Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١
(٤) - بَابُ بَيَانٍ أَنَّ تَخْبِيرَ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ لَا يَكُونُ طَلاَقاً إِلَّا بِالنِّيَّةِ - حديث رقم (٣٦٨٨)
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الكوسج، تقدّم قبل بابين
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ بن حسّان الْعَنْبريّ، أبو سعيد البصريّ
الإمام الحجة الثبت الناقد البصير [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة))
جـ١ ص٣٨٨.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظ فقيهٌ عابد
إمام حجة من رؤوس [٧] (١٦١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (فَلَمْ يَعُدَّهُ) بالياء التحتانيّة، وفي بعض النسخ: ((فلم نعدّه)) بالنون.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفَى، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٣٦٨٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو
كُرَيْبٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ
مُسْلِم، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَيَّرَنَا رَسُولُ اللهِ وَِّ، فَاخْتَرْنَاهُ، فَلَمْ
يَعْدُدْهًا عَلَيْنَا شَيْئاً).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، أحفظ الناس
لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] (ت١٩٥) (ع) تقدم
في ((الإيمان)) ٤/ ١١٧.
٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مهران الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ،
ثقةٌ حافظ عارف بالقراءة ورع، لكنه يدلّس [٥] (ت٧ أو ١٤٨) (ع) تقدّم في
((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٧.
٤ - (مُسْلِمُ) بن صُبيح الْهَمْدانيّ، أبو الضُّحى الكوفيّ العطّار، ثقةٌ فاضلٌ
[٤] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٣٥/٢٢.
١٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
والباقون ذُكروا في الباب.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٣٦٨٩] (.) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ
زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، وَعَنِ الْأَعْمَشِ،
عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، بِمِثْلِهِ).
ء
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (أَبُوِ الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود، تقدّم قبل بابين.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن مُرّة الْخُلْقَانيّ(١)، أبو زياد الكوفيّ، لقبه
شَقُوصًا(٢)، صدوقٌ يُخطئ قليلاً [٨] (ت١٩٤) أو قبلها (ع) تقدّم في ((المقدّمة))
٥/ ٢٧.
٣ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيه، يرسل
كثيراً [٥] (ت٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٢.
٤ - (الْأَسْوَدُ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن
الكوفيّ، ثقة مكثرٌ فقيهٌ مخضرم [٢] (٤ أو ٧٥) (ع) تقدم في «الطهارة)) ٦٧٤/٣٢.
والباقون ذُكروا قبله، و((مسلم)) هو: ابن صُبيح، المكنى بأبي الضحى.
[تنبيه]: رواية إسماعيل بن زكريّاء، عن الأعمش ساقها أبو نعيم كَّتُهُ في
(مستخرجه)) ١٥٨/٤ فقال:
(٣٤٨٥) - وثنا عبد الله بن محمد، ومحمد بن إبراهيم، قالا: ثنا
أحمد بن عليّ، ثنا أبو الربيع سليمان(٣) بن داود، ثنا إسماعيل بن زكريا، عن
الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: ((خَيَّرنا رسول الله وَله،
فاخترناه، فلم يجعل ذلك طلاقاً). انتهى.
(١) بضمّ الخاء المعجمة، وسكون اللام، بعدها قاف.
(٢) بفتح الشين المعجمة، وضمّ القاف الخفيفة، وبالصاد المهملة.
(٣) وقع في النسخة: ((ابن سليمان)) بزيادة لفظة ((ابن))، وهو غلط بلا شكّ، فتنبّه.
١٤٣
(٤) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ تَخْبِيرَ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ لَا يَكُونُ طَلَاقً إِلَّ بِالنََّةِ - حديث رقم (٣٦٩٠)
ورواية الأعمش، عن مسلم(١) ساقها البخاريّ تَخْتُهُ في ((صحيحه))،
فقال :
(٤٩٦٢) - حدّثنا عُمَرُ بن حَقْصٍ، حدّثنا أبي، حدّثنا الْأَعْمَشُ، حدّثنا
مُسْلِمٌ، عن مَسْرُوقٍ، عن عَائِشَةَ ﴿َّا قَالت: ((خَيَّرَنَا رسول اللهِ وَّهِ، فَاخْتَرْنَا اللّهَ
وَرَسُولَهُ، فلم يَعُدَّ ذلك عَلَيْنَا شيئاً)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقْتُ أوّل الكتاب قال:
[٣٦٩٠] (١٤٧٨) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ،
حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: دَخَلَ أَبُو
بَكْرٍ، يَسْتَأْذِنُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَوَجَدَ النَّاسَ جُلُوساً بِبَابِهِ، لَمْ يُؤْذَنْ لِأَحَدٍ
مِنْهُمْ، قَالَ: فَأُذِنَ لِأَبِي بَكْرٍ ، فَدَخَلَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عُمَرُ، فَاسْتَأْذَنَ، فَأُذِنَ لَهُ، فَوَجَدَ
النَّبِيَّ وَِّ جَالِساً، حَوْلَهُ نِسَاؤُهُ، وَاجِماً سَاكِناً، قَالَ: فَقَالَ: لَأَقُولَنَّ شَيْئاً
أُضْحِكُ (٢) النَّبِيَّ وَّةِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ رَأَيْتَ بِنْتَ خَارِجَةَ سَأَتْنِي النَّفَقَّةَ،
فَقُمْتُ إِلَيْهَا، فَوَجَأْتُ عُنُقَهَا، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ، وَقَالَ: ((هُنَّ حَوْلِيٍ، كَمَا
تَرَى، بَسْأَلْنَنِي النَّفَقَةَ))، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَائِشَةَ، يَجَأُ عُنُقَهَا، فَقَامَ عُمَرُ إِلَى
حَفْصَةَ، بَجَأُ عُنُقَهَا، كِلَاهُمَا يَقُولُ: تَسْأَلْنَ رَسُولَ اللهِ وَِّ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ؟
فَقُلْنَ (٣): وَاللهِ لَا نَسْأَلُ رَسُولَ اللهِنَّهِ شَيْئاً أَبَداً، لَيْسَ عِنْدَهُ. ثُمَّ اعْتَزَلَهُنَّ شَهْراً،
أَوْ تِسْعاً وَعِشْرِينَ، ثُمَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَيُّهَا النَِّىُّ قُل لِّأَزْوَِكَ﴾، حتى
بلغ: ﴿لِلْمُحْسِتَتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨، ٢٩]، قَالَ: فَبَدَأَ بِعَائِشَةَ،
فَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكِ أَمْراً، أُحِبُّ أَنْ لَا تَعْجَلِي فِهِ، حَتَّى
تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْكِ))، قَالَتْ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَتَلَا عَلَيْهَا الْآيَةَ، قَالَتْ: أَفِيَ
يَا رَسُولَ اللهِ أَسْتَشِيرُ أَبَوَيَّ؟ بَلْ أَخْتَارُ اللهَ، وَرَسُولَهُ، وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ
(١) هو أبو الضحى مسلم بن صُبَيح.
(٣) وفي نسخة: ((قلن)).
(٢) وفي نسخة: (يضحك)).
١٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
لَا تُخْبِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِكَ بِالَّذِي قُلْتُ، قَالَ: (لَا تَسْأَلُنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ، إِلَّا أَخْبَرْتُهَا،
إِنَّ اللهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَتّاً، وَلَا مُتَعَتّاً، وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمَاً، مُيَسِّراً)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) القَيسيّ، تقدّم قبل باب.
٣ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ) المكيّ، ثقةٌ، رُمي بالقدر [٦] (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٧/ ١٣٠.
٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس، تقدّم قبل بابين.
٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ
ابن الصحابيّ ﴿ّ، تُوفي بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٤/ ١١٧.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَخَذَلُهُ .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه جابر بن عبد الله ظًا من مشاهير الصحابة
غزا تسع عشرة غزوة مع النبيّ وَّ، ومن المعمّرين، وهو أحد المكثرين
السبعة، روى (١٥٤٠) حديثاً.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ﴾ ﴿ه، وفي رواية أبي عوانة في ((مسنده)): ((حدّثنا أبو
الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول ... ))، فصرّح بالسماع، فزالت تهمة
التدليس، والحمد لله، وقد تجرّأ بعض من علّق على مسلم بضعف هذا الإسناد،
بسبب عنعنته، وهو عجيب، فليُتنبّه. (قَالَ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ) الصدّيقِ ظُه (يَسْتَأْذِنُ
عَلَى رَسُولِ اللهِ وَِّ، فَوَجَدَ النَّاسَ جُلُوساً) جمع جالس، منصوب على الحال
(بِبَابِهِ) وَِّ (لَمْ يُؤْذَنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ) وفي رواية أبي عوانة في ((مسنده)): ((مكث
رسول الله ولو يوماً لم يخرج، قال: فحضر الناس المسجد ينتظرونه، قال: فجاء
أبو بكر وعمر، فقالوا: لو أن أبا بكر استأذن على رسول الله وَلافيه، واستأذن أبو
١٤٥
(٤) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ تَخْبِيرَ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ لَا يَكُونُ طَلاَقاً إِلَّا بِالنِّيَّةِ - حديث رقم (٣٦٩٠)
بكر على رسول الله وَلّ، فَرُدّ، ثم استأذن عمر، فرُدّ، فجلسا مع الناس ساعةً،
فقال القوم لأبي بكر: عُدْ، فعاد أبو بكر، فاستأذن، فأذن له، ثم استأذن عمر،
فأذن له، فدخلا على رسول الله وَّهِ، ونساؤه كلّهنّ حوله، وهو ناكسٌ رأسه، ثم
رفع إليهم بصره، فقال عمر: يا رسول الله لو رأيت ابنة زيد سألتني آنفاً الكسوة
والنفقة، فعَمدت إليها، فوجأت رقبتها وَجْأةً خرّت منها، فضحك رسول الله وَيه
حتى بدا ناجذه، ثم قال: ((والله ما حبسني عنكم منذ اليوم إلا أنهنّ يسألنني النفقة
والكسوة، وليست عندي))، قال: فقام أبو بكر إلى عائشة، فرفع يده ليضربها،
فأمسك رسول الله صل، وقام عمر إلى حفصة ليضربها، فأمسك رسول الله وَل، ثم
قالا: أتسألان رسول الله وَله ما ليس عنده؟ فقلن: والله لا نسأله شيئاً بعد اليوم
يشقّ عليه، ثم خرج رسول الله وَ ل ◌َه إلينا، وخرجا معه، فأُذِّن بالصلاة، فصلى، ثم
نزل التخيير: ﴿يَأَيُهَا النَّبِىُّ قُلٍ لِأَزْوَيِكَ إِن كُتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَعَالَيْنَ
أُمَتِعَكُنَّ وَأُسَرِّمْكُنَّ سَرَِّهَا جَمِيلًا (٣٨) وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ
أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (﴿4﴾ [الأحزاب: ٢٨، ٢٩]﴾ ... )) الحديث.
(قَالَ) جابر ◌َبه (فَأُذِنَ) بالبناء للمفعول (لِأَبِي بَكْرٍ، فَدَخَلَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عُمَرُ،
فَاسْتَأْذَنَ، فَأُذِنَ لَهُ، فَوَجَدَ النَّبِيَّ وَّهِ جَالِساً، حَوْلَهُ نِسَاؤُهُ) جملة حاليّة بعد حال،
وكذا قوله: ((واجماً ساكتاً)).
قال القاري: قوله: ((حوله نساؤه)) لعل هذا قبل نزول الحجاب، وتعقّبه
بعضهم بأن التخيير كان سنة تسع بعد نزول الحجاب، ويجاب عن دخول أبي
بكر وعمر على أمهات المؤمنين بأنه لا يلزم منه رفع الحجاب، ويَحتَمِل أن
يكنّ مرتديات(١)، والله تعالى أعلم.
(وَاجِماً سَاكِتاً) والواجم بالجيم، هو الذي اشتدّ حزنه حتى أمسك عن
الكلام، يقال: وَجَمَ - بفتح الجيم - وُجُوماً، قاله النوويّ، وقال الفيّوميّ:
وَجَمَ من الأمر يَجِمُ وُجُوماً: أمسك عنه، وهو كارهٌ. انتهى(٢)، فعطفُ ((ساكتاً))
عليه من عطف المؤكِّد على المؤَّد.
(قَالَ) جابر (فَقَالَ) عمر بن الخطّاب، كما صرّح به أبو عوانة في
(١) راجع: ((تكملة فتح الملهم)) ١٧٥/١. (٢) (المصباح المنير)) ٦٤٩/٢.
١٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
روايته (١)، وكذا صرّح الإمام أحمد به في («مسنده))(٢)، فلا التفات إلى ما
رجحه في ((تكملة فتح الملهم)) من أن القائل هو أبو بكر، فتنبّه، والله تعالى
أعلم.
(لَأَقُولَنَّ شَيْئاً أُضْحِكُ) وفي نسخة: ((يُضحك)) (النَّبِيَّ وَِّ، فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللهِ، لَوْ رَأَيْتَ بِنْتَ خَارِجَةَ) هكذا الرواية هنا، وقد تعقّب هذا صاحب
((التنبيه))، فقال: هذا فيه نظرٌ، فإن بنت خارجة تحت الصدّيق، لا تحت عمر،
وفي ((مسند أحمد)): (لو رأيت ابنة زيد - امرأة عمر))، وكذلك أخرجه أبو عوانة
في ((مستخرجه على مسلم)). انتهى(٣).
(سَأَلَتْنِي النَّفَقَةَ، فَقُمْتُ إِلَيْهَا، فَوَجَأْتُ) بالجيم، والهمزة، يقال: وَجَأَ
يَجَأُ: إذا طعن، قاله النوويّ، وقال المجد: وَجَأَهُ باليد، والسكّين، كوضعه:
ضَرَبه، كتوَجَّأَهُ. انتهى (٤)، وقال الفيّوميّ: وَجَأْتُهُ أَوْجَؤُهُ مهموزٌ، من باب نَفَعَ،
ورُبّما حُذفت الواو في المضارع، فقيل: يَجَأُ، كما قيل في: يَسَعُ، ويَطَأْ،
ويَهَبُ، وذلك إذا ضربته بسكّين ونحوه في أيّ موضع كان، والاسم الْوِجَاءُ،
مثلُ کِتاب. انتھی(٥).
(عُنُقَهَا) بضمّتين: الرقبة، وهو مذكّر، وأهل الحجاز يؤنثونه، والنون
مضمومة للإتباع في لغة الحجاز، وساكنة في لغة تميم، والجمع: أعناق(٦).
(فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ وَِ، وَقَالَ: ((هُنَّ) يعني أزواجه (حَوْلِي، كَمَا تَرَى،
يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَةَ))) يعني زيادة النفقة على المقدار المعتاد، وإلا فكان رسول الله وكلهم
يعزل نفقة أهله سنة، كما أخرجه الشيخان وغيرهما(٧) .
وقال في ((العمدة)): قيل: إنهنّ اجتمعن يوماً، فقلن: نريد ما تريد النساء
من الحليّ، حتى قال بعضهنّ: لو كنا عند غير النبيّ # # لكان لنا شأن،
وثياب، وحُلِيّ، وقيل: إن كل واحدة طلبت منه شيئاً، فكان غير مستطيع،
(١) راجع: ((مسند أبي عوانة)) ١٧٤/٣ - ١٧٥.
(٢) راجع: ((المسند)) ٣٢٨/٣ و٣٤٢.
(٤) ((القاموس المحيط)) ٣١/١.
(٦) راجع: ((المصباح المنير)) ٤٣٢/٢.
(٣) ((تنبيه المعلم)) ص٢٤٨.
(٥) ((المصباح المنير)) ٦٤٩/٢ - ٦٥٠.
(٧) ((تكملة فتح الملهم)) ١٧٦/١.
١٤٧
(٤) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ تَخْبِيرَ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ لَا يَكُونُ طَلَاقً إِلَّا بِالنَّّةِ - حديث رقم (٣٦٩٠)
فطلبت أم سلمة مُعْلَماً، وميمونة حُلّةً يمانية، وزينب ثوباً مخططاً، وهو البُرد
اليمانيّ، وأم حبيبة ثوباً سُحُولياً، وحفصة ثوباً من ثياب مصر، وجويرية
مِعْجَراً، وسودة قطيفة خيبرية، إلّا عائشة ﴿ّا، فلم تطلب شيئاً. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكر العينيّ في ((عمدة القاري))، ولم
يسنده، ومثل هذا يحتاج إلى تبيّن إسناده، فتأمل، والله تعالى أعلم.
