Indexed OCR Text
Pages 641-660
٦٤١ (٦) - بَابُ التَّحْرِيمِ بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ - حديث رقم (٣٥٩٧) فقال مالك، وأبو حنيفة، وأصحابه، والثوريّ، والأوزاعيّ، والليث، والطبريّ: قليل الرضاع، وكثيره يُحرّم، ولو مصّةً واحدةً، إذا وصلت إلى حلقه، وجوفه. وهو قول عليّ، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عبّاس، وسعيد بن المسيّب، والحسن، ومجاهد، وعروة، وطاوس، وعطاء، ومكحول، والزهريّ، وقتادة، والحكم، وحمّاد. وقال الليث بن سعد: أجمع المسلمون في أن قليل الرضاع، وكثيره يُحرّم في المهد ما أفطر الصائم. قال أبو عمر: لم يقف الليث على خلاف في ذلك. وعند مالك في هذا الباب: عن إبراهيم بن عقبة؛ أنه سأل سعيد بن المسيّب، عن الرضاعة؟ فقال سعيد: كلّ ما كان في الحولين، وإن كانت قطرة واحدةً، فهو يحرّم، وما كان بعد الحولين، فإنما هو طعام يأكله. قال إبراهيم بن عقبة: ثم سألت عروة بن الزبير؟ فقال مثل ما قال سعيد بن المسيّب. وعن يحيى بن سعيد أنه قال: سمعت سعيد بن المسيّب يقول: لا رضاعة إلا ما كان في المهد، وإلا ما أنبت اللحم والدم. وعن ابن شهاب أنه كان يقول: الرضاعة قليلها وكثيرها تُحرّم، والرضاعة من قِبَل الرجال تُحرّم. قال أبو عمر: الحجّة في هذا ظاهر قول الله ريات: ﴿وَأَنَّهَتُكُمُ الَّتِىّ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، ولم يخصّ قليل الرضاعة من کثیرها . وقد روى ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر أنه قيل له: قضى ابن الزبير بألا تُحرّم المصّة، ولا المصّتان، فقال: قضاء الله خير من قضاء ابن الزبير، حرّم الأختَ من الرضاعة. وقالت طائفة منهم: عبد الله بن الزبير، وأمّ الفضل، وعائشة على اختلاف عنها: لا تحرّم المصّة، ولا المصّتان، ولا الرضعة، ولا الرضعتان، ولا الإملاجة، ولا الإملاجتان. وبه قال سليمان بن يسار، وسعيد بن المسيّب، وإليه ذهب أحمد، ٦٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عُبيد، ورووا في ذلك حديثاً عن النبيّ وَّل أنه قال: ((لا تحرّم الإملاجة، ولا الإملاجتان»، ومنهم من يرويه: ((الرضعة، والرضعتان))، قالوا: فما زاد على ذلك حرَّم، وذهبوا إلى أن الثلاث رضعات، فما فوقها تُحرّم، ولا تحرّم ما دونها. وذهب الشافعيّ إلى أنه لا يحرّم من الرضاع إلا خمس رضعات متفرّقات، واحتجّ بقوله ◌َله: ((لا تحرّم الرضاعة، ولا الرضعتان، ولا المصّة، ولا المصّتان))، ومما رواه أبو بكر، قال: حدّثنا أبو خالد الأحمر، عن حجّاج، عن أبي الزبير، قال: سألت ابن الزبير، عن الرضاع؟ فقال: لا تُحرّم الرضعة، ولا الرضعتان، ولا الثلاث، قال أصحابه: وابن الزبير، رَوَى هذا الحديثَ، وفَهِمَ منه أنه لا تُحرّم الثلاث أيضاً، وأفتى به، وذكروا عن ابن مسعود، وأبي موسى، وسليمان بن يسار، وغيرهم أنهم قالوا: إنما يُحرّم من الرضاع ما أنبت اللحم والدم، وأنشز العظم، وفتق الأمعاء، وعن أبي هريرة رَُّه: ((لا يُحرّم من الرضاعة إلا ما فتَقَ الأمعاء)). واحتجّ الشافعيّ بحديث عائشة ﴿ّا المذكور في الباب: ((كان فيما أُنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يُحرّمن، ثم نُسخن ... )) الحديث. فكان في هذا الحديث بيان ما يُحرّم من الرضعات، وكان مفسِّراً لقوله: ((لا تحرّم الرضعة، والرضعتان))، فدلّ على أن قوله: ((لا تحرّم المصّة، ولا المصّتان، ولا الرضعة، ولا الرضعتان)) خرج على جواب سائل سأله عن الرضعة، والرضعتين، هل تُحرّمان؟ فقال: لا، لأن من سنّته وشريعته أنه لا يُحرّم إلا خمس رضعات، وأنها نَسَخت العشر الرضعات، كما لو سأل سائلٌ: هل يُقطع السارق في درهم، أو درهمين؟، كان الجواب لا يقطع في درهم، ولا درهمين؛ لأنه قد بيّن رسول الله ولو أنه لا يقطع إلا في ربع دينار، فكذلك بيانه في الخمس الرضعات. [فإن قيل]: لو كانت ناسخةً للعشر رضعات عند عائشة كما روت عنها عمرة، ما كانت عائشة لتأمر أختها أم كلثوم أن تُرضع سالم بن عبد الله عشر رضعات؛ ليدخل عليها، فتستعمل المنسوخ، وتدع الناسخ، وكذلك حفصة أمرت أختها فاطمة بمثل ذلك في عاصم. ٦٤٣ (٦) - بَابُ التَّحْرِيمِ بِخَمْسٍ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ - حديث رقم (٣٥٩٧) [والجواب]: أن أصحاب عائشة الذين هم أعلم بها من نافع، وهم: عروة، والقاسم، وعمرة رووا عنها خمس رضعات، ولم يَرو أحدٌ منهم عشر رضعات، وقد رُوي عنها سبع رضعات، وقد روي عنها عشر رضعات، والصحيح عنها خمس رضعات، ومن روى أكثر من خمس رضعات، فقد وَهِم؛ لأنه قد صحّ عنها أن الخمس الرضعات المعلومات نَسخن العشر المعلومات، فمحالٌ أن تقول بالمنسوخ، وهذا لا يصحّ عنها عند ذي فهم. وفي حديثها المسند أن رسول الله وَلهو أمر سهلة بنت سُهيل امرأة أبي حذيفة أن تُرضع سالماً مولى أبي حذيفة خمس رضعات، قال عروة: فأخذت بذلك عائشة، فكيف يَقبَل أحدٌ عنها أنها أفتت بعد موت النبيّ وَلِّ بعشر رضعات؟ هذا لا يقبله من أنصف نفسه، ووُفِّق لرشده، ولو صحّ عنها حديث نافع، عن سالم في العشر كان غيره معارضاً له بالخمس. انتهى كلام ابن عبد البرّ ◌َظُّهُ(١). وقال النوويّ كَّلُ - بعد ذكر الاختلافات نحو ما تقدّم ـ: فأما الشافعيّ وموافقوه، فأخذوا بحديث عائشة ﴿ها: ((خمس رضعات معلومات))، وأخذ مالك بقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَتُكُمُ الَِّّ أَرْضَعْنَكُمْ﴾، ولم يذكر عدداً، وأخذ داود بمفهوم حديث: ((لا تُحَرِّم المصّة، والمصّتان))، وقال: هو مبيّن للقرآن. واعتَرَض أصحاب الشافعيّ على المالكية، فقالوا: إنما كانت تحصل الدلالة لكم لو كانت الآية: واللاتي أرضعنكم أمهاتكم. واعتَرَض أصحاب مالك على الشافعية، بأن حديث عائشة ◌َّا هذا لا يُخْتَجّ به عندكم، وعند محققي الأصوليين؛ لأن القرآن لا يثبت بخبر الواحد، وإذا لم يثبت قرآناً لم يثبت بخبر الواحد عن النبيّ وَلتر؛ لأن خبر الواحد إذا توجه إليه قادح، يوقف عن العمل به، وهذا إذا لم يجئ إلا بآحاد، مع أن العادة مجيئه متواتراً توجب ريبة، والله أعلم. واعتَرَضت الشافعية على المالكية بحديث المصّة والمصّتان، وأجابوا عنه بأجوبة باطلة، لا ينبغي ذكرها، لكن ننبّه عليها خوفاً من الاغترار بها . (١) ((الاستذكار)) ٢٥٩/١٨ - ٢٦٧. ٦٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع منها: أن بعضهم ادَّعى أنها منسوخة، وهذا باطل، لا يثبت بمجرد الدعوى. ومنها: أن بعضهم زعم أنه موقوف على عائشة ﴿ها، وهذا خطأٌ فاحشٌ، بل قد ذكره مسلم وغيره من طُرُق صحاح مرفوعاً، من رواية عائشة، ومن رواية أم الفضل. ومنها: أن بعضهم زعم أنه مضطرب، وهذا غلطٌ ظاهرٌ، وجَسَارة على رَدّ السنن بمجرد الهوى، وتوهين صحيحها؛ لنصرة المذاهب. وقد جاء في اشتراط العدد أحاديث كثيرة مشهورة، والصواب اشتراطه. قال القاضي عياض: وقد شَذَّ بعض الناس، فقال: لا يثبت الرضاع إلا بعشر رضعات، وهذا باطل مردود، والله أعلم. انتهى(١). وقال العلّامة ابن القيّم ◌َخُّْ: قال أصحاب الخمس: الحجة لنا حديث عائشة ﴿يا، وقد أخبرت هي أن رسول الله وَ ل﴿ توفّي، والأمر على ذلك، قالوا: ويكفي في هذا قول النبيّ وَله لسهلة بنت سهيل: ((أرضعي سالماً خمس رضعات، تحرمي عليه))، قالوا: وعائشة أعلم الأمة بحكم هذه المسألة هي، ونساء النبيّ وَّ، وكانت عائشة ﴿ّا إذا أرادت أن يدخل عليها أحدٌ أمرت إحدى بنات إخوتها، أو أخواتها، فأرضعته خمس رضعات، قالوا: ونفي التحريم بالرضعة، والرضعتين صريحٌ في عدم تعليق التحريم بقليل الرضاع وكثيره، وهي ثلاثة أحاديث صحيحة صريحة، بعضها خرج جواباً للسائل، وبعضها تأسيسُ حكم مبتدأ. قالوا: وإذا علّقنا التحريم بالخمس، لم نكن قد خالفنا شيئاً من النصوص التي استدللتم بها، وإنما نكون قد قيّدنا مطلقها بالخمس، وتقييد المطلق بيان، لا نسخٌ، ولا تخصيص. وأما من علّق التحريم بالقليل والكثير، فإنه يُخالف أحاديث نفي التحريم بالرضعة والرضعتين، وأما صاحب الثلاث، فإنه وإن لم يُخالفها، فهو مخالف لأحاديث الخمس. قال من لم يُقيّده بالخمس: حديث الخمس لم تنقله عائشة لنقل الأخبار، (١) (شرح النوويّ)) ٢٩/١٠ - ٣٠. ٦٤٥ (٦) - بَابُ التَّحْرِيمِ بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ - حديث رقم (٣٥٩٧) فيحتجَّ به، وإنما نقلته نقل القرآن، والقرآن إنما يَثبُت بالتواتر، والأمة لم تنقل ذلك قرآناً، فلا يكون قرآناً، وإذا لم يكن قرآناً، ولا خبراً امتنع إثبات الحكم به . قال أصحاب الخمس: الكلام فيما نقل من القرآن آحاداً في فصلين: [أحدهما]: كونه من القرآن. [والثاني]: وجوب العمل به، ولا ريب أنهما حكمان متغايران، فإن الأول يوجب انعقاد الصلاة به، وتحريم مسّه على المُحْدِث، وقراءته على الجُنب، وغير ذلك من أحكام القرآن، فإذا انتفت هذه الأحكام لعدم التواتر، لم يلزم انتفاء العمل به، فإنه يكفي فيه الظنّ، وقد احتجّ كلّ واحد من الأئمة الأربعة به في موضع، فاحتجّ به الشافعيّ، وأحمد في هذا الموضع، واحتجّ به أبو حنيفة في وجوب التتابع في صيام الكفّارة بقراءة ابن مسعود: ((فصيام ثلاثة أيّام متتابعات))، واحتجّ به مالك، والصحابة قبله في فرض الواحد من ولد الأمّ أنه السدس بقراءة أُبَيّ: ((وإن كان رجلٌ يُورث كلالة، أو امرأة، وله أخ، أو أخت من أمّ، فلكلّ واحد منهما السدس))، فالناس كلهم احتجّوا بهذه القراءة، ولا مستند للإجماع سواها . قالوا: وأما قولكم: إما أن يكون نقله قرآناً، أو خبراً، قلنا: بل قرآناً صريحاً. قولكم: فكان يجب نقله متواتراً، قلنا: حتى إذا نسخ لفظه، أو بقي، أما الأول، فممنوع، والثاني مسلّم، وغاية ما في الأمر أنه قرآن نُسخ لفظه، وبقي حكمه، فيكون له حكم قوله: ((الشيخ والشيخة إذا زنيا، فارجموهما)) مما اكتُفِي بنقله آحاداً، وحكمه ثابت، وهذا مما لا جواب عنه. وفي المسألة مذهبان آخران ضعيفان: [أحدهما]: أن التحريم لا يثبت بأقلّ من سبع، كما سئل طاوس عن قول من يقول: لا يحرم من الرضاع، دون سبع رضعات، فقال: قد كان ذلك، ثم حَدَث بعد ذلك أمر جاء بالتحريم، المرّةُ الواحدة تحرّم، وهذا المذهب لا دلیل علیه. [الثاني]: التحريم إنما يثبت بعشر رضعات، وهذا