Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
(١٤) - بَابُ كَمْ أَصْدَقَ النَّبِيّ ◌َِّ لَأَزْوَاجِهِ؟ ... إلخ - حديث رقم (٣٤٩٤)
٦ - (أَحْمَدُ بْنُ خِرَاشِ) هو: أحمد بن الحسن بن خِرَاش، أبو جعفر
البغداديّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٤٢ (م ت) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٠/٤٢.
٧ - (شَبَابَةُ) بن سوّار المدائنيّ، تقدّم قريباً.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية أبي داود الطيالسيّ، عن شعبة، ساقها أبو داود تَخّلُهُ نفسه
في ((مسنده)) ٢٨٤/١ :
(٢١٢٨) - حدّثنا أبو داود، قال: حدّثنا شعبة، قال: أخبرني حميد،
سمع أنساً قال: تزوج عبد الرحمن بن عوف، على نواة من ذهب، فقال
رسول الله وَل: ((أَوْلِم ولو بشاة)). انتهى.
ورواية وهب، عن شعبة، ساقها أبو نعيم تَُّ في ((مستخرجه)) ٩١/٤
فقال :
(٣٣٢٤) - أنبأ عبد الله بن جعفر، ثنا يونس بن حبيب، ثنا أبو داود، ثنا
شعبة، أخبرني حميد، أنه سمع أنساً (ح) وثنا أبو محمد بن حيان، ثنا
هارون بن عبد الله، ثنا وهب بن جرير، ثنا شعبة، عن حميد الطويل، سمعت
أنساً، قال. قال عبد الرحمن بن عوف: تزوجت امرأة من الأنصار على وزن
نواة من ذهب، أو وزن نواة، فأتيت رسول الله وَ ◌ّر، فرأى عليّ ثياب العُرْس،
فقال: ((تزوجتَ؟))، قلت: نعم من الأنصار، قال: ((أولم بشاة)).
لفظُ وهب بن جریر. انتهى.
وأما رواية شباية بن سوّار، عن شعبة، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٩٤] (.) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَا:
أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، قَالَ :
سَمِعْتُ أَنَسأَ يَقُولُ: قَالَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: رَآنِي رَسُولُ اللهِلَّهِ، وَعَلَيَّ
بَشَاشَةُ الْعُرْسِ، فَقُلْتُ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: ((كَمْ أَصْدَقْتَهَا؟»،
فَقُلْتُ: نَوَاةً، وَفِي حَدِيثٍ إِسْحَاقَ: مِنْ ذَهَبٍ).

٣٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ) بن إسماعيل السلميّ البخاريّ، نزيل مرو، ثقة(١)
[١١] من أفراد المصنّف تقدّم في ((الصيام)) ٢٧٥٤/٣٩.
٢ - (النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ) المازنيّ، أبو الحسن البصريّ النحويّ، نزيل مرو،
ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت٢٠٤) وله (٨٢) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٩/٦.
٣ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) الْبُنانيّ البصريّ، ثقةٌ [٤] (ت١٣٠) (ع)
تقدم في (المقدمة)) ٣/٢.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (رَآنِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ، وَعَلَيَّ بَشَاشَةُ الْعُرْسِ) هي الفرح الذي حصل
منه، وبشاشة اللقاء: الفرح بالمرء، والانبساط إليه، والأُنس به، قال في ((العمدة)):
ويُروَى: ((فرأى النبيّ وَلِّ شيئاً يُشبه العُرْس))، قال ابن قرقول: كذا في كتاب
الأصيليّ، والقابسيّ، والنسفيّ، وبعض رواة البخاريّ، وهو تصحيف، وصوابه:
(بشاشة العُرْس)) كما لأبي ذرّ، وابن السكن، ويُروَى: ((العروس)). انتهى (٢).
وقوله: (فَقُلْتُ: تَزَوَّجْتُ إلخ) معطوف على محذوف، تقديره: ((فسألني،
فقلت إلخ))، ولفظ البخاريّ: ((فرأى النبيّ وَ ل﴿ بشاشة الْعُرس، فسأله، فقال:
إني تزوجت امرأة إلخ)).
وقوله: (وَفِي حَدِيثٍ إِسْحَاقَ: مِنْ ذَهَبٍ) بيّن به أن شيخه إسحاق ابن
راهويه زاد لفظة ((من ذهب)) بعد قوله: ((نواةً)).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٩٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
أَبِي حَمْزَةَ، قَالَ شُعْبَةُ: وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ،
أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ).