(إِلَى عَائِشَةَ) بنته ﴿ّ (يَجَأُ) تقدّم آنفاً أنه
(فَقَامَ آَبُو بَكْرٍ) الصدّيق
مما حُذف واوه؛ إذَ أصله ((يَوْجَأ)) (عُنُقَهَا) تقدّم في رواية أبي عوانة أنه وَّلـ
أمسك، أي: أمسك بيده لئلا يضرب (فَقَامَ عُمَرُ) بن الخطّاب ◌َُّهُ (إِلَى
حَفْصَةَ) بنته ﴿ُّنَا (يَجَأُ عُنُقَهَا) تقدّم أيضاً أنه يَّر أمسكه، وفي رواية أحمد:
((فنهاهما رسول الله وَّ)) (كِلَاهُمَا يَقُولُ: تَسْأَلْنَ رَسُولَ اللهِ وَّ﴾) بتقدير أداة
الاستفهام، وهو للإنكار والتوبيخ؛ أي: أتسألنه (مَا لَيْسَ عِنْدَهُ؟) قال
القرطبيّ تَخْلَثُ: هذا الفعل من أبي بكر وعمر ﴿هَا بابنتيهما مبالغة في تأديبهما،
وكذلك غضب رسول الله وَّ﴿ عليهنّ، وهِجرانه لهنّ إنما كان مبالغة في أدبهنّ،
فإنهنّ كنّ كثّرن عليه، وتبسّطن عليه تبسّطاً تعدّين فيه ما يليق بالنبيّ وَّ من
احترامه، وإعظامه، وكان ذلك منهنّ بسبب حسن معاشرته، ولِين خُلُقه، وربّما
امتدّت أعين بعضهنّ إلى شيء من متاع الدنيا، ولذلك أمر الله تعالى نبيّه وَه
بأن يُخيّرهنّ بين إرادة زينة الدنيا، وإرادة وجه الله تعالى، وما عنده، فاخترن الله
تعالى، ورسوله ◌َ﴿، والدار الآخرة، ولم يكن فيهنّ من تَوَقّفت في شيء من
ذلك، ولا تردّدت فيه؛ لأنهنّ مختارات لمختار، وطيّبات لطيّب، سلام الله
تعالى عليهنّ أجمعين. انتهى (٢).
(فَقُلْنَ) وفي نسخة: ((قُلْنَ)) (وَاللهِ لَا نَسْأَلُ رَسُولَ اللهِ وَِّ شَيْئاً أَبَداً، لَيْسَ
عِنْدَهُ. ثُمَّ اعْتَزَلَهُنَّ) أي: حلف أن لا يدخل عليهنّ (شَهْراً) هذا على تقدير كمال
الشهر (أَوْ تِسْعاً وَعِشْرِينَ﴾ أي: على تقدير نقصانه، وهو الواقع في القصّة.
وقال القرطبيّ تَخْذُهُ: قوله: ((أو تسعاً وعشرين)) ظاهره شكّ من الراوي،
(١) ((عمدة القاري)) ١١٧/١٩.
(٢) ((المفهم)) ٢٥٥/٤ - ٢٥٦.
١٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
وسيأتي حديث ابن عبّاس ◌ًا أنه اعتزلهنّ تسعاً وعشرين، وهو الصحيح.
(١)
انتھی
(ثُمَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِأَزْوَمِكَ﴾ حتى بلغ ﴿لِلْمُحْسِنَتِ
مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، قَالَ) جابر ◌َظُهُ (فَبَدَأَ) وَ التخيير (بِعَائِشَةَ) ضَُّنَا (فَقَالَ: يَا
عَائِشَةُ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعْرِضَ) بكسر الراء، من باب ضرب (عَلَيْكِ أَمْراً، أُحِبُّ أَنْ
لَا تَعْجَلِي فِيهِ، حَتَّى تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْكِ، قَالَتْ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَتَلَا عَلَيْهَا
الْآيَةَ، قَالَتْ: أَفِيكَ) الاستفهام إنكاريّ (يَا رَسُولَ اللهِ أَسْتَشِيرُ أَبَوَيَّ؟ بَلْ
أَخْتَارُ اللهَ) وَ (وَرَسُولَهُ) وَّرِ (وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ لَا تُخْبِرَ امْرَأَةً مِنْ
نِسَائِكَ بِالَّذِي قُلْتُ) قال القرطبيّ كَُّهُ: هذا قول أخرجته غَيْرتها، وحرصها
على انفرادها بالنبيّ ◌َّر. انتهى.
(قَالَ: ((لَا تَسْأَلُنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ، إِلَّا أَخْبَرْتُهَا، إِنَّ اللهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتاً) أي:
مشدّداً على الناس، ومُلزماً إياهم ما يصعُب عليهم (وَلَا مُتَعَنِّتاً) أي: طالباً
زلّتهم، ورواية أحمد: ((معنّفاً))، والمعاني متقاربة، فأما المعنّت: فهو من عنّته:
إذا شدّد عليه، وألزمه ما يصعُب عليه أداؤه، والْمُتعنّت: هو الذي يطلب زلّة
غيره، كما في ((القاموس))، وأما التعنيف: فهو التشديد والتوبيخ، كما في
((مجمع البحار)) وغيره، والمراد: إنني لا أريد أن أشقّ على نسائي، أو أطلب
زلّاتهنّ، فلا أمسك عن إخبارهنّ باختيارك(٢).
وقال القرطبيّ: أصل الْعَنَت: المشقّة، والْمُعنِت: هو الذي يوقع الْعَنَت
بغيره، والْمُتَعَنّت: هو الذي يَحْمِل غيره على العمل بها، ويَحْتَمِلُ أن يقال:
المُعنت هو المجبول على ذلك، والمتعنّت هو الذي يتعاطى ذلك، وإن لم يكن
في جِبِلّته، وكأن عائشة ◌َّا توقّعت أنه إذا لم يُخبر أحداً من زوجاته يكون
فيهنّ من يختار الدنيا، فيفارقها النبيّ وَل﴿، وأنهنّ إذا سمعن باختيارها هي له
اقتدين بها، فيخترنه، وكذلك فعلن، ووقع للنبيّ وَّ أنه إن سألته واحدة منهنّ
عن فعل عائشة، فلم يُخبرها كان ذلك نوعاً من الْعَنَت، وإدخالِ الضرر عليهنّ
بسبب إخفاء ما يُسأل عنه، فقال مجيباً: ((إن الله لم يبعثني مُعنتاً)) (وَلَكِنْ بَعَثَنِي
(١) ((المفهم)) ٢٥٦/٤.
(٢) ((تكملة فتح الملهم)) ١/ ١٧٧.
١٤٩
(٥) - بَابٌ فِي إِلَاءِ الرَّجُلِ مِنْ نِسَائِهِ، وَتَأْدِيِهِنَّ بِاعْتِزَالِهِنَّ - حديث رقم (٣٦٩١)
مُعَلِّماً، مُيَسِّراً))) وجه التسير في هذا أنه إذا أخبر بذلك اقتدى بها غيرها من
أزواجه، وسهُل عليها اختيار الله تعالى، ورسوله وَّه، والدار الآخرة(١)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان في هذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ظًا هذا من أفراد
المصنّف نَذْتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦٩٠/٤] (١٤٧٨)، و(النسائيّ) في ((الكبرى))
(٣٨٣/٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٢٨/٣ و٣٤٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(١٧٤/٣ - ١٧٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٥٩/٤)، و(أبو يعلى) في
(مسنده)) (١٧٥/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٨/٧) و((المعرفة)) (٤٨٣/٥)،
وأما فوائد الحديث، فقد سبقت، وستأتي أيضاً في الباب التالي - إن شاء الله
تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ .
(٥) - (بَابٌ فِي إِيلَاءِ الرَّجُلِ مِنْ نِسَائِهِ، وَتَأْدِيبِهِنَّ بِاعْتِزَالِهِنَّ(٢))
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٣٦٩١] (١٤٧٩) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ
الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ سِمَاكُ أَبِي زُمَيْلِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ
عَبَّاسٍ، حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: لَمَّا اعْتَزَلَ نَبِيُّ اللهِ وَِّ نِسَاءَهُ، قَالَ:
دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا النَّاسُ يَنْكُثُونَ بِالْحَصَى، وَيَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللهِ وَهـ
نِسَاءَهُ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرْنَ بِالْحِجَابِ، فَقَالَ عُمَرُ، فَقُلْتُ: لَأَعْلَمَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ،
(١) ((المفهم)) ٤ / ٢٥٦ - ٢٥٧.
(٢) هكذا ترجم القرطبيّ كَذُ في ((المفهم))، وهو أنسب، وأخصر من ترجمة النوويّ
وغيره، فتنبه.
١٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: يَا بِنْتَ(١) أَبِي بَكْرِ أَقَدْ بَلَغَ (٢) مِنْ شَأْنِكِ أَنْ
تُؤْذِي رَسُولَ اللهِ وَّهِ؟ فَقَالَتْ: مَا لِي وَمَا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، عَلَيْكَ بِعَيْبَتِكَ،
قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى حَقْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ، فَقُلْتُ لَهَا: يَا حَقْصَةُ أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شَأْنِكِ أَنْ
تُؤْذِي رَسُولَ اللهِنَّهِ، وَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ لَا يُحِبُّكِ، وَلَوْلَا أَنَا
لَطَلَّقَكِ رَسُولُ اللهِوَِّ، فَبَكَتْ أَشَدَّ الْبُكَاءِ، فَقُلْتُ لَهَا: أَيْنَ رَسُولُ اللهِ إِ؟
قَالَتْ: هُوَ فِي خِزَانَتِهِ فِي الْمَشْرُبَةِ، فَدَخَلْتُ، فَإِذَا أَنَا بِرَبَاح غُلَامِ رَسُولِ اللهِ وَّ
قَاعِداً عَلَى أُسْكُفَّةِ الْمَشْرُبَةِ، مُدَلِّ رِجْلَيْهِ عَلَى نَقِيرٍ مِنْ خَشِّبٍ، وَهُوَ جِذْعٌ يَرْقَى
عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَّةِ، وَيَنْحَدِرُ، فَنَادَيْتُ: يَا رَبَاحُ، اسْتَأْذِنْ لِي عِنْدَ عَلَى
رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَتَظَرَ رَبَاحٌ إِلَى الْغُرْفَةِ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ، فَلَمْ يَقُلْ شَيْئاً، ثُمَّ قُلْتُ: يَا
رَبَاحُ، اسْتَأْذِنْ لِي عِنْدَ عَلَى رَسُولِ اللهِ،وَهِ، فَنَظَرَ رَبَاحٌ إِلَى الْغُرْفَةِ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ،
فَلَمْ يَقُلْ شَيْئاً، ثُمَّ رَفَعْتُ صَوْتِي، فَقُلْتُ: يَا رَبَاحُ، اسْتَأْذِنْ لِي عِنْدَكَ عَلَى
رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ ظَنَّ أَنِّي جِئْتُ مِنْ أَجْلِ حَقْصَةَ، وَاللهِ
لَئِنْ أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِضَرْبٍ عُنُقِهَا لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَهَا، وَرَفَعْتُ صَوْتِي، فَأَوْمَأَ إِلَيَّ
أَنِ ارْقَهْ، فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وََّ، وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى حَصِيرٍ، فَجَلَسْتُ،
فَأَدْنَى عَلَيْهِ إِزَارَهُ(٣)، وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَإِذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَنَظَرْتُ
بِبَصَرِي فِي خِزَانَةِ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَإِذَا أَنَا بِقَبْضَةٍ مِنْ شَعِيرٍ نَحْوِ الصَّاعِ، وَمِثْلِهَا
قَرَظاً فِي نَاحِيَةِ الْغُرْفَةِ، وَإِذَا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌ، قَالَ: فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ، قَالَ: ((مَا يُبْكِيَكَ
يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟))، قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، وَمَا لِي لَا أَبْكِي، وَهَذَا الْخَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي
جَنْبِكَ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ، لَا أَرَى فِيهَا إِلَّا مَا أَرَى، وَذَاَ قَيْصَرُ وَكِسْرَى فِي الثِّمَارِ
وَالْأَنْهَارِ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ، وَصَفْوَتُهُ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ، فَقَالَ: ((يَا ابْنَ الْخَطَّابِ
أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الْآخِرَةُ، وَلَهُمُ الدُّنْيَا؟»، قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ
حِينَ دَخَلْتُ، وَأَنَا أَرَى فِي وَجْهِهِ الْغَضَبَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا يَشُقُّ عَلَيْكَ
(١) وفي نسخة: ((يا ابنة)).
(٢) وفي نسخة: ((أَوَ بَلَغَ)) بفتح الواو.
(٣) وفي نسخة: ((فإذا عليه إزاره).
١٥١
(٥) - بَابٌ فِي إِلَاءِ الرَّجُلِ مِنْ نِسَائِهِ، وَتَأْدِيِهِنَّ بِاعْتِزَالِهِنَّ - حديث رقم (٣٦٩١)
مِنْ شَأْنِ النِّسَاءِ؟(١) فَإِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَهُنَّ، فَإِنَّ اللهَ مَعَكَ، وَمَلَائِكَتَهُ، وَجِبْرِيلَ،
وَمِيكَائِيلَ، وَأَنَا، وَأَبُو بَكْرٍ، وَالْمُؤْمِنُونَ مَعَكَ، وَقَلَّمَا تَكَلَّمْتُ، وَأَحْمَدُ اللهَ بِكَلَامٍ إِلَّا
رَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ اللهُ يُصَدِّقُ قَوْلِي الَّذِي أَقُولُ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، آيَةُ التَّخْبِيرِ:
﴿عَسَى رَبُّهُ: إِن طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ: أَزْوَجًا خَيْرًا مِّنْكُنَّ﴾، ﴿وَإِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ
مَوْلَنْهُ وَجِبْرِيلُ وَصَِحُ الْمُؤْمِنِينَّ وَالْمَلَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾، وَكَانَتْ عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي
بَكْرٍ وَخَفْصَةُ تَظَاهَرَانِ عَلَى سَائِرِ نِسَاءِ النَّبِيِّ وَِّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَطَلَّقْتَهُنَّ؟
قَالَ: ((لَا)): قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، وَالْمُسْلِمُونَ يَنْكُثُونَ
بِالْحَصَى، يَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللهِ وَِّ نِسَاءَهُ، أَفَأَنْزِلُ، فَأُخْبِرَهُمْ أَنَّكَ لَمْ تُطَلِّقْهُنَّ؟
قَالَ: ((نَعَمْ إِنْ شِئْتَ))، فَلَمْ أَزَلْ أُحَدَّثُهُ، حَتَّى تَحَسَّرَ الْغَضَبُ عَنْ وَجْهِهِ، وَحَتَّى
كَشَرَ، فَضَحِكَ، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ ثَغْراً، ثُمَّ نَزَلَ نَبِيُّ اللهِ وَّهِ، وَنَزَلْتُ،
فَنَزَلْتُ أَتَشَبَّثُ بِالْجِذْعِ، وَنَزَلَ رَسُولُ اللهِهِ كَأَنَّمَا يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ، مَا يَمَسُّهُ
بِيَدِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّمَا كُنْتَ فِي الْغُرْفَةِ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ؟ قَالَ: ((إِنَّ الشَّهْرَ
يَكُونُ تِسْعاً وَعِشْرِينَ))، فَقُمْتُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَنَادَيْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي: لَمْ يُطَلِّقْ
رَسُولُ اللهِ وَِّ نِسَاءَهُ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ اُلْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ
أَذَاعُواْ بِّ، وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَّ أُوْلِ الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمَّ﴾
[النساء: ٨٣]، فَكُنْتُ أَنَا اسْتَنْبَطْتُ ذَلِكَ الْأَمْرَ، وَأَنْزَلَ اللهُ رَ آيَةَ التَّخْبِيرِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَتَفِيُّ) أبو حفص اليماميّ، ثقةٌ [٩] (ت٢٠٦) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ١٥٥/١٢.
