّره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا ... )) الحديث، وله عند أبي داود حديثٌ
في النهي عن بيع السلعة حيث تباع.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (عَنْ آيَةٍ) هي آية سورة التحريم.
وقوله: (فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْأَلَهُ؛ هَيْبَةً لَهُ) فيه توقير العالم، ومهابته عن
استفسار ما يُخشى من تغيّره عند ذكره، وترقّب خلوته؛ ليسأل عما يريده.
وقوله: (عَدَلَ إِلَى الْأَرَاكِ إلخ) يعني مالَ عن الطريق السلوكة إلى طريق
لا يُسلك غالباً لقضاء حاجته، والأراك شجر معروف، ترعاه الإبل.
وشرح الحديث، ومسائله تأتي بعد حديثين، وإنما أخرّتها إليه؛ لكونه أتمّ
سياقاً مما هنا، ولكن أشرح بعض ما يُستغرب هنا، فأقول:
قوله: (ثُمَّ سِرْتُ مَعَهُ، فَقُلْتُ إلخ) فيه البحث في العلم في الطريق،
والخلوات، وفي حال القعود والمشي.
وقوله: (حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِنَّ مَا أَنْزَلَ إلخ) يعني حتى أمرنا الله
تعالى بأداء حقوقهنّ، كما في قوله تعالى: ﴿وَنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَ بِالْعْرُوفِ﴾
[البقرة: ٢٢٨].
وقوله: (فَبَيْنَمَا أَنَا) معنى ((بينما))، و((بينا)) أي: بين أوقات ائتماري، وكذا
ما أشبهه، وسبق بيانه، قاله النوويّ تَخْذَثُهُ(١).
= تسعين سنةً - يعني بتقديم التاء - قال: وهو خطأ، قال الحافظ: بل هو الصواب،
فهو ثابت فيما ذكره ابن سعد عن الواقديّ، وكذا في ((ثقات ابن حبان))، ومما
يؤيده أن الواقديّ روى عنه أنه قال: قلت لزيد بن ثابت مقتل عثمان: اقرأ عليّ
الأعراف، فقال: اقرأها عليّ أنت، قال: فقرأتها عليه، فما أخذ عليّ ألفاً، ولا
واواً. انتهى، وكان مقتل عثمان سنة (٣٥) فلو كان كما ذكر المزيّ كان يكون عمره
إذ ذاك خمس سنين، ويبعد أن مثله يحفظ سورة الأعراف، ويتأهل لأن يقرأها على
زيد بن ثابت. انتهى كلام الحافظ تقذفُ. ((تهذيب التهذيب)) ٣٤/٣ - ٣٥.
(١) ((شرح النوويّ)) ٨٥/١٠.

١٦٧
(٥) - بَابٌ فِي إِلَاءِ الرَّجُلِ مِنْ نِسَائِهِ، وَتَأْدِيبِهِنَّ بِاعْتِزَالِهِنَّ - حديث رقم (٣٦٩٢)
وقوله: (فِي أَمْرِ أَأَتَمِرُهُ) أي: أشاور نفسي، وأفكّر.
وقوله: (لَوْ صَنَعْتَ كَذَا وَكَذَا) أي: أشارت عليّ بشيء، وأغلظت لي
فيه، كما هو مصرّح في ((صحيح البخاريّ)) في ((اللباس).
وقوله: (وَمَا تَكَلُّفُكِ فِي أَمْرٍ أُرِيدُهُ؟) وفي رواية يزيد بن رُومان: ((فقمت
إليها بقضيب، فضربتها به، فقالت: يا عجباً لك يا ابن الخطاب إلخ)).
وقوله: (مَا تُرِيدُ أَنْ تُرَاجَعَ أَنْتَ) المراجعة هي الترادّ في الكلام،
والمناظرة فيه.
وقوله: (حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى حَفْصَةَ) بنصب ((يدخلَ)).
وقوله: (تَعْلَمِينَ) بمعنى اعلمي.
وقوله: (لَا تَغُرَّنَّكِ هَذِهِ الَّتِي قَدْ أَعْجَبَهَا حُسْنُهَا إلخ) يريد عائشة ◌َّا،
وأراد بذلك أن لا تقيس نفسها بها، ولا تسير بسيرها في كل شيء؛ فإنها
أحب إلى رسول الله ﴿ منها، فربما يصدر من إدلالها به وقليل ما لا يليق
بها .
وقوله: (فَأَخَذَتْنِي أَخْذَاً، كَسَرَتْنِي عَنْ بَعْضٍ مَا كُنْتُ أَجِدُ) أي: أخذتني
بلسانها أخذاً دفعتني عن مقصدي وكلامي
وقوله: (مَلِكاً مِنْ مُلُوكُ غَسَّانَ) اسمه الحارث بن أبي شَمِر.
وقوله: (فَقَد امْتَلَتْ صُدُورُنَا مِنْهُ) أي: غيظاً، أو خوفاً.
وقوله: (رَغِمَ أَنْفُ حَفْصَةَ وَعَائِشَةَ) بفتح الغين، وكسرها؛ أي: لَصِقَ
بالرغام، وهو التراب، هذا هو الأصل، ثم استُعمل في كلّ من عجز من
الانتصاف، وفي الذّلّ والانقياد كرهاً، قاله النوويّ نَّتُهُ .
وقوله: (ثُمَّ آخُذُ ثَوْبِي) قال النوويّ تَُّهُ: فيه استحباب التجمّل بالثوب
والعمامة ونحوهما عند لقاء الأئمة والكبار؛ احتراماً لهم.
(بِعَجَلَةٍ) وفي نسخة: ((بعَجَلها))، وفي أخرى: ((بعجلتها))، وهي درجة من
النخل .
