Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
(١٥) - بَابُ فَضِيلَةِ إِعْتَاقِهِ أَمَتَهُ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا - حديث رقم (٣٤٩٧)
٤ - (ومنها): جواز إطلاق صلاة الغداة على صلاة الصبح؛ خلافاً لمن
کړه ذلك.
٥ - (ومنها): جواز الإرداف، إذا كانت الدّابّة مُطيقةً، وقد ورد فيه غير
حديث .
٦ - (ومنها): استحباب التكبير والذكر عند الحرب، وهو موافقٌ لقوله
تعالى: ﴿بَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَأَثْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ الآية
[الأنفال: ٤٥].
٧ - (ومنها): استحباب التثليث في التكبير؛ لقوله: ((قالها ثلاثاً)).
٨ - (ومنها): أن فيه دلالةً على أن الفخذ ليس بعورة، وقد تقدّمت مباحثه
في ((كتاب الصلاة)).
٩ - (ومنها): مشروعيّة إجراء الخيل، وأنه لا يُخلّ بمراتب الكبار، لا
سيّما عند الحاجة، أو لرياضة الدّابة، أو لتدريب النفس على القتال.
١٠ - (ومنها): استحباب عتق الأمة، وتزوّجها، وفيه خلاف بين العلماء،
سيأتي تحقيقه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
١١ - (ومنها): مشروعيّة زفاف العروس ليلاً.
١٢ - (ومنها): أن فيه مطلوبيّة وليمة العُرس، وكونها بعد الدخول، وتقدّم
البحث عنه في محلّه.
١٣ - (ومنها): أن فيه إدلال الكبير على أصحابه، وطلب الطعام منهم في
نحو هذا .
١٤ - (ومنها): أنه يستحبّ لأصحاب الزوج، وجيرانه مساعدته في
الوليمة بما يتيسّر لهم من الطعام وغيره.
١٥ - (ومنها): أن الوليمة تكون بما تيسّر، ولا يُشترط كونها شاة، بل
ذلك لمن تيسّر له. والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في جعل عتق الأمة صداقها :
ذهبت طائفة إلى أن الرجل إذا أعتق أمته على أن يجعل عتقها صداقها،
صحّ العقد، والعتق، والمهر على ظاهر الحديث، وبه أخذ من المتقدّمين عليّ،
وأنسٌ، وابن مسعود، وسعيد بن المسيّب، وإبراهيم النخعيّ، ومن لقيه

٣٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
إبراهيم، من شيوخه، والشعبيّ، وعطاء بن أبي رباح، وطاوس، وأبو سلمة بن
عبد الرحمن، وقتادة، والزهريّ، وغيرهم، ومن فقهاء الأمصار: سفيان
الثوريّ، والأوزاعيّ، والحسن بن حيّ، وأبو يوسف القاضي، قال ابن حزم:
خالف في ذلك أصحابه، وَوُفِّقَ، والشافعيّ وأحمد، وإسحاق.
وقال ابن حزم في ((المحلّى)): ومن أعتق أمته على أن يتزوّجها، وجعل
عتقها صداقها، لا صداق لها غيره، فهو صداق صحيح، ونكاحٌ صحيح، وسنّةٌ
فاضلة، فإن طلّقها قبل الدخول، فهي حرّةٌ، ولا يرجع عليها بشيء، فلو أبت
أن تتزوّجه بطل عتقها، وهي مملوكة كما كانت.
قال: وفي ذلك خلاف متأخّر، قال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن،
وزُفر بن الْهُذيل، ومالك، وابن شُبْرُمة، والليث: لا يجوز أن يكون عتق الأمة
صداقها، قال أبو حنيفة، وزفر، ومحمد، ومالك: إن فعل فلها عليه مهر
مثلها، وهي حرّة، ثم اختلفوا إن أبت أن تتزوّجه، فقال أبو حنيفة، ومحمد:
تسعى له في قيمتها، وقال مالك، وزفر: لا شيء عليها. ثم ذكر ابن حزم أدلّة
الفريقين، وأطال في ذلك، فأجاد، وأفاد.
قال في ((الفتح)) بعد أن ذكر ما تمسّك به الأولون ما حاصله: وأجاب
الباقون عن ظاهر الحديث بأجوبة:
أقربها إلى لفظ الحديث أنه أعتقها بشرط أن يتزوّجها، فوجبت له عليها
قيمتها، وكانت معلومة، فتزوّجها بها .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قال الحافظ: إنه أقرب إلى لفظ
الحديث، فيه نظر، بل هو بعيد، ولا يخفى بُعده على من تأمّله.
قال: ويؤيّده قوله في رواية عبد العزيز بن صُهيب: ((سمعت أنساً قال:
سبى النبيّ وََّ صفيّةَ، فأعتقها، وتزوّجها، فقال ثابت لأنس: ما أصدقها؟
قال: نفسها، فأعتقها)). هكذا أخرجه البخاريّ في ((المغازي)). وفي رواية
حمّاد، عن ثابت، وعبد العزيز، عن أنس في حديث: ((قال: وصارت صفيّة
لرسول الله وَ﴾، ثم تزوّجها، وجعل عتقها صداقها، فقال عبد العزيز لثابت:
يا أبا محمد، أنت سألت أنساً ما أمهرها؟ قال: أمهرها نفسها، فتبسّم))، فهو
ظاهر جدّاً في أن المجعول مهراً هو نفس العتق، فالتأويل الأول لا بأس به،

٣٤٣
(١٥) - بَابُ فَضِيلَةِ إِعْتَاقِهِ أَمَتَهُ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا - حديث رقم (٣٤٩٧)
فإنه لا منافاة بينه وبين القواعد حتى لو كانت القيمة مجهولة، فإن في صحّة
العقد بالشرط المذكور وجهاً عند الشافعيّة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا ظاهر في تأييد ما قاله المجيزون، لا
ما قاله المانعون، فتأمّله بإنصاف.
قال: وقال آخرون: قوله: ((أعتقها، وتزوّجها)) معناه: أعتقها، ثم
تزوّجها، فلما لم يَعلم أنه ساق لها صداقاً، قال: أصدقها نفسها؛ أي: لم
يُصدقها شيئاً فيما أَعلَمُ، ولم يَنف أصل الصداق، ومن ثمّ قال أبو الطيّب
الطبريّ من الشافعيّة، وابن المرابط من المالكيّة، ومن تبعهما: إنه قول أنس،
قاله ظنّاً من قِبَل نفسه، ولم یرفعه.
قال الجامع عفا الله عنه: وهذا سوء أدب من قائله؛ فإن أنساً رَظُته من
أهل اللسان يعرف مقاصد الشريعة أكثر مما يعرفه هذا القائل، ففهمه يُقدّم على
فهمه، فتأمل بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى وليّ التوفيق.
قال: وربّما تأيّد ذلك عندهم بما أخرجه البيهقيّ من حديث أُميمة -
ويقال: أمة الله - بنت رزينة، عن أمها: ((أن النبيّ وَّر أعتق صفيّة، وخطبها،
وتزوّجها، وأمهرها رزينة، وكان أُتي بها مَسبيّة من قريظة، والنضير)).
وهذا لا يقوم به حجةٌ؛ لضعف إسناده. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا من أغرب ما يتّفق لمثل الحافظ، كيف
يقول: وربما تأيّد إلخ، مع أنه اعترف بأنه لا تقوم به حجة، إن هذا لهو
العُجاب، والله تعالى المستعان.
قال: ويعارضه ما أخرجه الطبرانيّ، وأبو الشيخ من حديث صفيّة نفسها،
قالت: ((أعتقني النبيّ وَ﴿، وجعل عتقي صداقي)).
وهذا موافقٌ لحديث أنس. وفيه ردٌّ على من قال: إن أنساً قال ذلك بناءً
على ما ظنّه. وقد خالف هذا الحديث أيضاً ما عليه كافّة أهل السير أن صفيّة
من سبي خيبر.
ويَحْتَمِل أن يكون أعتقها بشرط أن ينكحها بغير مهر، فلزمها الوفاء
بذلك، وهذا خاصّ بالنبيّ وَّ، دون غيره.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فيه أن هذا التأويل يردّه قولها: ((وجعل

