Indexed OCR Text

Pages 681-700

٦٨١
(٩) - بَابُ جَوَازِ وَطْءِ الْمَسْبِيَّةِ بَعْدَ الاِسْتِيْرَاءِ - حديث رقم (٣٦٠٨)
وتأثّم، وتهجّد: إذا ترك الْهُجُود، ومن هذا الباب ما ورَدَ بلفظ الدعاء، ولا
يُراد به الدعاء، بل الحثّ، والتحريض، كقوله: (تَرِبت يداك))، و((عَقْرَى
حَلْقَى))، وما أشبه ذلك. انتهى(١).
(مِنْ غِشْيَانِهِنَّ) متعلّقٌ بـ ((تحرّجوا)) يعني أنهم خافوا الوقوع في الحرج،
وهو الإثم بسبب غشيانهنّ، أي وطئهنّ (مِنْ أَجْلِ أَزْوَاجِهِنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) أي
من أجل أنهنّ ذوات أزواج، والمزوّجة لا تحلّ لغير زوجها، قال القرطبيّ: أي
ظنّوا أن نكاح أزواجهنّ لم تنقطع عصمته. انتهى(٢).
(فَأَنْزَلَ اللهُ فِي ذَلِكَ) أي في شأن بيان جواز وطء من تحرّجوا فيهنّ،
وقوله: (﴿وَالْمُحْصَنَتُّ﴾) هو في الأصل مرفوع عطفاً على المحرمات السابقة في
قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُنَّهَتُّكُمْ﴾ الآية [النساء: ٢٣]، وأما هنا فهو في
محلّ نصب على أنه مفعول به لـ((أنزَل)) محكيّ؛ لقصد لفظه.
والمعنى: حرّمت عليكم نكاح المحصنات، والمراد بالمحصنات هنا
المزوّجات، ومعناه: والمزوّجات حرام على غير أزواجهنّ، إلا ما ملكتم
بالسبي، فإنه ينفسخ نكاح أزواجهنّ الكفّار، وتحلّ لكم، إذا انقضى استبراؤها .
وقال أبو العبّاس القرطبيّ تَُّ في ((المفهم)): الْمُحْصَنة: اسم مفعول من
أُحصنت، وأصل الإحصان المنع، ومنه الحِضْن الذي يُمتنع فيه، والفرس
حِصَانٌ؛ لأنه يُتحصّن عليه، وتطلق الْمُحصَنة على ذات الزوج؛ لأن الزوج
منعها من غيره، وعلى العفيفة؛ لأنها منعت نفسها من الفواحش، وعلى الحرّة؛
لأنها تمنعها مما يتعاطاه العبيد، أي هنّ ممن حرّم عليكم، ثم استثنى بقوله:
﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. انتهى(٣).
وقال أبو عبد الله القرطبيّ تَخُّْ في ((تفسيره)): والتحصّن التمنّع، ومنه
الحِصن؛ لأنه يُمتنع فيه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَلََّنَهُ صَنْعَةً لَبُسِ لَّكُمْ
لِنُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠]، أي لتمنعكم، ومنه الحصان للفرس ـ بكسر
الحاء - لأنه يمنع صاحبه من الهلاك، والْحَصَان - بفتح الحاء - المرأة العفيفة
(١) ((المصباح المنير)) ١٢٧/١ - ١٢٨.
(٣) ((المفهم)) ١٩١/٤.
(٢) ((المفهم)) ١٩٣/٤.

٦٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع
لمنعها نفسها من الهلاك، وحَصُنت المرأةُ تَحصُنُ، فهي حَصَانٌ، مثلُ جبُنت
فهي جَبَان، وقال حسّان في عائشة ها [من الطويل]:
وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ
حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِريبةٍ
والمصدر الْحَصَانة - بفتح الحاء - والحِصن كالعلم. انتهى(١).
وقال السمين الحلبيّ نَّثُ في ((تفسيره)): قرأ الجمهور هذه اللفظة، سواء
كانت معرّفةً بـ ((أل))، أم نكرةً بفتح الصاد، والكسائيّ بكسرها في جميع القرآن،
إلا قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَآءِ﴾ [النساء: ٢٤] فإنه وافق الجمهور، فأما الفتح،
ففيه وجهان:
أشهرهما: أنه أُسند الإحصان إلى غيرهنّ، وهو إما الأزواج، أو
الأولياء، فإن الزوج يُحْصِن امرأته، أي يُعفّها، والوليّ يُحصنها بالتزويج، والله
يحصنها بذلك.
والثاني: أن هذا المفتوح الصاد بمنزلة المكسور، يعني أنه اسم فاعل،
وإنما شذّ فتح عين اسم الفاعل في ثلاثة ألفاظ: أحصَنَ، فهو مُحصَن، وألفج،
فهو مُلْفَج(٢)، وأسهَبَ(٣)، فهو مُسْهَب.
وأما الكسر، فإنه أسند الإحصان إليهنّ؛ لأنهنّ يُحصِنّ أنفسهنّ بعفافهنّ،
أو يُحْصِنّ فروجهنّ بالحفظ، أو يُحصِنّ أزواجهنّ.
وقد ورد الإحصان في القرآن لأربعة معان: الأول: التزوج، كما في هذه
الآية، وكما في قوله تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]. الثاني: الحرّيّة،
كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ الآية [النساء: ٢٥]. الثالث:
الإسلام، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَ﴾ قيل في تفسيره: أسلمن. الرابع:
العفّة، كما في قوله تعالى: ﴿مُحْصَنَتٍ غَيْرَ مُسَفِحَتٍ﴾ [النساء: ٢٥]. انتهى (٤).
(﴿مِّنَ اٌلِسَاءِ﴾) في محلّ نصب على الحال (﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾)
(١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ١٢٠/٥.
(٢) يقال: ألفج، فهو مُلْفَجْ بفتح اللام: إذا أفلس. اهــ ((القاموس)).
(٣) أي أكثر الكلام.
(٤) ((الدرّ المصون في علم كتاب الله المكنون)) ٣٤٤/٢ بزيادة من ((حاشية الجمل)) ٣٧١/١.

