Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ (١٦) - بَابُ زِوَاجِ زَيْتَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ﴿ّ، وَنُزُولِ الْحِجَابِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٥٠٧) والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى، بيان مسائله في شرح الحديث المذكور أول الباب. [تنبيه]: مما يُستفاد من الحديث، وإن كان بعضه تقدّم إلا أن تلخيصه في موضع واحد أنفع للاستحضار: ١ - (منها): بيان استحباب الإهداء لمن تزوّج، إدخالاً للسرور في قلبه، وقياماً عنه ببعض الكُلَف؛ لكونه مشغولاً بأمر الزواج، وهو نحو ما يُستحبّ من الإهداء لأهل الميت. ٢ - (ومنها): الاعتذار عن الهديّة إذا كانت قليلة، وقول الإنسان نحو قول أم سُليم ◌َّا: ((هذا لك قليل)). ٣ - (ومنها): كون الوليمة بعد البناء، وهو الغالب، وقد تقدم بيانه. ٤ - (ومنها): تعيين مرسل الهديّة باسمه، وليس ذلك من الرياء. ٥ - (ومنها): استحباب بعث السلام، وإن كان المبعوث إليه أفضل من الباعث. ٦ - (ومنها): استحباب حمل السلام، وإبلاغه إلى من كان غائباً. ٧ - (ومنها): استحباب الدعوة العامّة، من غير تعيين، كأن يقول: ادْعُ من لقيت، قال القرطبيّ: وقد قال بعض علمائنا: إنه إذا لم يتعيّن المدعوّ لم تجب عليه الإجابة. انتهى. ٨ - (ومنها): ما ظهر فيه من دلائل النبوّة، حيث دَعَا رسول الله وَله على الطعام القليل بالبركة، فكفى هذا العدد الكثير من الصحابة ٩ - (ومنها): أن من آداب الآكلين إذا كثر عددهم أن يجتمعوا على القصعة الواحدة عشرة. ١٠ - (ومنها): أنه ينبغي أن يكون أكل الإنسان مما يليه، وهذا إذا كان الطعام نوعاً واحداً، أما إذا كان أنواعاً، فله أن يأكل ما تشتهيه نفس الآكل، من غير حرج، وقد ثبت في ((الصحيحين)) عن أنس ظبه: ((أنه رأى النبيّ وَيه يتتبّع الدباء من حوالي القصعة))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ٣٨٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذَثُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٣٥٠٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا تَزَوَّجَ النَّبِيُّ وَهُ زَيْنَبَ، أَهْدَتْ لَهُ أُمُّ سُلَيْمٍ حَيْساً فِي تَوْرٍ، مِنْ حِجَارَةٍ، فَقَالَ أَنَسٌ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((اذْهَبْ، فَادْعُ لِي مِّنْ لَقِيتَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ))، فَدَعَوْتُ لَهُ مَنْ لَقِيتُ، فَجَعَلُوا يَدْخُلُونَ عَلَيْهِ، فَيَأْكُلُونَ، وَيَخْرُجُونَ، وَوَضَعَ النَّبِيُّ نَّهِ يَدَهُ عَلَى الطَّعَامِ، فَدَعَا فِيهِ، وَقَالَ فِيهِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ، وَلَمْ أَدَعْ أَحَدَاً لَقِيتُهُ إِلَّ دَعَوْتُهُ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، وَخَرَجُوا، وَبَقِيَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، فَأَطَالُوا عَلَيْهِ الْحَدِيثَ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَسْتَحْيِي مِنْهُمْ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ شَيْئاً، فَخَرَجَ، وَتَرَكَهُمْ فِي الْبَيْتِ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿يََّ اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَظِرِينَ إِنَّهُ﴾، قَالَ قَتَادَةُ: غَيْرَ مُتَحَيِّنِينَ طَعَاماً، ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُواْ﴾(١) حتى بلغ: ﴿ذَلِكُمْ أَظْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنٌ﴾). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلّهم ذُكروا في الباب، والباب الماضي، وأبو عثمان رُه هو: الجعد بن دينار المذكور قبله. وقوله: (غَيْرَ مُتَحَيِّنِينَ طَعَاماً) أي غير جاعلين للطعام حيناً تنتظرونه، قال في ((القاموس)): وحَيّنه: جعل له حِيناً، والناقةَ: جَعَل لها في كلّ يوم وليلة وقتاً يَحْلُبها فیه، کتحيَّها. انتهى(٢). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطِعْتُ وَمَا تَّوْفِيقِيّ إِلَّا بِللهِ عَلَيْهِ تَّتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ . (١) وفي نسخة: ﴿فَادْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَنَّشِرُ واْ﴾ . (٢) ((القاموس المحيط)) ٢١٨/٤. ٣٨٣ (١٧) - بَابُ الْأَمْرِ بِإِجَابَةِ الدَّاعِي إِلَى دَعْوَةٍ - حديث رقم (٣٥٠٩) (١٧) - (بَابُ الْأَمْرِ بِإِجَابَةِ الدَّاعِي إِلَى دَعْوَةٍ) قال النوويّ تَخْلُهُ: دَعْوة الطعام - بفتح الدال - ودِعْوة النسب - بكسرها - هذا قول جمهور العرب، وعكسه تيم الرِّبَاب - بكسر الراء - فقالوا: الطعام بالكسر، والنسب بالفتح، وأما قول قُظْرُب في المثلّث: إن دعوة الطعام بالضم، فغلّطوه فیه. انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٥٠٩] (١٤٢٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِّهَا))). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْتَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (مَالِك) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قريباً. ٣ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله ظًّا، تقدّم أيضاً قريباً. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات الكتاب، وهو (٢٣٢) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن أصح الأسانيد: مالكٌ، عن نافع، عن ابن عمر ظُّ، على ما نُقل عن البخاريّ تَظْلُّهُ، وقد تقدّم غير مرّة. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، وقد دخلها . (١) ((شرح النوويّ)) ٩/ ٢٣٣. ٣٨٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح ٥ - (ومنها): أن ابن عمر ظها أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وقد تقدّم غير مرّة، وإنما أعدته تذكيراً؛ لطول العهد به، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ ابْنِ عُمَرَ) ﴿يَا أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا))) أي فليأت مكانها، والتقدير: إذا دُعِي إلى مكان وليمة فليأتها، ولا يضرّ إعادة الضمير مؤنَّئاً، قاله في ((الفتح))(١). وقال النوويّ كَُّ: فيه الأمر بحضور الوليمة، ولا خلاف في أنه مأمور به، ولكن هل هو أمر إيجاب، أو ندب؟ فيه خلاف، الأصح في مذهبنا أنه فرض عين على كل من دُعِي، لكن يسقط بأعذار، سنذكرها - إن شاء الله تعالى - والثاني: أنه فرض كفاية، والثالث: مندوب، هذا مذهبنا في وليمة العرس، وأما غيرها، ففيها وجهان لأصحابنا: أحدهما: أنها كوليمة العرس، والثاني أن الإجابة إليها ندب، وإن كانت في العرس واجبة، ونَقَل القاضي عياض اتّفاق العلماء(٢) على وجوب الإجابة في وليمة العرس، قال: واختلفوا فيما سواها، فقال مالك، والجمهور: لا تجب الإجابة إليها، وقال أهل الظاهر: تجب الإجابة إلى كل دعوة من عرس وغيره، وبه قال بعض السلف. قال: وأما الأعذار التي يَسقُط بها وجوب إجابة الدعوة، أو ندبها، فمنها: أن يكون في الطعام شبهة، أو يخص بها الأغنياء، أو يكون هناك من يتأذى بحضوره معه، أو لا تليق به مجالسته، أو يدعوه لخوف شَرّه، أو لطمع في جاهه، أو ليعاونه على باطل، وأن لا يكون هناك منكر، من خمر، أو لهو، أو فَرْش حرير، أو صُوَر حيوان غير مفروشة، أو آنية ذهب، أو فضة، فكل هذه أعذار في ترك الإجابة. ومن الأعذار أن يعتذر إلى الداعي فيتركه، ولو دعاه ذميّ لم تجب إجابته على الأصح. ولو كانت الدعوة ثلاثة أيام، فالأول تجب الإجابة فيه، والثاني (١) ((الفتح)) ٥٤١/١١. (٢) سيأتي تعقّب دعوى الاتّفاق، فتنبّه. ٣٨٥ (١٧) - بَابُ الْأَمْرِ بِإِجَابَةِ الدَّاعِي إِلَى دَعْوَةٍ - حديث رقم (٣٥٠٩) تستحب، والثالث تكره. انتهى كلام النوويّ ◌َُّهُ(١)، وسيأتي تمام البحث في المسائل - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ◌ًا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٥٠٩/١٧ و٣٥١٠ و٣٥١١ و٣٥١٢ و٣٥١٣ و٣٥١٤ و٣٥١٥ و٣٥١٦ و٣٥١٧] (١٤٢٩)، و(البخاريّ) في ((النكاح)) (٥١٧٣)، و(أبو داود) في ((الأطعمة)) (٣٧٣٦ و٣٧٣٧)، و(الترمذيّ) في ((النكاح)) (١٠٩٨)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١٤٠/٤)، و(مالك) في ((الموظّا)) (٥٤٦/٢)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٧/٢)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٩٢/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٢٩٤)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) ٨/ ٢٧)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٠٧/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧] ٢٦١) و((الصغرى)) (٢٥٦/٦) و((المعرفة)) (٤٠٢/٥)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٣٨/٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في معنى ((الوليمة)): قال ابن قدامة تَخْلُهُ: الوليمة اسم للطعام في العُرس خاصّةً، لا يقع هذا الاسم على غيره، كذلك حكاه ابن عبد البرّ عن ثعلب وغيره من أهل اللغة، وقال بعض الفقهاء من أصحابنا وغيرهم: إن الوليمة تقع على كلّ طعام لسرور حادث، إلا أن استعمالها في طعام العرس أكثر، وقول أهل اللغة أقوى؛ لأنهم أهل اللسان، وهم أعرف بموضوعات اللغة، وأعلم بلسان العرب. و((الْعَذِيرة)): اسم لدعوة الختان، وتُسمّى الإعذار، و((الْخُرْسُ، والْخُرْسَة))(٢) عند الولادة. و((الوَكِيرَة)): دعوة البناء، يقال: وَكّر، وخرّس، مشدّدٌ، و((النَّقِعة)): عند قُدوم (١) ((شرح النوويّ)) ٢٣٣/٩ - ٢٣٤. (٢) بضمّ الخاء المعجمة، وإسكان الراء، وبالسين المهملتين، ذكره في ((طرح التثريب)) ٧/ ٧٠. ٣٨٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح الغائب، يقال: نَقَعَ، مخفّفٌ، و((العقيقة)): الذبح لأجل الولد، قال الشاعر: كُلّ الظَّعَامِ تَشْتَهِي رَبِيعَهْ الْخُرْسَ وَالإِعْذَارَ وَالنَّقِيعَهْ(١) و((الحِذَاقُ)): الطعام عند حِذَاق الصبيّ، و((الْمَأْدُبَةُ)): اسمٌ لكلّ دعوة لسبب كانت، أو لغير سبب. و((الآدِبُ)): صاحب المأدبة، قال الشاعر [من الرمل]: نَحْنُ فِي الْمَشْتَاةِ نَدْعُو الْجَفَلَى لَا تَرَى الآدِبَ مِنَّا يَنْتَقِرْ و((الْجَفَلَى)) في الدعوة: أن يعمّ الناسَ بدعوته، و((النَّقَرَى)): هو