يُروى عن حفصة، وعائشة پا. ٦٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع وفيها مذهب آخر، وهو الفرق بين أزواج النبيّ وَّ، وغيرهنّ. قال طاوس: كان لأزواج النبيّ وَّ رضعات محرّمات، ولسائر الناس رضعات معلومات، ثم تُرك ذلك بعد. وقد تبيّن الصحيح من هذه الأقوال، وبالله التوفيق. انتهى كلام ابن القيّم ◌َظُّهُ(١). وقال الشوكانيّ تَظّثُ: أجاب القائلون بتحريم قليل الرضاع وكثيره عن الأحاديث التي استدلّ بها القائلون بخمس رضعات بأجوبة: [منها]: أنها متضمّنة لكون الخمس الرضعات قرآناً، والقرآن شرطه التواتر، ولم يتواتر محلّ النزاع. وأجيب بأن كون التواتر شرطاً ممنوعٌ، والسند ما أسلفنا عن أئمّة القراءات، كالجزريّ وغيره في ((باب الحجّة في الصلاة بقراءة ابن مسعود، وأُبيّ)) من أبواب الصلاة، فإنه نقل هو وجماعة من أئمة القراءات الإجماع على ما يُخالف هذه الدعوى، ولم يُعارضه نقله ما يصلح لمعارضته، كما بيّنّا ذلك هناك. وأيضاً اشتراط التواتر فيما نُسخ لفظه على رأي المشترطين ممنوعٌ. وأيضاً انتفاء قرآنيّته لا يستلزم انتفاء حجّيّته على فرض شرطيّة التواتر؛ لأن الحجّة ثبتت بالظنّ، ويجب عنده العمل، وقد عَمِلَ الأئمة بقراءة الآحاد في مسائل كثيرة، منها: قراءة ابن مسعود: ((فصيام ثلاثة أيام متتابعات))، وقراءة أُبيّ: ((وله أخٌ أو أختٌ من أمّ))، ووقع الإجماع على ذلك، ولا مستند له غيرها . وأجابوا أيضاً بأن ذلك لو كان قرآناً لحُفِظ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ ﴾﴾ [الحجر: ٩]. وأجيب بأن كونه غير محفوظ ممنوعٌ، بل قد حفظه الله برواية عائشة له. وأيضاً المعتبر حفظ الحكم، ولو سُلّم انتفاء قرآنيّته على جميع التقادير لكان سنّة؛ لكون الصحابيّ راوياً له عنه وَّ ر؛ لوصفه له بالقرآنيّة، وهو يستلزم (١) ((زاد المعاد)) ٥٧٢/٥ - ٥٨٤. ٦٤٧ (٦) - بَابُ التَّحْرِيمِ بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ - حديث رقم (٣٥٩٧) صدوره عن لسانه، وذلك كاف في الحجيّة؛ لِمَا تقرّر في الأصول من أن المرويّ آحاداً إذا انتفى عنه وصف القرآنيّة لم ينتف وجوب العمل به، كما سلف. واحتجّوا أيضاً بقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِيِّ أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وإطلاق الرضاع يُشعر بأنه يقع بالقليل والكثير، ومثلُ ذلك حديثُ: ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)). ويُجاب بأنه مطلقٌ مقيّد بما سلف. واحتجّوا بما ثبت في ((الصحيحين)) عن عقبة بن الحارث ظبه أنه تزوّج أم يحيى بنت أبي إهاب، فإن النبيّ وٍَّ﴿ لم يستفصله عن الكيفيّة، ولا سأل عن العدد حين أمره بفراقها . ويُجاب أيضاً بأن أحاديث الباب اشتملت على زيادة على ذلك المطلق المشعور به من ترك الاستفصال، فيتعيّن الأخذ بها، على أنه يمكن أن يكون ترك الاستفصال لسبق البيان منه و 18 للقدر الذي يثبت به التحريم. [فإن قلت]: حديث: ((لا يُحرّم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء)) يدلّ على عدم اعتبار الخمس؛ لأن الفتق يحصل بدونها . [قلت]: أجيب عن ذلك بأن الحديث منقطع؛ لأنه من رواية فاطمة بنت المنذر، عن أم سلمة، ولم تسمع منها شيئاً. فالظاهر ما ذهب إليه القائلون باعتبار الخمس. وأما حديث: ((لا تُحرّم الرضعة والرضعتان))، ونحوه من الأحاديث، فمفهومها يقتضي أن ما زاد عليها يوجب التحريم، كما أن مفهوم أحاديث الخمس أن ما دونها لا يقتضي التحريم، فيتعارض المفهومان، ويُرجع إلى الترجيح، ولكنه قد ثبت عند ابن ماجه بلفظ: ((لا يُحرّم إلا عشر رضعات، أو خمس))، وهذا مفهوم حصر، وهو أولى من مفهوم العدد. وأيضاً قد ذهب بعض علماء البيان كالزمخشريّ إلى أن الإخبار بالجملة الفعليّة المضارعيّة يفيد الحصر، والإخبار عن الخمس الرضعات بلفظ يُحرّمن كذلك، ولو سلم استواء المفهومين، وعدم انتهاض أحدهما كان المتوجّه تساقطهما، وحمل ذلك المطلق على الخمس، لا على ما دونها، إلا أن يدلّ ٦٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع عليه دليلٌ، ولا دليل يقتضي أن ما دون الخمس يحرم إلا مفهوم قوله: ((لا تحرّم الرضعة والرضعتان))، والمفروض أنه قد سقط، نعم لا بدّ من تقييد الخمس الرضعات بكونها في زمن المجاعة؛ لحديث عائشة صوتًا: ((فإن الرضاعة من المجاعة)). وأما حديث ابن مسعود ظبه عند أبي داود، مرفوعاً: ((لا رِضاع إلا ما أنشز العظم، وأنبت اللحم)). فيجاب بأن الإنبات والإنشاز إن كانا يحصلان بدون الخمس، ففي حديث الخمس زيادة يجب قبولها، والعمل بها، وإن كانا لا يحصلان إلا بزيادة عليها، فيكون حديث الخمس مقيّداً بهذا الحديث، لولا أنه من طريق أبي موسى الهلاليّ، عن أبيه، عن ابن مسعود، وقد قال أبو حاتم: إن أبا موسى، وأباه مجهولان، وقد أخرجه البيهقيّ من حديث أبي حَصِين، عن أبي عطيّة، قال: جاء رجلٌ إلى أبي موسى، فذكره بمعناه، وهذا يدلّ على فرض أنه يفيد ارتفاع الجهالة عن أبي موسى، لا يفيد ارتفاعها عن أبيه، فلا ينتهض الحديث لتقييد أحاديث الخمس بإنشاز العظم، وإنبات