(١) قال في ((التقريب)): مقبول، والحقّ أنه ثقةٌ، فقد روى عنه جماعة، وأخرج له
مسلم، ووثقه الذهبيّ في ((الميزان)) ١٥/٤، فتنبه.
(٢) ((عمدة القاري)) ١٣٨/٢٠.

(١٤) - بَابُ كَمْ أَصْدَقَ النَّبِيّ ◌ََّ لِأَزْوَاجِهِ؟ ... إلخ - حديث رقم (٣٤٩٦)
٣٢٣
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو حَمْزَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللهِ) ويقال: ابن عبد الله،
ويقال: أبو حمزة بن أبي عبد الله كيسان، وقيل: خِدَاش، المازنيّ البصريّ،
جار شعبة، مقبول [٤].
رَوَى عن أنس، وحميد بن هلال، وصفوان بن مُحْرِز، وسليمان بن
يسار، وغيرهم.
ورَوَى عنه شعبة، ويونس الإسكاف، ذكره ابن حبان في ((الثقات))، قال
الحافظ: جزم مسلم أن عبد الرحمن بن كيسان الذي رَوَى عن شعبة(١) من
رواية وكيع عنه وهو أبو حمزة هذا.
تفرّد به المصنّف، والنسائيّ في ((عمل اليوم والليلة))، وليس له في هذا
الكتاب إلا هذا الحديث.
والباقون ذُكروا قبله، و((أبو داود)) هو: سليمان بن داود الطيالسيّ.
والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٩٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا وَهْبٌ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ،
بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ عَبْدِّ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: مِنْ ذَهَبٍ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة :
وكلّهم ذُكروا قبل حديثين، و((وهب)): هو ابن جرير بن حازم.
وقوله: (فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) قال صاحب ((التنبيه):
أولاد عبد الرحمن بن عوف: سالم الأكبر، مات قبل الإسلام، ومحمد،
وإبراهيم، وحُميد، وإسماعيل، ومَعْنٌ، وعُمر، وزيد، وعروة الأكبر، وسالم
الأصغر، وأبو بكر، وعبد الله، وأبو سلمة، وعبد الرحمن، وسُهيل، وعثمان،
وعروة، ويحيى، وبلالٌ. قاله ابن الجوزيّ. انتهى(٢).
(١) هكذا نسخة: ((التهذيب))، ولعله: ((روى عنه شعبة))، فليُحرّر.
(٢) ((تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم)) (ص ٢٣٧).

٣٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
قال الجامع عفا الله عنه: لم أجد مَنْ بيَّن القائل من هؤلاء، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أَنِبٌ﴾ .
(١٥) - (بَابُ فَضِيلَةٍ إِعْتَاقِهِ أَمَتَهُ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٣٤٩٧] (١٣٦٥ (١)) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -
يَعْنِي: ابْنَ عُلَيَّةَ - عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلِ غَزَا خَيْبَرَ،
قَالَ: فَصَلَّيْنَا عِنْدَهَا صَلَاةَ الْغَدَاةِ، بِغَلَسٍ، فَرَكِبَ نَبِيُّ اللهِ وَهَ، وَرَكِبَ أَبُو طَلْحَةَ،
وَأَنَا رَدِيفُ أَبِي طَلْحَةَ، فَأَجْرَى نَبِيُّ اللهِ وَهِ فِي زُقَاقٍ خَيْبَرَ، وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ
فَخِذَ نَبِيِّ اللهِ وَهِ، وَانْحَسَرَ الإِزَارُ عَنْ فَخِذٍ نَبِيِّ اللهِ وَّهِ، فَإِنِّي لأَرَى بَيَاضَ فَخِذِ
نَبِيِّ اللهِ وَّهِ، فَلَمَّا دَخَلَ الْقَرْيَةَ قَالَ: ((اللهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا
بِسَاحَةٍ قَوْم، فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ))، قَالَهَا ثَلَاثَ مَزَّاتٍ، قَالَ: وَقَدْ خَرَجَ الْقَوْمُ
إِلَى أَعْمَالِهِمْ، فَقَالُوا: مُحَمَّدٌ وَاللهِ، قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا:
مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ، قَالَ: وَأَصَبْنَاهَا عَنْوَةً، وَجُمِعَ السَّبيُ، فَجَاءَهُ دِخْيَةُ، فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللهِ، أَعْطِنِي جَارِيَةً مِنَ السَّبْي، فَقَالَ: ((اذْهَبْ، فَخُذْ جَارِيَةً))، فَأَخَذَ صَفِيَّةً
بِنْتَ حُبِّيٍّ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى نَبِيِّ اللهِ وَهِ، فَقَالَ: يَا نَبِيِّ اللّهِ أَعْطَيْتَ دِحْيَةَ صَفِيَّةَ
بِنْتَ حُبَيٍّ، سَيِّدٍ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ، مَا تَصْلُحُ إِلَّا لَكَ، قَالَ: ((ادْعُوهُ بِهَا))، قَالَ:
فَجَاءَ بِهَا، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ ◌َهِ قَالَ: ((خُذْ جَارِيَةً مِنَ السَّبْ غَيْرَهَا))، قَالَ:
وَأَعْتَقَهَا، وَتَزَوَّجَهَا. فَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ: يَا أَبَا حَمْزَةَ مَا أَصْدَقَهَا؟ قَالَ: نَفْسَهَا،
أَعْتَقَهَا، وَتَزَوَّجَهَا، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالطَّرِيقِ جَهَّزَتْهَا لَهُ أُمُّ سُلَيْمٍ، فَأَهْدَتْهَا لَهُ مِنَ
اللَّيْلِ، فَأَصْبَحَ النَّبِيُّ وَلَ عَرُوساً، فَقَالَ: ((مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيَجِئْ بِهِ))، قَالَ:
وَبَسَطَ نِطَعاً، قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالأَقِطِ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالتَّمْرِ،
(١) مكرّر.

٣٢٥
(١٥) - بَابُ فَضِيلَةِ إِعْتَاقِهِ أَمَتَهُ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا - حديث رقم (٣٤٩٧)
وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالسَّمْنِ، فَحَاسُوا حَيْساً، فَكَانَتْ وَلِيمَةَ رَسُولِ اللهِ وََّ) .
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) تقدّم قريباً.
٣ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ) بن صُهيب البنانيّ، تقدّم قبل حديث.
٤ - (أَنَسُ) بن مالك رؤيته، ذُكر في الحديث الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف نَّثُهُ، وهو (٢٢٩) من رباعيّات الكتاب، وأنه
مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فبغداديّ، وفيه أنس ظُه من المكثرين السبعة،
روی (٢٢٨٦) حديثاً .
شرح الحديث:
. (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ غَزَا خَيْبَرَ) بوزن جعفر: مدينة كبيرة
(عَنْ أَنَسٍ)
ذات حصون، ومزارع على ثمانية بُرُد من المدينة إلى جهة الشام، وكانت
غزوتها في المحرّم سنة سبع من الهجرة، قاله في ((الفتح)) (١)، وقال في
((العمدة)): خيبر بلغة اليهود حصن، وقيل: أول ما سكن فيها رجل من بني
إسرائيل، يسمى خيبر، فسُمّيت به، وهي بلد عترة في جهة الشمال، والشرق
من المدينة النبويّة، على ستة مراحل، وكان بها نخيل كثير، وكانت في صدر
الإسلام داراً لبني قريظة والنضير، وكانت غزوة خيبر في جمادى الأولى سنة
سبع من الهجرة، قاله ابن سعد، وقال ابن إسحاق: أقام رسول الله وَلو بعد
رجوعه من الحديبية ذا الحجة، وبعض المحرم، وخرج في بقيته غازياً إلى
خيبر، ولم يبق من السنة السادسة إلا شهر وأيام، وهو غير منصرف للعلمية
والتأنيث. انتهى(٢).
وسيأتي تمام البحث في هذا في ((كتاب الجهاد)) - إن شاء الله تعالى -
(قَالَ) أنس (فَصَلَّيْنَا عِنْدَهَا)؛ أي: خارجاً منها (صَلَاةَ الْغَدَاةِ) قال النوويّ: فيه
(١) ((الفتح)) ٢٩٥/٩.
(٢) ((عمدة القاري)) ٨٤/٤.

٣٢٦
=
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
دليل على أنه لا كراهة في تسمية الصبح الغداة، وقال بعض أصحابنا: يكره،
والصواب الأول. انتهى(١).