٦٨٣
(٩) - بَابُ جَوَازٍ وَطْءِ الْمَسْبِيَّةِ بَعْدَ الِاسْتِيْرَاءِ - حديث رقم (٣٦٠٨)
قال السمين الحلبيّ تَخْتُ: إن أريد بالإحصان هنا التزوّج كان المعنى: وحُرّمت
عليكم المحصنات، أي المزوّجات، إلا النوع الذي ملكته أيمانكم، إما
بالسبي، أو بملكِ، من شراء، وهبة، وإرث، وهو قول بعض أهل العلم،
ويدلّ على الأول قول الفرزدق [من الطويل]:
وَذَاتِ حَلِيلِ أَنْكَحَتْهَا رِمَاحُنَا حَلَالٌ لِمَنْ يَبْنِي بِهَا لَمْ تُطَلَّقِ
يعني أن مجرّد سبائها أحلّها بعد الاستبراء.
وإن أريد به الإسلام، أو العفّةُ فالمعنى: أن المسلمات، أو العفيفات
حرامٌ كلّهنّ، يعني فلا يُزنَى بهنّ، إلا ما مُلك منهنّ بتزويج، أو ملك يمين،
فيكون المراد بـ ((ما ملكت أيمانكم)) التسلّط عليهنّ، وهو قدر مشترك، وعلى
هذه الأوجه الثلاثة يكون الاستثناء متّصلاً.
وإن أريد به الحرائر، فالمراد إلا ما مُلِكَتْ بملك يمين، وعلى هذا
فالاستثناء منقطع. انتهى (١).
(أَيْ فَهُنَّ) أي المستثنيات (لَكُمْ حَلَالٌ) أي أحلّ لكم وطؤهنّ (إِذَا انْقَضَتْ
عِدَّتُهُنَّ) يعني بعدتهنّ استبراءهنّ من ماء الزوج الكافر، وهو بوضع الحمل إذا
كانت حاملاً، وبحيضة، إذا كانت حائلاً، كما جاءت به الأحاديث الصحيحة،
أفاده النوويّ تَخْذُ(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي سعيد الخدريّ ظُه من أفراد المصنّف ◌َُّهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦٠٨/٩ و٣٦٠٩ و٣٦١٠ و٣٦١١ و٣٦١٢]
(١٤٥٦)، و(أبو داود) في ((النكاح)) (٢١٥٥)، و(الترمذيّ) في ((النكاح))
(١) ((الدرّ المصون في علم كتاب الله المكنون)) ٣٤٤/٢ - ٣٤٥.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٣٥/١٠.

٦٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع
(١١٣٢) و((التفسير)) (٣٠١٦ و٣٠١٧)، و(النسائيّ) في ((النكاح)) (٣٣٣٤) وفي
((الكبرى)) (٥٤٩١ و٥٤٩٢) و((التفسير)) (١١٠٩٦ و١١٠٩٧)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٨٤/٣)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٢٩٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)
(١٠٤/٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٢٩/٤)، و(البيهقيّ في ((الكبرى))
(١٦٧/٧ و١٢٤/٩) و((الصغرى)) (١٦٠/٦) و((المعرفة)) (٢٩٥/٥)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (ومنها): بيان جواز وطء المسبيّات، إذا اسْتُبْرِئْنَ.
٢ - (ومنها): أن نكاح المشركين ينفسخ إذا سُبيت زوجاتهم؛ لدخولها في
ملك سابيها .
٣ - (منها): بيان سبب نزول هذه الآية، وبيان المعنى المراد منها، قال
أبو العبّاس القرطبيّ كَّلُ: اختَلَف الناس في سبب نزول هذه الآية، وحديث
أبي سعيد ◌ُه هذا أصحّ ما نُقل في ذلك، وبه يرتفع الخلاف، فإنه نصّ فيه
على أنها نزلت بسبب تحرّج أصحاب رسول الله وَ ﴿و عن إتيان المسبيّات ذوات
الأزواج، فأنزل الله تعالى في جوابهم: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]،
فالمسبيّات ذوات الأزواج داخلات في عموم ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾،
فالسبي فسخ النكاحهنّ بلا شكّ، وهل هو فسخ بطلاق، أو بغير طلاق؟ ذهب
للأول الحسن البصريّ، وخالفه الجمهور (١)، وسيأتي تمام البحث فيه في
المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى -.
٤ - (ومنها): أن فيه دلالةً على وجوب توقّف الإنسان، وبحثه، وسؤاله
عما لا يتحقّق وجهه، ولا حكمه، وهو دأب من يخاف الله رَ، ولا يُختَلَف
في أن ما لا يتبيّن حكمه لا يجوز الإقدام عليه، قاله القرطبيّ.
٥ - (ومنها): أن فيه دلالةً للمذهب المختار، وهو مذهب جماهير العلماء
أن العرب يجري عليهم الرقّ كما يجري على العجم، وأنهم إذا كانوا مشركين،
وسُبُوا، جاز استرقاقهم؛ لأن الصحابة سبوا هوازن، وهم عبدة الأوثان، وقد
(١) ((المفهم)) ١٩٢/٤ - ١٩٢.

٦٨٥
(٩) - بَابُ جَوَازٍ وَطْءِ الْمَسْبِيَّةِ بَعْدَ الإِسْتْرَاءِ - حديث رقم (٣٦٠٨)
استرقّوهم، ووطئوا سباياهم، وبهذا قال مالك، والشافعيّ في قوله الصحيح
الجديد، وجمهور العلماء، وقال أبو حنيفة، والشافعيّ في قوله القديم: لا
يَجري عليهم الرّقّ؛ لشرفهم.
٦ - (ومنها): أن فيه دلالةً أيضاً لمذهب من أجاز وطء المشركة بملك
اليمين، وإن لم تكنْ من أهل الكتاب، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة
التالية - إن شاء الله تعالى -.
٧ - (ومنها): أن المراد بعدّة المسبّات تحقّق براءة رحمهنّ، وذلك بوضع
حملها، إن كانت حاملاً، وبحيضة إن كانت غير حامل.
٨ - (ومنها): أنه لا يجوز وطء حامل مسبيّة حتى تضع، فقد تقدّم
للمصنّف حديث أبي الدرداء ◌ُه، عن النبيّ وَِّ، أنه أَتَى بامرأة مُجِحٍّ على
باب فُسطاط، فقال: ((لعله يُريد أن يُلِمَّ بها؟))، فقالوا: نعم، فقال
رسول الله وَله: (لقد هممت أن ألعنه، لعناً يدخل معه قبره، كيف يُوَرِّثُهُ، وهو
لا يحل له؟، كيف يستخدمه، وهو لا يحل له؟))، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم وطء المسبيّة
المشركة بملك اليمين :
قال النوويّ كَُّهُ: واعلم أن مذهب الشافعيّ، ومن قال بقوله من العلماء
أن المسبيّة من عَبَدة الأوثان، وغيرهم من الكفّار الذين لا كتاب لهم، لا يحلّ
وطؤها بملك اليمين، حتى تُسلم، فما دامت على دينها، فهي محرّمة، وهؤلاء
المسبّات كُنّ من مشركي العرب عبدة الأوثان، فيؤوّل هذا الحديث، وشبهه
على أنهنّ أسلمن، وهذا التأويل لا بدّ منه، والله أعلم انتهى(١).
وقال الشوكانيّ كَّلُهُ ما حاصله: ظاهر الحديث أنه لا يشترط في جواز
وطء المسبيّة الإسلام، ولو كان شرطاً لبيّنه وَّه، ولم يُبيّنه، ولا يجوز تأخير
البيان عن وقت الحاجة، وذلك وقتها، ولا سيّما وفي المسلمين في يوم حنين
وغيره من هو حديث عهد بالإسلام، يخفى عليهم مثل هذا الحكم، وتجويز
(١) ((شرح النوويّ)) ٣٥/١٠ - ٣٦.