اللحم. انتهى كلام الشوكانيّ كَّلُ ببعض تصرّف(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما تقدّم من الأدلة أن ما ذهب إليه القائلون باعتبار الخمس، ومنهم الشافعيّ تَظُّْ هو الأرجح؛ لوضوح أدلّته، وانظر ما كتبه ابن حزم ◌َّتُهُ في كتابه الممتع ((الْمُحلّى)) منتصراً لهذا المذهب، فقد حقّق الموضوع تحقيقاً جيّداً مفيداً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٥٩٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى، وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ تَقُولُ، وَهِيَ ٠ (١) ((نيل الأوطار)) ١٦٤/٧. ٦٤٩ (٦) - بَابُ التَّحْرِيمِ بِخَمْسٍ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ - حديث رقم (٣٥٩٩) تَذْكُرُ الَّذِي يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ، قَالَتْ عَمْرَة: فَقَالَتْ عَائِشَةُ: نَزَّلَ فِي الْقُرْآنِ: ((عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ))، ثُمَّ نَزَلَ أَيْضاً: ((خَمْسٌ مَعْلُومَاتٌ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ) أبو عبد الرحمن البصريّ، مدنيّ الأصل، ثقةٌ عابدٌ، من صغار [٩] (ت٢٢١) بمكة (خ م د ت س) تقدم في ((الطهارة)) ١٧ / ٦١٧. ٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت١٧٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٠/١٤. ٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت١٤٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٦/٦. والباقيتان ذُكرتا قبله. والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٣٥٩٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْبَى بْنَ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ، أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ تَقُولُ: بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد بن الصَّلْت الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت١٩٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧/ ١٧٣. والباقون ذُکروا قبله. [تنبيه]: رواية عبد الوهاب، عن يحيى بن سعيد هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَّتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ . ٦٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع (٧) - (بَابُ رَضَاعَةِ الْكَبِيرِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [٣٦٠٠] (١٤٥٣) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ إِلَى النَّبِيِّ نَّهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَرَى فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ دُخُولِ سَالِم، وَهُوَ حَلِيفُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((أَرْضِعِيهِ))، قَالَتْ: وَكَيْفَ أُرْضِعُهُ، وَهُوَ رَجُلٌ كُبِيرٌ؟ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِهِ، وَقَالَ: ((قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ رَجُلٌ كَبِيرٌ))، زَادَ عَمْرٌو فِي حَدِيثِهِ: وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَدْراً، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ وَِّ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ) تقدّم قريباً. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِم) التيميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٦] (ت١٢٦) أو بعدها (ع) تقدم في ((الحيض)) ٨٢٢/٢٧. ٣ - (أَبُوهُ) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصدّيق التيميّ، ثقةٌ فقيه فاضلٌ، من كبار [٣] (ت١٠٦) على الصحيح (ع) تقدم في ((الحيض)) ٦٩٥/٣. والباقون ذُكروا في الباب الماضي، والذي قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ◌َظُّهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، والثاني ما أخرج له البخاريّ، وأبو داود. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن عمّته، وفيه عائشة طوًّا من المكثرين السبعة. ٦٥١ (٧) - بَابُ رَضَاعَةِ الْكَبِيرِ - حديث رقم (٣٦٠٠) شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) ﴿ُّنَا أنها (قَالَتْ: جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ) بن عمرو القرشيّة العامريّة، أسلمت قديماً، وهاجرت مع زوجها أبي حُذيفة إلى الحبشة، فَوَلَدت له هناك محمد بن أبي حذيفة، ذكره ابن إسحاق، وقال ابن سعد: أمها فاطمة بنت عبد العزّى بن أبي قيس، من رهط زوجها سُهيل بن عمرو، أسلمت قديماً بمكة، وبايعت، ثم تزوّجت شَماخ بن سعيد بن قائف بن الأوقص السلميّ، فولدت له عامراً، ثم تزوّجت عبد الله بن الأسود بن عمرو، من بني مالك بن حِسْل، فولدت له سليطاً، ثم تزوّجت عبد الرحمن بن عوف، فولدت له سالماً، فهم إخوة ابن أبي حذيفة لأمه (١). (إِلَى النَّبِيِّ وَلِ﴾) وللنسائيّ: ((إلى رسول الله وَلِ﴾)) (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَرَى فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ) حُذف منه المفعول: أي الكراهية. و((أبو حُذيفة)): هو ابن عُتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، القرشيّ العَبْشميّ، خال معاوية، اسمه مِهْشَم، وقيل: هاشم، وقيل: قيس، كان من السابقين إلى الإسلام، وهاجر الهجرتين، وصلّى إلى القبلتين، قال ابن إسحاق: أسلم بعد ثلاثة وأربعين إنساناً، وهو ممن شهد بدراً، وكان طُوَالاً، حسن الوجه، استُشهد يوم اليمامة، وهو ابن ستّ وخمسين سنة(٢). (مِنْ) تعليليّة، أي لأجل (دُخُولِ سَالِم) أي عليها، وهو: ابن معقل - بفتح الميم، وسكون العين المهملة، وكسر ألقاف ـ يكنى أبا عبد الله، كان من الفرس، وكان عبداً لتُبيتة - بضمّ الثاء المثلّثة، وفتح الباء الموحّدة، وإسكان الياء المثنّة، من تحتُ، بعدها تاءٌ - وقيل: بثينة - بضمّ الباء الموحّدة، وفتح الثاء المثلّثة، وإسكان الياء المثنّاة، من تحتُ، بعدها نونٌ - وقيل: عمرة، وقيل: سلمى بنت يَعار - بفتح الياء المثنّاة، من تحتُ، وقيل: بالمثّة من فوقُ - الأنصاريّة، فأعتقته سائبةً، فانقطع إلى أبي حُذيفة، فتبنّاه، حتى جاء الشرع ﴿، واستُشهِدا باليمامة سنة اثنتي بإبطال ذلك، وكانا من أفاضل الصحابة (١) راجع: ((الإصابة)) ٣١٩/١٢ - ٣٢٠. (٢) راجع: ((الإصابة)) ٨١/١١. ٦٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع عشرة، فؤُجد رأس أحدهما عند رجلي الآخر(١). وكان أبو حذيفة أنكحه ابنة أخته فاطمة بنت الوليد بن عتبة. وروى البخاريّ من حديث ابن عمر : كان سالم مولى أبي حذيفة يؤمّ المهاجرين الأولين في مسجد قُباء، فيهم أبو بكر، وعمر. وأخرجه الطبرانيّ، زاد: وكان أكثرهم قرآناً، وأخرج الشيخان عن عبد الله بن عمرو، رفعه: ((خذوا القرآن من أربعة: من ابن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأُبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل)). وأخرج ابن المبارك في ((كتاب الجهاد)) من طريق حنظلة بن أبي سفيان، عن عبد الرحمن بن سابط: أن عائشة احتبست على النبيّ وَ﴿، فقال: ما حَبَسَك؟ قالت: سمعت قارئاً يقرأ، فذَكَرَت من حسن قراءته، فأخذ رداءه، وخرج، فإذا هو سالِمٌ مولى أبي حذيفة، فقال: ((الحمد لله الذي جعل في أمتي مثلك)». وأخرجه أحمد، وابن ماجه من طريق الوليد بن مسلم: حدثني حنظلة، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عائشة، فذكره موصولاً، وله شاهد عند البزّار بإسناد رجاله ثقات. وروى ابن المبارك أيضاً أن لواء المهاجرين كان مع سالم، فقيل له في ذلك، فقال: بئس حامل القرآن أنا - يعني إن فررت - فقُطعت يمينه، فأخذه بيساره، فقطعت، فاعتنقه إلى أن صُرع، فقال لأصحابه: ما فعل أبو حذيفة؟ - يعني مولاه - قيل: قُتل، قال: فانتجعوني بجنبه (٢)، فأرسل عمر ميراثه إلى معتقته ثُبيتة، فقالت: إنما أعتقته سائبةً، فجعله في بيت المال. وذكر ابن سعد أن عمر أعطى ميراثه لأمه، فقال: كُليه. انتهى ملخّصاً من ((الإصابة))(٣). وقولها: (وَهُوَ حَلِيفُهُ) جملة حاليّة، والحليف فيعلِّ بمعنى فاعل، بمعنى المعاهد، يقال منه: تحالفا: إذا تعاهدا، وتعاقدا على أن يكون أمرهما واحداً (١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ١٣٤/٧. (٢) أي اجعلوني بجواره في قبره. (٣) راجع: ((الإصابة)) ١٠٣/٤ - ١٠٦. ٦٥٣ (٧) - بَابُ رَضَاعَةِ الْكَبِيرِ - حديث رقم (٣٦٠٠) في النصرة، والحِماية، وبينهما حِلْفٌ، وحِلْفةٌ بالكسر: أي عهد(١). وحاصل المعنى: أن أبا حُذيفة تبنّى سالِماً حين كان التبنّي جائزاً، فكان يُدعَى ابنه، وكان يسكن معهم في بيت واحد، فلما نزلت الآية: ﴿أَدْعُوهُمْ لِكَّبَآِهِمْ﴾، وحُرّم التبنّي، كره أبو حذيفة دخول سالم مع اتحاد المسكن، وفي تعدّده مشقّةٌ عليهم، فجاءت سهلة إلى رسول الله وَّ لحلّ هذه المشكلة. وفي رواية أبي عوانة في ((مسنده)): ((فقالت: إن سالِماً كان يُدْعَى لأبي حذيفة، وإن الله أنزل في كتابه: ﴿أَدْعُوهُمْ لَّبَابِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، وكان يدخل عليّ، وأنا فُضْلٌ(٢)، ونحن في مَنْزِل ضَيِّقٍ ... )) الحديث. (فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((أَرْضِعِيهِ))) وفي الرواية التالية: ((أرضعيه تحرمي عليه، ويذهبِ الذي في نفس أبي حُذيفة)) (قَالَتْ: وَكَيْفَ أُرْضِعُهُ، وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ؟) وفي الرواية الآتية: ((فقالت: إنه ذو لحية))، أرادت أنه رجل كبير، لا يصلح للإرضاع، حيث تجاوز مدّة الرضاع (فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ﴾ أي تعجّباً مما قالت (وَقَالَ: ((قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ رَجُلٌ كَبِيرٌ)) أي فأرضعيه، وإن كان رجلاً كبيراً . وقوله: (زَادَ عَمْرٌو) يعني شيخه الأول، وهو عمرو الناقد (فِي حَدِيثِهِ : وَكَانَ) أي سالمٌ (قَدْ شَهِدَ بَدْراً) هذا فيه إيضاح لكونه كبيراً؛ لأنه لا يشهد بدراً إلا من كان رجلاً بالغا كبيراً يصلح لمبارزة العدوّ (وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ) يعني شيخه الثاني (فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﴾) بدل قول عمرو: ((فتبسّم رسول الله چ)). زاد في الرواية التالية: ((فرجعت، فقالت: إني قد أرضعته، فذهب الذي في نفس أبي حُذيفة))، وفي الرواية الرابعة: ((فقالت: والله ما عرفته في وجه أبي حُذيفة)). تعني أنها بعدما أرضعت سالِماً بأمر النبيّ وَّ لم تر في وجه زوجها ما كانت تراه قبل أن ترضعه، من الكراهية، وذلك لأنه عَلِم أنها صارت أمه (١) ((المصباح المنير)) ١٤٦/١. (٢) بضمّ الفاء، وسكون الضاد المعجمة: أي وأنا متبذّلة في ثياب مِهْنتي، يقال: تفضّلت المرأة: إذا تبذّلت في ثياب مهنتها. انتهى. ((طرح التثريب)) ١٣٤/٧. ٦٥٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع رضاعاً، فلم يبق في قلبه رِيبة في دخوله عليها، والله تعالى أعلم. قال النوويّ: قال القاضي: لعلّها حلبته، ثم شربه من غير أن يمسّ ثديها، ولا التقت بشرتاهما، وهذا الذي قاله القاضي حسنٌ، ويَحْتَمِل أنه عُفي عن مسّه للحاجة، كما خُصّ بالرضاعة مع الكبر. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الثاني هو القويّ؛ إلا قوله: (كما خُصّ ... إلخ))، فسيأتي أن الأرجح عدم خصوصيته. وأما ما أخرجه ابن سعد، عن الواقديّ، عن محمد بن عبد الله ابن أخي الزهريّ، عن أبيه، قال: كانت تحلُبُ في مُسْعُط، أو إناء، قدر رَضْعَة، فيشربه في كلّ يوم حتى مضت خمسة أيام، فكان بعدُ يدخل عليها، وهي حاسرٌ، رخصة من رسول الله صل لسهلة. انتهى، ففي إسناده الواقديّ شديد الضعف، وهو أيضاً مرسلٌ(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة غيّها هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦٠٠/٧ و٣٦٠١ و٣٦٠٢ و٣٦٠٣ و٣٦٠٤] (١٤٥٣)، و(أبو داود) في ((النكاح)) (٢٠٦١)، و(النسائيّ) في ((النكاح)) (٦/ ١٠٤ و١٠٥) و((الكبرى)) (٣٠٣/٣ و٣٠٤ و٣٠٥)، و(ابن ماجه) في ((النكاح)) (١٩٤٣)، و(مالك) في ((الموطًا)) (٦٠٥/٢)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (١/ ٣٠٧)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٣٨٨٤)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٢٧٨)، و(أحمد) في ((مسنده) (٣٨/٦ و٢٠١ و٢٤٩)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٢٠٠/٢ و٢٠١)، و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (٢٣٦/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٢١٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٢٠/٣ و١٢١ و١٢٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٢٦/٤ - ١٢٧)، و(الطبرانيّ) في (١) ((شرح مسلم)) ٣١/١٠. (٢) راجع: ((الإصابة)) ٣٢٠/١٢. ٦٥٥ (٧) - بَابُ رَضَاعَةِ الْكَبِيرِ - حديث رقم (٣٦٠٠) ((الكبير)) (٧٣٩/٢٤ و٧٤٢) و((الصغير)) (٨٩٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧) ٤٥٩) و((المعرفة)) (٩٢/٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز رضاع الكبير، وقد اختلف فيه العلماء كما سيأتي بيانه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٢ - (ومنها): سهولة الشريعة، وسماحتها حيث سهّلت في محلّ الحاجة، فأجازت إرضاع المرأة من له صلة بها، إذا اضطرّت إلى ذلك. ٣ - (ومنها): أن من أشكل عليه حكم من الأحكام الشرعية عليه أن يسأل العلماء، سواء كان ذكراً، أم أنثى. ٤ - (ومنها): أن التبنّي كان جائزاً، ثم نُسِخ. ٥ - (ومنها): أنه يجوز لمن لم يبلغ مبلغ الرجال من الصغار أن يدخلوا على النساء الأجنبيّات. ٦ - (ومنها): جواز الإرشاد إلى الْحِيَل المشروعة. ٧ - (ومنها): ما قاله ابن الرفعة: يؤخذ منه جواز تعاطي ما يُحصّل الحِلَّ في المستقبل، وإن كان ليس حلالاً في الحال. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي استنبطه ابن الرفعة محلّ نظر، والله تعالى أعلم. ٨ - (ومنها): ما كان عليه أبو حذيفة من الغيرة، فيما لم يأذن به الشرع، وانقياده للحقّ بعد الرضاع، وهكذا ينبغي لكلّ مسلم أن يكون غيوراً على حُرَمه، فإذا كان هناك تسهيلٌ من الشارع انقاد له، ولا يعترض عليه، بل يقول: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. ٩ - (ومنها): ما قاله وليّ الدين تَّهُ: الحديث صريح في ثبوت التحريم برضاع الكبير، ومقتضى سياقه والمقصود منه ثبوت المحرمية أيضاً؛ إذ لولا ثبوت المحرمية لما حصل مقصودها من دخوله عليها حالة مهنتها، وانكشاف بعض جسدها، وبهذا قال من أثبت حكم الرضاع للكبير، إلا أن أبا العباس (١) راجع: ((الفتح)) ١٠/ ١٨٧. ٦٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع القرطبيّ نقل عن داود أن رضاعة الكبير ترفع تحريم الحجاب، لا غير، ثم حَكَى عن ابن الْمَوَّاز أنه قال: لو أخذ بهذا في الحجابة لم أَعِبْهُ، وتركه أحب إليّ، وما علمت من أخذ به عامّاً إلا عائشة، ثم قال: وفيما ذكره ابن الموّاز عن عائشة أنها ترى رضاعة الكبير تحريماً عامّاً نظر، فإن نص حديث الموطإ عنها إنما كانت تأخذ بذلك في الحجاب خاصّة. وتعقّبه وليّ الدين، فقال: لا يستقيم لعالم أن يقول بجواز الخلوة مع إباحة النكاح، وهذا تناقض لا حاجة إليه، وظاهر كلام القائلين بهذا المذهب أنهم أثبتوا برضاعة الكبير كلَّ ما ثبت برضاعة الصغير من الأحكام. انتهى كلام وليّ الدين كَُّ(١)، وهو تعقّبٌ وجيه، والله تعالى أعلم. ١٠ - (ومنها): أن الجمهور أجابوا عن هذا الحديث بأنه خاصّ بسالم، وامرأة أبي حذيفة، كما اقتضاه كلام أمهات المؤمنين، سوى عائشة - رضي الله عنهنّ - ورَوَى الشافعي تَظْتُهُ عن أم سلمة ﴿ها أنها قالت في الحديث: كان رخصة لسالم خاصة، قال الشافعيّ: فأخذنا به يقيناً لا ظنّاً، حكاه عنه البيهقيّ في ((المعرفة))، وقال ما معناه: إنما قال هذا؛ لأن الذي في غير هذه الرواية أن أمهات المؤمنين قُلْنَ ذلك بالظن، ورواه عن أم سلمة بالقطع. وقال ابن المنذر: ليست تخلو قصة سالم من أن تكون منسوخة، أو خاصة لسالم، وكذا حكى الخطابيّ عن عامة أهل العلم أنهم حملوا الأمر في ذلك على أحد وجهين: إما على الخصوص، وإما على النسخ. وقال أبو العباس القرطبيّ: أطلق بعض الأئمة على حديث سالم أنه منسوخ، وأظنه سمى التخصيص نسخاً، وإلا فحقيقة النسخ لم تحصل هنا على ما يُعْرَف في الأصول. قال وليّ الدين: كيف يريد بالنسخ التخصيص من يُرَدِّد بينهما؟ ولم يرد قائل هذا الكلام بالنسخ ما فهمه عنه القرطبيّ حتى يَعْترِض عليه بما ذكره، وإنما أراد به أن هذا الذي أُمِرت به امرأة أبي حذيفة كان هو الشرع العامّ لكل أحد ذلك الوقت، ثم نُسخ بعد ذلك، لكن هذا يتوقف على معرفة التاريخ، (١) ((طرح التثريب)) ١٣٨/٧. ٦٥٧ (٧) - بَابُ رَضَاعَةِ الْكَبِيرِ - حديث رقم (٣٦٠٠) وأن الأدلة الدالة على اعتبار الصغر في وقت الإرضاع متأخرة عن ذلك. وردّه ابن حزم أيضاً بأن قولها للنبيّ وَّهو: كيف أرضعه، وهو رجل كبير؟ دال على تأخره عما دلّ على اعتبار الصغر، والله أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله ابن حزم تَُّهُ هو الظاهر، والحقّ أنه ليس هناك نسخ، فإن كان نسخ في المسألة، فليكن النسخ للأدلة التي اعتبرت الصغر شرطاً في ثبوت التحريم بالرضاع، كما يدلّ عليه قولها: ((كيف أرضعه، وهو رجل كبير؟))، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم. ١١ - (ومنها): ما قيل: إنه استُشْكِل أمره وَ ﴿ إياها بإرضاعه؛ لما فيه من التقاء البشرتين، وهو مُحَرَّم قبل أن يستكمل الرضاع المعتبر، وتصير محرماً له، قال القاضي عياض: ولعلها حلبته، ثم شَرِبه من غير أن يمس ثديها، ولا التقت بشرتاهما، قال النوويّ: وهذا الذي قاله حسنٌ، ويَحْتَمِل أنه عُفي عن مسه للحاجة كما خص بالرضاعة مع الكبر. انتهى. وجعل أبو العباس القرطبي ذلك دليلاً على الاختصاص به؛ لأن القاعدة تحريم الاطلاع على العورة، ولا يُختَلف في أن ثدي الحرة عورة، لا يجوز الاطلاع عليه، قال: ولا يقال: يمكن أن يَرْضَع، ولا يَطَّلِع؛ لأنا نقول: نفس التقام حلمة الثدي بالفم اطلاع، فلا يجوز. انتهى. ولم يعرج على ذِكْر ما تقدم عن القاضي من شربه بعد حلبه، ولم يستصوب ابن حزم ذلك، واقتضى كلامه جوازه مطلقاً، فإنه حَكَى عن بعضهم أنه قال: كيف يحل للكبير أن يرضع ثدي امرأة أجنبية؟ ثم نقضه بقول من قال: إن للأمة الصلاة عريانة، يرى الناس ثديها، وخاصرتها، وأن للحرة أن تتعمد أن ينكشف من شفتي فرجها قدر الدرهم الْبَغْليّ، تصلي كذلك، وأن تكشف أقل من ربع بطنها كذلك. انتهى. قال وليّ الدين: والحقّ ما ذكرناه أوّلاً من شربه محلوباً . وقد قال ابن عبد البر - بعد حكايته قول رجل لعطاء: سقتني امرأة من لبنها، وأنا رجل -: هكذا رضاع الكبير، كما ذكر عطاء يُحْلَب له اللبن، ويسقاه، وأما أن تُلقمه المرأة ثديها، كما يُصنع بالطفل فلا؛ لأن ذلك لا يحل ٦٥٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع عند جماعة العلماء، وقد أجمع فقهاء الأمصار على التحريم بما يشربه الغلام الرضيع من لبن المرأة، وإن لم يمصه من ثديها. انتهى. واعتبر ابن حزم في التحريم الامتصاص من الثدي، وحكاه عن طائفة. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن شربه بعد حلبه في الإناء هو الأولى كما قال الأولون، لكن ليس بلازم، فيجوز أن يلتقم ثدييها، فيرضع؛ لأنه وَلجه لم يأمرها بأن تحلب له، فيشربه، بل ظواهر الروايات تدلّ على الإطلاق، ولو كان ذلك لازماً لما سكت عنه؛ فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم. ١٢ - (ومنها): أنه أطلق في هذه الرواية قوله: ((أرضعيه))، ولم يقيّده بعدد، وقيّده في رواية جماعة، عن الزهريّ بقوله: ((خمس رضعات))، فقد أخرج الحديث أبو داود، وغيره من طريق يونس، عن الزهري، وفيه: ((فقال لها النبيّ مَ: أرضعيه، فأرضعته خمس رضعات، فكان بمنزلة ولدها ... )) الحديث، وبهذا قال الشافعيّ، وهو رواية عن أحمد بن حنبل، قال ابن تيمية في ((المحرَّر)): إنها المذهب، وبه قال ابن حزم، وقيل: لا بُدّ من سبع رضعات، وقيل: لا بُدّ من عشر، وهما مرويان عن عائشة ﴿ّا، وذكر الشافعي أنه لا يصح عنها، وأنها كانت