(بِغَلَسٍ) بفتحتين: ظلمة آخر الليل، وفي رواية للبخاريّ من طريق حميد
الطويل، عن أنس ربه: ((أن رسول الله وَل﴿ أتى خيبر ليلاً، وكان إذا أتى قوماً
بليل، لم يقربهم حتى يُصبح ... )) الحديث. وفي رواية بلفظ: ((إذا غزا لم يغزُ
بنا حتى يُصبح، وينظر، فإن سمع أذاناً كفّ عنهم، وإلا أغار، قال: فخرجنا
إلى خيبر، فانتهينا إليهم ليلاً، فلما أصبح، ولم يسمع أذاناً ركب ... )). وحكى
الواقديّ أن أهل خيبر سمعوا بقصده لهم، فكانوا يخرجون في كلّ يوم
متسلّحين، مستعدّين، فلا يرون أحداً، حتى إذا كانت الليلة التي قدِمَ فيها
المسلمون ناموا، فلم تتحرّك لهم دابّةٌ، ولم يَصِحْ لهم ديك، وخرجوا
بالمساحي، طالبين مزارعهم، فوجدوا المسلمين. قاله في ((الفتح)).
وذكر ابن إسحاق أنه نزل بوادٍ يقال له: الرجيع، بينهم وبين غَطَفَان؛ لئلا
يُمِدُّوهم، وكانوا حُلفاءهم، قال: فبلغني أن غطفان تجهّزوا، وقصدوا خيبر،
فسمعوا حسّاً خلفهم، فظنّوا أن المسلمين خلفوهم في ذراريّهم، فرجعوا،
فأقاموا، وخذلوا أهل خيبر.
(فَرَكِبَ نَبِيُّ اللهِ وَّهِ، وَرَكِبَ أَبُو طَلْحَةَ) زيد بن سهل الأنصاريّ، شَهِد
العقبة، والمشاهد كلّها، وهو أحد النقباء، رُوي له اثنان وتسعون حديثاً، رَوى
له البخاري منها ثلاثة، مات سنة اثنتين، أو أربع وثلاثين بالمدينة، أو بالشام،
أو في البحر، وكان أنس ربيبه.
(وَ) الحال (أَنَا رَدِيفُ) بفتح الراء، وكسر الدال؛ أي: راكب خلف (أَبِي
طَلْحَةَ) فيه جواز الإرداف، وقد كثرت الأحاديث الصحيحة بمثله، ومحله ما إذا
كانت الدابة مطيقة (فَأَجْرَى) من الإجراء (نَبِيُّ اللهِ وَّ﴾)؛ أي: مركوبه، وعن
أنس ظُبه قال: ((كان رسول الله وَله يوم قريظة والنضير على حمار، ويوم خيبر
عل حمار مخطوم برَسَن لِيف، وتحته إكاف من ليف))، رواه البيهقيّ،
والترمذيّ، وقال: وهو ضعيف، وقال ابن كثير: والذي ثبت في ((الصحيح))
(١) (شرح النوويّ)) ٢١٨/٩، ٢١٩.

٣٢٧
(١٥) - بَابُ فَضِيلَةِ إِعْتَاقِهِ أَمَتَهُ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا - حديث رقم (٣٤٩٧)
عند البخاريّ عن أنس: ((أن رسول الله ◌َلهم أجرى في زقاق خيبر حتى انحسر
الإزار عن فخذه))، فالظاهر أنه كان يومئذ على فرس، لا على حمار، ولعل
هذا الحديث إن كان صحيحاً فهو محمول على أنه ركبه في بعض الأيام، وهو
محاصرها. انتهى(١).
وقال النوويّ: فيه دليل لجواز إجراء الخيل، وأنه لا يُسقط المروءة، ولا
يُخِلّ بمراتب أهل الفضل، لا سيما عند الحاجة للقتال، أو رياضة الدابة، أو
تدريب النفس، ومعاناة أسباب الشجاعة. انتهى(٢).
(فِي زُقَاقٍ خَيْبَرَ) بضم الزاي، وبالقافين، وهو السّكّة، يُذَكَّر، ويؤنث،
والجمع أزقة، وزُقّان، بضم الزاي، وتشديد القاف، وبالنون، وفي ((الصحاح)):
قال الأخفش: أهل الحجاز يؤنثون الطريق، والصراط، والسبيل، والسوق،
والزقاق، وبنو تميم يذكّرون هذا كلَّه، والجمع الزّقّان والأَزِقّة، مثل حُوار
وحُوران، وأَحورة. انتهى.