٦٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع
حصول الإسلام من جميع السبايا، وهي في غاية الكثرة بعيدٌ جدّاً، فإن إسلام
مثل عدد المسبيّات في أوطاس دفعةً واحدةً، من غير إكراه لا يقول بأنه يصحّ
تجويزه عاقلٌ، ومن أعظم المؤيّدات لبقاء المسبيّات على دينهنّ ما ثبت من
ردّه وَّه لهنّ بعد أن جاء إليه جماعة من هوازن، وسألوه أن يردّ إليهم ما أخذ
عليهم من الغنيمة، فردّ إليهم السبي فقط.
وقد ذهب إلى جواز وطء المسبيّات الكافرات بعد الاستبراء المشروع
جماعة: منهم طاوس، وهو الظاهر؛ لما سلف. انتهى كلام الشوكانيّ كَّتُهُ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذكره الشوكانيّ أن الأرجح
قول من قال بجواز وطء المسبيات الكافرات غير الكتابيات بعد الاستبراء؛ لقوة
دليله، وأن التأويل الذي ذكره النوويّ فيه بُعدِ، وتكلّف، فتبصّر بالإنصاف،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلماء في الأَمَةِ إذا بيعت، وهي
مزوّجةٌ مسلماً :
(اعلم): أنهم اختَلَفوا فيها، هل ينفسخ النكاح، وتحلّ لمشتريها، أم
لا؟، فقال ابن عبّاس ﴿ها: ينفسخ لعموم قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا
مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
وقال سائر العلماء: لا ينفسخ، وخصّوا الآية بالمملوكة بالسبي، أفاده
النوويّ نَّتُهُ .
وقال أبو العبّاس القرطبيّ تَّهُ: اختلفوا هل السبي فسخ بطلاق، أو بغير
طلاق؟ فذهب للأول الحسن البصريّ، ثمّ هل يُقصر التحريم عليهنّ - أعني
المسبّات - لأنهنّ السبب، أو يُحمل اللفظ على عمومه؟ قولان لأهل العلم،
وعن هذا نشأ الخلاف في بيع الأمة ذات الزوج، وهبتها، وميراثها، وعتقها،
فقال الحسن: إن ذلك كله طلاق لها من زوجها، وروي عن عمر في قوله
تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمّ﴾ بملك نكاح، أو يمين، أو غَلَبة.
وذهب مالك، وجمهور العلماء إلى أنه ليس شيء من ذلك فسخاً، ولا
طلاقاً، بدليل حديث بَرِيرة ◌َّا لَمّا أُعتقت خُيِّرت، فلو كان عتقها طلاقاً لما صحّ
خيارها، فإنه كان يقع بنفس العتق، وهو يدلّ على أن الآية مقصورة على سببها .

٦٨٧
(٩) - بَابُ جَوَازِ وَطْءِ الْمَسْبِيَّةِ بَعْدَ الاسْتِيْرَاءِ - حديث رقم (٣٦٠٨)
فإذا تقرّر أن السبي فسخٌ، فالمشهور من مذهبنا أنه لا فرق بين أن يُسبى
الزوجان مجتمعين، أو مفترقین.
وروى ابن بُكير عن مالك أنهما إن سُبيا جميعاً، واستبقي الرجل أُقرّا
على نكاحهما، فرأى في هذه الرواية أن استبقاءه إبقاء لما يملكه؛ لأنه قد صار
له عهد، وزوجته من جملة ما يملكه، فلا يُحال بينها وبينه، والصحيح الأول؛
للتمسّك بظاهر الآية، كما تقدّم، ولأنها قد مُلكت رقبتها بالسباء، فيُملك جميع
منافعها، ولا يُنتقض هذا بالبيع، ولا بغيره من الوجوه التي تنقل الملك
المذكور على ما تقدّم؛ لأنها خروج من مالكِ ملكاً محقّقاً، والكافر لا يملك
ملكاً محضاً، فافترقا. انتهى كلام القرطبيّ ◌َّهُ(١).
وقال المازريّ: هذا الخلاف مبنيّ على أن العموم إذا خرج على سبب،
هل يقصر على سببه، أم لا؟، فمن قال: يُقصَرُ على سببه لم يكن فيه حجة
للمملوكة بالشراء؛ لأن التقدير: إلا ما ملكت أيمانكم بالسبي، ومن قال: لا
يقصر، بل يُحمل على عمومه قال: ينفسخ نكاح المملوكة بالشراء، لكن ثبت
في حديث شراء عائشة بريرة أن النبيّ وَّهُ خيّر بريرة في زوجها، فدلّ على أنه
لا ينفسخ بالشراء، لكن هذا تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، وفي جوازه
خلاف، ذكره النوويّ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ جواز تخصيص عموم الكتاب بخبر
الواحد، وهو الأصحّ عند الأصوليين، وهو قول الجمهور، وعليه الأئمة
الأربعة، فيما حكاه ابن الحاجب. قال السيوطيّ في ((الكوكب الساطع)):
سُنَّتُهُ بِهَا وَبِالْكِتَابِ
وَجَازَ أَنْ يُخَصَّ فِي الصَّوَابِ
وَخَبَرِ الْوَاحِدِ عِنْدَ الأَكْثَرِ (٢)
وَهْوَ بِهِ وَخَبَرِ التَّوَاتُرِ
وقلت في ((التحفة المرضيّة)):
وَسُنَّةٍ أَيْ مُظْلَقَا فَلَا عِتَابْ
وَجَازَ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابْ
(١) ((المفهم)) ١٩١/٤ - ١٩٢.
(٢) راجع: ((الجليس النافع الصالح بتوضيح معاني الكوكب الساطع)) شرحي للنظم
المذكور (ص١٩٤ - ١٩٦).