وقوله: (مِنْ أَدَم) بفتحتین؛ أي: جلد.

١٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
وقوله: (حَشْوُهَا لِيفٌ) أي: محشوّة باللِّيف، وهو بكسر اللام: ليف
النخل.
وقوله: (مَضْبُوراً) بالضاد المعجمة؛ أي: مجموعاً، وفي بعض النسخ
بالصاد المهملة.
وقوله: (أُهُبأ) بفتحتين، أو بضمّتين: جمع إهاب، وهو الجلد قبل الدبغ.
والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٣٦٩٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ
سَلَمَةَ، أَخْبَرَنِي يَحْتَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَقْبَلْتُ
مَعَ عُمَرَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، كَنَحْوٍ حَدِيثٍ
سُلَيْمَانَ بْنٍ بِلَالٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ: شَأْنُ الْمَرْأَتَيْنِ؟(١) قَالَ: حَقْصَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ،
وَزَادَ فِيهِ: وَأَتَيْتُ الْحُجَرَ(٢)، فَإِذَا فِي كُلِّ بَيْتٍ بُكَاءٌ، وَزَادَ أَيْضاً: وَكَانَ أَلَى مِنْهُنَّ
شَهْراً، فَلَمَّا كَانَ تِسْعاً وَعِشْرِينَ نَزَلَ إِلَيْهِنَّ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قريباً.
٢ - (عَقَّانُ) بن مسلم الصفّار، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار
[١٠] (ت٢٢٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤٤/٦.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، وتغيّر
بآخره، من كبار [٨] (ت١٦٧) (خت م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (كُنَّا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ) اسم واد قرب مكة، قال في ((القاموس))
و((شرحه)): وظهران: كسَحْبان)): وادٍ قرب مكة، بينها وبين عُسْفانَ، يُضَافُ إِليه
مَرٍّ - بفتح الميم - فيقال: مَرُّ الظَّهْرَانِ، ف((مَرّ) اسمُ القَرْيَةِ، و((ظَهْرَانُ»: الوادِي،
(١) وفي نسخة: ((ما شأن المرأتين؟)).
(٢) وفي نسخة: ((فأتيت الْحُجر)).

١٦٩
(٥) - بَابٌ فِي إِلَاءِ الرَّجُلِ مِنْ نِسَائِهِ، وَتَأْدِيِهِنَّ بِاعْتِزَالِهِنَّ - حديث رقم (٣٦٩٣)
وبمَرّ عُيُونٌ كَثِيرةٌ، ونَخِيلٌ، لأَسْلَمَ، وهُذَيْلٍ، وغاضِرَةَ، ويُعْرَف الآنَ بِوَادِي
فاطِمَةَ، وهي إِحْدَى مَناهِلِ الحاجِّ، قال كُثَيِّر [من الكامل]:
بالله عندَ مَحارِمِ الرَّحْمَنِ
ولَقَدْ حَلَفْتُ لَهَا يَمِيناً صادِقاً
تَغْشَى مَنابِتَ عَرْمَضَ الظَّهْرَانِ
بالرّاقِصَاتِ على الكَلَالِ عَشِيَّةً
العَرْمَضُ هنا صِغَارُ الأَرَاكِ، حكاه ابنُ سِيدَه، عن أَبي حَنِيفَةَ؛ أي:
الدِّينوريّ. انتهى(١).
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ) فاعل ((ساق)) ضمير حماد بن سلمة.
وقوله: (قُلْتُ: شَأْنُ الْمَرْأَتَيْنِ؟) يَحْتَمِل أن يكون مرفوعاً بتقدير ((ما))
الاستفهاميّة؛ أي: ما شأن المرأتين؟ ويحتمل أن يكون منصوباً بفعل مقدّر؛
أي: حدّثني شأن المرأتين، ووقع في بعض النسخ بلفظ: ((ما شأن المرأتين)»؟.
وقوله: (وَأَتَيْتُ الْحُجَرَ) وفي نسخة: ((فأتيت الحُجَر))، وهو بضمّ الحاء
المهملة، وفتح الجيم: جمع حُجْرة، وهي بيوت أزواج النبيّ وَّ.
وقوله: (وَكَانَ آَلَى مِنْهُنَّ شَهْراً) هو بمد الهمزة، وفتح اللام، ومعناه:
حَلَفَ، لا يدخل عليهنّ شهراً، قال النوويّ كَخْتُهُ: وليس هو من الإيلاء
المعروف في اصطلاح الفقهاء، ولا له حكمه، وأصل الإيلاء في اللغة:
الحلف على الشيء، يقال منه: آلى يؤالي إيلاءً، وتألّى تَأَلِياً، وانتلى ائتلاء،
وصار في عُرف الفقهاء مختصّاً بالحلف على الامتناع من وطء الزوجة، ولا
خلاف في هذا، إلا ما حُكي عن ابن سيرين أنه قال: الإيلاء الشرعيّ محمول
على ما يتعلق بالزوجة، من ترك جماع، أو كلام، أو إنفاق، قال القاضي
عياض ◌َّلُهُ: لا خلاف بين العلماء أن مجرد الإيلاء لا يوجب في الحال
طلاقاً، ولا كفارةً، ولا مطالبةً.
ثم اختلفوا في تقدير مدّته، فقال علماء الحجاز، ومعظم الصحابة،
والتابعين، ومن بعدهم: المؤلي من حلف على أكثر من أربعة أشهر، فإن حلف
على أربعة، فليس بمولٍ، وقال الكوفيون: هو من حلف على أربعة أشهر،
فأكثر، وشذّ ابن أبي ليلى، والحسن، وابن شبرمة في آخرين، فقالوا: إذا
(١) (تاج العروس من جواهر القاموس)) ٣٧٤/٣.

١٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
حلف لا يجامعها يوماً، أو أقلّ، ثم تركها حتى مضت أربعة أشهر، فهو مؤلٍ،
وعن ابن عمر: أن كل من وَقَّت في يمينه وقتاً، وإن طالت مدته، فليس بمؤلٍ،
وإنما المؤلي من حلف على الأبد.
قال: ولا خلاف بينهم أنه لا يقع عليه طلاق قبل أربعة أشهر، ولا
خلاف أنه لو جامع قبل انقضاء المدة سقط الإيلاء، فأما إذا لم يجامع حتى
انقضت أربعة أشهر، فقال الكوفيون: يقع الطلاق، وقال علماء الحجاز،
ومصر، وفقهاء أصحاب الحديث، وأهل الظاهر كلهم: يقال للزوج: إما أن
تجامع، وإما أن تُطَلَّق، فإن امتنع طلق القاضي عليه، وهو المشهور من مذهب
مالك، وبه قال الشافعيّ، وأصحابه، وعن مالك روايةٌ، كقول الكوفيون،
وللشافعيّ قول أنه لا يطلق القاضي عليه، بل يجبر على الجماع، أو الطلاق،
ويُعَزَّر على ذلك، إن امتنع، واختَلَف الكوفيون: هل يقع طلاق رجعيّ، أم
بائنٌ؟
فأما الآخرون فاتفقوا على أن الطلاق الذي يوقعه هو أو القاضي،
يكون رجعيّاً، إلا أن مالكاً يقول: لا تصح فيها الرجعة، حتى يجامع الزوج
في العدة، قال القاضي عياض: ولم يُحفظ هذا الشرط عن أحد سوى
مالك.
ولو مضت ثلاثة أقراء في الأشهر الأربعة، فقال جابر بن زيد: إذا طلق
انقضت عدتها بتلك الأقراء، وقال الجمهور: يجب استئناف العدة.
واختلفوا في أنه هل يشترط للإيلاء أن تكون يمينه في حال الغضب،
ومع قصد الضرر، فقال جمهورهم: لا يشترط، بل يكون مؤلياً في كل حال،
وقال مالك، والأوزاعيّ: لا يكون مؤلياً إذا حلف لمصلحة ولده لفطامه،
أنه لا يكون مؤلياً إلا إذا حلف على وجه
وعن عليّ، وابن عباس
الغضب. انتهى(١).
[تنبيه]: هذا الحديث لم أجد من ساقه بتمامه، فليُنظر، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((شرح النوويّ)) ٨٨/١٠ - ٨٩.

١٧١
(٥) - بَابٌ فِي إِلَاءِ الرَّجُلِ مِنْ نِسَائِهِ، وَتَأْدِيِهِنَّ بِاعْتِزَالِهِنَّ - حديث رقم (٣٦٩٤)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٣٦٩٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ،
وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، سَمِعَ
عُبَيْدَ بْنَ حُنَيْنٍ، وَهُوَ مَوْلَى الْعَبَّاسِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: كُنْتُ أُرِيدُ
أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ عَنِ الْمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَظَاهَرَتَا عَلَى عَهْدٍ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَلَبِثْتُ سَنَةً،
مَا أَجِدُ لَهُ مَوْضِعاً، حَتَّى صَحِبْتُهُ إِلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا كَانَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، ذَهَبَ يَقْضِي
حَاجَتَهُ، فَقَالَ: أَدْرِكْنِي بِدَاوَةٍ مِنْ مَاءٍ، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ وَرَجَعَ، ذَهَبْتُ
أَصُبُّ عَلَيْهِ، وَذَكَرْتُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَنِ الْمَرْأَتَانِ؟ فَمَا قَضَيْتُ
كَلَامِ، حَتَّى قَالَ: عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عمران ميمون الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ،
ثم المكيّ، الإمام الحجة الثبت الحافظ الشهير، من كبار [٨] (ت١٩٨) (ع)
تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٣.
والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي.
وقوله: (وَهُوَ مَوْلَى الْعَبَّاسِ) قال النوويّ ◌َّتُهُ: هكذا هو في جميع
النسخ: مولى العباس، قالوا: وهذا قول سفيان بن عيينة، قال البخاريّ: لا
يصح قول ابن عيينة هذا، وقال مالك: هو مولى آل زيد بن الخطاب، وقال
محمد بن جعفر بن أبي كثير: هو مولى بني زُرَيق (١)، قال القاضي عياض
وغيره: الصحيح عند الحفاظ وغيرهم في هذا قول مالك، وحديثه عند أهل
(٢)
المدينة. انتهى''
وقوله: (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ إِ ليه) قال النوويّ تَخْذُّهُ: هكذا هو في جميع
النسخ: ((على عهد))، قال القاضي عياض تخّتُهُ: إنما قال: ((تظاهرتا على عهد
رسول الله (َ))، ولم يقل: ((تظاهرتا على رسول الله (وَلفي))؛ توفيراً لهما وبِرّاً،
والمراد: تظاهرتا عليه في عهده، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ﴾
(١) (شرح النوويّ)) ٨٩/١٠.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٤٤/٥ - ٤٥.

١٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
[التحريم: ٤]، وقد صُرِّح في سائر الروايات بأنهما تظاهرتا على رسول الله وَفيه .
انتھی(١).
والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٣٦٩٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي
عُمَرَ، وَتَقَارَبَا فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ، قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا
عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَوْرٍ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمْ أَزَلْ حَرِيصاً أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ عَنِ الْمَرْأَتَيْنِ، مِنْ أَزْوَاجِ
النَّبِيِّ وَّهِ اللَّتَيْنِ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِن نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُّكُمَا﴾، حَتَّى حَجَّ
عُمَرُ، وَحَجَجْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، عَدَلَ عُمَرُ، وَعَدَلْتُ مَعَهُ بِالْإِدَاوَةِ،
فَتَبَرَّزَ، ثُمَّ أَتَانِي، فَسَكَبْتُ عَلَى يَدَيْهِ، فَتَوَضَّأَ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَن
الْمَرْأَتَانِ، مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ وَ اللَّتَانِ قَالَ اللهُ لَهُمَا: ﴿إِن نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ
قُلُوبُكُمً﴾؟ قَالَ عُمَرُ: وَا عَجَباً لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ الزُّهْرِبُّ: كَرِهَ وَاللهِ مَا سَأَلَهُ
عَنْهُ، وَلَمْ يَكْتُمْهُ، قَالَ: هِيَ حَقْصَةُ وَعَائِشَةُ، ثُمَّ أَخَذَ يَسُوقُ الْحَدِيثَ، قَالَ: كُنَّا
مَعْشَرَ قُرَيْشٍ قَوْماً نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، وَجَدْنَا قَوْماً تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ،
فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا، يَتَعَلَّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ، قَالَ: وَكَانَ مَنْزِلِي فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ،
بِالْعَوَالِي، فَتَغَضَّبْتُ يَوْماً عَلَى امْرَأَتِي، فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعُنِي، فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي،
فَقَالَتْ: مَا تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ؟ فَوَ اللهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ◌َ﴿ لَيُرَاجِعْنَهُ، وَتَهْجُرُهُ
إِحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ، فَانْطَلَقْتُ، فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: أَتْرَاجِعِينَ
رَسُولَ اللهِ بَّهِ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: أَتَهْجُرُهُ إِحْدَاكُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ؟ قَالَتْ:
نَعَمْ، قُلْتُ: قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْكُنَّ وَخَسِرَ(٢)، أَفَتَأْمَنُ إِحْدَاكُنَّ أَنْ
يَغْضَبَ اللهُ عَلَيْهَا لِغَضَبٍ رَسُولِهِ وَلَ؟ فَإِذَا هِيَ قَدْ هَلَكَتْ، لَا تُرَاجِعِي
رَسُولَ اللهِ وَِّ، وَلَا تَسْأَلِيهِ شَيْئاً، وَسَلِيْنِي مَا بَدَا لَكِ، وَلَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ
(١) ((إكمال المعلم)) ٤٦/٥.
(٢) وفي نسخة: ((وخسِرت)).

١٧٣
(٥) - بَابٌ فِي إِلَاءِ الرَّجُلِ مِنْ نِسَائِهِ، وَتَأْدِيِهِنَّ بِاعْتِزَالِهِنَّ - حديث رقم (٣٦٩٥)
جَارَتُكِ هِيَ أَوْسَمَ، وَأَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ مِنْكِ، يُرِيدُ عَائِشَةَ، قَالَ: وَكَانَ لِي
جَارٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ إِلَى رَسُولِ اللهِ، فَيَنْزِلُ يَوْماً، وَأَنْزِلُ
يَوْماً، فَيَأْتِيْنِي بِخَبَرِ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وَآتِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَكُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ غَسَّانَ تُنْعِلُ
الْخَيْلَ لِتَغْزُوَنَا، فَنَزَلَ صَاحِبِي، ثُمَّ أَتَانِي عِشَاءً، فَضَرَبَ بَابِي، ثُمَّ نَادَانِ، فَخَرَجْتُ
إِلَيْهِ، فَقَالَ: حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ، قُلْتُ: مَاذَا؟ أَجَاءَتْ غَسَّانُ؟ قَالَ: لَا، بَلْ أَعْظَمُ
مِنْ ذَلِكَ وَأَطْوَلُ، طَلَّقَ النَّبِيُّ وَلِهِ نِسَاءَهُ، فَقُلْتُ: قَدْ خَابَتْ حَفْصَةُ وَخَسِرَتْ، قَدْ
كُنْتُ أَظُنُّ هَذَا كَائِناً، حَتَّى إِذَا صَلَّيْتُ الصُّبْحَ، شَدَدْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي، ثُمَّ نَزَلْتُ،
فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، وَهِيَ تَبْكِي، فَقُلْتُ: أَطَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللهِ؟ فَقَالَتْ: لَا
أَدْرِي، هَا هُوَ ذَا مُعْتَزِلٌ فِي هَذِهِ الْمَشْرُبَةِ، فَأَتَيْتُ غُلَاماً لَهُ أَسْوَدَ، فَقُلْتُ: اسْتَأْذِنْ
لِعُمَرَ، فَدَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ، فَقَالَ: قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ، فَصَمَتَ، فَانْطَلَقْتُ، حَتَّى
انْتَهَيْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ، فَجَلَسْتُ، فَإِذَا عِنْدَهُ رَهْطٌ جُلُوسٌ يَبْكِي بَعْضُهُمْ، فَجَلَسْتُ
قَلِيلاً، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ، ثُمَّ أَتَيْتُ الْغُلَامَ، فَقُلْتُ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ، فَدَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ
إِلَيَّ، فَقَالَ: قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ، فَصَمَتَ، فَوَلَّيْتُ مُدْبِراً، فَإِذَا الْغُلَامُ يَدْعُونِي، فَقَالَ:
ادْخُلْ، فَقَدْ أَذِنَ لَكَ، فَدَخَلْتُ، فَسَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَلِّ، فَإِذَا هُوَ مُتَّكِىٌّ عَلَى