وقوله: (وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ) بفتح الميم، وضمّها، يقال: مَسِسته، من باب
تَعِبَ، وفي لغة مَسَسْتُهُ مَسّاً، من باب قَتَلَ: إذا أفضيت إليه من غير حائل.
أفاده في ((المصباح)).
(فَخِذَ نَبِيِّ اللهِ نَّهِ) جملة حاليّة، و((الفخد)) فيه أربع لغات: فتح الفاء،
وكسر الخاء، وتسكينها مع الفتح، والكسر، الرابعة كسر الفاء إتباعاً للخاء،
وقد تقدّم هذا غير مرّة (وَانْحَسَرَ)؛ أي: انكشف (الإِزَارُ عَنْ فَخِذٍ نَبِيِّ اللهِ وََّ)
هكذا وقع في رواية مسلم بلفظ: ((انحسر))، وكذا هو أحمد، والطبراني، وقع
في رواية البخاري بلفظ: ((ثم إنه حسر))، قال الحافظ: والصواب أنه عنده بفتح
المهملتين، ويدل على ذلك تعليقه الماضي في أوائل الباب، حيث قال: ((وقال
أنس: حسر النبيّ وٍَّ﴾))، وضبطه بعضهم بضم أوله، وكسر ثانيه، على البناء
للمفعول بدليل رواية مسلم: فانحسر، وليس ذلك بمستقيم؛ إذ لا يلزم من
وقوعه كذلك في رواية مسلم أن لا يقع عند البخاري على خلافه، ويكفي في
(١) ((عمدة القاري)) ٤/ ٨٤.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢١٩/٩.

٣٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
كونه عند البخاريّ بفتحتين ما تقدم من التعليق. انتهى (١).
(فَإِنِّي لأَرَی بیَاضَ فَخِذٍ نَِيّ اللهِ ێ) فیہ أن الفخذ ليس بعورة؛ إذ لو كان
عورة لما كشفه النبيّ وَل﴿، قال القرطبيّ: حديث أنس، وما معه إنما ورد في
قضايا معينة، في أوقات مخصوصة يتطرق إليها من احتمال الخصوصية، أو
البقاء على أصل الإباحة ما لا يتطرق إلى حديث جرهد(٢)، وما معه؛ لأنه
يتضمن إعطاء حكم كليّ، وإظهار شرع عام، فكان العمل به أولى. انتهى.
وقال النوويّ: ذهب أكثر العلماء إلى أن الفخذ عورة، وعن أحمد،
ومالك في رواية: العورة: القبل والدبر فقط، وبه قال أهل الظاهر، وابن
جرير، والإصطخريّ، قال الحافظ: في ثبوت ذلك عن ابن جرير نظر، فقد
ذكر المسألة في ((تهذيبه))، وردّ على من زعم أن الفخذ ليست بعورة.
ومما احتجوا به قول أنس في هذا الحديث: ((وإن ركبتي لتمس فخذ
نبيّ الله ◌َّ))؛ إذ ظاهره أن المس كان بدون الحائل، ومس العورة بدون حائل
لا يجوز، وعلى رواية مسلم، ومن تابعه في أن الإزار لم ينكشف بقصد منه وله
يمكن الاستدلال على أن الفخذ ليست بعورة من جهة استمراره على ذلك؛ لأنه
وإن جاز وقوعه من غير قصد، لكن لو كانت عورةً لم يُقَرّ على ذلك؛ لمكان
عصمته وَل﴾، ولو فُرض أن ذلك وقع لبيان التشريع لغير المختار، لكان ممكناً،
لكن فيه نظر من جهة أنه كان يتعين حينئذ البيان عقبه، كما في قضية السهو في
الصلاة، وسياقه عند أبي عوانة، والجوزقيّ من طريق عبد الوارث، عن
عبد العزيز ظاهر في استمرار ذلك، ولفظه: ((فأجرى رسول الله وَ ل﴿ في زقاق
خيبر، وإن ركبتي لتمسّ فخذ نبي الله وَّ ﴾، وإني لأرى بياض فخذيه)). انتهى(٣).
(١) ((الفتح)) ٨٦/٢.
(٢) أراد به ما أخرجه أحمد، والترمذيّ، وحسّنه، وصححه ابن حبّان عن زرعة بن
مسلم بن جرهد، عن جدّه جرهد، قال: مرّ بي رسول الله وَلغيره، وأنا في المسجد،
وعليّ بردة، وقد انكشفت فخذي، فقال النبيّ وَ﴾: ((غطّ فخذك، يا جرهد، فإن
الفخذ عورة».