٦٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع
وَسُنَّةٍ بِهَا كَذَاكَ مُظْلَقَا وَبِكِتَابِ اللهِ كُلٌّ يُنْتَقَى(١)
والحاصل أن عموم قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَتُكُمْ﴾ مخصوص
بالمملوكة بالسبي، أما المملوكة بالشراء، ونحوه، فلا تحل لمالكها؛ لعدم
انفساخ النكاح بالشراء، كما هو رأي الجمهور، ودليله حديث بريرة ظها المتّفق
عليه، فإن النبيّ وَّ لَمَّا اشترتها عائشة، وأعتقتها خيّرها في زوجها، فلو كان
الشراء ينفسخ به النكاح لما كان للتخيير معنى، فتبصّر.
ثم رأيت العلامة ابن العربيّ تَُّ قد حقّق هذا الموضوع في ((أحكام
القرآن))، فقال ما ملخّصه: وأما من قال: إن قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾
في الإماء كلهنّ، وإنَّ مِلك الأمة المتجدِّد على النكاح يبطله، فموضع إشكال
عظيم، ولأجله تردد فيه أصحاب محمد وَله. بَيْدَ أن الظاهر أن ملكاً متجدداً لا
يبطل نكاحاً متأكّداً، ولو أنه مَلَّكَ منفعةَ رقبتها لرجل بالإجارة، ثم باعها ما
أبطل الملكُ ملكَ منفعة الرقبة، فملك منفعة الْبُضْع أولى أن يبقى، فإن أحقّ
الشروط أن يُوفَى به ما استُحِلّت به الفروج، فعقدُ الفرج نفسه أحقّ بالوفاء به
من عقد منفعة الرقبة.
قال: والذي يقطع العذر أن النبيّ وَّهِ خَيَّر بريرة، ولم يجعل ما طرأ من
العتق عليها، ولا ما ملكت من نفسها مبطلاً لنكاح زوجها، وعليه يُحْمَل كل
مُلك متجدد، وقد بيّناه في مسائل الخلاف، وفيما أشرنا إليه ها هنا من الأثر
والمعنى كفاية لمن سَدَّد النظر، فوضح أن المراد بالمحصنات الجميع، وأن
المراد بملك اليمين السبي الذي نزلت الآية في بيانه. انتهى كلام ابن
العربيّ كَُّهُ(٢)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً.
وخلاصة القول أن ما ذهب إليه الجمهور من أن الآية المذكورة محمولة
على الإماء المسبيّات، كما هو سبب النزول، هو الحقّ، فلا تدخل من مُلكت
بالشراء، أو نحوه، فلا يحلّ وطؤها لمالكها إذا كان لها زوج، بدليل قصّة
بريرة ويا، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) راجع: ((المنحة الرضيّة)) شرح ((التحفة)) المذكورة ٣٥٥/٣ - ٣٥٧.
(٢) ((أحكام القرآن)) لابن العربيّ كَُّ ٤٠٤/١.

٦٨٩
(٩) - بَابُ جَوَازٍ وَطْءِ الْمَسْبِيَّةِ بَعْدَ الإِسْتِيْرَاءِ - حديث رقم (٣٦٠٩)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٦٠٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ
بَشَّارٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، أَنَّ أَبَا
عَلْقَمَةَ الْهَاشِمِيَّ حَدَّثَ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ حَدَّثَهُمْ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ وَّهِ بَعَثَ يَوْمَ
حُنَيْنِ سَرِيَّةً، بِمَعْنَى حَدِيثٍ يَزِيدَ بْنِ زُرَبْع، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ
مِنْهُنَّ، فَحَلَالٌ لَكُمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ: إِذَا انْقَضَتَّ عِدَّتُهُنَّ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨]
(ت ١٨٩) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٧/٥.
والباقون ذُكروا في الإسنادين السابقين.
وقوله: (أَنَّ أَبَا عَلْقَمَةَ الْهَاشِمِيَّ حَدَّثَ) ولفظ أبي نعيم في ((مستخرجه))
(١٢٩/٤): ((أن أبا علقمة الهاشميّ حدّثه))، هذه الرواية صرّح فيها أبو الخليل
بالتحديث من أبي علقمة، فبها يبطل دعوى بعضهم أن أبا الخليل لم يسمع من
أبي علقمة، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عروبة هذه
ساقها ابن أبي شيبة تَخْتُ في ((مصنّفه)) ٥٣٦/٣ فقال:
(١٦٨٨٨) - حدّثنا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن أبي الخليل،
أن أبا علقمة الهاشميّ، حدّثنا، أن أبا سعيد الخدريّ حدّثهم، أن النبيّ وَّلـ
بَعَثَ يوم حنين سَرِيَّة، فأصابوا حيّاً من العرب، يوم أوطاس، فهَزَموهم،
وقَتَلُوهم، وأصابوا لهم نساء، لهنّ أزواج، فكان أناس من أصحاب النبيّ وَّـ
تحرَّجوا من غَشَيانهنّ، من أجل أزواجهنّ، فأنزل الله: ﴿وَالْمُعْصَنَتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا
مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ منهنّ، فتحلّ لكم. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.

٦٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٦١٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، يَعْنِي
ابْنَ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٨) أو بعدها
(م ٤) تقدم في ((الإيمان)» ١٦٥/١٤.
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد الْهُجيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
[٨] (ت١٨٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٣/٣٥.
والباقيان ذُكرا في الباب، وقبله.
[تنبيه]: قوله: ((عن قتادة بهذا الإسناد)) ظاهر في أن رواية شعبة عن قتادة
هذه فيها ذكر أبي علقمة بين أبي الخليل، وأبي سعيد الخدريّ، وهذه الرواية
لم أجد من ساقها، وقد تابع شعبة في هذا يزيد بن زُريع، وعبد الأعلى، كما
في الروايتين السابقتين، وروايةُ شعبة التالية، صريحة في إسقاط أبي علقمة،
وتابعه في هذا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة في الرواية الثالثة، فبهذا يتبيّن أن
شعبة كان يرويه بالوجهين، بإثبات أبي علقمة، وإسقاطه، وقد تقدّم أن الصواب
إثباته؛ لأنه رواية الأكثرين، ولأن إسقاطه يجعل الإسناد منقطعاً؛ فإن أبا
الخليل لم يلق أبا سعيد الخدريّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٦١١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ
الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: أَصَابُوا
سَبْياً يَوْمَ أَوْطَاسَ، لَهُنَّ أَزْوَاجٌ، فَتَخَوَّفُوا(١)، فَأَنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَالْمُعْصَنَكُ مِنَ
النِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمّ)).
(١) وفي نسخة: ((فتحرّجوا)).