رَهْلِ حَصِيرٍ، قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَقُلْتُ: أَطَلَّقْتَ يَا رَسُولَ اللهِ نِسَاءَكَ؟ فَرَفَعَ رَأْسَهُ
إِلَيَّ، وَقَالَ: ((لَا))، فَقُلْتُ: اللهُ أَكْبَرُ، لَوْ رَأَيْتَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ
قَوْماً نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، وَجَدْنَا قَوْماً تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا
يَتَعَلَّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ، فَتَغَضَّبْتُ عَلَى امْرَأَتِي يَوْماً، فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعُنِي، فَأَنْكَرْتُ أَنْ
تُرَاجِعَنِي، فَقَالَتْ: مَا تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ؟ فَوَ اللهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ نََّ لَيُرَاجِعْنَهُ،
وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ، فَقُلْتُ: قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكِ مِنْهُنَّ وَخَسِرَ،
أَفَتَأْمَنُ إِحْدَاهُنَّ أَنْ يَغْضَبَ اللهُ عَلَيْهَا لِغَضَبٍ رَسُولِهِ وَِّ، فَإِذَا هِيَ قَدْ هَلَكَتْ؟
فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: لَا
يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْسَمُ مِنْكِ، وَأَحَبُّ إِلَى رَسُولِ اللهِنَِّ مِنْكِ، فَتَسَّمَ
أُخْرَى، فَقُلْتُ: أَسْتَأْنِسُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((نَعَمْ))، فَجَلَسْتُ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فِي

١٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
الْبَيْتِ، فَوَاللهِ مَا رَأَيْتُ فِيهِ شَيْئاً، يَرُدُّ الْبَصَرَ إِلَّا أُهُبأَ ثَلَاثَةً، فَقُلْتُ: ادْعُ اللهَ يَا
رَسُولَ اللهِ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى أُمَّتِكَ، فَقَدْ وَسَّعَ عَلَى فَارِسَ وَالرُّومِ، وَهُمْ لَا
يَعْبُدُونَ اللهَ، فَاسْتَوَى جَالِساً، ثُمَّ قَالَ: ((أَفِي شَكَكَ أَنْتَ بَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ أُولَئِكَ
قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا))، فَقُلْتُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ،
وَكَانَ أَقْسَمَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ شَهْراً، مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عَلَيْهِنَّ، حَتَّى
عَاتَبَهُ اللهُ رَك .
قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا مَضَى تِسْعٌ وَعِشْرُونَ
لَيْلَةً، دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ وَهَ بَدَأَ بِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَنْ لَا
تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْراً، وَإِنَّكَ دَخَلْتَ مِنْ تِسْعِ وَعِشْرِينَ أَعُدُّهُنَّ، فَقَالَ: ((إِنَّ الشَّهْرَ
تِسْعٌ وَعِشْرُونَ))، ثُمَّ قَالَ: ((يَا عَائِشَةُ إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْراً، فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي
فِيهِ، حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ))، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيَّ الْآيَةَ: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَلِكَ﴾ حتى
بلغ: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾، قَالَتْ عَائِشَةُ: قَدْ عَلِمَ وَاللهِ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا لِيَأْمُرَانِي
◌ِفِرَاقِهِ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: أَوَ فِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللهَ، وَرَسُولَهُ، وَالدَّارَ
الْآخِرَةَ.
قَالَ مَعْمَرٌ: فَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ؛ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَا تُخْبِرْ نِسَاءَكَ أَنِّي
اخْتَرْتُكَ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ◌َهِ: ((إِنَّ اللهَ أَرْسَلَنِي مُبَلِّغاً، وَلَمْ يُرْسِلْنِي مُتَعَنِّناً)، قَالَ
قَتَادَةُ: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾: مَالَتْ قُلُوبُكُمَا).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) هو ابن راهويه، تقدّم قبل بابين.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، ثم
المكيّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥.
٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم أيضاً قبل بابين.
٤ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم قبل بابين.
٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم في الباب الماضي.

١٧٥
(٥) - بَابٌ فِي إِيلَاءِ الرَّجُلِ مِنْ نِسَائِهِ، وَتَأْدِيبِهِنَّ بِاعْتِزَالِهِنَّ - حديث رقم (٣٦٩٥)
٦ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ) القرشيّ المدنيّ، مولى بني نوفل،
ثقةٌ [٣].
رَوَى عن ابن عباس، وصفية بنت شيبة، وعنه الزهريّ، ومحمد بن
جعفر بن الزبير، ذكره مسلمة في الطبقة الثالثة من أهل المدينة، وذكره ابن
حبان في ((الثقات))، وقال البخاريّ: قال مصعب: كان أبو ثور من بني
الغوث بن مُرّ بن أُدّ، وعِداده في بني نوفل، قال الحافظ: وذكر الخطيب في
((المكمل)) أنه لم يرو عن غير ابن عباس، ولم يرو عنه غير الزهريّ(١).
أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
والباقيان ذُكرا قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيات المصنّف نَُّ، وله فيه شيخان قرن بينهما،
ثم فصّل.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج
له ابن ماجه، والثاني ما أخرج له البخاريّ، وأبو داود.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الزهريّ، عن عبيد الله.