أن يَخُصّ قوماً دون قوم. انتهى كلام ابن قدامة كَذَتُ(٢). وقال في ((الفتح)): وقال صاحب ((المحكم)): الوليمة: طعام العرس، والإملاك، وقيل: كلّ طعام صُنع لعرس وغيره، وقال عياض في ((المشارق)): الوليمة طعام النكاح، وقيل: الإملاك. وقيل: طعام العرس خاصّة، وقال الشافعيّ، وأصحابه: تقع الوليمة على كل دعوة تُتّخذ لسرور حادثة، من نكاح، أو ختان، وغيرهما، لكن الأشهر استعمالها عند الإطلاق في النكاح، وتقييده في غيره، فيقال: وليمة الختان، ونحو ذلك، وقال الأزهريّ: الوليمة مأخوذةٌ من الْوَلْم، وهو الجمع وزناً ومعنىّ، لأن الزوجين يجتمعان، وقال ابن الأعرابيّ: أصلها من تتميم الشيء، واجتماعه، وجزم الماورديّ، ثم القرطبيّ بأنها لا تُطلق في غير طعام العرس إلا بقرينة. وأما الدعوة، فهي أعمّ من الوليمة، وهي بفتح الدال على المشهور، وضمها قطرب في مثلّثه، وغلّطوه في ذلك، على ما قاله النوويّ. قال: ودعوة النسب بكسر الدال، وعكس ذلك بنو تيم الرِّباب، ففتحوا دَعوة النسب، وكسروا دال دعوة الطعام. انتهى. قال الحافظ: وما نسبه لبني تيم الرِّباب نسبه صاحبا ((الصحاح)) و((المحكم)) لبني عديّ الرِّباب، فالله أعلم. (١) وأنشد الزمخشريّ في ((الأساس)): كُلّ الطَّعَامِ تَشْتَهِي عَمِيرَهْ (٢) ((المغني)) ١٩١/١٠. الْخُرْصَ وَالإِعْذَارَ وَالْوَكِيرَةْ ٣٨٧ (١٧) - بَابُ الْأَمْرِ بِإِجَابَةِ الدَّاعِي إِلَى دَعْوَةٍ - حديث رقم (٣٥٠٩) وذكر النوويّ تبعاً لعياض أن الولائم ثمانية: ((الإعذار)) - بعين مهملة، وذال معجمة -: للختان. و((العقيقة)): للولادة. و((الْخُرْس)) - بضم المعجمة، وسكون الراء، ثم سين مهملة - السلامة المرأة من الطلق، وقيل: طعام الولادة، و((العقيقة)): تختصّ باليوم السابع، و((النّقيعة)): لقدوم المسافر، مشتقّةٌ من النقع، وهو الغبار، و((الوكيرة)): للسكن المتجدّد، مأخوذ من الوَكَر، وهو المأوى، والمستقرّ، و((الوَضِيمة)) - بفتح الواو، وكسر الضاد المعجمة -: لما يُتّخذ عند المصيبة، و((المأدبة)): لما يُتخذ بلا سبب، ودالها مضمومة، ويجوز (١) فتحها. انتهى(١). و((الإعذار)) يقال فيه أيضاً: ((الْعُذْرَة) - بضمّ، فسكون -. و((الْخُرس))، يقال فيه أيضاً: بالصاد المهملة بدل السين، وقد تزاد في آخره هاء، فيقال: خُرْسة، وخرصة، وقيل: إنها لسلامة المرأة من الطلق، وأما التي للولادة بمعنى الفرح، في العقيقة. واختلف في النقيعة، هل التي يصنعها القادم من السفر، أو تُصنع له؟، قولان، وقيل: النقيعة التي يصنعها القادم، والتي تُصنع له تُسمى التُّخْفة، وقيل: إن الوليمة خاصّ بطعام الدخول، وأما طعام الإملاك، فيُسمّى الشُّنْدَخ - بضمّ المعجمة، وسكون النون، وفتح الدال المهملة، وقد تضمّ، وآخره خاء معجمةٌ - مأخوذ من قولهم: فرسٌ شُنْدَخٌ، أي يتقدّم غيره، سمّي طعام الإملاك بذلك؛ لأنه يتقدّم الدخول. قال الحافظ: وأغرب شيخنا في ((التدريب))، فقال: الولائم سبعٌ، وهي: وليمة الإملاك، وهو التزوّج، ويقال لها: النقيعة - بنون، وقاف -، ووليمة الدخول، وهو العرس، وقَلَّ من يغاير بينهما. انتهى. وموضع الإغراب إغرابه تسمية وليمة الإملاك نقيعة، ثم رأيته تبع في ذلك المنذريّ في ((حواشيه)، وقد شذّ بذلك، وقد فاتهم ذكر الحِذاق - بكسر المهملة، وتخفيف الذال المعجمة، وآخره قاف -: الطعام الذي يتخذ عند حِذْق الصبيّ، ذكره ابن الصبّاغ في ((الشامل))، وقال ابن الرفعة: هو الذي (١) ((شرح النوويّ)) ٢١٧/٩. ٣٨٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح يُصنع عند الختم، أي ختم القرآن، كذا قيّده، ويَحْتَمِل ختم قدر مقصود منه، ويَحْتَمِل أن يطّرد ذلك في حِذقه لكلّ صناعة، وذكر المحامليّ في ((الرونق)) في الولائم: ((العَتِيرة)) - بفتح المهملة، ثم مثنّاة مكسورة - وهي شاة تذبح في أول رجب، وتُعُقّب بأنها في معنى الأضحية، فلا معنى لذكرها مع الولائم. وأما المأدبة، ففيها تفصيلٌ؛ لأنها إن كانت لقوم مخصوصين، فهي النَّقَرَى - بفتح النون والقاف، مقصوراً - وإن كانت عامّةً، فهي الْجَفَلَى - بجيم، وفاء، بوزن الأول -، قال الشاعر [من الرمل]: نَحْنُ فِي الْمَشْتَاةِ نَدْعُو الْجَفَلَى لَا تَرَى الآدِبَ مِنَّا يَنْتَقِرْ وَصَفَ قومه بالجود، وأنهم إذا صنعوا مأدبة دعوا إليها عموماً، لا خصوصاً، وخصّ الشتاء، لأنها مظنّة قلّة الشيء، وكثرة احتياج من يُدعَى، و ((الآدب)): اسم الفاعل من المأدبة، وينتقر مشتقّ من النقَرَى. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت ما تقدّم من أسماء الولائم، فقلت: مَعْ وَاحِدٍ أَرَدتُّ أَنْ أُحَبِّرَه إِنَّ الْوَلَائِمَ لَدَيْهِمْ عَشَرَهْ إِعْذَارُهُمْ لِلْخَتْنِ وَالْعَقِيقَةُ عِنْدَ قُدُومٍ مَنْ غَدَا مُسَافِرَا لِلْمَسْكَنِ الْجَدِيدِ قُلْ وَكِيرَةُ عِنْدَ الْوِلَادَةِ تَلِي الثَّقِيعَةُ وَالْخُرْسُ لِلظَّلْقِ إِذَا تَيَسَّرَا وَلِلْمُصِيبَةٍ تُرَى الْوَضِيمَةُ وَتُحْفَةٌ تُصْنَعُ لِلْمُغْتَرِبِ مَأْدُبَةٌ تُصْنَعُ لَا بِسَبَبٍ وَبَعْضُهُمْ خَصَّ الْوَلِيمَةَ بِمَا أَمَّا الَّذِي يُصْنَعُ لِلإِمْلَاكِ قَدْ يُدْعَى الْحِذَاقَ عِنْدَ حِذْقٍ مَنْ قَرَا غَتِيرَةٌ فِي رَجَبٍ وَالْبَعْضُ قَدْ يُصْنَعُ فِي دُخُولِ زَوْجٍ فَاعْلَمَا سَمَّوْهُ بِالشُّنْدُخِ أَيُّهَا السَّنَدْ أَوْ مُظْلَقٌ لِحِذْقِ صَانِعِ بُرَى جَعَلَهَا مِنَ الأَضَاحِي تُغْتَمَدْ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الوليمة: قال ابن قدامة كَخُّهُ ما ملخّصه: لا خلاف بين أهل العلم في أن الوليمة سنّةٌ في الْعُرس مشروعة، قال: وليست واجبةً في قول أكثر أهل العلم، وقال (١) ((الفتح)) ٥٣٦/١١ - ٥٣٨. ٣٨٩ (١٧) - بَابُ الْأَمْرِ بِإِجَابَةِ الدَّاعِي إِلَى دَعْوَةٍ - حديث رقم (٣٥٠٩) بعض أصحاب الشافعيّ: هي واجبة. انتهى (١). وقال البخاريّ كَُّ في ((صحيحه)): [باب الوليمةُ حقًّا، قال ابن بطّال: قوله: ((الوليمة حقّ)) أي ليست بباطل، بل يُندب إليها، وهي سنّة فضيلة، وليس المراد بالحقّ الوجوب، ثم قال: ولا أعلم أحداً أوجبها . قال الحافظ: كذا قال، وغَفَل عن رواية في مذهبه بوجوبها، نقلها القرطبيّ، وقال: إن مشهور المذهب أنها مندوبة، وابن التين عن مذهب أحمد، لكن الذي في ((المغني)) أنها سنّة، بل وافق ابن بطال في نفي الخلاف بين أهل العلم في ذلك، قال: وقال بعض الشافعيّة: هي واجبة؛ لأن النبيّ ◌َلـ أمر بها عبد الرحمن بن عوف، ولأن الإجابة إليها واجبة، فكانت واجبة. وأجاب بأنه طعام لسرور حادثٍ، فأشبه سائر الأطعمة، والأمر محمول على الاستحباب، بدليل ما ذكرناه، ولكونه أمره بشاة، وهي غير واجبة اتفاقاً، وأما البناء فلا أصل له. قال الحافظ: والبعض الذي أشار إليه من الشافعيّة هو وجهٌ معروفٌ عندهم، وكذلك حكى الوجوب في ((البحر)) عن أحد قولي الشافعيّ، وقد جزم به سُليم الرازيّ، وقال: إنه ظاهر نصّ ((الأمّ))، ونقله عن النصّ أيضاً أبو إسحاق الشيرازيّ في ((المهذّب))، وهو قول أهل الظاهر، كما صرّح به ابن (٢) حزم. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن من النظر في الأدلّة أن الأرجحِ هو مذهب من قال بوجوب الوليمة على القادر عليها؛ لأنها ثبتت عنه رَ له قولاً وفعلاً، والقول أمرٌ، وهو للوجوب إلا عند وجود صارف عنه، والقائلون بالاستحباب لم يأتوا بصارف، غير دعوى الإجماع، وقد عرفت أنها دعوى باطلة، فقد قال بالوجوب بعض أهل العلم، وهو نصّ الشافعيّ في ((الأمّ))، وقول أهل الظاهر، فلا إجماع، فبقي دليل الوجوب بلا معارض، فوجب القول به، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) ((المغني)) ١٩٢/١٠ - ١٩٣. (٢) ((الفتح)) ٥١٨/١١ - ٥١٩. ٣٩٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم إجابة الدعوة: ذهب جمهور العلماء إلى وجوب الإجابة إليها، وهو المشهور عند الشافعيّة، والحنابلة، وقالوا: إنها فرض عين، ونصّ عليه مالك، وقال به أهل الظاهر، ونقل القاضي عياض الاتفاق عليه، وابن عبد البرّ الإجماع عليه، وذهب بعضهم إلى استحبابها، قاله بعض الشافعيّة، والحنابلة، وقال أبو الحسن من المالكيّة: إنه المذهب، وصرّح صاحب ((الهداية)) من الحنفيّة بأن الإجابة سنّةٌ، لكنه استدلّ بقوله وَله: ((من لم يُجب الدعوة، فقد عصى أبا القاسم))، وشبّهها فيما إذا كان هناك غناء ونحوه بصلاة الجنازة واجبة الإقامة، وإن حضرتها نياحة، وذلك يُفْهِمُ الوجوب. وقال بعض الشافعيّة، والحنابلة: إجابتها فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط الحرج عن الباقين. وحكى الشيخ تقيّ الدين في ((شرح الإلمام)) عن بعضهم أنه خصّ الوجهين في إجابتها فرض عين، أو كفاية بما إذا دُعي الجميع، وقال: لو خصّ كلّ واحد بالدعوة، تعيّنت الإجابة على الكلّ(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور، وهو كون الإجابة فرض عين، هو الحقّ؛ لوضوح أدلّته؛ كحديث أبي هريرة بصلاته: ((ومن ترك الدعوة، فقد عصى الله ورسوله))، متّفقٌ عليه، وحديث ابن عمر ﴿ًّا: ((من دُعي إلى وليمة، فلم يأتها، فقد عصى الله ورسوله))، رواه أبو عوانة في ((صحيحه)). فهذا نصّ صريح في عصيان من لم يجب الدعوة، ولا يُطلق العصيان إلا على ترك الواجب، كما أفاده في ((الفتح)) (٢). والحاصل أن إجابة الدعوة فرض عين، إلا لمانع، وسيأتي بيانه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في حكم إجابة الدعوة غير العُرْس : (١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٧٠/٧ - ٧١. (٢) ((الفتح)) ٥٣٨/١١. ٣٩١ (١٧) - بَابُ الْأَمْرِ بِإِجَابَةِ الدَّاعِي إِلَى دَعْوَةٍ - حديث رقم (٣٥٠٩) ذهبت طائفة إلى وجوب الإجابة مطلقاً، وذهب الأكثرون إلى أنّ الوجوب يخصّ العرس فقط، وأما غيرها فتستحبّ إجابتها، وإلى المذهب الأول مال الإمام البخاريّ نثُ، حیث قال في ((صحيحه)): [باب إجابة الداعي في العُرس وغيره]: ثم أخرج بسنده عن نافع، قال: سمعت عبد الله بن عمر ظها يقول: قال رسول الله وَله: ((أجيبوا هذه الدَّعْوة إذا دُعيتم إليها))، قال: كان عبد الله يأتي الدعوة في العُرْس وغير العرس، وهو صائم. انتھی. قال في ((الفتح)): قوله: ((كان عبد الله)) القائل هو نافع، وقد أخرج مسلمٌ من طريق عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر العمريّ، عن نافع بلفظ: ((إذا دُعي أحدكم إلى وليمة عرس، فليجب))، وأخرجه