٣ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) الْعِجليّ، أبو عمّار اليماميّ، بصريّ الأصل، ثقةٌ،
إلا في روايته عن يحيى بن أبي كثير، فضعيف؛ لاضطرابه [٥] مات قبيل
الستين ومائة (خت م س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٥/١٢.
(١) وفي نسخة: ((من أمر النساء)).
١٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
٤ - (سِمَاكُ أَبُو زُمَيْلٍ) ابن الوليد الحنفيّ اليماميّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ [٣]
(بخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤١/٣٤.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ) البحر الحبر ◌ِيَّا، تقدّم قبل باب.
٦ - (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) بن نُفيل القرشيّ العدويّ، أمير المؤمنين الخليفة
الراشد، جمّ المناقب، واستُشهد في ذي الحجة سنة (٢٣) (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٩/٣.
شرح الحديث:
(عَنْ سِمَاكٍ أَبِي زُمَيْلٍ) بضم الزاي، وفتح الميم الخفيفة، هو سماك بن
الوليد (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُّ عَبَّاسٍ، حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: لَمَّا اعْتَزَلَ
نَبِيُّ اللهِنَِّ نِسَاءَهُ) سيأتي سبب اعتزاله مفصّلاً في الحديث التالي (قَالَ: دَخَلْتُ
الْمَسْجِدَ) النبويّ (فَإِذَا النَّاسُ) ((إذا)» هي الْفُجائيّة؛ أي: ففاجأني وجود الناس
(يَنْكُتُونَ بِالْحَصَى) بتاء مثناة، بعد الكاف، من باب نصر؛ أي: يضربون الأرض،
كفعل المهموم المفكّر (وَيَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللهِ،وَإِ نِسَاءَهُ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرْنَ
بِالْحِجَابِ) استدلّ بهذا ابن العربيّ في ((أحكام القرآن)) وغيره على أن واقعة
التخيير كانت قبل نزول الحجاب، ولكن ردّ عليه الحافظ في ((الفتح))، فقال: هو
غلطٌ بَيِّنٌ، فإن نزول الحجاب كان في أول زواج النبيّ وَ 18 زينب بنت جحش،
وهذه القصّة كانت سبب آية التخيير، وكانت زينب بنت جحش فيمن خُيِّر، قال:
وقد تقدم ذكر عمر رظُبه لها في قوله: ((ولا حُسْنُ زينب بنت جحش))، وسيأتي من
طريق أبي الضُّحَى عن ابن عباس ﴿هَا قال: أصبحنا يوماً ونساء النبيّ ◌َّ يبكين،
فخرجتُ إلى المسجد، فجاء عمر، فصعد إلى النبيّ ◌َ﴿، وهو في غرفة له، فذكر
هذه القصة مختصراً، فحضور ابن عباس، ومشاهدته لذلك، يقتضي تأخر هذه
القصة عن الحجاب، فإن بين الحجاب، وانتقال ابن عباس إلى المدينة مع أبويه،
نحوُ أربع سنين؛ لأنهم قَدِمُوا بعد فتح مكة، فآية التخيير على هذا نزلت سنة
تسع؛ لأن الفتح كان سنة ثمان، والحجاب كان سنة أربع أو خمس. انتهى.
وقال في ((الفتح)) أيضاً: ومما يؤيد تأخر قصة التخيير ما تقدّم من قول
عمر ربه في رواية عُبيد بن حُنين التي قدّمت الإشارة إليها في ((المظالم)):
١٥٣
(٥) - بَابٌ فِي إِلَاءِ الرَّجُلِ مِنْ نِسَائِهِ، وَتَأْدِيبِهِنَّ بِاعْتِزَالِهِنَّ - حديث رقم (٣٦٩١)
وكان مَن حول رسول الله وَ﴿ قد استقام له إلا ملك غَسّان بالشام، فإن
الإستقامة التي أشار إليها، إنما وقعت بعد فتح مكة، وقد مضى في غزوة الفتح
من حديث عمرو بن سَلِمَة الْجَرْميّ: وكانت العرب تَلَوَّم بإسلامهم الفتح،
فيقولون: اتركوه وقومَهُ، فإن ظهر عليهم فهو نبيّ، فلما كانت وقعة الفتح بادر
كلُّ قوم بإسلامهم. انتهى، والفتح كان في رمضان سنة ثمان، ورجوع النبيّ وَّلـ
إلى المدينة في أواخر ذي القعدة منها، فلهذا كانت سنةُ تسع تُسَمّى سنةً
الوفود؛ لكثرة مَن وَفَدَ عليه من العرب، فظهر أن استقامة مَن حوله وَّ إنما
كانت بعد الفتح، فاقتضى ذلك أن التخيير كان في أول سنة تسع، كما قدمته.
قال: وممن جزم بأن آية التخيير كانت سنة تسع الدمياطيّ وأتباعه، وهو
المعتمد. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الحافظ كَذَتُهُ تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً،
وخلاصته أن ما وقع في رواية سماك أبي زُميل هذه من قوله: ((وذلك قبل أن
يؤمرن بالحجاب)) غلط ظاهر، والصواب أنه بعد الأمر بالحجاب؛ لأن الأمر به
كان في قصّة زواج زينب ◌ُها، وآية التخيير إنما جاءت في قصّة العسل، أو
قصّة مارية.
وأحسن محامل هذه الرواية - كما قال الحافظ - أن يقال: إن الراوي لَمّا
رأى قول عمر: إنه دخل على عائشة ظَنّ أن ذلك كان قبل الحجاب، فجَزَم به،
لكن جوابه أنه لا يلزم من الدخول رفع الحجاب، فقد يدخل من الباب،
وتخاطبه من وراء الحجاب، كما لا يلزم من وَهَم الراوي في لفظة من الحديث
أن يُطْرَح حديثه كله، والله تعالى أعلم بالصواب.
(فَقَالَ عُمَرُ) (فَقُلْتُ: لَأَعْلَمَنَّ ذَلِكَ) أي: قول الناس: طلّق رسول الله وَّل
نساءه، وقوله: (الْيَوْمَ) ظرف لـ((أعلمنّ))، وليس مفعولاً به، فتنبّه (قَالَ: فَدَخَلْتُ
عَلَى عَائِشَةَ) ﴿هَا (فَقُلْتُ: يَا بِنْتَ) وفي بعض النسخ: ((يا ابنة)) (أَبِي بَكْرٍ)
الصدّيق (أَقَدْ بَلَغَ) وفي بعض النسخ: ((أَوَ بلغ)) والهمزة للاستفهام، والواو
عاطفة (مِنْ شَأْنِكِ أَنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللهِ وَليهِ؟) أي: بما جرى مع بقيّة الأزواج من
المطالبة بالنفقات (فَقَالَتْ) عائشة (مَا لِي وَمَا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، عَلَيْكَ
بِعَيْبَتِكَ) أي: عليك بخاصّتك، وموضع سرّك، و((الْعَيْبَة)) بفتح، فسكون: وعاء
١٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
يَجعل فيه الإنسان أفضل ثيابه، ونفيس متاعه، فشَبّهت بها عائشة حفصة بنت
عمر ﴿ه، والمراد: عليك بوعظ ابنتك حفصة (قَالَ) عمر رَُّه (فَدَخَلْتُ عَلَى
حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ) ﴿يَا (فَقُلْتُ لَهَا: يَا حَفْصَةُ أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شَأْنِكِ أَنْ تُؤْذِي
رَسُولَ اللهِ نَّهَ؟ وَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ لَا يُحِبُّكِ، وَلَوْلَا أَنَا لَطَلَّقَكِ
رَسُولُ اللهِ وَلِ) وكأنه ◌َظُّهَ يشير إلى ما رواه موسى بن عُليّ، عن أبيه، عن
عقبة بن عامر ظبه قال: طلّق رسول الله وَ ل حفصة بنت عمر، فبلغ ذلك عمر،
فحَثَى الترابَ على رأسه، وقال: ما يعبأ الله بعمر وابنته بعدها، فنزل جبريل من
الغد على النبيّ وَّة، فقال: ((إن الله يأمرك أن تراجع حفصة رحمة بعمر)).