(٣) ((الفتح)) ٨٦/٢، ٨٧.

٣٢٩
(١٥) - بَابُ فَضِيلَةِ إِعْتَاقِهِ أَمَتَهُ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا - حديث رقم (٣٤٩٧)
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الأرجح في هذه المسألة كون الفخذ
عورةً؛ لحديث جرهد، فإنه نصّ صريح في ذلك، وأما حديث أنس نظافته، وإن
كان أقوى صحّة، كما قال البخاريّ: ((حديث أنس أسند، وحديث جرهد
أحوط))، إلا أن الأولى هو الأخذ بحديث جرهد. والله تعالى أعلم.
(فَلَمَّا دَخَلَ) النبيّ وََّ (الْقَرْيَةَ)؛ يعني: خيبر، وهذا مشعر بأن ذلك
الزقاق كان خارج القرية (قَالَ) وَلِّ ((اللهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ) في رواية
للبخاريّ: فرفع يديه، وقال: ((الله أكبر خربت خيبر))، قال السهيليّ: يؤخذ من
هذا الحديث التفاؤل؛ لأنه ◌َّ* لما رأى آلات الهدم - مع أن لفظ الْمِسْحاة من
سَحَوتُ: إذا قشرتَ - أخذ منه أن مدينتهم ستخرب. انتهى.
ويَحْتَمِل أن يكون قال: ((خربت خيبر)) بطريق الوحي، ويؤيّده قوله بعد
ذلك: ((إنا إذا نزلنا ... إلخ)). قاله في ((الفتح)).
وقال العينيّ: قوله: ((خربت خيبر)): أي: صارت خراباً، وهل ذلك على
سبيل الخبرية، فيكون ذلك من باب الإخبار بالغيب، أو يكون ذلك على جهة
الدعاء عليهم، أو على جهة التفاؤل لَمّا رآهم خرجوا بمساحيهم، ومكاتلهم،
وذلك من آلات الحراث، والهدم؟ ويجوز أن يكون أخذاً من اسمها، وقيل:
إن الله تعالى أعلمه بذلك. انتهى (١).
وقال النوويّ: فيه دليل الاستحباب الذكر، والتكبير عند الحرب، وهو
موافق لقول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةٌ فَأَثْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ
كَثِيرًا﴾ الآية [الأنفال: ٤٥]، ولهذا قالها ثلاث مرات، ويؤخذ منه أن الثلاث
کثیر.
وأما قوله وَّه: ((خربت خيبر)) فذكروا فيه وجهين: أحدهما: أنه دعاء،
تقديره: أسأل الله خرابها، والثاني: أنه إخبار بخرابها على الكفار، وفتحها
للمسلمین. انتھی(٢).
(إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةٍ قَوْم) قال الجوهريّ: ساحة الدار: ناحيتها، والجمع
ساحات، وسُوٌ، وساحٌ أيَّضاً، مثل بَدَنة وبُدْن، وخَشَبة وخشب، قال
(١) ((عمدة القاري)) ٨٥/٤.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢١٩/٩.

٣٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
العينيّ ◌َُّهُ: على هذا أصل ساحة سَوَحة، قُلبت الواو ألفاً؛ لتحركها، وانفتاح
ما قبلها، وأصل الساحة: الفضاء بين المنازل، ويُطلق على الناحية، والجهة،
والبناء. انتهى(١).
وقال الفيّوميّ: ساحة الدار: الموضع المتّسع أمامها، والجمع ساحات،
وسَاحٌ، مثلُ ساعة وساعات، وساعٍ. انتهى.
(فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ)))؛ أي: بئس صباح الذين أُنذروا بالعذاب،
والمخصوص بالذمّ محذوف؛ أي: صباحهم، وخصّ الصباح بالذِّكر؛ لأن
العذاب كان يأتيهم فيه(٢). (قَالَهَا)؛ أي: قال ◌َّهِ هذه الجملة (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ)
تأكيداً للوقوع (قَالَ) أنس (وَقَدْ خَرَجَ الْقَوْمُ إِلَى أَعْمَالِهِمْ) قال الكرمانيّ: أي:
مواضع أعمالهم، وقال العينيّ: بل معناه: خرج القوم لأعمالهم التي كانوا
يعملونها، وكلمة ((إلى)) تأتي بمعنى اللام(٣).