مسلم، وأبو داود من طريق أيوب، عن نافع بلفظ: ((إذا دعا أحدكم أخاه، فليجب ◌ُرساً كان، أو نحوه))، ولمسلم من طريق الزُّبيديّ، عن نافع، بلفظ: ((من دُعي إلى عرس، أو نحوه فليُجب))، وهذا يؤيّده ما فهمه ابن عمر أن الأمر بالإجابة لا يختصّ بطعام العرس. وقد أخذ بظاهر الحديث بعض الشافعيّة، فقال بوجوب الإجابة إلى الدعوة مطلقاً عُرساً كان، أو غيره بشرطه، ونقله ابن عبد البرّ عن عبيد الله بن الحسن العنبريّ قاضي البصرة، وزعم ابن حزم أنه قولُ جمهور الصحابة والتابعين، ويعكُّرُ عليه ما نقلناه عن عثمان بن أبي العاص(١)، وهو من مشاهير الصحابة أنه قال في وليمة الختان: لم يكن يُدعى لها، لكن يمكن الانفصال عنه بأنّ ذلك لا يمنع القول بالوجوب لو دَعَوا. وعند عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه دعا بالطعام، فقال رجلٌ من القوم: اعفني، فقال ابن عمر: إنه لا عافية لك من هذا، فقم. (١) قال الجامع: أثر عثمان بن أبي العاص ◌ُه هذا لا يصحّ؛ لأن في سنده عنعنة ابن إسحاق، والحسن البصريّ، وكلاهما مشهوران بالتدليس، فلا يعكر على ما قاله ابن حزم كثّثُ، فتنبّه. ٣٩٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح وأخرج الشافعيّ، وعبد الرزاق بسند صحيح، عن ابن عبّاس أن ابن صفوان دعاه، فقال: إني مشغول، وإن لم تُعفني جئته. وجزم بعدم الوجوب في غير وليمة النكاح المالكيّة، والحنفيّة، والحنابلة، وجمهور الشافعية، وبالغ السرخسيّ منهم، فنقل فيه الإجماع، ولفظ الشافعيّ: إتيان دعوة الوليمة حقّ، والوليمة التي تعرف وليمة العرس، وكلّ دعوة دُعي إليها رجلٌ: وليمةٌ، فلا أُرخّص لأحد في تركها، ولو تركها لم يتبيّن لي أنه عاص في تركها كما تبيّن لي في وليمة العرس. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما تقدّم من الأدلّة أن أرجح الأقوال هو القول بوجوب إجابة الدعوة مطلقاً، لقوّة أدلّته، ولم يأت القائلون بالفرق بين العُرس وغيرها بدليل صحيح، صريح، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في بيان ما ذكره أهل العلم من شروط وجوب إجابة الدعوة: قال الحافظ وليّ الدين تَخّْلهُ: قال أصحابنا الشافعية: إنما تجب الإجابة، أو تستحبّ بشروط: [أحدها]: أن يعم عشيرته، وجيرانه، أو أهل حرفته، أغنياءهم وفقراءهم، دون ما إذا خصّ الأغنياء، وحُكِي عن ابن مسعود ظُه، قال أبو العباس القرطبيّ: ونحوَه نحا ابنُ حبيب من أصحابنا - يعني المالكيّة - وظاهر كلام أبي هريرة ظُه وجوب الإجابة. [ثانيها]: أن يخصه بالدعوة بنفسه، أو بإرسال شخص إليه، فأما إذا قال بنفسه أو بوكيله: ليحضر من أراد، أو قال لشخص: احضر، وأحضر معك من شئت، فقال لغيره: احضر فلا تجب الإجابة، ولا تستحبّ، وكذا اعتبر المالكية والحنابلة في وجوب الإجابة أن يدعو معيناً، قال ابن دقيق العيد في ((شرح الإلمام)): ولا يخلو من احتمال، لو قيل بخلافه. انتهى. وقد يقال: هذا معلوم من قولهم: دُعِي، فإن هذا لم يُدْعَ، وإنما مُكُنَ من (١) ((الفتح)) ٥٤٦/١١ - ٥٤٧. ٣٩٣ (١٧) - بَابُ الْأَمْرِ بِإِجَابَةِ الدَّاعِي إِلَى دَعْوَةٍ - حديث رقم (٣٥٠٩) الحضور، وذكر الروياني في ((البحر)) أنه لو قال: إن رأيت أن تجملني لزمته الإجابة. [ثالثها]: أن لا يكون إحضاره لخوف منه، أو طمع في جاهه، أو لتعاونه على باطل، بل يكون للتقرّب والتودّد. [رابعها]: أن يكون الداعي له مسلماً، فلو دعاه ذميّ، فهل هو كالمسلم، أم لا تجب قطعاً، طريقان، أصحهما الثاني، ولا يكون الاستحباب في إجابته كالاستحباب في دعوة المسلم؛ لأنه قد يَرْغَب عن طعامه؛ لنجاسته، وتصرفه الفاسد، وكذا اعتَبَر الحنابلة في وجوب الإجابة أن يكون الداعي مسلماً، ويدلّ لذلك قوله في رواية: «إذا دعا أحدكم أخاه)). [خامسها]: أن يُدْعَى في اليوم الأول، كذا الدَّعَى النوويّ في ((الروضة)) القطع به، وليس كذلك، فقد حَكَى ابن يونس في ((التعجيز)) وجهين في وجوب الإجابة في اليوم الثاني، وقال في (شرحه)): أصحهما الوجوب، وبه قطع الجرجانيّ؛ لوصف النبيّ وَ﴿ الثاني بأنه معروف، واعتَبَر الحنابلة أيضاً في وجوب الإجابة أن يكون في اليوم الأول، وحجتهم في ذلك حديث ابن مسعود رضيه قال: قال رسول الله وَله: ((طعام أول يوم حقٌّ، وطعام يوم الثاني سنةٌ، وطعام الثالث سُمْعةٌ، ومن سَمَّع سَمَّع الله به))، رواه الترمذيّ، وقال: لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث زياد بن عبد الله، وهو كثير الغرائب والمناكير، وسمعت محمد بن إسماعيل يذكر عن محمد بن عقبة، قال: قال وكيع: زياد بن عبد الله مع شرفه لا يكذب في الحديث، ورواه ابن ماجه من حديث أبي هريرة، بلفظ: ((الوليمة أول يوم حقٌّ، والثاني معروف، والثالث رياء وسمعةٌ))، وضعّفه البيهقيّ، وفيه عبد الملك بن حسين، وهو ضعيف جدّاً، ورواه بهذا اللفظ الثاني أبو داود، من رواية الحسن بن عبد الله بن عثمان الثقفيّ، عن رجل أعور من ثقيف، كان يقال له: معروف، أي يثني عليه خيراً، إن لم يكن اسمه زهير بن عثمان، فلا أدري ما اسمه؟