٣٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
عتقي صداقي))، فإنه صريحٌ في تسمية المهر لها، وهو عتقها، فكيف يقال:
نكحها بغير مهر؟.
وقيل: يَحْتَمِل أنه أعتقها بغير عوض، وتزوّجها بغير مهر في الحال،
ولا في المآل. قال ابن الصلاح: معناه أن العتق يحِلّ محلّ الصداق، وإن
لم يكن صداقاً، قال: وهذا كقولهم: الجوع زاد من لا زاد له، قال: وهذا
الوجه أصحّ الأوجه، وأقربها إلى لفظ الحديث، وتبعه النوويّ في
((الروضة)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وبُعد هذا التأويل عن لفظ الحديث أظهر
من أن يُظھَر، فتبصّر، ولا تتحيّر.
وقال في ((الفتح)) أيضاً: ومن المستغربات قول الترمذيّ بعد أن أخرج
الحديث: وهو قول الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. قال: وكرِه بعض أهل العلم
أن يجعل صداقها حتى يجعل لها مهراً، سوى العتق، والقول الأول أصحّ.
وكذا نقل ابن حزم عن الشافعيّ. والمعروف عند الشافعيّة أن ذلك لا يصحّ.
قال: وممن قال بقول أحمد: ابن حبّان، صرّح بذلك في ((صحيحه)) - ٩/
٤٠١ رقم ٤٠٩١ _.
قال ابن دقيق العيد: الظاهر مع أحمد، ومن وافقه، والقياس مع
الآخرين.
فيتردد الحال بين ظنّ نشأ عن قياس، وبين ظنّ نشأ عن ظاهر الخبر، مع
ما تحتمله الواقعة من الخصوصيّة، وهي وإن كانت على خلاف الأصل، لكن
يتقوّى ذلك بكثرة خصائص النبيّ ◌َلقر في النكاح. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القياس في مقابلة ظاهر النصّ، مما لا
يُلتفت إليه، وما أحسن ما قال بعضهم:
تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ
إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْماً
تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ
غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى
ودعوى الخصوصيّة لا تصحّ إلا بدليل صحيح صريح.
والحاصل أن مذهب القائلين بجواز كون العتق صداقاً في النكاح هو
الأرجح؛ لقوّة دليله، وإن أردت التحقيق في ذلك، فارجع إلى ما كتبه أبو

٣٤٥
(١٥) - بَابُ فَضِيلَةِ إِعْتَاقِهِ أَمَتَهُ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا - حديث رقم (٣٤٩٨)
محمد بن حزم رحمه الله تعالى في كتابه ((المحلّى))(١)، فقد أجاد هناك، وأفاد،
والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٣٤٩٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّدٌ - يَعْنِي: ابْنَ
زَيْدٍ - عَنْ ثَابِتٍ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ (ح) وَحَدَّثْنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ،
حَدَّثَنَا حَمَّدٌ - يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ - عَنْ ثَابِتٍ، وَشُعَيْبٍ بْنِ حَبْحَابٍ، عَنْ أَنَسِ (ح)
وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسِ (ح) وَحَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِبُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَنَسٍ (ح) وَحَدَّثَنِي
زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ شُعَيْبٍ بْنِ الْحَبْحَابِ،
عَنْ أَنَسِ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، وَعُمَرُ بْنُ سَعْدٍ،
وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، جَمِيعاً عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ يُّونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ شُعَيْبٍ بْنِ الْحَبْحَابِ،
عَنْ أَنَسٍ، كُلُّهُمْ عَنِ النَّبِّ وَلِ أَنَّهُ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ، وَجَعَلَ عِنْقَهَا صَدَاقَهَا، وَفِي
حَدِيثٍ مُعَاذٍ، عَنْ أَبِيهِ: تَزَوَّجَ صَفِيَّةَ، وَأَصْدَقَهَا عِثْقَهَا).
رجال هذا الإسناد: عشرون:
١ - (شُعَيْبٍ بْنِ الْحَبْحَابِ) الأزديّ مولاهم، أبو صالح البصريّ، ثقةٌ [٤]
(ت ١٣١) أو قبلها (خ م د ت س) تقدم في ((الجنائز)) ٢١٩٨/١٨.
٢ - (أَبُو عُثْمَانَ) عبد الرحمن بن مُّلّ - بلام ثقيلة، والميم مثلثة - النَّهْديّ
- بفتح النون، وسكون الهاء - مشهور بكنيته، مخضرمٌ ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ، من كبار
[٢] مات سنة خمس وتسعين، وقيل: بعدها، وعاش مائة وثلاثين سنة، وقيل:
أكثر (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٣ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَام) بن أبي عبد الله الدستوائيّ البصريّ، وقد سكن
اليمن، صدوقٌ، رُبّما وَهِمَّ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
٤ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر بوزن جعفر، أبو بكر البصريّ
(١) ((المحلّى)) ٥٠١/٩ - ٥٠٧.