تُفتي بخمس، وحَكَى ابن عبد البر العشر عن حفصة، وقال القاضي عياض: إنه شاذّ، وقيل: یکتفی بثلاث رضعات، حكاه ابن عبد البر عن أبي يوسف، وأبي عبيدة، وداود، وحكاه ابن حزم عن سليمان بن يسار، وسعيد بن جبير، وإسحاق ابن راهويه، وأحمد بن حنبل، وهو رواية عنه، وبها قال ابن المنذر، واستروح أبو العباس القرطبيّ، فقال: لم يقل به أحد فيما علمتُ إلا داود، ذكره وليّ الدين تَظُّهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: القول باشتراط كون الرضاع خمس مرّات هو الأرجح؛ لقوّة حجته، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم رضاع الكبير: ذهبت طائفة إلى أن إرضاع الكبير يثبت به التحريم، وممن قال به عليّ بن (١) ((طرح التثريب)) ١٣٩/٧ - ١٤٠. ٦٥٩ (٧) - بَابُ رَضَاعَةِ الْكَبِيرِ - حديث رقم (٣٦٠٠) أبي طالب، كما حكاه عنه ابن حزم، وأما ابن عبد البرّ، فأنكر الرواية عنه في ذلك، وقال: لا يصحّ. وعائشة، وعروة بن الزبير، وعطاء بن أبي رباح، والليث بن سعد، وابن عُليّة، وحكاه النوويّ عن داود الظاهريّ، وإليه ذهب ابن حزم، ويؤيّد ذلك الإطلاقات القرآنيّة، كقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَتُكُمُ أَِّىّ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَتُكُمْ مِنَ الرَّضَعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]. وذهب الجمهور إلى أن حكم الرضاع إنما يثبت في الصغير، وأجابوا عن قصّة سالم بأجوبة: (منها): أنه حكم منسوخٌ، وبه جزم المحبّ الطبريّ في ((أحكامه))، وقرّره بعضهم بأن قصّة سالم كانت في أوائل الهجرة، والأحاديث الدّالّة على اعتبار الحولين من رواية أحداث الصحابة، دلّ على تأخّرها . وهو مستندٌ ضعيفٌ؛ إذ لا يلزم من تأخّر إسلام الراوي، ولا صغره أن لا يكون ما رواه متقدّماً. وأيضاً ففي سياق قصّة سالم ما يُشعر بسبق الحكم باعتبار الحولين؛ لقول امرأة أبي حذيفة في بعض طرقه، حيث قال لها النبيّ ◌َّهو: ((أرضعيه))، قالت: وكيف أرضعه، وهو رجلٌ كبيرٌ؟، فتبسّم رسول الله وَله، وقال: ((قد علمت أنه رجلٌ كبير))، وفي رواية: قالت: إنه ذو لحية، قال: ((أرضعيه)). وهذا يشعر بأنها كانت تعرف أن الصغر معتبرٌ في الرضاع المحرّم. (ومنها): دعوى الخصوصيّة بسالم، وامرأةٍ أبي حُذيفة، والأصل فيه قول أم سلمة، وأزواج النبيّ وَّ: ما نرى هذا إلا رخصةً أرخصها رسول الله وَلَيه لسالم بسهلة، فلما نزل الاحتجاب، ومُنِعوا من التبنّ شقّ ذلك على سهلة، فوقع الترخيص لها في ذلك؛ لرفع ما حصل لها من المشقّة. وهذا فيه نظرٌ؛ لأنه يقتضي إلحاق من يساوي سهلة في المشقّة، والاحتجاج بها، فتنفَى الخصوصية(١). وفيه أيضاً أن دعوى الخصوصيّة تحتاج إلى دليل، وقد اعترف أزواج النبيّ وَّ بصحّة الحجة التي جاءت بها عائشة، ولا حجة في إبائهنّ لها، كما (١) ((الفتح)) ١٨٦/١٠. ٦٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرضاع أنه لا حجة في أقوالهنّ، ولهذا سكتت أمّ سلمة لما قالت لها عائشة: أما لك في رسول الله ﴿ أسوةٌ حسنٌ؟، ولو كانت هذه السنّة مختصّةً بسالم لَبَيَّنَها رسول الله ◌َ، كما بيّن اختصاص أبي بردة بالتضحية بالْجَذَع من المعز، واختصاص خزيمة بأن شهادته كشهادة رجلين(١). وذهب بعضهم إلى أن الرضاع يُعتبر فيه الصغر إلا فيما دعت إليه الحاجة، كرضاع الكبير الذي لا يستغني عن دخوله على المرأة، ويشقّ احتجابها منه، وإليه ذهب شيخ الإسلام ابن تيميّة، ورجّحه الشوكانيّ، قال: وبه يحصل الجمع بين الأحاديث، وذلك بأن تجعل قصّة سالم المذكورة مخصّصةً لعموم: ((إنما الرضاع من المجاعة))، و((لا رضاع إلا في الحولين))، و ((لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء، وكان قبل الفطام))، و((لا رضاع إلا ما أنشر العظم، وأنبت اللحم)). وهذه طريقةٌ متوسّطةٌ بين طريقة من استدلّ بهذه الأحاديث على أنه لا حكم لرضاع الكبير مطلقاً، وبين من جعل رضاع الكبير كرضاع الصغير مطلقاً؛ لِمَا لا يخلو عنه كلّ واحدة من هاتين الطريقتين من التعسّف. ويؤيّد هذا أن سؤال سهلة امرأة أبي حذيفة كان بعد نزول آية الحجاب، وهي مصرّحة بعدم جواز إبداء الزينة لغير من في الآية، فلا يُخصّ منها غير من استثناه الله تعالى، إلا بدليل، كقضيّة سالم، وما كان مماثلاً لها في تلك العلّة التي هي الحاجة إلى رفع الحجاب، من غير أن يقيّد ذلك بحاجة مخصوصة من الحاجات المقتضية لرفع الحجاب، ولا بشخص من الأشخاص، ولا بمقدار من عمر الرضيع معلوم، وقد ثبت في حديث سهلة أنها قالت للنبيّ وَلات: ((إن سالماً ذو لحية، فقال: ((أرضعيه)). انتهى كلام الشوكانيّ تَقَّهُ(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن هذا القول الثالث المفصِّل كما ذهب إليه ابن تيميّة، ورجحه الشوكانيّ - رحمهما الله تعالى - هو الأرجح؛ إذ به يحصل التوفيق بين الأدلة، وحاصله أن رضاع الكبير محرّمٌ، إذا كانت هناك حاجة مثل حاجة سهلة، وسالم، حيث إنه لا يستغني عن دخوله عليها، ويشقّ (١) ((نيل الأوطار)) ٣٣٢/٦ - ٣٣٣. (٢) ((نيل الأوطار)) ٣٣٣/٦ - ٣٣٤.