وفي رواية أبي صالح عند أبي يعلى: دخل عمر على حفصة، وهي
تبكي، فقال: لعلّ رسول الله وَ ﴿ قد طلّقك، إنه كان قد طلّقك مرّة، ثم
راجعك من أجلي، فإن كان طلّقك مرّة أخرى لا أكلّمك أبداً (١).
وأخرج ابن سعد، والدارميّ، والحاكم: ((أن النبيّ ◌َّ طَلّق حفصة، ثم
راجعها))، ولابن سعد مثله من حديث ابن عباس، عن عمر، وإسناده حسنٌ،
وأخرج ابن سعد عن قيس بن زيد مرسلاً: أن رسول الله ﴿ * طلّق حفصة بنت
عمر، فأتاها خالاها: عثمان، وقُدامة ابنا مظعون، فبكت، وقالت: والله ما
طلّقني رسول الله وَلَّ عن شِبَع، فجاء رسول الله ◌ََّ، فدخل عليها، فتجلبيت،
فقال رسول الله وَّل: ((إن جبريل ظلّ أتاني، فقال لي: راجع حفصة، فإنها
صوّامة، قوّامةٌ(٢)، وهي زوجتك في الجنّة))، وقيس مختلف في صحبته، ونحوه
(١) راجع: ((الإصابة)) في ترجمة حفصة ﴿ّ ٢٦٥/٤، والحديث حسنٌ، كما قال
الشيخ الألبانيّ كَثُّ .
(٢) قال الشيخ الألبانيّ ◌َُّ في ((السلسلة الصحيحة)) (١٥/٥) - بعد إيراده هذا
الحديث -: [فائدة]: دلّ الحديث على جواز تطليق الرجل لزوجته، ولو أنها كانت
صوّامة قوّامة، ولا يكون ذلك بطبيعة الحال إلا لعدم تمازجها، وتطاوعها معه،
وقد يكون هناك أمور داخلية، لا يمكن لغيرهما الاطلاع عليها، ولذلك فإن ربط
الطلاق بموافقة القاضي من أسوأ وأسخف ما يُسمع به في هذا الزمان الذي يلهج
به كثير من حكامه، وقضاته، وخطبائه بحديث: ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق))،
وهو حديث ضعيف، كما في ((إرواء الغليل))، رقم ٢٠٤٠.
١٥٥
(٥) - بَابٌ فِي إِلَاءِ الرَّجُلِ مِنْ نِسَائِهِ، وَتَأْدِيبِهِنَّ بِاعْتِزَالِهِنَّ - حديث رقم (٣٦٩١)
عنده من مرسل محمد بن سيرين. انتهى(١).
(فَبَكَتْ أَشَدَّ الْبُكَاءِ) أي: لِمَا اجتمع عندها من الحزن على فراق
رسول الله صل، ولِمَا تتوقعه من شدة غضب أبيها عليها، وقد قال لها: ((والله
إن كان طلقك، لا أكلمك أبداً))،
(فَقُلْتُ لَهَا: أَيْنَ رَسُولُ اللهِ وَهِ؟ قَالَتْ: هُوَ فِي خِزَانَتِهِ) بكسر الخاء
المعجمة: مكان حفظ المال، جمعه: خزائن (فِي الْمَشْرُبَةِ) بفتح الراء، وضمّها
بمعنى الْغُرفة الْعُلّيّة، وقال ابن قتيبة: هي كالصّفّة بين يدي الْغُرفة، وقال
الداوديّ: هي الغرفة الصغيرة، وقال ابن بطّال: الْمشربة: الْخِزانة التي يكون
فيها طعامه وشرابه، وقيل لها مشربة فيما أرى لأنهم كانوا يخزُنون(٢) فيها
شرابهم(٣)، وذكر في ((مجمع البحرين)) أن المشربة بمعنى الْخِزانة مفتوحة الراء
فقط، وأما بمعنى الغرفة، فتفتح راؤها، وتضمّ. انتهى (٤).
(فَدَخَلْتُ، فَإِذَا أَنَا بِرَبَاح) بفتح الراء، وتخفيف الموحّدة (غُلَام
رَسُولِ اللهِ وَّ﴾ قال في ((الإصابةً)): رباح مولى رسول الله وَّ ثبت ذكره في
((الصحيحين)) من حديث عمر ظه في قصّة اعتزال النبيّ وَلّ نساءه، سماه
مسلم في روايته، وفي مسلم أيضاً من حديث سلمة بن الأكوع الطويل، قال:
وكان للنبيّ ◌َّ غلام اسمه رَبَاح، وقال البلاذريّ: كان أسود، وكان يستأذن
عليه، ثم صيّره مكان يسار بعد قتله، فكان يقوم بلقاحه. انتهى (٥). (قَاعِداً عَلَى
أُسْكُفَّةِ الْمَشْرُبَةِ) ((الأُسْكُفّة)) بضمّ الهمزة والكاف، وتشديد الفاء: هي عَتَبة
الباب السفلى(٦). (مُدَلَّ رِجْلَيْهِ) اسم فاعل من التدلية، وهو مدّ الرجلين إلى
الأسفل (عَلَى نَقِيرٍ مِنْ خَشَبٍ) النقير: بنون مفتوحة، ثم قاف مكسورة، هذا هو
الصحيح الموجود في جميع النسخ، وذكر القاضي عياضٌ أنه بالفاء بدل النون،
وهو فَقِيرٌ بمعنى مفقور، مأخوذ من فقار الظهر، وهو جِذع فيه دَرَجُ، قاله
(١) ((طبقات ابن سعد)) ٨٤/٤، والحديث حسنٌ، كما قال الشيخ الألبانيّ ◌َّفُ.
(٣) ((عمدة القاري)) ٦/ ١٣٧.
(٢) من باب نصر.
(٤) راجع: ((تكملة فتح الملهم)) ١٨٠/١. (٥) راجع: ((الإصابة)) ٣٧٧/٢.
(٦) ((شرح النوويّ)) ٨٢/١٠.
١٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
النوويّ(١). (وَهُوَ جِذٌْ) بكسر الجيم، وسكون الذال المعجمة: هو ساق
النخلة، جمعه ◌ُذُوٌ، وأجذاعٌ (٢). (يَرْقَى) بفتح أوله، وثالث، مضارع رَقِي،
كرضِيَ يَرْضَى؛ أي: يصعد عليه (عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ نَِّ، وَيَنْحَدِرُ) أي: ينزل عليه
(فَنَادَيْتُ: يَا رَبَاحُ، اسْتَأْذِنْ لِي عِنْدَ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَل﴿) فيه جواز اتخاذ الحاكم
عند الخلوة بوّاباً يمنع من الدخول إليه بغير إذنه، ولا يعارض هذا ما أخرجه
الشيخان من حديث أنس به في قصّة المرأة التي وعظها النبيّ ◌َّ، فلم
تعرفه، ثم جاءت إليه تعتذر، فلم تجد عنده بوّاباً ... الحديث؛ لأنه محمول
على الأوقات التي يجلس فيها للناس، كما قاله في ((الفتح)) (فَتَظَرَ رَبَاحٌ إِلَى
الْغُرْفَةِ) أي: استئذاناً من النبيّ وَّهِ (ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ، فَلَمْ يَقُلْ شَيْئاً) أي: فلم يردّ
عليّ شيئاً، لا إذناً، ولا منعاً، وفي الرواية الآتية: ((فقلت: استأذن لعمر،
فدخل، ثم خرج إليّ، فقال: قد ذكرتك له، فصَمَتَ))، قال في ((الفتح)): يَحْتَمل
أن يكون رسول الله وَّج نائماً، أو ظنّ أن عمر جاء يستعطفه على أزواجه؛ لكون
حفصة ابنته منهنّ. انتهى. (ثُمَّ قُلْتُ:) أي: بعد ذهابه، ورجوعه، ففي الرواية
الآتية: ((فانطلقت، حتى انتهيتُ إلى المنبر، فجلست، فإذا رهط جُلُوسٌ، يبكي
بعضهم، فجلست قليلاً، ثم غلبني ما أجد، ثم أتيت الغلام، فقلت: استأذن
العمر)) (يَا رَبَاحُ، اسْتَأْذِنْ لِي عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَنَظَرَ رَبَاحٌ إِلَى الْغُرْفَةِ، ثُمَّ
نَظَرَ إِلَيَّ، فَلَمْ يَقُلْ شَيْئاً) وفي الرواية الآتية: ((فدخل، ثم خرج إليّ، فقال: قد
ذكرتك له، فصَمَتَ، فولّيتُ مدبراً، فإذا الغلام يدعوني، فقال: ادخل، فقد أَذِنَ
لك)) (ثُمَّ رَفَعْتُ صَوْتِي) أي: حتى يسمع النبيّ ◌َّهِ، وفيه جواز تكرار الاستئذان
إذا رجا صاحبه الإذن (فَقُلْتُ: يَا رَبَاحُ، اسْتَأْذِنْ لِي عِنْدَ عَلَى رَسُولِ اللهِوَلِّ،
فَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ ظَنَّ أَنِّي جِئْتُ مِنْ أَجْلِ حَفْصَةً) يعني أنه إنما لم
يأذن له لظنه أنه إنما جاء من أجل حفصة ابنته، فشقّ عليه الإذن (وَاللهِ لَئِنْ
أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ نَّهِ بِضَرْبٍ عُنُقِهَا لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَهَا، وَرَفَعْتُ صَوْتِي، فَأَوْمَأَ) أي:
أشار رباح (إِلَيَّ أَنِ ارْقَهْ) ((أي)) مصدريّة؛ أي: بالرُّقِيّ، و((ارقه)) فعل أمر من رَقِيَ
يَرْقَى، والهاء للسكت، قيل: ويَحتمل أن تكون ضميراً عائداً إلى الجذع.