٤ - (ومنها): أن فيه عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، وإن كان ثقة، إلا
أنه قليل الرواية، فليس له في الكتب الستة إلا هذا الحديث، وقد اشترك معه
في اسمه، واسم أبيه، وفي الرواية عن ابن عباس، ورواية الزهريّ عنهما:
عبيدُ الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذليّ المدنيّ، لكن رواية هذا عن ابن
عباس ◌ًا كثيرة في ((الصحيحين))، وغيرهما، وليس لابن أبي ثور عن ابن
عباس غير هذا الحديث، أفاده في ((الفتح))(٢).
٥ - (ومنها): أن فيه ابن عباس ◌ًّا حبر الأمة، وبحرها، وأحد العبادلة
الأربعة، والمكثرين السبعة، والله تعالى أعلم.
(١) هذا فيه نظر، فقد ذكر في ترجمته أنه روى عن صفيّة بنت شيبة، وروى عنه غير
الزهريّ محمد بن جعفر بن الزبير.
(٢) ((الفتح)) ٢٥٠/١.

١٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
شرح الحديث:
(عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ) النوفليّ المكيّ (عَن ابْنِ
عَبَّاسٍ) ﴿َا أنه (قَالَ: لَمْ أَزَلْ حَرِيصاً أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ) بن الخطّابِ رَظُه، في
رواية عبيد بن حُنين الماضية أنه سمع ابن عباس يُحدّث، قال: مكثت سنة،
(عَنِ الْمَرْأَتَيْنِ) وفي رواية عبيد بن
وأنا أريد أن أسأل عمر بن الخطاب
حُنين: ((عن آية)) (مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ بَّهِ اللَّتَيْنِ قَالَ اللهُ تَعَالَى) في شأنهما (﴿إِن
نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ﴾ أي:َ مالت (﴿قُلُوبُكُمَا﴾، حَتَّى حَجَّ عُمَرُ)
(وَحَجَجْتُ مَعَهُ) وفي رواية عبيد: ((فما أستطيع أن أسأله هيبةً له، حتى خرج
حاجًّا))، وفي رواية يزيد بن رُومان عند ابن مردويه: ((عن ابن عباس: أردت أن
أسأل عمر، فكنت أهابه، حتى حججنا معه، فلما قضينا حجنا، قال: مرحباً
بابن عم رسول الله وَلتر، ما حاجتك؟)).
(فَلَمَّا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، عَدَلَ عُمَرُ) أي: عن الطريق الجادّة المسلوكة
إلى طريق لا يُسْلَك غالباً؛ ليقضي حاجته، ووقع في رواية عُبيد بن حُنين
السابقة: ((فخرجت معه، فلما رجع، فكنا ببعض الطريق عَدَلَ إلى الأراك
لحاجة له))، وبيّن في رواية حماد بن سلمة، وابن عيينة كلاهما عن يحيى بن
سعيد الأنصاريّ أن المكان المذكور هو ((مَرّ الظَّهْران))، وقد تقدّم ضبطه،
ومعناه قبل حديث (وَعَدَلْتُ مَعَهُ بِالْإِدَاوَةِ) بكسر الهمزة: الْمِظْهَرة؛ أي: إناء
الطهارة، وجمعها الأَدَاي بالفتح(١). (فَتَبَرَّزَ) أي: قَضَى حاجته، وأصل التَّبَرّز
من الْبَرَاز، وهو الموضع الخالي البارز عن البيوت، ثم أطلق على نفس الفعل،
وفي رواية حماد بن سلمة المذكورة عند الطيالسيّ: ((فدخل عمر الأراك، فقضى
حاجته، وقعدت له، حتى خَرَج))، فيؤخذ منه أن المسافر إذا لم يجد الفضاء
لقضاء حاجته استتر بما يمكنه الستر به من شجر البادية(٢). (ثُمَّ أَتَانِي، فَسَكَبْتُ
عَلَى يَدَيْهِ) وفي رواية عُقيل: ((فسكبت من الإداوة))؛ أي: صببت عليه، قال
النوويّ كَّلُهُ: فيه جواز الاستعانة في الوضوء، وقد سبق إيضاحها في أوائل
الكتاب، وهو أنها إن كانت لعذر، فلا بأس بها، وإن كانت بغيره فهي خلاف
(١) راجع: ((المصباح المنير)) ٩/١.
(٢) ((الفتح)) ٦٠٠/١١.

١٧٧
(٥) - بَابٌ فِي إِلَاءِ الرَّجُلِ مِنْ نِسَائِهِ، وَتَأْدِيِهِنَّ بِاعْتِزَالِهِنَّ - حديث رقم (٣٦٩٥)
الأَولى، ولا يقال: مكروهة على الصحيح. انتهى(١).
(فَتَوَضَّأَ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَن الْمَرْأَتَانِ) وفي رواية الطيالسيّ:
((فقلت: يا أمير المؤمنين أريد أن أسألك عن حديث منذ سنة، فتمنعني هيبتك،
أن أسألك))، ورواية عُبيد بن حُنين الماضية: ((فوقفت له، حتى فرغ، ثم سِرْت
معه، فقلت: يا أمير المؤمنين، مَن اللتان تظاهرتا على رسول الله وَل و من
أزواجه؟ قال: تلك حفصة وعائشة، فقلت: والله إن كنت لأُريد أن أسألك عن
هذا منذ سنة، فما أستطيع هيبةً لك، قال: فلا تفعل، ما ظننت أَنّ عندي من
علم، فاسألني، فإن كان لي علم أخبرتك))، وفي رواية يزيد بن رومان: ((فقال:
ما تسأل عنه أحداً أعلم بذلك مني)).
(مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ نَّهِ اللََّانِ قَالَ اللهُ رَ لَهُمَا: ﴿إِن نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ
صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾؟) أي: قال الله تعالى لهما: إن تتوبا من التعاون على
رسول الله مَ﴾، ويدلّ عليه قوله بعدُ: ﴿وَإِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ﴾؛ أي: تتعاونا،
ومعنى تظاهرهما: أنهما تعاونتا حتى حَرَّم رسول الله وَّر على نفسه ما حَرَّم
كما تقدّم بيانه.
وقوله: ﴿قُلُوبُكُمَا﴾ كَثُر استعمالهم في موضع التثنية لفظ الجمع، كقولهم:
وَضَعا رحالهما؛ أي: رَحْلَي راحلتيهما(٢).
رَظُه (وَا عَجَبَاً لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ) هذا من عمر رَُّه تَعَجُّبُ
(قَالَ عُمَرٌ)
مع شهرته بعلم التفسير، كيف خَفِي عليه هذا القدر مع
من ابن عباس
شهرته، وعظمته في نفس عمر، وتقدمه في العلم على غيره، كما هو مشهور
في قصّة سؤاله له عن تفسير ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ ﴾﴾ الآيات
[النصر: ١ - ٣]، ومع ما كان ابن عباس مشهوراً به من الحرص على طلب
العلم، ومداخلة كبار الصحابة، وأمهات المؤمنين فيه.
أوْ تعجَّبَ من حرصه على طلب فنون التفسير، حتى معرفة المبهم.
(١) (شرح النوويّ)) ٩٠/١٠.
(٢) ((الفتح)) ٦٠١/١١.

١٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
ووقع في رواية معمر: ((وا عجبي لك))(١).
[تنبيه]: يجوز في ((عجباً)) التنوين، وعدمه، قال ابن مالك: ((وا)) في
قوله: ((واعجباً)) إن كان منوناً فهو اسم فعل، بمعنى ((أَعْجَبُ))، ومثله (وهاً))،
و((وَيْ))، وجيء بعده بـ(عَجَباً))، توكيداً.
وإن كان بغير تنوين، فالأصل فيه ((وا عجبي))، فأُبدلت الكسرة فتحةً،
والياء ألفاً، كما في: ((يا أسفا))، و((يا حسرتا)).
وفيه شاهد لجواز استعمال ((وا)) في منادى غير مندوب، وهو مذهب
المبرّد، وهو مذهب صحیح. انتهى (٢).
(قَالَ الزُّهْرِيُّ) مبيّناً قول عمر لابن عبّاس: ((وَا عَجَباً لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ))
(كَرِهَ وَاللهِ مَا سَأَلَّهُ عَنْهُ) فَهِمَ الزهريّ من هذا التعجّب الإنكار لِمَا سأله عنه،
وفيه بُعْدٌ، ويُمكن أن يقال: إن تعجّبه إنما كان لأنه استبعد أن يخفى مثلُ هذا
على مثل ابن عبّاس مع مداخلته لأزواج النبيّ وَله، وشُهرة هذه القضيّة، وشدّة
حرصه هو على سماع الأحاديث، وكثرة حفظه، وغزارة علمه، ولِمَا كان في
نفس عمر من ابن عبّاس، فإنه كان يُعظّمه، ويُقدّمه على كثير من مشايخ
الصحابة، كما اتّفق له معه؛ إذ سأله عن قوله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ
وَاَلْفَتْحُ ﴾﴾ الآيات [النصر: ١ - ٣]، والقصّة مشهورة(٣).
وقوله: (وَلَمْ يَكْتُمْهُ) من تَتِمّة كلام الزهريّ، يعني مع كراهته سؤاله لم
يكتمه جواب ما سأل عنه، بل أوضح له، كما قال: (قَالَ) عمر رَُّه (هِيَ
حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ) كذا عند المصنّف في جميع النسخ التي بين يديّ، بإفراد
الضمير، ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: ((هما عائشة وحفصة)) بالتثنية، وهي
الموافقة للقواعد؛ لأن الخبر مثنّى، وأن السؤال بـ((من المرأتان؟»، فليُتنبّه.
وقوله: ((حفصة وعائشة))، كذا في أكثر الروايات، ووقع في رواية
حماد بن سلمة وحده عن يحيى بن سعيد الماضية: ((حفصة وأم سلمة))، وقد
(١) ((الفتح)) ١١/ ٦٠٢.
(٢) راجع: ((شواهد التوضيح والتصحيح)) (ص٢١٢).
(٣) ((المفهم)) ٢٥٩/٤.

١٧٩
(٥) - بَابٌ فِي إِلَاءِ الرَّجُلِ مِنْ نِسَائِهِ، وَتَأْدِيبِهِنَّ بِاعْتِزَالِهِنَّ - حديث رقم (٣٦٩٥)
أخرجه الطيالسيّ في ((مسنده)) عن يحيى، فقال: ((عائشة وحفصة)) مثل الجماعة.
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): هذا هو المعتمد أن ابن عباس هو المبتدئ
بسؤال عمر عن ذلك، ووقع عند ابن مردويه من وجه آخر ضعيف، عن
عمران بن الحكم السّلَميّ: حدّثني ابن عباس، قال: كنا نسير فلَحِقَنا عمر،
ونحن نتحدّث في شأن حفصة وعائشة، فسكتنا حين لَحِقنا، فعَزَم علينا أن
نُخبره، فقلنا: تذاكرنا شأن عائشة وحفصة وسودة، فذَكَر طرفاً من هذا
الحدیث، ولیس بتمامه.
قال الحافظ كَُّهُ: ويمكن الجمع بأن هذه القصة كانت سابقةً، ولم
يتمكن ابن عباس من سؤال عمر عن شرح القصة على وجهها، إلا في الحال
الثاني. انتھی(١) .