٦٩١
(٩) - بَابُ جَوَازٍ وَطْءِ الْمَسْبِيَّةِ بَعْدَ الاسْتِبْرَاءِ - حديث رقم (٣٦١٢)
رجال هذا الإسناد: ستة:
وکلّهم ذُكروا قبله.
قال الجامع عفا الله عنه: غرض المصنّف تَخْلَّقُ بهذه الرواية، والرواية
التالية بيان ما وقع في السند من الاختلاف في ذكر أبي علقمة، وإسقاطه، كما
بيّنّاه في الحديث الماضي، وذِكْره هو الصواب.
قال الحافظ أبو الحجّاج المزّيّ كَّلُهُ في ((تحفته)) في ترجمة صالح بن
أبي مريم أبي الخليل، عن أبي سعيد الخدريّ بعد أن أورد رواية المصنّف
هذه: هكذا وقع في ((صحيح مسلم))، والمحفوظ حديث أبي سعيد، عن قتادة،
عن أبي الخليل، عن أبي علقمة، عن أبي سعيد. انتهى(١).
فتبيّن بهذا أن الصواب ذِكْر أبي علقمة بين أبي الخليل، وأبي سعيد،
فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٦١٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، يَعْنِي ابْنَ
الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلّهم ذُكروا في الباب.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بالإسناد الذي قبله، وهو الذي قال فيه قتادة:
عن أبي الخليل، عن أبي سعيد، فأسقط أبا علقمة الهاشميّ، وقد تقدّم أن
ذِكْرَه هو الصواب؛ لأن في إسقاطة يكون منقطعاً، فتنبّه.
[تنبيه]: رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة هذه لم أجد ساقها،
فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّ بِلهِ عَلَيْهِ تَوَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١) ((تحفة الأشراف)) ٣٤٣/٣ - ٣٤٤.

٦٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع
(١٠) - (بَابٌ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَتَوَقِّي الشُّبُهَاتِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٦١٣] (١٤٥٧) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا
قَالَتْ: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فِي غُلَامِ، فَقَالَ سَعْدٌ: هَذَا يَا
رَسُولَ اللهِ ابْنُ أَخِي، عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابَّنُّهُ، انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ،
وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هَذَا أَخِي يَا رَسُولَ اللهِ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشٍ أَبِي مِنْ وَلِيدَتِهِ،
فَتَظَرَ رَسُولُ اللهِوَهَ إِلَى شَبَهِهِ، فَرَأَى شَبَهاً بَيِّناً بِعُتْبَةَ، فَقَالَ: ((هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ،
الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ))، قَالَتْ: فَلَمْ
يَرَ سَوْدَةَ قَطُّ، وَلَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ قَوْلَهُ: ((يَا عَبْدُ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قريباً .
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ) تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (اللَّيْثُ) بن سعَّد، تقدّم قبل بابين.
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم أيضاً قبل بابين.
٥ - (عُرْوَةٌ) بن الزبير، تقدّم قريباً.
٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين هنا، تقدّمت قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف تَّلُهُ .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى ابن رُمح، فانفرد به هو
وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير قتيبة، فبغلانيّ، وابن رُمْح،
والليث، فمصريان.

٦٩٣
(١٠) - بَابٌ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَتَوَفِّي الشُّبُهَاتِ - حديث رقم (٣٦١٣)
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه عروة من الفقهاء
السبعة، وعائشة ويّا من المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عُرْوَةَ) وفي رواية شعيب، عن الزهريّ عند البخاريّ في ((العتق)):
((حدّثني عروة))، وكذا وقع في رواية عبد الله بن مسلمة، عن مالك، في
((المغازي))، لكن أخرجه في ((الوصايا)) بلفظ: ((عن عروة))، قاله في ((الفتح)) (١).
(عَنْ عَائِشَةَ) ◌ِّ، أنها (قَالَتْ: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) مالك بن وُهيب بن
عبد مناف بن زهرة بن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق، أحد العشرة، وأوّل من
رمى بسهم في سبيل الله، مناقبه كثيرة، مات رظته بالعقيق، سنة (٥٥هـ) على
المشهور، وهو آخر من مات من العشرة المبشرين بالجنّة ﴿ه، تقدّمت ترجمته
في ((المقدمة)) ٧١/٦. (وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ) بغير إضافة ((عبد))، ووقع في ((مختصر
ابن الحاجب)): ((عبد الله))، وهو غلط، نعم عبد الله بن زمعة آخر، وفي بعض
الطرق من غير رواية عائشة عند الطحاويّ في هذا الحديث: عبد الله بن زمعة،
ونبّه على أنه غلطٌ، وأن عبد الله بن زمعة هو ابن الأسود بن عبد المطّلب بن
أسد بن عبد العزّى.
و ((زمعة)) : - بفتح الزاي، وسكون الميم، وقد تُحرّك ــ قال النوويّ:
التسكين أشهر، وقال أبو الوليد الوقشيّ: التحريك هو الصواب، قال الحافظ:
والجاري على ألسنة المحدّثين التسكين في الاسم، والتحريك في النسبة، وهو
ابن قيس بن عبد شمس القرشيّ العامريّ، والد سودة، زوج النبيّ وَ ◌ّ رْوَّا.
وعبد بن زمعة قال ابن عبد البرّ: كان من سادات الصحابة، وأخوه لأمه
قَرَظَة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف، أمهما عاتكة بنت الأخيف - بخاء
معجمة، بعدها مثنّاة تحتانيّة - من بني هُصيص بن عامر بن لؤيّ.
وأخرج ابن أبي عاصم بسند حسن إلى يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب،
عن عائشة ◌ُها، قالت: تزوّج رسول الله وَل و سودة بنت زمعة، فجاء أخوها
(١) ((الفتح)) ٤٦٤/١٥ ((كتاب الفرائض)) رقم (٦٧٤٩).