(١) ((شرح النوويّ)) ٨٣/١٠.
(٢) ((المصباح المنير)) ١/ ٩٤.
١٥٧
(٥) - بَابٌ فِي إِلَاءِ الرَّجُلِ مِنْ نِسَائِهِ، وَتَأْدِيِهِنَّ بِاعْتِزَالِهِنَّ - حديث رقم (٣٦٩١)
[فإن قلت]: ظاهر هذا أن الإذن حصل بعد رفع صوته، فيخالف قوله في
الرواية المذكورة: ((فولّيت مدبراً، فإذا الغلام يدعوني، فقال: ادخل، فقد أذن
لك)».
[قلت]: يُجمَع بينهما بأن الإذن إنما حصل بعد تولّيه مدبراً، وذلك أنه
بعدما رفع صوته بما قاله، ولّى مدبراً، فناداه الغلام، وأخبره بأنه ◌َّ أَذِن له،
ولا مخالفة أيضاً بين الإشارة، والنداء؛ لاحتمال أن يكون جمع بينهما، والله
تعالى أعلم.
(فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ، وَهُوَ مُضْطَجِعٌ) جملة حاليّة في محلّ نصب
(عَلَى حَصِيرٍ) بفتح الحاء، وكسر الصاد المهملتين، وهي الباريّة، وجمعها
حُصُرٌ، مثلُ بُرِيد وبُرُدُ(١). (فَجَلَسْتُ، فَأَدْنَى عَلَيْهِ إِزَارَهُ) وفي بعض النسخ: ((فإذا
عليه إزاره)) (وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ) أي: من الرداء، وغيره (وَإِذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَّرَ فِي
جَنْبِهِ) أي: لعدم بسط فراش ونحوه عليه (فَنَظَرْتُ بِبَصَرِي فِي خِزَانَةٍ
رَسُولِ اللهِ وَّ، فَإِذَا أَنَا بِقَبْضَةٍ) بفتح القاف وضمّها لغةٌ (مِنْ شَعِيرٍ نَحْوِ الصَّاعِ)
بجرّ (نحوِ) بدلاً من ((شعير)) (وَمِثْلِهَا) بالجرّ عطفاً على ((شعير))، وقوله: (قَرَظاً)
منصوب على التمييز، قال الفيّوميّ ◌َُّهُ: القَرَظُ - أي: بفتحتين - حَبّ معروفٌ
يَخرُج في غُلُفٍ، كالعدَس، من شجر الْعِضَاه، وبعضهم يقول: القَرَظ: ورَقُ
السَّلَم، يُذْبَغُ به الأَدِيمُ، وهو تسامحٌ، فإن الوَرَق لا يُدبغ به، وإنما يُدبغ
بالحبّ، وبعضهم يقول: الْقَرَظ شجرٌ، وهو تسامحٌ أيضاً، فإنهم يقولون جَنَيتُ
الْقَرَظَ، والشجر لا يُجنى، وإنما يُجنى ثمره، يقال: قَرَظتُ قَرْظاً، من باب
ضَرَبَ: إذا جنيته، أو جمعته، والفاعل قارظُ. انتهى(٢). (فِي نَاحِيَةِ الْغُرْفَةِ)
أي: في جهة من جهاتها (وَإِذَا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌ) ((الأَفِيقُ)) - بفتح الهمزة، وكسر الفاء
-: هو الجلد الذي لم يتمّ دِباغه، وجمعه أفَقٌ بفتحها، كأَدِيم وأَدَم، وقد أَفَقَ
أَدِيمِه يَأْفِقُّهُ بكسر الفاء، قاله النوويّ تَخْذُ(٣).
وقال الفيّوميّ ◌َّتُهُ: الأَفِيقُ: الجلد بعد دبغه، والجمع أَفَقٌ بفتحتين،
(١) ((المصباح)) ١٣٨/١ - ١٣٩.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٨٣/١٠ - ٨٤.
(٢) ((المصباح المنير)) ٤٩٩/٢.
١٥٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
وقيل: الأَفِيق: الأديم الذي لم يَتِمّ دَبْغُهُ، فإذا تمّ، واحمرٌ، فهو أَدِيمٌ، يقال:
أَفَقْتُ الجلدَ أَفْقاً، من باب ضَرَبَ: دبغتُهُ، فالأَفِيقِ فَعِيلٌ بمعنى مفعول.
(١)
انتھی
وقال في ((القاموس)) و((شرحه)): الأَفِيق كأَمِيرٍ: الجلد لم يتمّ دباغه، أو
الأديم دُبِغ قبل أن يُخْرَزَ، أو قبل أن يُشقّ، وقيل: هو ما دُبغ بغير القرظ
والأرطَى، وغيرهما من أدبغة أهل نجد، وقيل: حين يَخرُج من الدباغ مفروغاً
منه، وفيه رائحته، وقيل: أول ما يكون من الجلد في الدباغ، فهو مَنِيئَةٌ، ثم
أَفِقٌّ، ثم يكون أَدِيماً، كالأَفِيقة، كسَفِينة، والأَفِقِ، ككَتِفٍ، جمعه أَفَقٌ مُحرَّكةً،
ويضمّتين، وأنكر هذا اللحيانيّ، أو المحرّكة اسم جمع؛ لأن فَعِيلاً لا يُكَسَّرُ
على فَعَلٍ، وقال الأصمعيّ: جمع الأَفِيق آفِقَةٌ، كرغيف وأرغِفَة. انتهى(٢).
(قَالَ: فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ) أي: لم أتمالك أن بكيتُ حتى سالت دموعي،
قال المجد: بادره مُبادرةً، وبِدَاراً، وابتدره، وبَدَرَ غيره إليه: عاجله، وبَدَرهُ
الأمرُ، وإليه: عَجِلَ إليه، واستَبَقَ. انتهى(٣). (قَالَ) وَ ((مَا يُبْكِيكَ بَا ابْنَ
الْخَطَّابِ؟) ((ما)) استفهاميّة؛ أي: أيُّ شيء يجعلك باكياً؟ (قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ،
وَمَا لِي لَا أَبْكِي، وَهَذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِكَ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ، لَا أَرَى فِيهَا
إِلَّا مَا أَرَى) أي: إلا الشيء اليسير (وَذَاَكَ قَيْصَرُ) بفتح القاف، وسكون
التحتانيّة: لقبُ مَن مَلَك الرُّوم، ككسرى لقب من ملك الفُرس، والنجاشيّ لقب
من ملك الحبشة (٤). (وَكِسْرَى) بكسر الكاف، وتُفتح: مَلِكُ الفُرس، معرّب
خُسْرَوْ؛ أي: واسع الملك، جمعه أكاسرة، وكساسرةٌ، وأكاسرُ، وكُسُورٌ،
والقياس: كِسْرُون، كَعِيسُون، والنسبة كِسْريٌّ، وكِسْرَويّ، قاله المجد ◌َذَتُهُ(٥).