(ثُمَّ أَخَذَ) عمر ◌َظُه (يَسُوقُ الْحَدِيثَ) ولفظ البخاريّ: ((ثم استقبل عمر
الحديث يسوقه))؛ أي: القصّة التي كانت سبب نزول الآية المسئول عنها (قَالَ)
عمر (كُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ) منصوب على الاختصاص، كما قال في ((الخلاصة)):
كَ «أَيُّهَا الْفَتَى)) بِإِثْرِ («ارْجُونِيَا))
الاخْتِصَاصُ كُنِدَاءِ دُونَ ((يَا)»
كَمِثْلِ («نَحْنُ الْعُرْبَ أَسْخَى مَنْ بَذَلْ))
وَقَدْ يُرَى ذَا دُونَ ((أَيِّ)) تِلْوَ ((أَلْ))
(قَوْماً) منصوب على أنه خبر ((كان))، وقوله: (نَغْلِبُ النِّسَاءَ) جملة في
محلّ نصب، على أنه صفةُ ((قوماً)) أي: نَحْكُم عليهنّ، ولا يحكمن علينا،
بخلاف الأنصار، فكانوا بالعكس من ذلك، وفي رواية يزيد بن رُومان: (كنا،
ونحن بمكة لا يُكَلِّم أحد امرأته إلا إذا كانت له حاجة، قضى منها حاجته))،
وفي رواية عُبيد بن حُنين: ((وقال عمر: والله إن كنا في الجاهليّة ما نَعُدّ للنساء
أمراً، حتى أنزل الله فيهنّ ما أنزل، وقَسَم لهنّ ما قسم))، وفي رواية الطيالسيّ:
(كنا لا نعتدّ بالنساء، ولا نُدخلهنّ في أمورنا».
(فَلَمَّا قَدِمْنَا) بكسر الدال (الْمَدِينَةَ، وَجَدْنَا قَوْماً تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَطَفِقَ
نِسَاؤُنَا) بكسر الفاء، وقد تُفتح؛ أي: جَعَل، أو أخذ، والمعنى: أنهنّ أخذن
في تعلم ذلك (يَتَعَلَّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ) وفي رواية البخاريّ: ((فطفق نساؤنا يأخذن
(١) ((الفتح)) ٦٠٢/١١ ((كتاب النكاح)) رقم (٥١٩١).

١٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
من أدب نساء الأنصار))؛ أي: من سِيرتهنّ، وطريقتهنّ، وفي رواية له: ((من
أَرَبِ)» بالراء، وهو العقل، وفي رواية يزيد بن رُومان: «فلما قَدِمنا المدينة
تزوجنا من نساء الأنصار، فجعلن يكلمننا، ويراجعننا)) (قَالَ) عمر ◌َظُهُ (وَكَانَ
مَنْزِلِي فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ) أي: ابن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف من
الأوس (بِالْعَوَالِي) أي: عوالي المدينة، والعوالي: جمع عالية، وهي قُرَى
بقرب المدينة، مما يلي المشرق، وكانت منازل الأوس (فَتَغَضَّبْتُ) أي:
استعملت الغضب؛ أي: أسبابه (يَوْماً عَلَى امْرَأَنِي) وفي رواية البخاريّ:
((فَسَخَبْتُ على امرأتي))، بسين مهملة، ثم خاء معجمة، ثم موحدة، وفي رواية
الكشميهنيّ بالصاد المهملة، بدل السين، وهما بمعنَى، والصَّخَب، والسَّخَب:
الزجر من الغضب.
وفي رواية: ((فصحت)) بحاء مهملة، من الصياح، وهو رفع الصوت،
ووقع في رواية عُبيد بن حُنين: ((فبينما أنا في أمر أتأمره)) أي: أتفكر فيه،
وأُقَدِّره، ((فقالت امرأتي: لو صنعت كذا وكذا)) (فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعُنِي) ((إذا)) هي
الفُجائيّة؛ أي: ففاجأني مراجعتها إياي، وفي رواية عُبيد بن حُنين: ((قال:
فبينما أنا في أمر أنتمره، إذ قالت لي امرأتي: لو صنعت كذا وكذا)) (فَأَنْكَرْتُ
أَنْ تُرَاجِعَنِي) أي: تُرادَّني في القول، وتناظرني فيه، ووقع في رواية عُبيد بن
حُنين: ((فقلت لها: وما لك أنت، ولما ها هنا، وما تكلفك في أمر أريده؟))
فقالت لي: عجباً لك يا ابن الخطاب، ما تريد أن تراجع أنت، وفي لفظ
للبخاريّ: ((فلما جاء الإسلام، وذكرهنّ الله، رأين لهن بذلك حقّاً علينا، من
غير أن نُدخلهن في شيء من أمورنا، وكان بيني وبين امرأتي كلام، فأغلظت
لي))، وفي رواية يزيد بن رُومان: ((فقمت إليها بقضيب، فضربتها به، فقالت: يا
عجباً لك يا ابن الخطّاب)) (فَقَالَتْ: مَا تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ؟) ((ما)) استفهاميّة
إنكاريّة؛ أي: أيّ شيء تنكر في مراجعتك؟ وفي رواية البخاريّ: ((فقالت: ولِمَ
تُنْكر أن أراجعك؟))، وفي رواية عُبيد: ((فقالت لي: عجباً لك يا ابن الخطّاب،
ما تريد أن تُراجع أنت)) (فَوَ اللهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ نَّهِ لَيُرَاجِعْنَهُ، وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ
الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ) وفي رواية عُبيد بن حُنين: ((وإن ابنتك لتراجع رسول الله وَلِيل
حتى يَظَلّ يومه غضبان))، وفي رواية للبخاريّ: ((قالت: تقول لي هذا، وابنتك