٣٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
الدستوائيّ، ثقةٌ ثبتٌ، وقد رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) وله ثمان
وسبعون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
٥ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان الكوفيّ، أبو زكريا، مولى بني أمية، ثقةٌ
حافظٌ فاضلٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤.
٦ - (عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ) بن عُبيد، أبو داود الْحَفَريّ - بفتح المهملة، والفاء -
نسبة إلى موضع بالكوفة، ثقةٌ عابدٌ [٩].
رَوَى عن الثوريّ، ومِسْعر، ومالك بن مِغْوَل، وحفص بن غياث، وبدر بن
عثمان، ويحيى بن أبي زائدة، وشريك، وغيرهم.
وروى عنه أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعليّ ابن المدينيّ وأبو
بكر وعثمان ابنا أبي شيبة، والقاسم بن زكريا بن دينار، وغيرهم.
قال عثمان الدارميّ عن ابن معين: ثقةٌ، وقال الدُّوريّ: سمعت ابن معين
قَدَّم أبا داود على قَبِيصة، وأبي أحمد، ومحمد بن يوسف، في حديث سفيان،
وقال وكيع: إن كان يُدْفَع بأحد في زماننا فبأبي داود، وقال ابن المدينيّ: لا
أعلم أني رأيت بالكوفة أعبد منه، وقال أبو حاتم: صدوق، كان رجلاً
صالِحاً، وقال الآجريّ عن أبي داود: كان جليلاً جدّاً، وقال ابن سعد: كان
ناسكاً زاهداً، له فضل، وتواضع، وقال ابن حبان في ((الثقات)): كان من العباد
الْخُشُن، قال عثمان بن أبي شيبة: كنا عنده في غرفته، وهو يملي، فلما فرغ
قلت له: أُتَرِّب الكتاب؟ قال: لا الغرفة بالكراء، وقال العجليّ: كان رجلاً
صالِحاً متعبداً حافظاً لحديثه، ثبتاً، وكان فقيراً متعففاً، والذي ظهر له من
الحديث ثلاثة آلاف، أو نحوها، وكان أبو نعيم يأتيه، ويعظمه، وكان لا يُتم
الكلام من شدّة توقيه، ولم يكن بالكوفة بعد حسين الجعفيّ أفضل منه، وقال
ابن وضاح: كان أبو داود ثقةً أزهد أهل الكوفة، قال: وسمعت محمد بن
مسعود يقول: هو أحب إليّ من حسين الجعفيّ، وكلاهما ثقة.
قال أحمد، وابن معين: مات سنة ثلاث ومائتين، وفيها أرّخه جماعة،
زاد ابن سعد: في جمادى الأولى بالكوفة، وقال خليفة: سنة ٦، وهو خطأ.
أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث.
٧ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قبل أربعة أبواب.

٣٤٧
(١٥) - بَابُ فَضِيلَةِ إِعْتَاقِهِ أَمَتَهُ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا - حديث رقم (٣٤٩٨)
٨ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٩ - (يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ) بن دينار الْعَبْديّ، أبو عُبيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
فاضلٌ وَرِعٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٣.
والباقون ذُكروا في الباب، والبابين قبله، و((أبو الربيع الزهرانيّ)) هو:
سليمان بن داود الْعَتَكيّ، و((أبو عوانة)) هو: الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ
الواسطيّ.
وقوله: (كُلَّهُمْ عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ) أشار به إلى أن كلّ هؤلاء الأربعة: حماد بن
زيد، وأبو عوانة، وهشام الدستوائيّ، ويونس بن عُبيد اتّفقوا على أن الحديث
عن النبيّ وَّ﴿، بمعنى أنه مروي متّصل، وليس موقوفاً، ولا فيه انقطاع، والله
تعالى أعلم.
[تنبيه]: أما رواية حماد بن زيد عن ثابت، وعبد العزيز بن صهيب،
كلاهما عن أنس ظُه ساقها البخاريّ في ((صحيحه))، فقال:
(٩٠٥) حدّثنا مسدّد، قال: حدّثنا حماد، عن عبد العزيز بن صهيب،
وثابت الْبُنَانيّ عن أنس بن مالك، أن رسول الله وَ ﴿ صلى الصبح بغَلَس، ثم
ركب، فقال: ((الله أكبر خَرِبت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم: فَساء صباح
المنذرين))، فخرجوا يسعون في السِّكَك، ويقولون: محمد والخميس، قال:
والخميس: الجيش، فظهر عليهم رسول الله وَ﴿، فقَتَل المقاتلة، وسبى
الذراريّ، فصارت صفية لدِحية الْكَلْبيّ، وصارت لرسول الله وَلّ، ثم تزوجها،
وجعل صداقها عتقها، فقال عبد العزيز لثابت: يا أبا محمد أنت سألت أنساً ما
أمهرها؟ قال: أمهرها نفسها، فتبسم. انتهى(١).
وأما رواية حماد بن زيد عن ثابت، وشُعيب بن الحبحاب، فقد ساقها
أيضاً البخاريّ في ((صحيحه))، فقال:
(٤٧٩٨) - حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا حماد، عن ثابت، وشعيب بن
الحبحاب، عن أنس بن مالك، أن رسول الله وسلم أعتق صفية، وجعل عتقها
صداقها. انتهى(٢) .
(١) ((صحيح البخاريّ)) ٣٢١/١، ٣٢٢.
(٢) ((صحيح البخاريّ)) ١٩٥٦/٥.

٣٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
وأما رواية أبي عوانة عن قتادة وعبد العزيز بن صُهيب، فقد ساقها
الترمذيّ تَخْتُ في ((جامعه)) بسند المصنّف، فقال:
(١١١٥) - حدّثنا قتيبة، حدّثنا أبو عوانة، عن قتادة، وعبد العزيز بن
صهيب، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ويعلي أعتق صفية، وجعل عتقها
صداقها . انتهى(١).
وأما رواية أبي عوانة عن أبي عثمان النهديّ فقد ساقها أبو عوانة كَّتُهُ في
(مسنده))، فقال:
(٤٢١٩) - حدّثنا محمد بن إدريس أبو بكر وراق الحميديّ، وأبو بكر
أخو خطاب قالا: ثنا محمد بن عبيد بن حساب، قثنا(٢) أبو عوانة، عن أبي
عثمان، عن أنس: ((أن النبيّ وَلّ أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها)). انتهى(٣).
وأما رواية يونس بن عُبيد، عن شعيب بن الحبحاب، فقد ساقها
النسائيّ كَّلُ في ((الكبرى))، فقال:
(٥٥٠٠) - أخبرنا محمد بن رافع، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال:
حدّثنا سفيان، وأنبأنا عمرو بن منصور، قال: حدّثنا أبو نعيم، قال: حدّثنا
سفيان، عن يونس، عن ابن الحبحاب، عن أنس: ((أعتق رسول الله وَله صفية،
وجعل عتقها مهرها))، واللفظ لمحمد. انتهى(٤).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٣٤٩٩] (١٥٤ (٥)) - (وَحَدَّثَنَا بَحْيَى بْنُ يَحْنَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ،
عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهـ
فِي الَّذِي يُعْتِقُ جَارِيَتَهُ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا: ((لَهُ أَجْرَانٍ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم في الباب الماضي.
(١) ((جامع الترمذيّ)) ٤٢٣/٣.
(٣) ((مسند أبي عوانة)) ٦٦/٣.
(٥) مكرّر.
(٢) منحوت من ((قال: حدّثنا))، فتنبّه.
(٤) ((السنن الكبرى)) للنسائيّ ٣١١/٣.