، ورواه الطبرانيّ من حديث زهير من غير شكّ، وقال البخاريّ: لا يصح إسناده، ولا يُعرف لزهير صحبة، وأخرجه النسائيّ من حديث الحسن مرسلاً، لم يذكر عبد الله بن عثمان، ولا زهيراً، وأخرجه باللفظ الثاني أيضاً ابن عديّ في ((الكامل))، والبيهقيّ في ٣٩٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح ((سننه)) من طريقه، من حديث أنس، فقال البيهقيّ: ليس هذا بقويّ، بكر بن ◌ُنیس تكلموا فيه. انتهى. قال وليّ الدين ◌َُّ: وقد عَرَفت بما بسطناه ضعف جميع هذه الطرق، ولذلك قال والدي في ((شرح الترمذيّ)»: إنه لا يصح من جميع طرقه، وقال البخاريّ في ((تاريخه الكبير)) بعدما تقدم عنه في حديث زهير: إنه لا يصح إسناده، ولا تُعرف له صحبة، وقال ابن عمر وغيره، عن النبيّ وَّ: ((إذا دُعي أحدكم إلى الوليمة فليجب))، ولم يخصّ ثلاثة أيام ولا غيرها، قال: وهذا أصحّ، ثم ذكر حديث حفصة أن سيرين عَرَّس بالمدينة، فأولم، ودعا الناس سبعاً، وكان فيمن دعا أُبَيّ بن كعب، فجاء وهو صائم، فدعا لهم بخير، وانصرف، وأشار لذلك في ((صحيحه)) بقوله: ((باب حقّ إجابة الوليمة والدعوة، ومن أولم سبعة أيام ونحوه، ولم يوقّت النبيّ وَل ﴿ يوماً، ولا يومين))، وروى البيهقيّ في ((سننه)) قصة سيرين هذه، قال القاضي عياض: واستحب أصحابنا لأهل السعة كونها أسبوعاً، ثم قال: وذلك إذا دعا في كل يوم من لم يدع قبله، ولم يكرر عليهم، ويوافق ذلك ظاهر عبارة العمرانيّ من الشافعيّة في (البيان)) أنه إنما تكره الإجابة إذا كان المدعوّ في اليوم الثالث هو المدعوّ في اليوم الأول، وكذا صوّره الرويانيّ في ((البحر)) بما إذا كانت الوليمة ثلاثة أيام، فدعاه في الأيام الثلاثة، لكن ظاهر عبارة ((التنبيه)) أنه لا فرق في الكراهة بين أن يكون هو المدعوّ في اليوم الأول أم لا . وقال الشيخ الإمام تقيّ الدين السبكيّ: لا تصريح في كلام أصحابنا بذلك، وإنما رأيت للمالكية فيه خلافاً . قال وليّ الدين: واستبعد شيخنا الشيخ شهاب الدين ابن النقيب ما قدمته عن ((البيان))، فإن الفاعل لذلك وصفه النبيّ وَّه بالرياء فلا يساعد عليه. قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت فيما سبق أن الحديث ضعيف، فلا يصلح للتمسّك به، فالحقّ أن الدعوة لا تختصّ باليوم الأول، سواء كان المدعوّ هو الأول، أو غيره، فتبصّر، والله تعالى أعلم. [سادسها]: أن لا يَعْتَذِر المدعوّ إلى صاحب الدعوة، فيرضى بتخلفه، فإن وُجد ذلك زال الوجوب، وارتفعت كراهة التخلّف، قال الحافظ العراقيّ تَّتُهُ: ٣٩٥ (١٧) - بَابُ الْأَمْرِ بِإِجَابَةِ الدَّاعِي إِلَى دَعْوَةٍ - حديث رقم (٣٥٠٩) وهو قياس حقوق العباد، ما لم يكن فيه شائبة حق الله تعالى، كردّ السلام، فإنه لا يسقط وجوب الردّ برضى المسلِّم بتركه، وقد يُظْهِر الرضى، ويورث مع ذلك وحشة. انتهى، فلو غَلَب على ظنه أن الداعي لا يتألم بانقطاعه، ففيه تردّدٌ، حكاه القاضي مُجَلِّي في ((الذخائر)). [سابعها]: أن لا يسبق الداعي غيره، فإن دعاه اثنان أجاب الأسبق، فإن جاءا معاً أجاب الأقرب رَحِماً، ثم داراً، وعكس الماورديّ، والرويانيّ، فقدّما قُرب الجوار على قرب الرحم، وذكرا بعدهما القرعة، وقال الحنابلة: يُقدَّم أدينهما، ثم أقربهما رحماً، ثم جِوَاراً، ثم بالقرعة، وإجابة الأول هو امتثال لهذا الحديث، والامتناع من الثاني إذا تزاحما في الوقت؛ لتعذر الجمع بينه وبين الأول، والله أعلم [ثامنها]: أن لا يكون هناك من يتأذى بحضوره، ولا تليق به مجالسته، فإن كان فهو معذور في التخلف، وكذا اعتبر المالكية في الوجوب أن لا يكون هناك أراذل، وأشار الغزاليّ في ((الوسيط)) إلى حكاية وجه بخلاف هذا، وفي ((البحر)) للرويانيّ: لو دعا مُخْتَشَماً مع سفهاء القوم، هل تلزمه الإجابة؟ وجهان، ويوافقه قول الماورديّ: ليس من الشروط ألا يكون عدوّاً للمدعوّ، ولا يكون في الدعوة من هو عدوّ له، وفيما قاله نظرٌ، وأيّ تأذِّ أشدّ من مجالسة العدوّ؟ . [تاسعها]: ألا يكون هناك منكر، كشرب الخمر، والملاهي، فإن کان نَظَر إن كان الشخص المدعوّ ممن إذا حَضَر رُفِع المنكر فليحضر؛ إجابةً للدعوة، وإزالةً للمنكر، وإلا فوجهان: أحدهما الأولى أن لا يحضر، ويجوز أن يحضر، ولا يستمع، وينكر بقلبه، كما لو كان يُضْرَب المنكر في جِوَاره فلا يلزمه التحول، وإن بلغه الصوت، وعلى ذلك جرى العراقيّون، كما قال الرافعيّ، أو بعضهم، كما قال النوويّ، وحكاه البيهقي عن أصحابنا، وهو ظاهر نصّ الشافعيّ ◌َّتُهُ في ((الأُمّ)، و((المختصر))، وحُكي عن أبي حنيفة: ابتليتُ بهذا مرّةً، وهذا لأن إجابة الدعوة سنة، فلا يَتركها لما اقترنت من البدعة من غيره، قال: وهذا إذا لم يكن مُقْتَدَى، فإن كان، ولم يقدر على منعهم يخرج ولا يقعد؛ لأن في ذلك شين الدين، وفتح باب المعصية على المسلمين، والمحكيّ عن أبي حنيفة كان قبل أن يصير مُقتدى، ولو كان ذلك ٣٩٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح على المائدة لا ينبغي أن يقعد، وإن لم يكن مُقتدى؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَ نَفْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]، قال: وهذا كله بعد الحضور، ولو عَلِم قبل الحضور لا يحضر؛ لأنه لم يلزمه حقّ الدعوة، بخلاف ما إذا مُجِم علیه؛ لأنه قد لزمه. انتهى. والوجه الثاني لأصحابنا: أنه يحرم