(فِي الثِّمَارِ وَالْأَنْهَارِ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللهِ ◌ِ، وَصَفْوَتُهُ) بتثليث الصاد المهملة:
(١) ((المصباح المنير)) ١/ ١٧.
(٢) راجع: ((تاج العروس من جواهر القاموس)) ٦/ ٢٨٠.
(٣) ((القاموس المحيط)) ٣٦٩/١.
(٤) ((القاموس)) ١١٨/٢ مع شرحه ((تاج العروس)) ٤٩٧/٣.
(٥) ((القاموس المحيط)) ١٢٧/٢.
١٥٩
(٥) - بَابٌ فِي إِلَاءِ الرَّجُلِ مِنْ نِسَائِهِ، وَتَأْدِيِهِنَّ بِاعْتِزَالِهِنَّ - حديث رقم (٣٦٩١)
خالص الشيء، وما صفا منه، وفي ((المصباح)): صَفْوُ الشيء بالفتح: خالصه،
والصِّفْوة بالهاء، والكسر مثله، وحُكي التثليث. انتهى(١). (وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ) أي:
لا يوجد فيها ما عند هؤلاء من متاع الدنيا، وفيه جواز نظر الإنسان إلى نواحي
بيت صاحبه، وما فيه إذا عَلِمَ أنه لا يكره ذلك، وبهذا يُجمَع بين ما وقع
لعمر ره هنا، وما بين ما ورد من النهي عن فُضُول النظر، أشار إليه
النوويّ كَُّ. (فَقَالَ) وَلَ: (يَا ابْنَ الْخَطَّابِ) وفي رواية للبخاريّ في
(النكاح)): ((فجلس النبيّ وَّ، وكان متكئاً، فقال: أوَ في شكّ أنت يا ابن
الخطّاب؟))، والمعنى: أأنت في شكّ في أن التوسّع في الآخرة خير من التوسّع
في الدنيا؟ وهذا يُشعر بأنه وَ ﴿ ظنّ أنه بكى من جهة الأمر الذي كان فيه، وهو
غضب النبيّ وَّه على نسائه حتى اعتَزَلهنّ، فلما ذكر له من أمر الدنيا أجابه بما
أجابه به، قاله في ((الفتح)) (٢).
(أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الْآخِرَةُ، وَلَهُمُ) أي: لقيصر، وكسرى، وأتباعهما
(الدُّنْيَا؟))، قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ حِينَ دَخَلْتُ، وَأَنَا أَرَى فِي وَجْهِهِ
الْغَضَبَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا) استفهاميّة؛ أي: أيُّ شيءٍ (يَشُقُّ عَلَيْكَ مِنْ
شَأْنِ النِّسَاءِ؟) وفي بعض النسخ: ((من أمر النساء)) (فَإِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَهُنَّ) فلا حرج
عليك، ولا مشقّة عليك، ثم علّل ذلك بقوله: (فَإِنَّ اللهَ مَعَكَ) وقوله:
(وَمَلَائِكَتَهُ) وما بعده يَحتَمِل أن يكون مرفوعاً، على الابتداء، خبره: ((معك))
الآتي، أو هو معطوف على المحلّ، ويَحْتَمل أن يكون منصوباً عطفاً على لفظ
الجلالة، ويكون ((معك)) الآتي توكيداً للأول، وإلى ما ذكرته أشار ابن مالك
في ((الخلاصة)) حيث قال:
وَجَائِزٌ رَفْعُكَ مَعْظُوفاً عَلَى مَنْصُوبٍ ((إِنَّ) بَعْدَ أَنْ تَسْتَكْمِلَا
(وَجِبْرِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَأَنَا، وَأَبُو بَكْرٍ، وَالْمُؤْمِنُونَ مَعَكَ) قال عمر ◌َظ ◌ُله:
(وَقَلَّمَا تَكَلَّمْتُ) وقوله: (وَأَحْمَدُ اللهَ) جملةً معترضة بين العامل ومعموله، وهو:
(بِكَلَام) متعلّق بـ((تكلّمتُ)) (إِلَّ رَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ اللهُ يُصَدِّقُ قَوْلِي الَّذِي أَقُولُ)
(١) راجع: ((القاموس)) ٣٥٢/٤، و((المصباح)) ٣٤٣/١.
(٢) ((الفتح)) ٦١٦/١١.
١٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
أي: بإنزال الوحي على وفقه، كما نزلت الآية الكريمة موافقة لكلامه المذكور،
كما بيّنه بقوله: (وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، آيَةُ النَّخْبِيرِ) بدل من ((الآية))، وقوله:
(﴿عَسَى رَبُّهُ﴾) إلخ خبر لمحذوف محكي لقصد لفظه؛ أي: هي ﴿عَسَى رَبُّهُ﴾
الآية (﴿إِن طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ، أَزْوَجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾، ﴿وَإِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَئُهُ
وَجِبْرِيلُ وَصَلِحُ الْمُؤْمِنَّ وَالْمَلَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيُ﴾، وَكَانَتْ عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ
وَحَفْصَةُ) بنت عمر، وقوله: (تَظَاهَرَانٍ) بحذف إحدى التاءين؛ إذ أصله
تتظاهران؛ أي: تتعاونان (عَلَى سَائِرِ نِسَاءِ النَّبِيِّ وَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ
أَطَلَّقْتَهُنَّ؟ قَالَ) بَيِّ (لَا))) أي: لأنه إنما آلى منهنّ أن يدخل عليهنّ شهراً
(قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، وَالْمُسْلِمُونَ بَتْكُتُونَ بِالْحَصَى) تقدّم
شرحه قريباً (يَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللهِ،وَهِ نِسَاءَهُ، أَفَأَنْزِلُ، فَأُخْبِرَهُمْ أَنَّكَ لَمْ
تُطَلِّقْهُنَّ؟ قَالَ) وَِّ (نَعَمْ إِنْ شِئْتَ)) أي: أخبرهم إن أحببت إخبارهم به (فَلَمْ
أَزَلْ أُحَدَّثُهُ، حَتَّى تَحَسَّرَ) أي: انكشف (الْغَضَبُ عَنْ وَجْهِهِ) وَِّ (وَحَتَّى كَشَرَ)
الكشر: بدُوّ الأسنان، يقال: كشَرَ الرجلُ عن أسنانه، من باب ضرب: إذا
أبداها في الضحك (فَضَحِكَ) من باب تَعِبَ (وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ ثَغْراً) بفتح
الثاء المثلَّثة، وسكون الغين المعجمة: الفم، أو الأسنان، أو مقدّمها، قاله
المجد تَقْذِفُ(١). (ثُمَّ نَزَّلَ نَبِيُّ اللهِوَّهِ، وَنَزَلْتُ، فَنَزَلْتُ أَتَشَبَّثُ) أي: أتعلّق،
وأستمسك خوفاً من السقوط (بِالْجِذْع) بكسر، فسكون: ساق النخلة (وَنَزَّلَ
رَسُولُ اللهِ وَلِ كَأَنَّمَا يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ، مَا يَمَسُّهُ بِيَدِهِ) يعني أنّهِ وََّ لا يمسّ
الجِذع؛ لعدم مخافته من السقوط؛ إما لزيادة قوته، وإما لاعتياده ذلك (فَقُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّمَا كُنْتَ فِي الْغُرْفَةِ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ؟) وفيه تذكير الحالف بيمينه إذا
وقع منه ما ظاهره نسيانها؛ لأن عمر تظ له خشِي أن يكون { 18 نسي مقدار ما
حلف عليه، وهو شهر، فذكّره به (قَالَ) وَل ◌َ ((إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعاً وَعِشْرِينَ)))
أي: وهذا الشهر منه.
قال الحافظ وَّلُ: فيه تقوية لقول من قال: إن يمينه و اله اتَّفق أنها كانت
في أول الشهر، ولهذا اقتصر على تسعة وعشرين، وإلا فلو اتَّفق ذلك في أثناء
(١) ((القاموس المحيط)) ٣٨٢/١.