٣٤٩
(١٥) - بَابُ فَضِيلَةِ إِعْتَاقِهِ أَمَتَهُ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا - حديث رقم (٣٥٠٠)
٢ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرحمن بن يزيد الطحّان الواسطيّ الْمُزَنيّ
مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) وكان مولده سنة عشر ومائة (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٤٠٧/٧٨.
٣ - (مُطَرِّفُ) - بضمّ أوله، وفتح ثانيه، وتشديد الراء المكسورة - ابن
طَرِيف الكوفيّ، أبو بكر، أو أبو عبد الرحمن، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٦] (ت
١٤١) أو بعد ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان) ٩٠/ ٤٧٢.
٤ - (عَامِرُ) بن شَرَاحيل الشعبيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ مشهورٌ فقيهٌ
فاضلٌ [٣] قال مكحول: ما رأيت أفقه منه، مات بعد المائة، وله نحو من
ثمانين سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٥ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، قيل: اسمه عامر،
وقيل: الحارث، ثقةٌ [٣] (١٠٤) وقيل غير ذلك، وقد جاز الثمانين (ع) تقدم
في ((الإيمان)) ١٦/ ١٧١.
٦ - (أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حَضّار الأشعريّ الصحابيّ
المشهور، أمّره عمر، ثم عثمان، وهو أحد الْحَكَمين بصِفِّين، مات سنة
خمسين، وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧١/١٦.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث أبي موسى الأشعريّ ظُه هذا متّفقٌ
عليه، وقد تقدّم للمصنّف في ((كتاب الإيمان)) [٣٩٤/٧٦] (١٥٤) وقد استوفيت
هناك شرحه، وبيان مسائله، فراجعه تستفد علماً جمّاً، وبالله تعالى التوفيق.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َعْدُ أوّلَ الكتاب قال:
[٣٥٠٠] (١٣٦٥ (١)) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا
حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ أَبِي طَلْحَةَ، يَوْمَ خَيْبَرَ،
وَقَدَمِي تَمَسُّ قَدَمَ رَسُولِ اللهِهِ، قَالَ: فَأَتَيْنَاهُمْ حِينَ بَزَغَتِ الشَّمْسُ، وَقَدْ أَخْرَجُوا
مَوَاشِيَهُمَ، وَخَرَجُوا بِقُؤُوسِهِمْ، وَمَكَاتِهِمْ، وَمُرُورِهِمْ، فَقَالُوا: مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ، قَالَ:
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةٍ قَوْم، فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ))،
(١) مكرّر.

٣٥٠
البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
قَالَ: وَهَزَمَهُمُ اللهُ ◌َ، وَوَقَعَتْ فِي سَهْمِ دَخْيَةَ جَارِيَةٌ جَمِيلَةٌ، فَاشْتَرَاهَا رَسُولُ اللهِ وَهـ
بِسَبْعَةِ أَرْؤُسِ، ثُمَّ دَفَعَهَا إِلَى أُمَّ سُلَيْم، تُصَنَّعُهَا لَهُ، وَتُهَيِّئُهَا، قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: وَتَعْتَدُّ
فِي بَيْتِهَا، وَهِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُبَيٍّ، قَالَ: وَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ وَلِيمَتَهَا النَّمْرَ، وَالأَقِطَ،
وَالسَّمْنَ، فُحِصَتِ الأَرْضُ أَفَاحِيصَ، وَجِيءَ بِالأَنْطَاعِ، فَوُضِعَتْ فِيهَا، وَجِيءَ بِالأَقِطِ،
وَالسَّمْنِ، فَشَبِعَ النَّاسُ، قَالَ: وَقَالَ النَّاسُ: لَا نَدْرِي أَتَزَوَّجَهَا، أَمَ اتَّخَذَهَا أُمَّ وَلَدٍ؟
قَالُوا: إِنْ حَجَبَهَا فَهْيَ امْرَأَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَحْجُبْهَا فَهْيَ أُمُّ وَلَدٍ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَبَ
حَجَبَهَا، فَقَعَدَتْ عَلَى عَجُزِ الْبَعِيرِ، فَعَرَفُوا أَنَّهُ قَدْ تَزَوَّجَهَا، فَلَمَّا دَنَوْا مِنَ الْمَدِينَةِ، دَفَعَ
رَسُولُ اللهِ، وَدَفَعْنَا، قَالَ: فَعَثَرَتِ النَّاقَةُ الْعَضْبَاءُ، وَنَدَرَ رَسُولُ اللهِنَّهِ، وَنَدَرَتْ،
فَقَامَ، فَسَتَرَهَا، وَقَدْ أَشْرَفَتِ النِّسَاءُ، فَقُلْنَ: أَبْعَدَ اللهُ الْيَهُودِيَّةَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ
أَوَقَعَ رَسُولُ اللهِنَّهِ؟ قَالَ: إِي وَاللهِ لَقَدْ وَقَعَ. قَالَ أَنَسُ: وَشَهِدْتُ وَلِيمَةَ زَيْنَبَ، فَأَشْبَعَ
النَّاسَ خُبْزاً وَلَحْماً، وَكَانَ يَبْعَثُنِي فَأَدْعُو النَّاسَ، فَلَمَّا فَرَغَ قَامَ، وَتَبِعْتُهُ، فَتَخَلَّفَ رَجُلَانِ،
اسْتَأْنَسَ بِهِمَا الْحَدِيثُ، لَمْ يَخْرُجَا، فَجَعَلَ يَمُرُّ عَلَى نِسَائِهِ، فَيُسَلِّمُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ
مِنْهُنَّ: ((سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، كَيْفَ أَنْتُمْ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ؟))، فَيَقُولُونَ: بِخَيْرِ يَا رَسُولَ اللهِ،
كَيْفَ وَجَدْتَ أَهْلَكَ؟ فَيَقُولُ: ((بِخَيْرِ))، فَلَمَّا فَرَغَ رَجَعَ، وَرَجَعْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا بَلَغَ الْبَابَ،
إِذَا هُوَ بِالرَّجُلَيْنِ قَدِ اسْتَأْنَسَ بِهِمَا الْحَدِيثُ، فَلَمَّا رَأَيَاهُ قَدْ رَجَعَ قَامَا، فَخَرَجًا، فَوَ اللهِ مَا
أَدْرِي أَنَا أَخْبَرْتُهُ، أَمْ أَنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ بِأَنَّهُمَا قَدْ خَرَجَا؟ فَرَجَعَ، وَرَجَعْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا
وَضَعَ رِجْلَهُ فِي أُسْكُفَّةِ الْبَابِ، أَرْخَى الْحِجَابَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَأَنْزَّلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ
الآيَةَ: ﴿لَا نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٥٣]).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَقَّانُ) بن مسلم بن عبد الله الباهليّ، أبو عثمان الصفّار البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ، قال ابن المدينيّ: كان إذا شك في حرف من الحديث تركه، ورُبّما
وَهِم، من كبار [١٠] (ت٢٢٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤٤/٦.
٢ - (حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار البصريّ، أبو سلمة، ثقةٌ عابدٌ أثبت الناس
في ثابت، وتغير حفظه بأخرة، من كبار [٨] (١٦٧) (خت م ٤) تقدم في
((المقدمة)) ٦/ ٨٠.