الحضور؛ لأنه كالرضى بالمنكر، وإقراره، وبه قال المراوزة، وهو الصحيح، وإذا قلنا به: فلم يَعْلَم حتى حضر نهاهم، فإن لم ينتهوا فليخرج، والأصح تحريم القعود، إلا أن لا يمكنه الخروج، بأن كان في الليل وخاف، فيقعد كارهاً، ولا يستمع، وعلى هذا الوجه الثاني جرى الحنابلة، قالوا: فإن عَلِم بالمنكر، ولم يره، ولم يسمعه، فله الجلوس، وكذا اعتبر المالكية في وجوب الإجابة أن لا يكون هناك منكر، وقال ابن عبد البرّ: قال مالك، وابن القاسم: أما اللهو الخفيف مثل الدّفّ، فلا يرجع، وقال أصبغ: أرى أن يرجع، قال: وقد أخبرني ابن وهب عن مالك، أنه لا ينبغي لذي الهيئة أن يحضر موضعاً فيه لَعِبٌ، ثم حَكَى ابنُ عبد البر الفرق بين المقتدى به وغيره عن محمد بن الحسن، والأصل في هذا الباب امتناعه و * من دخوله بيته لَمَّا رأى فيه نُمْرُقة فيها تصاوير، وهو في ((الصحيح)) من حديث عائشة ◌ُها، وبَوَّب عليه البخاريّ تَظُّهُ: ((بابٌ هل يرجع إذا رأى منكراً في الدعوة))، قال: ورأى ابن مسعود صورة في البيت فرجع، ودعا ابنُ عمر أبا أيوب، فرأى في البيت سِتْراً على الجدار، فقال ابن عمر: غَلَبنا عليه النساء، فقال: مَن كنتُ أخشى عليه، فلم أكن أخشى عليك، والله لا أَطْعَم لكم طعاماً فرجع. [عاشرها]: أن لا يدعوه من أكثر ماله حرام، فمن هو كذلك تكره إجابته، فإن عَلِمَ أن غير الطعام حرام حَرُمت، وإلا فلا، قال المتولي في ((التتمة)): فإن لم يعلم حال الطعام، وغلب الحلال لم يتأكد الإجابة، أو الحرام، أو الشبهة كُرِهت. [حادي عشرها]: قال إبراهيم المروزيّ من الشافعيّة: لو دعته أجنبية، وليس هناك مَحْرم له، ولا لها، ولم تَخْلُ به، بل جلست في بيت، وبعثت بالطعام إليه مع خادم إلى بيت آخر من دارها، لم يجبها؛ مخافةً الفتنة، حكاه ٣٩٧ (١٧) - بَابُ الْأَمْرِ بِإِجَابَةِ الدَّاعِي إِلَى دَعْوَةٍ - حديث رقم (٣٥٠٩) النوويّ في ((الروضة))، وأقرّه، وقال السبكيّ: وهو الصواب، إلا أن يكون الحال على خلاف ذلك، كما كان سفيان الثوريّ وأضرابه يزورون رابعة العدوية، ويسمعون كلامها، فإذا وُجدت امرأة مثل رابعة، ورجل مثل سفيان لم يكره لهما ذلك، قال وليّ الدين: أين مثلُ سفيان ورابعة؟ بل الضابط أن يكون الحضور إليها لأمر دينيّ مع أمن الفتنة. قال: وقال شيخنا الإمام جمال الدين عبد الرحيم الإسنويّ: إن أراد المروزيّ تحريم الإجابة فممنوع، وإن أراد عدم الوجوب فلا حاجة لتقييده بعدم وجود محرم؛ لأن هنا مانعاً آخر من الوجوب، وهو عدم العموم. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قالوه في مسألة دعوة المرأة الأجنبيّة فيه نظر لا يخفى؛ لأن الذي ورد في الشرع النهي عنه هو الخلوة بالأجنبيّة، وأما إذا لم يكن هناك خلوة بها، فأين الدليل المانع من إجابة دعوتها؟، فليُتأمّل حقّ التأمل، والله تعالى أعلم. [ثاني عشرها]: أن لا يكون المدعوّ قاضياً، ذكره بعض أصحابنا، وقال مطرّف، وابن الماجشون من المالكية: لا ينبغي للقاضي أن يجيب الدعوة إلا في الوليمة وحدها؛ للحديث؛ وفي ((الموازنة)): أكره أن يجيب أحداً، وهو في الدعوة خاصةً أشدّ، وقال سحنون: يجيب الدعوة العامة، ولا يجيب الخاصة، فإن تنزه عن مثل هذا، فهو أحسن، قال الشيخ تقيّ الدين في ((شرح الإلمام)): والعموم يقتضي ظاهره المساواة بين القاضي وغيره، قال: والذين استثنوا القاضي، فإنما استثنوه لمعارض قام عندهم، وكأنه طلب صيانته عما يقتضي ابتذاله، وسقوط حرمته عند العامة، وفي ذلك عود ضرر على مقصود القضاء من تنفيذ الأحكام؛ لأن الهيئات مُعِينة عليها، ومن لم يعتبر هذا رجع إلى الأمر، وإنّ ترك العمل بمقتضاه مفسدة محققةٌ، وما ذكر من سبب التخصيص قد لا يفضي إلى المفسدة. انتهى. ويَحْتَمِل أن يكون المعنى في المنع ما فيه من استمالته، وأنه قد يكون في معنى قبوله الهدية، والله أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: استثناء القاضي من عموم قوله وَّيقول: ((إذا دُعِي أحدكم إلى الوليمة، فليُجِب)) محلّ نظر، فتأمّل. ٣٩٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح [ثالث عشرها]: قال الماورديّ: يُشترط أن يكون الداعي مكلفاً حُرّاً رشيداً، وإن أَذِن ولي المحجور لم تجب إجابته أيضاً؛ لأنه مأمور بحفظ ماله، ولو أَذِن سيد العبد فهو حينئذ كالحرّ. [رابع عشرها]: أن يكون المدعوّ حرّاً، فلو دعا عبداً لزمه إن أذن سيده، وكذا المكاتب، إن لم يضرّ حضوره بكسبه، فإن ضرّ وأذن سيده فوجهان، والمحجور فيما إذا كان مدعوّاً كالرشيد. [خامس عشرها]: أن لا يكون معذوراً بمرخص في ترك الجماعة، ذكره الماورديّ، والرويانيّ قالا: ولو اعتَذَر بحرّ، أو برد، فإن منعا غيره من التصرف منع، وإلا فلا . قال الجامع عفا الله عنه: من الأعذار ما يقع هنا في بلاد الحرمين: مكة، والمدينة، وجدّة، وغيرها من البلدان من كون وقت الوليمة ليلاً بعد صلاة العشاء، بل بعد منتصف الليل، بل ثلثيه، بحيث إنه يفوّت على الإنسان صلاة الليل، والوتر، ولا سيما إذا كان معه نساء، فإنه ربّما تفوته صلاة الجماعة في الصبح، بل ربّما أدى إلى فوات الصبح رأساً، وهذا من المنكر الذي غفل عنه كثير من الناس، وقد ثبت في ((الصحيحين)) أنه ◌ّي كان يكره النوم قبلها - أي العشاء - والحديث بعدها، فكيف إذا ضاع معظم الليل بما لا يعني، فلا حول ولا قوّة إلا بالله، فعلى من دُعي في مثل هذا أن لا يُجيب، فليُتفطّن، والله تعالى أعلم. [سادس عشرها]: قال الشيخ تاج الدين عبد الوهاب ابن السبكيّ في ((التوشيح)): ينبغي أن يتقيد أيضاً بما إذا دعاه في وقت استحباب الوليمة، دون ما إذا دعاه في غير وقتها، قال: ولم ير في صريح كلام الأصحاب تعيّن وقتها، فاستنبط الوالد من قول البغويّ: ضربُ الدفّ في النكاح جائز في العقد، والزفاف، قبلُ وبعدُ قريباً منه، أن وقتها موسع من حين العقد، قال: والمنقول عن فعل النبيّ وَلّ أنها بعد الدخول. وبوّب البيهقيّ في ((سننه)) على وقت الوليمة، وذكر فيه حديث أنس: بَنَى رسول الله ◌َ، فأرسلني، فدعوت رجالاً ... الحديث. وقال النوويّ في ((شرح مسلم)): اختَلَف العلماء في وقت فعلها، فحَكَى ٣٩٩ (١٧) - بَابُ الْأَمْرِ بِإِجَابَةِ الدَّاعِي إِلَى دَعْوَةٍ - حديث رقم (٣٥٠٩) القاضي عياض أن الأصح عند مالك وغيره أنه يستحب فعلها بعد الدخول، وعن جماعة من المالكية استحبابها عند العقد، وعن ابن حبيب استحبابها عند العقد، وبعد الدخول. قال وليّ الدين: ثم إن أريدَ أنه لا تجب الإجابة فيما إذا عُملت الوليمة قبل العقد فهو واضح، ولكن لا يحتاج إلى ذكره؛ لأنها ليست وليمة عرس، ويبقى النظر فيما لو دُعي قبل العقد؛ ليحضر العقد، ويأكل طعاماً قد هُيِّئ، هل تجب الإجابة أم لا؟ فيه احتمال؛ لكونه لم يُعقد إلى الآن، والظاهر وجوب الإجابة؛ لكون الوليمة إنما تُفعل بعد العقد، وإن كان الإعلام بها سابقاً. وإن أريدَ أنّا إذا استحببنا أن تكون بعد الدخول، فعُملت قبله لا تجب الإجابة فهو ممنوع؛ لأنها وليمة عرس، وإن عَدَل بها صاحبها عن الأفضل، فهو كمن أولم بغير شاة، مع التمكن منها . قال الجامع عفا الله عنه: هذا كلّه عند من قال: إن الواجب إجابة دعوة وليمة العرس فقط، لكن الصحيح كما سيأتي أن إجابة الدعوة واجبة، مطلقاً، عُرساً كان، أو غيرها، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [سابع عشرها]: أن يكون المدعوّ مسلماً، فلو دعا مسلم كافراً لم تلزمه الإجابة جزماً، كما صرح به الماورديّ، والرويانيّ، وعللاه بأنه لم يلتزم أحكامنا إلا عن تراض، فلو رضي ذميان بحكمنا أخبرناهما بإيجاب الإجابة، وهل يخبر المدعوّ أم لا؟ فيه قولان، حكاهما الماورديّ، والرويانيّ. قال وليّ الدين: فهذا ما وقفت عليه في ذلك لأصحابنا المتقدمين والمتأخرين، واعتَبَر مالك تَخُّْهُ في وجوب الإجابة أن لا يكون هناك زحام، ولا إغلاق باب دونه، حكاه عنه ابن الحاجب في ((مختصره))، فأما الأول وهو انتفاء الزحام فقد صرح الروياني من أصحابنا بخلافه، وقال: إن الزحام ليس عذراً، وقد يقال: إنه مختلفٌ؛ لِمَا سبق من اعتبار أن لا يكون هناك من يتأذى به، فإن الزحام مما يتأذى به. وأما الثاني وهو إغلاق الباب دونه، فإن أريدَ استمرار إغلاقه، فلا يُفتَح له أصلاً، فهذا واضح؛ لأنه لم يتمكن من حضور الوليمة، فلا يمكن القول بوجوبه عليه، وإن أريد إغلاقه حتى يحتاج إلى الإعلام والتوسل فيفتح، فهذا ٤٠٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح مُحْتَمِلٌ، ولا يبعد على قواعدنا القول به؛ لما في الوقوف على الأبواب من الذلّ الذي يصعب على الإنسان، ويشق عليه احتماله، والله أعلم. واعتَبَر الحنابلة في وجوب الإجابة أن لا يكون الداعي ممن يجوز هجره، والقول به عندنا قريب؛ لأن التودد بحضور الوليمة أشدّ، وأبلغ من السلام والكلام، فإذا لم يُحَيَّ فحضور الوليمة أولى، فهذه عشرون شرطاً. انتهى كلام وليّ الدين كَُّهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ، وقد سبق مناقشة بعض ما ذكره، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في وقت الوليمة، هل هو عند العقد، أو عقبه، أو عند الدخول، أو عقبه، أو موسّعٌ من ابتداء العقد إلى انتهاء الدخول؟ على أقوال: قال النوويّ كَّلُهُ: اختلفوا، فحكى عياضٌ أن الأصحّ عند المالكيّة استحبابه بعد الدخول، وعن جماعة منهم أنه عند العقد، وعند ابن حبيب عند العقد، وبعد الدخول، وقال في موضع آخر: يجوز قبل الدخول وبعده، وذكر ابن السبكيّ أن أباه قال: لم أر في كلام الأصحاب تعيين وقتها، وأنه استنبط من قول البغويّ: ضرب الدفّ في النكاح جائزٌ في العقد، والزفاف، قبلُ وبعدُ قريباً منه، أن وقتها موسّعٌ من حين العقد، قال: والمنقول من فعل النبيّ وَل أنها بعد الدخول، كأنه يشير إلى قصّة زينب بنت جحش ريا، وقد ترجم عليه البيهقيّ في وقت الوليمة. انتهى. قال الحافظ: وما نفاه من تصريح الأصحاب متعقّبٌ بأن الماورديّ صرّح بأنها عند الدخول، وحديث أنس ﴿ه في هذا الباب صريح في أنها بعد الدخول؛ لقوله فيه: ((أصبح عروساً بزينب، فدعا القوم)). واستحبّ بعض المالكيّة أن تكون عند البناء، ويقع الدخول عقبها، وعليه عمل الناس اليوم، ويؤيّد كونها للدخول، لا للإملاك أن الصحابة بعد الوليمة تردّدوا، هل هي زوجةٌ، أو سُرّيّةٌ؟ فلو كانت الوليمة عند الإملاك لعرفوا أنها (١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٧١/٧ - ٧٧.