٦٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع
عبد بن زمعة من الحجّ، فجعل يحثو من التراب على رأسه، فقال بعد أن
أسلم: إنّي لسفيهٌ يوم أحثو التراب على رأسي أن تزوّج رسول الله وَلّ سودة.
قاله في ((الإصابة))(١) .
(فِي غُلَام) هو الابن الصغير، وجمع القلّة منه غِلْمة بالكسر، وجمع
الكثرة غِلمانٌ، ويُطلق الغلام على الرجل، مجازاً باسم ما كان عليه، كما يقال
للصغير شيخٌ، مجازاً باسم ما يؤول إليه، وجاء في الشعر: غلامٌ، بالهاء،
للجارية، قال أوس بن غلفاء الْهُجَيميّ، يصف فرساً [من الكامل]:
وَمُرْكِضَةٌ صَرِيحِيٍّ أَبُوهَا يُهَانُ لَهَا الْغُلَامَةُ وَالْغُلَامُ
قال الأزهريّ: وسمعت العرب تقول للمولود حين يولد ذكراً: غُلامٌ،
وسمعتهم يقولون للكهل: غُلام، وهو فاشٍ في كلامهم (٢) .
واسم الغلام المذكور: عبد الرحمن، وذكره ابن عبد البرّ في الصحابة
وغيره، وقد أعقب بالمدينة، قاله في ((الفتح))(٣).
وقال في ((الإصابة)): وقال ابن عبد البرّ: لم يختلف النسّابون أن اسم ابن
الوليدة، صاحب القصّة: عبد الرحمن، قال الحافظ: خبط ابن منده، وتبعه أبو
نُعيم في نسبه، فجعله من بني أسد بن عبد العزّى، وليس كذلك، ووهم ابن
قانع، فجعله هو الذي خاصم سعدَ بنَ أبي وقّاص، وكأنه انقلب عليه، فإنه
المخاصَمُ فيه، لا المخاصِمُ، والمخاصِمُ عبدٌ بغير إضافة، بلا نزاع. انتهى (٤).
وقال في ((الفتح)): وقد وقع لابن منده خبطٌ في ترجمة عبد الرحمن بن
زمعة، فإنه زعم أن عبد الرحمن، وعبد الله، وعبداً إخوة ثلاثة، أولاد زمعة بن
الأسود، وليس كذلك، بل عبدٌ بغير إضافة، وعبد الرحمن أخوان، عامریّان،
من قريش، وعبد الله بن زمعة قرشيّ أسديّ، من قريش أيضاً. انتهى(٥).
(فَقَالَ سَعْدٌ) ابن أبي وقّاص ◌َّهِ (هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ، ابْنُ أَخِي، عُتْبَةَ بْنِ
(١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٣٤١/٦ - ٣٤٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ٤٥٢/٢.
(٣) ((الفتح)) ٤٦٥/١٥.
(٤) ((الإصابة)) ٢١٥/٧.
(٥) ((الفتح)) ٤٦٥/١٥، و((الإصابة)) ٣٥/٥ - ٣٦.

٦٩٥
(١٠) - بَابٌ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَتَوَقِّي الشُُّّهَاتِ - حديث رقم (٣٦١٣)
أَبِي وَقَّاصٍ) ((عتبة)) بدلٌ من ((أخي))، وهو أخو سعد المذكور، مختلفٌ في
صحبته، فَذكره في الصحابة العسكريّ، وذكر ما نقله الزبير بن بكّار في النسب
أنه كان أصاب دماً بمكّة في قريش، فانتقل إلى المدينة، ولَمّا مات أوصى إلى
سعد، وذكره ابن منده في الصحابة، ولم يذكر مستنداً إلا قول سعد: ((عهد إليّ
أخي أنه ولده))، واستنكر أبو نعيم ذلك، وذكر أنه الذي شجّ وجه رسول الله وليه
بأحد، قال: وما علمت له إسلاماً، بل قد روى عبد الرزّاق من طريق عثمان
الجزريّ، عن مقسم: ((أن النبيّ ◌َ لي دعا بأن لا يحول على عتبة الحول حتى
يموت كافراً، فمات قبل الحول)). وهذا مرسل، وأخرجه من وجه آخر عن
سعيد بن المسيّب بنحوه.
وأخرج الحاكم في ((المستدرك)) من طريق صفوان بن سُليم، عن أنس أنه
سمع حاطب بن أبي بلتعة، يقول: ((إن عتبة لَمّا فعل بالنبيّ ◌َّ ما فعل، تبعته،
فقتلته))، كذا قال، وجزم ابن التين، والدمياطيّ بأنه مات كافراً.
وأم عتبة: هند بنت وهب بن الحارث بن زُهرة، وأم أخيه سعد: حمنة
بنت سفيان بن أميّة، قاله في ((الفتح))(١) .
(عَهِدَ إِلَيَّ) أي أوصى إليّ. يقال: عَهِدَ إليه يَعْهَدُ، من باب تَعِبَ: إذا
أوصاه، قاله الفيّوميّ. (أَنَّهُ ابْنُهُ، انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ) أي إلى مماثلته لعتبة، قال في
((القاموس)): الشِّبْهُ بالكسر، والتحريك، وكأمير: المثل، جمعه أشباه. انتهى.
وفي رواية البخاريّ في ((الفرائض)): ((فلما كان عام الفتح أخذه سعد،
فقال: ابن أخي)). وفي رواية له في ((المغازي)): ((فلما قدم رسول الله وَليل مكّة
في الفتح))، وفي رواية لأحمد، وهي لمسلم، ولم يسق لفظها: ((فلما كان يوم
الفتح رأى سعدٌ الغلامَ، فعرفه بالشبه، فاحتضنه، وقال: ابن أخي، وربّ
الكعبة)) (وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هَذَا أَخِي، وُلِدَ) بالبناء للمفعول (عَلَى فِرَاشِ أَبِي)
زاد في رواية: ((من جاريته)) (مِنْ وَلِيدَتِهِ) الوليدة في الأصل المولودة، وتُطلق
على الأمة، قال الحافظ: وهذه الوليدة لم أقف على اسمها، لكن ذكر مصعب
الزبيريّ، وابن أخيه الزبير في ((نسب قريش)) أنها كانت أمة يمانية.
(١) ((الفتح)) ٤٦٥/١٥ - ٤٦٦.

٦٩٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع
والوليدة فَعِيلة من الولادة، بمعنى مفعولة. قال الجوهريّ: هي الصبيّة،
والأمة، والجمع ولائد. وقيل: إنها اسم لغير أم الولد.
(فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ إِلَى شَبَهِهِ، فَرَأَى شَبَهاً بَيِّناً بِعُتْبَةَ) وفي رواية: ((فإذا
هو أشبه الناس بعتبة بن أبي وقّاص)).
قال الخطّابيّ، وتبعه عياضٌ، والقرطبيّ، وغيرهما: كان أهل الجاهليّة
يقتنون الولائد، ويقرّرون عليهنّ الضرائب، فيكتسبن بالفجور، وكانوا يُلحقون
النسب بالزناة، إذا ادّعوا الولد، كما في النكاح، وكانت لزمعة أمةٌ، وكان يُلمّ
بها، فظهر بها حملٌ، زعم عتبة بن أبي وقّاص أنه منه، وعهد إلى أخيه سعد
أن يستلحقه، فخاصم فيه عبد بن زمعة، فقال له سعد: هو ابن أخي، على ما
كان عليه الأمر في الجاهليّة، وقال عبد الرحمن: هو أخي، على ما استقرّ عليه
الأمر في الإسلام، فأبطل النبيّ ◌َ﴿ حكم الجاهليّة، وألحقه بزمعة. وأبدل
عياضٌ قوله: إذا ادّعوا الولد بقوله: إذا اعترفت به الأمّ، وبنى عليهما
القرطبيّ، فقال: ولم يكن حصل إلحاقه بعتبة في الجاهليّة، إما لعدم الدعوى،
وإما لكون الأمّ لم تعترف به لعتبة.
قال الحافظ: وقد مضى في ((النكاح)(١) من حديث عائشة ما يؤيّد أنهم
(١) هو ما أخرجه البخاريّ كَّلُ في ((صحيحه)) ٨٦/١٦ فقال:
(٥١٢٧) - قال يحيى بن سليمان: حدّثنا ابن وهب، عن يونس (ح) وحدّثنا
أحمد بن صالح، حدّثنا عنبسة، حدثنا يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني
عروة بن الزبير، أن عائشة زوج النبيّ ◌َّلو أخبرته أن النكاح في الجاهلية كان على
أربعة أنحاء: فنكاحٌ منها: نكاح الناس اليوم، يَخْطُب الرجل إلى الرجل وليته، أو
ابنته، فيُصْدِقها، ثم ينكحها، ونكاح آخر: كان الرجل يقول لامرأته إذا طَهُرتْ من
طَمْئها: أرسلي إلى فلان، فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها، ولا يمسها أبداً حتى
يتبيّن حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبيّن حملها أصابها زوجها إذا
أحبّ، وإنما يفعل ذلك رغبة في نَجَابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع،
ونكاح آخر: يَجتمع الرهط ما دون العشرة، فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها،
فإذا حَمَلت، ووضعت، ومرَّ عليها لَيَالٍ بعد أن تضع حملها، أرسلت إليهم، فلم
يستطع رجل منهم أن يمتنع، حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان =

٦٩٧
(١٠) - بَابٌ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَتَوَقِّي الشُُّهَاتِ - حديث رقم (٣٦١٣)
كانوا يعتبرون استلحاق الأمّ في صورة، وإلحاق القائف في صورة، ولفظها:
((إن النكاح في الجاهليّة كان على أربعة أنحاء ... )) الحديث، وفيه: ((يجتمع
الرهط ما دون العشرة، فيدخلون على المرأة كلهم يُصيبها، فإذا حملت،
ووضعت، ومضت ليالٍ، أرسلت إليهم، فاجتمعوا عندها، فقالت: قد ولدت
فهو ابنك يا فلان، فيُلحق به ولدها، ولا يستطيع أن يمتنع ... ))، إلى أن
قالت: ((ونكاح البغايا، كنّ يَنصبن على أبوابهنّ رايات، فمن أرادهنّ، دخل
عليهنّ، فإذا حملت إحداهنّ، فوضعت، جُمِعوا لها، ودعوا القافة، ثم ألحقوا
ولدها بالذي يرى القائف، لا يمتنع من ذلك)). انتهى.
واللائق بقصّة أمة زمعة الأخير، فلعلّ جمع القافة لهذا الولد تعذّر بوجه
من الوجوه، أو أنها لم تكن بصفة البغايا، بل أصابها عتبة سرّاً من زنا، وهما
كافران، فحملت، وولدت ولداً يُشبهه، فغلب على ظنّه أنه منه، فبغته الموت
قبل استلحاقه، فأوصى أخاه أن يستلحقه، فعمد سعد بعد ذلك، تمسّكاً بالبراءة
الأصليّة.
قال القرطبيّ: وكان عبد بن زمعة سمع أن الشرع ورد بأن الولد للفراش،
وإلا فلم يكن عادتهم الإلحاق به، كذا قال، قال الحافظ: ولا أدري من أين
له هذا الجزم بالنفي، وكأنه بناه على ما قاله الخطّابيّ: من أن أمة زمعة كانت
من البغايا اللاتي عليهن من الضرائب، فكان الإلحاق مختصّاً باستلحاقها على
ما ذكر، أو بإلحاق القائف على ما في حديث عائشة، لكن لم يذكر الخطّابيّ
مستنداً لذلك.
قال الحافظ: والذي يظهر من سياق القصّة ما قدّمته أنها كانت أمةً،
= من أمركم، وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان، تُسَمِّي من أحبت باسمه، فيلحق به
ولدها، لا يستطيع أن يمتنع به الرجل، ونكاحُ الرابع: يجتمع الناس الكثير،
فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها، وهنّ البغاياً، كُنّ ينصبن على أبوابهن
رايات، تكون عَلَماً، فمن أرادهنّ دخل عليهنّ، فإذا حملت إحداهنّ، ووضعت
حملها جُمعوا لها، ودَعَوا لهم القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاط به،
ودُعِي ابنه، لا يمتنع من ذلك، فلما بُعث محمد وَلَهَ بالحقّ هُدِم نكاح الجاهلية
کله، إلا نكاح الناس اليوم. انتهى.

٦٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع
مستفرشةً لزمعة، فاتّفق أن عتبة زنى بها، كما تقدّم، وكانت طريقة الجاهليّة في
مثل ذلك أن السيّد إن استلحقه لحقه، وإن نفاه انتفى عنه، وإذا ادّعاه غيره كان
مردّ ذلك إلى السيّد، أو القافة. وقد وقع في حديث ابن الزبير الذي أسوقه بعد
هذا ما يؤيّد ما قلته.
وأما قوله: إن عبد بن زمعة سمع أن الشرع ... إلخ، ففيه نظر؛ لأنه
يبعد أن يسمع ذلك عبد بن زمعة، وهو بمكة لم يُسلم بعدُ، ولا يسمعه سعد بن
أبي وقّاص، وهو من السابقين الأوّلين الملازمين لرسول الله وَ لو من حين
إسلامه إلى حين فتح مكة نحو العشرين سنة، حتى ولو قلنا: إن الشرع لم يرد
بذلك، إلا في زمن الفتح، فبلوغه لعبد قبل سعد بعيدٌ أيضاً.
والذي يظهر لي أن شرعيّة ذلك إنما عُرفت من قوله ◌َّهو في هذه القصّة:
((الولد للفراش))، وإلا فما كان سعد لو سبق علمه بذلك ليَدَعَه، بل الذي يظهر
أن كُلّاً من سعد، وعتبة بنى على البراءة الأصليّة، وأن مثل هذا الولد يقبل
النزاع.
وقد أخرج أبو داود تلو حديث الباب بسند حسن إلى عمرو بن شعيب،
عن أبيه، عن جدّه، قال: قام رجلٌ، فقال: يا رسول الله، إن فلاناً عاهرت
بأمه في الجاهليّة، فقال رسول الله وَلير: ((لا دعوة في الإسلام، ذهب أمر
الجاهليّة، الولد للفراش، وللعاهر الحجر)).
وقد وقع في بعض طرقه أن ذلك وقع زمن الفتح، وهو يؤيّد ما قلته.
انتهى كلام الحافظ تَظُّ(١) وهو بحث نفيسٌ.
(فَقَالَ) وَِّ ((هُوَ لَكَ، يَا عَبْدُ) وفي لفظ للبخاريّ: ((هو لك يا عبد بن
زمعة)) يجوز في ((عبد)) الضمّ، على أنه منادى مفرد علم، والفتح؛ اتباعاً لِمَا
بعده، وأما ((ابن)) فهو واجب النصب على الحالين؛ لكونه مضافاً، وقد أشار
ابن مالك تَخُّْ إلى هذا في ((خلاصته))، حيث قال:
نَحْوِ أَزَيْدُ ابْنَ سَعِيدٍ لَا تَهِنْ
وَنَحْوَ زَيْدٍ ضُمَّ وَافْتَحَنَّ مِنْ
وَالضَّمُّ إِنْ لَمْ يَلِ الابْنُ عَلَمَا
أَوْ يَلِ الابْنَ عَلَمٌ قَدْ حُتِمَا
(١) ((الفتح)) ١٥/ ٤٦٧ - ٤٦٨.