٣٥١
(١٥) - بَابُ فَضِيلَةِ إِعْتَاقِهِ أَمَتَهُ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا - حديث رقم (٣٥٠٠)
والباقون ذُكروا في الباب والباب الماضي.
وقوله: (حِينَ بَزَغَتِ الشَّمْسُ)؛ أي: طلعت، يقال: بزغت الشمس تبزُغ،
من باب قعد: طلعت.
وقوله: (وَقَدْ أَخْرَجُوا مَوَاشِيَهُمَ) جمع ماشية، وهي الإبل، والبقر،
والغنم.
وقوله: (وَخَرَجُوا بِقُؤُوسِهِمْ، وَمَكَاتِلِهِمْ، وَمُرُورِهِمْ) أما الفؤوس - فبهمزة
ممدودة -، على وزن فُعُول: جمع فأس بالهمز، وهي معروفة، و((المكاتل)):
جمع مِكْتَل، وهو: القُفّة، والزِّنبيل، و((المرور)): جمع مَرّ، - بفتح الميم -،
وهو معروف، نحو الْمِجْرفة، وأكبر منها، يقال لها: المساحي، هذا هو
الصحيح في معناه، وحَكَى القاضي عياض قولين: أحدهما هذا، والثاني:
المراد بالمرور هنا: الحبال، كانوا يصعدون بها إلى النخيل، قال: واحدها
مَرّ، - بفتح الميم، وكسرها -؛ لأنه يُمَرّ حين يُفتَلُ، قاله النوويّ(١).
وقوله: (وَهَزَمَهُمُ اللهُ مََّ) من باب ضرب؛ أي: كسر الله شوكتهم، فولّوا
مدبرین .
وقوله: (فَاشْتَرَاهَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِسَبْعَةِ أَرْؤُسٍ) قال في ((الفتح)): إطلاق
الشراء على هذا على سبيل المجاز، وليس في قوله: ((سبعة أرؤس)) ما ينافي قوله
في الرواية الماضية: ((خذ جارية))؛ إذ ليس هنا دلالة على نفي الزيادة. انتهى.
وقال أيضاً: قال السهيليّ: لا معارضة بين هذه الأخبار، فإنه وسلّ أخذها
من دحية قبل القسم، والذي عوّضه عنها ليس على سبيل البيع، بل على سبيل
النفل، وتعقّبه الحافظ، فقال: قلت: وقع في رواية حماد بن سلمة، عن ثابت،
عن أنس، عند مسلم أن صفية وقعت في سهم دحية، وعنده أيضاً فيه،
فاشتراها من دحية بسبعة أرؤس، فالأولى في طريق الجمع أن المراد بسهمه هنا
نصيبه الذي اختاره لنفسه، وذلك أنه سأل النبيّ وَ ﴿ أن يعطيه جارية، فأَذِن له
أن يأخذ جارية، فأخذ صفية، فلما قيل للنبيّ وَّ: إنها بنت ملك من ملوكهم،
ظهر له أنها ليست ممن توهب لدحية؛ لكثرة من كان في الصحابة مثل دحية،
(١) ((شرح النوويّ)) ٩/ ٢٢٣، ٢٢٤.

٣٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
وفوقه، وقلة من كان في السبي مثل صفية في نفاستها، فلو خصّه بها لأمكن تغير
خاطر بعضهم، فكان من المصلحة العامة ارتجاعها منه، واختصاص النبيّ وَلاقه
بها، فإن في ذلك رضا الجميع، وليس ذلك من الرجوع في الهبة من شيء، وأما
إطلاق الشراء على العوض، فعلى سبيل المجاز، ولعله عوّضه عنها بنت عمها،
أو بنت عم زوجها، فلم تطب نفسه، فأعطاه من جملة السبي زيادة على ذلك.
وعند ابن سعد من طريق سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس،
وأصله في مسلم: ((صارت صفية لدحية، فجعلوا يمدحونها، فبعث
رسول الله وَّه، فأعطى بها دحية ما رضي)). انتهى(١).
وقوله: (تُصَنِّعُهَا لَهُ، وَتُهَيِّئُهَا)؛ أي: تزيّنها وتجمّلها على عادة العروس
بما ليس بمنهي عنه من وشم، ووصل، وغير ذلك من المنهيّ عنه.
وقال القرطبيّ تَُّهُ: قوله: ((حتى إذا كانت بالطريق جهّزَتْها له أُمُّ سُلَيم،
وأهدتها له من الليل))؛ يعني: طريقَ رجوعه من خيبر إلى المدينة، كما جاء في
الرواية الأخرى مفَسَّراً. وكان بين سبائها، وبين دخول النبيّ وَّ بها زمان
أسلمت فيه، واستُبرأت، وأُصلح حالها فيه، ثم دخل بها بَعْدُ، ولذلك قال
أنس في الرواية الأخرى: ((ثم دفعها لأُمِّ تُصَنِّعُها، وتُهَيُِّهَا، وتعتَدُّ في بيتها))؛
يعني: في بيت أم أَنس. انتهى (٢).
وقوله: (قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ) الظاهر أن فاعل ((قال)) الأول ضمير ثابت،
والثاني ضمير أنس، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَتَعْتَدُّ فِي بَيْتِهَا) معناه: تستبرىء بحيضة في بيت أم سُليم.
وقوله: (فُحِصَتِ الأَرْضُ أَفَاحِيصَ) - بضم الفاء، وكسر الحاء المهملة
المخففة -؛ أي: كُشف التراب من أعلاها، وحُفرت شيئاً يسيراً؛ ليُجعل
الأنطاع في المحفور، ويصبّ فيها السمن، فيثبت، ولا يخرج من جوانبها،
وأصل الفحص الكشف، وفَحَص عن الأمر، من باب نفع، وفَحَص الطائر
لبيضه، والأفاحيص جمع أُفْحوص، قاله النوويّ(٣).
(١) ((الفتح)) ٧/ ٤٧٠.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٢٢٤/٩.
(٢) ((المفهم)) ١٤١/٤، ١٤٢.

٣٥٣
(١٥) - بَابُ فَضِيلَةِ إِعْتَاقِهِ أَمَتَهُ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا - حديث رقم (٣٥٠٠)
وقال القرطبيّ: قوله: ((فُحِصَتِ الأرض أفاحيص))؛ أي: كُشفت عما
يمنع القعود عليها من حجارةٍ، وعُشب، وغير ذلك، وسوِّيت حتى خَلَص إلى
التراب، ومنه: مَفْحَص القطاة، وهو: الموضع الذي تتخذه لبيضها، وواحد
الأفاحيص: أُفْحوص. انتهى(١).
وقوله: (قَالَ) أنس (وَقَالَ النَّاسُ: لَا نَدْرِي أَتَزَوَّجَهَا ... إلخ) فيه الفرق بين
الحرّة والأمة في لزوم الحجاب، فإنه واجب على الحرّة دون الأمة.
وقال القرطبيّ: وقولهم: ((إن حَجَبَها فهي امرأته، وان لم يحجبها فهي أم
ولد)) هذا يدل على أنه ﴿ ما كان أبان لهم أمرها، ولا أشهدهم على
تزويجها، فيكون فيه دليل على جواز عقد النكاح من غير إشهاد، وبه قال
الزهريّ، ومالك، وأهل المدينة، وأبو ثور، وجماعة من السَّلف. وذهب
آخرون: إلى أنَّه لا يجوز إلا بشاهدي عدل. وهو قول جماعة من الصّحابة،
والثوريّ، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد. وقال أبو حنيفة مثله، إلا أنه لا
يشترط العدد. واتفق الجميع على أنه شرطٌ في الدُّخول.
وعلى هذا فيكون دخوله وَله بصفيّة من غير إشهادٍ من خصائصه.
ولم يختلف أحدٌ من العلماء في أن كل نكاح استُسِرَّ به، وليس فيه
شاهدان أنَّه نكاح السرّ المنهيّ عنه، ويُفسخ أبداً.
واختلفوا فيما إذا استسرَّ مع الشاهد، فذهب الجمهور إلى أنه ليس بنكاح
سرِّ، ولا يُفسخ، وهو عند مالك نكاح سرِّ، ويُفسخ. انتهى(٢).
وقوله: (دَفَعَ رَسُولُ اللهِ ◌ِّهِ، وَدَفَعْنَا)؛ أي: أجرينا، ورفعنا السير إلى
غايته .
وقوله: (فَعَثَرَتِ) - بفتح العين المهملة -، من باب نصر، وضرب،
وعلم، وكرُم؛ أي: كبا، وسقط.
وقوله: (الْعَضْبَاءُ) يقال: عَضِبَتِ الشاة، والناقة عَضَباً، من باب تَعِبَ:
إذا شُقّ أذنها، فالذكر أَعْضَبُ، والأنثى عَضْبَاءُ، مثل أحمر وحمراء، ويعدّى
(١) ((المفهم)) ٤/ ١٤٣.
(٢) ((المفهم)) ١٤٤/٤، ١٤٥.

٣٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
بالألف، فيقال: أَعْضَبْتُهَا، وكانت ناقة النبيّ وَّهِ تُلَقْب العضباءَ؛ لنجابتها، لا
لشقّ أذنها، قاله الفيّوميّ(١).
وقوله: (وَنَدَرَ رَسُولُ اللهِ وَ لِّ) بالنون، من باب قعد؛ أي: سقط، وأصل
الندور الخروج، والانفراد، ومنه: كلمة نادرة؛ أي: فردة عن النظائر، قاله
النوويّ(٢).
وقال القرطبيّ: قوله: ((ونَدَرَ رسول الله وَلّ ... إلخ))؛ أي: صُرع،
وصُرعتْ؛ كما جاء في الرواية مفسَّراً، وأصل النُّدور: الخروج. ومنه: نوادر
الكلام، والنَّادر من النَّاس: الخارج عنهم بما فيه من الزيادة عليهم، وكون
النَّاس امتنعوا من النظر إليهما إنما كان ذلك احتراماً وإجلالاً أن يقع بصرٌ على
عورة منهما، فإنه قد كان انكشف منهما ما يستر، ألا ترى قوله: ((فسترها)).
وقوله: (وَقَدْ أَشْرَفَتِ النِّسَاءُ)؛ أي: اطّلعن.
وقوله: (فَقُلن: أَبْعَدَ اللهُ الْيَهُودِيَّةَ) إنما حملهنّ على هذا القول شدّة
الغيرة؛ لأنها كانت جميلة، فخفن أن ينحاز رسول الله وصل إليها، والله تعالى
أعلم.
وقوله: (أَوَقَعَ رَسُولُ اللهِ وَلّهِ؟)؛ أي: سقط من الناقة.
وقوله: (قَالَ أَنَسرٌ) هذا موصول بالسند السابق، وليس معلّقاً، وإنما أتى
به بياناً لمشروعيّة الوليمة على نكاح الحرّة، كما بيّن مشروعيّته عند نكاح الأمة
المعتقة بحديث صفيّة
[تنبيه]: ذكرُ أنس ◌َُّه قصّة وليمة زينب ﴿يا هذا سيأتي مستوفى الشرح
في الباب التالي - إن شاء الله تعالى -.
وقوله: (اسْتَأْنَسَ بِهِمَا الْحَدِيثُ)؛ أي: استلذّ، وطاب بالرجلين التحدّث
بینھما .
وقوله: (يَمُرُّ عَلَى نِسَائِهِ)؛ أي: على حُجَرهنّ.
وقوله: (فَيُسَلِّمُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ: ((سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ... إلخ) قال
النوويّ ◌َثّثهُ: في هذه القطعة فوائد:
(١) ((المصباح المنير)) ٤١٤/٢.
(٢) «شرح النوويّ)) ٢٢٥/٩.

٣٥٥
(١٥) - بَابُ فَضِيلَةِ إِعْتَاقِهِ أَمَتَهُ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا - حديث رقم (٣٥٠٠)
منها: أنه يُستحب للإنسان إذا أتى منزله أن يسلّم على امرأته، وأهله،
وهذا مما يتكبر عنه كثير من الجاهلين المترفعين.
ومنها: أنه إذا سلّم على واحد قال: سلام عليكم، أو السلام عليكم،
بصيغة الجمع، قالوا: ليتناوله ومَلَکیه.
ومنها: سؤال الرجل أهله عن حالهم، فربما كانت في نفس المرأة
حاجة، فتستحي أن تبتدئ بها، فإذا سألها انبسطت لذكر حاجتها.
ومنها: أنه يستحب أن يقال للرجل عقب دخوله: كيف حالك؟ ونحو
هذا. انتهى(١).
وقوله: (كَيْفَ أَنْتُمْ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ؟)))؛ أي: كيف حالكم؛ لأن ((كيف))
يسأل بها عن الحال.
وقوله: (بِخَيْرٍ يَا رَسُولَ اللهِ)؛ أي: نحن على خير، فالباء بمعنى ((على)).
وقوله: (إِذَا هُوَ بِالرَّجُلَيْنِ ... إلخ) اللذين تقدّم ذكرهما؛ لأن النكرة إذا
أعيدت معرفة، فهي عين الأول، و((إذا)) هي: الفجائيّة.
وقوله: (فِي أُسْكُفَّةِ الْبَابِ) بهمزة قطع مضمومة، وبإسكان السين؛ أي:
خشبة الباب التي يوطأ عليها، وهي العَتَبة، والساكف أعلاه الذي يدور فيه
الصائر، قاله المجد.
وقوله: (أَرْخَى الْحِجَابَ)؛ أي: سدله، وأطلقه.
وقوله: (وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ) وقوله: (﴿لَا نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَِّّ إِلَّ
أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾) بدل، أو عطف بيان لـ((هذه الآية)).
ثم إن كون هذه الآية هي المرادة هنا هو الذي اتّفق عليه الرواة،
وخالفهم عمرو بن عليّ الفلّاس، عن معتمر، فقال: فأُنزلت: ﴿لَا تَدْخُلُواْ
بُيُوتًا غَرَ بُوتِكُمْ حَّى تَسْتَأْنِسُواْ﴾ الآية النور: ٢٧]، أخرجه الإسماعيليّ،
وأشار إلى شذوذه، فقال: جاء بآية غير الآية التي ذكرها الجماعة(٢)، والله
تعالى أعلم.
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٢٥/٩.
(٢) ((الكوكب الوهّاج)) ٣٤٠/١٥.

٣٥٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٣٥٠١] (١٣٦٥ (١)) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ،
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ ثَابِثٍ، عَنْ أَنَسٍ (ح) وَحَدَّثَنِي بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمِ بْنِ حَيَّنَ
- وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ،
قَالَ: صَارَتْ صَفِيَّةُ لِدَحْيَةَ فِي مَقْسَمِهِ، وَجَعَلُوا يَمْدَحُونَهَا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَه
قَالَ: وَيَقُولُونَ: مَا رَأَيْنَا فِي السَّبْي مِثْلَهَا، قَالَ: فَبَعَثَ إِلَى دِحْيَةَ، فَأَعْطَاهُ بِهَا مَا
أَرَادَ، ثُمَّ دَفَعَهَا إِلَى أُمِّي، فَقَالَ: (أَصْلِحِيهَا))، قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ مِنْ
خَيْبَرَ، حَتَّى إِذَا جَعَلَهَا فِي ظَهْرِهِ، نَزَلَ، ثُمَّ ضَرَبَ عَلَيْهَا الْقُبَّةَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ
رَسُولُ اللهِوَِّ: (مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ زَادٍ، فَلْيَأْتِنَا بِهِ))، قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ
بِفَضْلِ التَّمْرِ، وَفَضْلِ السَّوِيقِ، حَتَّى جَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ سَوَاداً حَيْساً، فَجَعَلُوا بَأْكُلُونَ
مِنْ ذَلِكَ الْحَيْسِ، وَيَشْرَبُونَ مِنْ حِيَاضٍ إِلَى جَنْبِهِمْ، مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ، قَالَ: فَقَالَ
أَنَسٌ: فَكَانَتْ تِلْكَ وَلِيمَةَ رَسُولِ اللهِ وَهِ عَلَيْهَا، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا، حَتَّى إِذَا رَأَيْنَا
جُدُرَ الْمَدِينَةِ، هَشِشْنَا إِلَيْهَا، فَرَفَعْنَا مَطِيَّنَا، وَرَفَعَ رَسُولُ اللهِوَّهِ مَطِيَّتَهُ، قَالَ:
وَصَفِيَّةُ خَلْفَهُ، قَدْ أَرْدَفَهَا رَسُولُ اللهِ. قَالَ: فَعَثَرَتْ مَطِيَّةُ رَسُولِ اللهِ لَِّ،
فَصُرِعَ، وَصُرِعَتْ، قَالَ: فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَلَا إِلَيْهَا، حَتَّى قَامَ
رَسُولُ اللهِ وَّةِ، فَسَتَرَهَا، قَالَ: فَأَتَيْنَاهُ، فَقَالَ: ((لَمْ نُضَرَّ))، قَالَ: فَدَخَلْنَا الْمَدِينَةَ،
فَخَرَجَ جَوَارِي نِسَائِهِ يَتَرَاءَيْنَهَا، وَيَشْمَتْنَ بِصَرْعَتِهَا).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (شَبَابَةُ) بن سَوّار المدائنيّ، أصله من خُراسان، يقال: كان اسمه
مروان مولى بني فَزارة، ثقةٌ حافظٌ، رُمي بالإرجاء [٩] (ت ٤ أو ٥ أو ٢٠٦)
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٤٠.
٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) الَقَيسيّ مولاهم البصريّ، أبو سعيد، ثقةٌ ثقةٌ،
قاله يحيى بن معين [٧] (ت ١٦٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١١/٣.
(١) مكرّر.
-

٣٥٧
(١٥) - بَابُ فَضِيلَةِ إِعْتَاقِهِ أَمَتَهُ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا - حديث رقم (٣٥٠١)
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِم بْنِ حَيَّانَ) بتحتانية - الْعَبديّ، أبو عبد الرحمن
الطُّوسيّ، سكن نيسابور، ثقةٌ صاحب حديث، من صغار [١٠] مات سنة بضع
(٢٥٠) (م) تقدم في ((الإيمان)) ١١٢/٣.
٤ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَميّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد
المائتين، وقيل: قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٢/٣.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (صَارَتْ صَفِيَّةُ لِدَحْيَةَ فِي مَقْسَمِهِ)؛ أي: في نصيبه الذي أخذه من
الغنيمة بإذن النبيّ ◌َلّر بأخذها.
وقوله: (حَتَّى إِذَا جَعَلَهَا فِي ظَهْرِهِ)؛ أي: ترك خيبر وراء ظهره، متوجهاً
على المدينة.
وقوله: (ثُمَّ ضَرَبَ عَلَيْهَا الْقُبَّةَ) - بضمّ القاف، وتشديد الموحّدة - من
البنيان معروف، وتُطلق على البيت المدوّر، وهو معروف عن التركمان،
والأكراد، وجمعه قِباب، مثلُ بُرمة وبِرام، أفاده الفيّوميّ(١).
وقوله: (سَوَاداً حَيْساً) قال النوويّ كَّلُ: السواد - بفتح السين -، وأصل
السواد الشخص، ومنه في حديث الإسراء: ((رأى آدم عن يمينه أسودة، وعن
يساره أسودة))؛ أي: أشخاصاً، والمراد هنا: حتى جعلوا من ذلك كُوماً
شاخصاً مرتفعاً، فخلطوه، وجعلوا حَيْساً. انتهى (٢).
فقوله: ((حَيْساً)) بدل من ((سواداً)).
وقوله: (مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ)؛ أي: ماء المطر.
وقوله: (هَشِشْنَا إِلَيْهَا) قال النوويّ تَخْتُهُ: هكذا هو في النسخ: ((هَشّنا)) -
بفتح الهاء، وتشديد الشين المعجمة، ثم نون -، وفي بعضها ((هَشِشنا)) - بشينين
الأولى مكسورة، مخففة-، ومعناهما نَشِطنا، وخَفَقْنا، وانبعثت نفوسنا إليها، يقال
منه: هَشِشت - بكسر الشين في الماضي، وفتحها في المضارع -، وذكر القاضي
الروايتين السابقتين، قال: والرواية الأولى على الإدغام؛ لالتقاء المثلين، وهي
لغة من قال: هَزّتُ سيفي، وهي لغة بكر بن وائل، قال: ورواه بعضهم ((هِشْنا)) -
(١) راجع: ((المصباح)) ٢/ ٤٨٧.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢٢٦/٩.

٣٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
بكسر الهاء، وإسكان الشين -، وهو من هاش يهيش، بمعنى هَشّ. انتهى(١).
وقوله: ( ((فَرَفَعْنَا مَطِيَّنَا ... إلخ)؛ أي: أجرينا، ورفعنا السير إلى غايته.
و((المطيّ)) فَعيل بمعنى مفعول، قال الفيّومِيّ ◌َخْذُ: المَطَا وزانُ العصا:
الظهرُ، ومنه قيل للبعير: مَطِيَّةٌ فعيلة بمعنى مفعولة؛ لأنه يُركب مَطَاهُ، ذكراً كان
أو أنثى، ويُجمع على مَطِيٍّ، ومَطَايَا، ويثنى مَطَوَيْنِ. انتهى(٢).
وقوله: (فَصُرِعَ، وَصُرِعَتْ) بالبناء للمفعول؛ أي: سقطت وَّه، وسقطت
هُنا .
صفية
وقوله: (فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَلَا إِلَيْهَا) هذا أدب من
تجاه النبيّ بَّه، وإنما امتنعوا من النظر إليهما؛ احتراماً، وإجلالاً
الصحابة
أن يقع بصر أحدهم على عورة منهما، فإنه قد انكشف منهما ما يُستر، كما
قال: ((حَتَّى قَامَ رَسُولُ اللهِ وََّ، فَسَتَرَهَا)).
وقوله: ((لَمْ نُضَرَّ))؛ أي: لم يصبنا ضرر، قاله إزالة لما غشيهم من
التخوّف عليهما، وتسكيناً لنفرتهم، وتطبيباً لقلوبهم(٣).
وقوله: (يَتَرَاءَيْنَهَا)؛ أي: ينظرن، ويتشوّفن إليها .
وقوله: (وَيَشْمَتْنَ بِصَرْعَتِهَا) قال القرطبيّ: كأنهنّ سُرون بذلك، وهذا فعلٌ
يتضمّنه طباع الضرائر، ومن يتعصّب لهنّ(٤)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اُلْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(١٦) - (بَابُ زِوَاجِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ◌َّا، وَنُزُولِ الْحِجَابِ،
وَإِثْبَاتٍ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظْلَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٣٥٠٢] (١٤٢٨) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ (ح)
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَا جَمِيعاً: حَدَّثَنَا
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٢٦/٩.
(٣) ((المفهم)) ١٤٤/٤.
(٢) ((المصباح المنير)) ٥٧٥/٢.
(٤) ((المفهم)) ١٤٤/٤.