٦٩٩
(١٠) - بَابٌ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَتَوَقِّي الشُُّهَاتِ - حديث رقم (٣٦١٣)
قال في ((الفتح)): ووقع في رواية للنسائيّ: ((وهو لك عبد بن زمعة))
بحذف حرف النداء، وقرأه بعض المخالفين بالتنوين، وهو مردود، فقد وقع في
رواية يونس المعلّقة في ((المغازي)): ((هو لك، هو أخوك يا عبد))، ووقع
لمسدّد، عن ابن عيينة، عند أبي داود: ((هو أخوك يا عبد)).
(الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ) أي لصاحب الفراش، وهو الزوج، أو السيّد (وَلِلْعَاهِرِ
الْحَجَرُ) أي للزاني الخيبة، والحرمان، والعهر - بفتحتين -: الزنا، وقيل:
يختصّ بالليل، ومعنى الخيبة هنا حرمان الولد الذي يدّعيه، وجرت عادة العرب
أن تقول لمن خاب: له الحجر، وبفيه الحجر والتراب، ونحو ذلك، وقيل:
المراد بالحجر هنا أنه يُرجم، قال النوويّ: وهو ضعيف؛ لأن الرجم مختصّ
بالمحصن، ولأنه لا يلزم من رجمه نفي الولد، والخبر إنما سيق لنفي الولد.
وقال السبكيّ: والأول أشبه بمساق الحديث؛ لتعمّ الخيبة كلّ زان، ودليل
الرجم مأخوذ من موضع آخر، فلا حاجة للتخصيص من غير دليل.
قال الحافظ: ويؤيّد الأول أيضاً ما أخرجه أبو أحمد الحاكم من حديث
زيد بن أرقم حظوته، رفعه: ((الولد للفراش، وفي فم العاهر الحجر)).
وفي حديث ابن عمر ◌ًا عند ابن حبّان: ((الولد للفراش، وبفي العاهر
الأثلب)) - بفتح الهمزة، وكسرها، وإسكان المثلّثة، بعدها باءٌ موحّدة، بينهما
لام، ويُفتح أوله، وثالثه، ويُكسران - قيل: هو الحجر، وقيل: دقاقه، وقيل:
التراب.
(وَاحْتَجِبِي مِنْهُ، بَا سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ))) زاد في حديث ابن الزبير عند
النسائيّ: ((فليس لك بأخ)) (قَالَتْ: فَلَمْ يَرَ سَوْدَةً قَطَّ) وفي لفظ: ((فلم تره سودة
قط))، يعني في المدّة الَّتي بين هذا القول، وبين موت أحدهما، وفي رواية
معمر: قالت عائشة: ((فوالله ما رآها حتى ماتت))، وللبخاريّ في رواية
الكشميهني: ((فلم تره سودة بعدُ))، قال الحافظ كَّتُهُ: وهذه إذا ضُمّت إلى
رواية مالك ومعمر استفيد منها أنها امتثلت الأمر، وبالغت في الاحتجاب منه،
حتى إنها لم تره فضلاً عن أن يراها؛ لأنه ليس في الأمر المذكور دلالة على
منعها من رؤيته.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ قَوْلَهُ: يَا عَبْدُ) أشار به إلى اختلاف

٧٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع
واقع بين شيخيه: قتيبة، وابن رُمح، فإن الأول قال في روايته: ((هو لك یا
عبد))، وقال الثاني: ((هو لك))، ولم يذكر قوله: (يا عبد))، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦١٣/١٠ و٣٦١٤] (١٤٥٧)، و(البخاريّ) في
((البيوع)) (٢٠٥٣ و٢٢١٨) و((الخصومات)) (٢٤٢١) و((العتق)) (٢٥٣٣)
و ((الوصايا)) (٢٧٤٥) و((المغازي)) (٤٣٠٣) و((الفرائض)) (٦٧٤٩) و ((الحدود))
(٦٨١٧) و((الأحكام)) (٧١٨٢)، و(أبو داود) في ((الطلاق)) (٢٢٧٣)،
و(النسائيّ) في ((الطلاق)) (٣٥١١ و٣٥١٤) وفي ((الكبرى)) (٦٥٧٨ و٥٦٨١)،
و(ابن ماجه) في ((النكاح)) (٢٠٠٤)، و(مالك) في ((الموظّإ)) (١٤٤٩)،
و(الشافعيّ) في («مسنده)) (٣٠/٢)، و(الطيالسيّ) في («مسنده)) (١٤٤٤)، و(عبد
الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٣٢١/٣ -٣٢٢)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٢٣٨)،
و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥١/٤ و٨/٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٧/٦
و١٢٩ و٢٠٠ و٢٢٦ و٢٣٧ و٢٤٦)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٢١٧/٢ -
٢١٨)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٢٣٦ و٢٢٣٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٤١٣/٩ - ٤١٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٢٦/٣ - ١٢٨)، و(أبو نعيم)
في ((مستخرجه)) (١٢٩/٤ - ١٣٠)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٢٤١/٤ -
٢٤٢)، و(أبو يعلى) في («مسنده)) (٣٩٢/٧)، و(سعيد بن منصور) في ((سننه))
(١٠٧/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤١٢/٧) و((الصغرى)) (٣١٦/٥)
و((المعرفة)) (٤٧٩/٤ و٥٦٠/٥ - ٥٦١)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٣٧٨)،
والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): حديث: ((الولد للفراش)) قال ابن عبد البرّ هو
من أصحّ ما يروى عن النبيّ رَّ، جاء عن بضعة وعشرين نفساً من الصحابة،
فذكره البخاريّ في هذا الباب عن أبي هريرة، وعائشة، وأخرجه النسائيّ من