٣٥٩
(١٦) - بَابُ زِوَاجِ زَبْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ﴿ُّ، وَنُزُولِ الْحِجَابِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٥٠٢)
سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، وَهَذَا حَدِيثُ بَهْزِ، قَالَ: لَمَّا انْقَضَتْ
عِدَّةُ زَيْتَبَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ لِزَيْدٍ: ((فَاذْكُرْهَا عَلَيَّ))، قَالَ: فَانْطَلَقَ زَيْدٌ حَتَّى
أَتَاهَا، وَهْيَ تُخَمِّرُ عَجِينَهَا، قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُهَا عَظُمَتْ فِي صَدْرِي، حَتَّى مَا أَسْتَطِيعُ
أَنْ أَنْظُرَ إِلَيْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ ذَكَرَهَا، فَوَلَّيْتُهَا ظَهْرِي، وَنَكَصْتُ عَلَى عَقِي،
فَقُلْتُ: يَا زَيْنَبُ أَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَذْكُرُكِ، قَالَتْ: مَا أَنَا بِصَانِعَةٍ شَيْئاً، حَتَّى
أُوَامِرَ رَبِّي، فَقَامَتْ إِلَى مَسْجِدِهَا، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ، وَجَاءَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ، فَدَخَلَ
عَلَيْهَا بِغَيْرٍ إِذْنٍ. قَالَ: فَقَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ أَطْعَمَنَا الْخُبْزَ،
وَاللَّحْمَ، حِينَ امْتَذَّ النَّهَارُ، فَخَرَجَ النَّاسُ، وَبَقِيَ رِجَالٌ، يَتَحَدَّثُونَ فِي الْبَيْتِ بَعْدَ
الطَّعَامِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ، وَاتَّبَعْتُهُ، فَجَعَلَ يَتَتَبَّعُ حُجَرَ نِسَائِهِ، يُسَلِّمُ عَلَيْهِنَّ،
وَيَقُلْنَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ وَجَدْتَ أَهْلَكَ؟ قَالَ: فَمَا أَدْرِي أَنَا أَخْبَرْتُهُ أَنَّ الْقَوْمَ
خَرَجُوا، أَوْ أَخْبَرَنِي؟ قَالَ: فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ، فَذَهَبْتُ أَدْخُلُ مَعَهُ، فَأَلْقَى
السِّتْرَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَنَزَلَ الْحِجَابُ، قَالَ: وَوُعِظَ الْقَوْمُ بِمَا وُعِظُوا بِهِ. زَادَ ابْنُ
رَافِعٍ فِي حَدِيثِهِ: ﴿لَا نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَارٍ غَيْرَ نَظِرِينَ
إِنَنهُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحِىء مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ) البغداديّ السَّمِين، صدوقٌ ربما وَهِم،
وكان فاضلاً [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (مد) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٤.
٢ - (أَبُوِ النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم) بن مسلم الليثيّ مولاهم البغداديّ،
مشهور بكنيته، ولقبه قيصر، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢٠٧) وله ثلاث وسبعون سنةً
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٦/٦.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَس) بن مالك ◌َظُه، وقوله: (وَهَذَا حَدِيثُ بَهْزِ)؛ أي: الآتي لفظ
حديث بهز بن أسد، وأما حديث أبي النضر، فهو بمعناه، لا بلفظه (قَالَ)
أنس بنظُبه (لَمَّا انْقَضَتْ)؛ أي: انتهت (عِدَّةُ زَيْنَبَ) بنت جحش ◌َّا من طلاق

٣٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
زيد بن حارثة ظه، وهي زينب بنت جحش بن رئاب بن يَعْمَر بن صَبْرة بن
مرّة بن كَبير بن غَنْم بن دُودان بن أسد بن خُزيمة الأسديّة، أم المؤمنين. وأمّها
أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله صل﴾(١). زوّجها رسول الله وَ ﴾ زيد بن
حارثة ربه، وأصدقها عشرة دنانير وستين درهماً، وخماراً، وملحفةً، ودرعاً،
وخمسين مُدّاً من طعام، وعشرة أمداد من تمر. قاله مقاتل بن حيّان، فمكثت
عنده قريباً من سنة، أو فوقها، ثم وقع بينهما، فجاء زيد يشكوها إلى
رسول الله وَه، فجعل رسول الله وَّه يقول له: ﴿أَمْسِكِ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَأَتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِى
فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَنَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧](٢).
[فائدة]: ذكر المفسّرون أقوالاً في المراد بقوله تعالى: ﴿وَتُخْفِى فِى
نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ﴾ الآية، والأصحّ أنه إخبار الله تعالى نبيّه ◌َّ أنها ستصير
زوجته .
أخرج ابن أبي حاتم، من طريق السدّيّ، قال: ((بلغنا أن هذه الآية نزلت
في زينب بنت جحش، وكانت أمها أُميمة بنت عبد المطّلب، عمة
رسول الله ، وكان رسول الله هل أراد أن يزوّجها زيد بن حارثة مولاه،
فكرهت ذلك، ثم إنها رضيت بما صنع رسول الله بَلّر، فزوّجها إياه، ثم
أعلم الله نبيّه ◌َ ﴿ بعدُ أنها من أزواجه، فكان يستحيي أن يأمر بطلاقها، وكان
لا يزال يكون بين زيد وزينب ما يكون بين الناس، فأمره رسول الله وَالقر أن
يُمسك عليه زوجه، وأن يتّقي الله، وكان يخشى الناس أن يَعيبوا عليه،
ويقولوا: تزوّج امرأة ابنه، وكان قد تبنّى زيداً)).
وعنده من طريق عليّ بن زيد بن جُدعان، عن عليّ بن الحسين بن عليّ،
قال: أعلم الله نبيّه وَل﴿ أن زينب ستكون من أزواجه قبل أن يتزوّجها، فلما أتاه
زيد يشكوها إليه، وقال له: ((اتق الله، وأمسك عليك زوجك))، قال الله: قد
أخبرتك أني مزوّجكها، وتُخفي في نفسك ما الله مبدیه.
قال الحافظ تَّتُهُ: وقد أطنب الترمذيّ الحكيم في تحسين هذه الرواية،
(١) ((تهذيب الكمال)) ١٨٤/٣٥.
(٢) راجع: ((تفسير ابن كثير)) ٤٩٩/٣، ((تفسير سورة الأحزاب)).