(فَقَالُوا)؛ أي: القوم الذين خرجوا إلى أعمالهم لمّا رأوا النبيّ وَّل،
وأصحابه (مُحَمَّدٌ وَاللهِ)؛ أي: جاء محمد، فارتفاعه على أنه فاعل لفعل
محذوف، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذا محمد (قَالَ
عَبْدُ الْعَزِيزِ) بن صُهيب الراوي عن أنس ◌َظُتِهِ، وقوله: (وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا)
هذا يدلّ على أنه لم يسمع من أنس هذه اللفظة، بل سمع منه: ((فقالوا:
محمد))، وسمع من بعض أصحابه عنه: ((والخميس))، ووقع في رواية أبي
عوانة، والجوزقيّ: ((فقالوا: محمد والخميس)) من غير تفصيل، فدلت هذه
الرواية على أن في رواية عبد الوارث إدراجاً، وكذا وقع لحماد بن زيد عن
عبد العزيز، وثابت، عند البخاريّ في آخر ((صلاة الخوف)).
قال الحافظ: وبعض أصحاب عبد العزيز يَحْتَمِل أن يكون محمد بن
سيرين، فقد أخرجه البخاريّ من طريقه، أو ثابتاً البنانيّ، فقد أخرجه مسلم من
طريقه. انتهى (٤).
(١) ((عمدة القاري)) ٨٥/٤.
(٢) ((فتح القدير)) للشوكانيّ تَهُ ٢٢٤/٦.
(٣) ((عمدة القاري)) ٨٥/٤.
(٤) ((الفتح)) ٢/ ٨٧.

٣٣١
(١٥) - بَابُ فَضِيلَةِ إِعْتَاقِهِ أَمَتَهُ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا - حديث رقم (٣٤٩٧)
وقال في ((العمدة)): هذه رواية عن المجهول؛ إذ لم يُعَيّن هذا البعض من
هو؟ ثم ما ذكره الحافظ من الاحتمالات، ثم تعقّبه بقوله: قلت: يَحتمل أن
يكون غيرهما، فعلى كل حال لا يخرج عن الجهالة، والحاصل أن عبد العزيز
قال: سمعت من أنس: ((قالوا: جاء محمد)) فقط، وقال بعض أصحابه:
((قالوا: محمد، والخميس)).
(مُحَمَّدٌ)؛ أي: جاء محمد، أو هذا محمد (وَالْخَمِيسُ) بالرفع عطفاً على
محمد، ويَحْتَمل النصب - إن صحّت به الرواية - على أنه مفعول معه، كما قال
في ((الخلاصة)):
فِي نَحْوِ ((سِيرِي وَالطَّرِيقَ مُسْرِعَهْ))
يُنْصَبُ تَالِي الْوَاوِ مَفْعُولاً مَعَهْ
ذَا النَّصْبُ لَا بِالْوَاوِ فِي الْقَوْلِ الأَحَقّ
بِمَا مِنَ الْفِعْلِ وَشِبْهِهِ سَبَقْ
زاد في رواية البخاريّ: ((يعني الجيش))، قال في ((الفتح)): قوله: ((يعني
الجيش)) تفسير من عبد العزيز، أو ممن دونه، وأدرجها عبد الوارث في روايته
أيضاً، وسُمّي خميساً؛ لأنه خمسة أقسام: مقدمة، وساقة، وقلب، وجناحان،
وقيل: من تخميس الغنيمة، وتعقبه الأزهريّ بأن التخميس إنما ثبت بالشرع، وقد
كان أهل الجاهلية يسمون الجيش خميساً، فبان أن القول الأول أولى. انتهى.
وقال في ((العمدة)): قوله: ((والخميس)) بفتح الخاء، وسمّي الجيش
خميساً؛ لأنه خمسة أقسام: مقدمة، وساقة، وقلب، وجناحان، ويقال: ميمنة،
وميسرة، وقلب، وجناحان، وقال ابن سيده: لأنه يُخَمّس ما وجده، وقال
الأزهريّ: الخُمس إنما ثبت بالشرع، وكانت الجاهلية يسمّونه بذلك، ولم
يكونوا يعرفون الخمس، ثم ارتفاع الخميس بكونه عطفاً على محمد، ويجوز أن
تكون الواو فيه بمعنى ((مع))، على معنى: جاء محمد مع الجيش. انتهى(١).
وقال في ((اللسان)): و((الخميس)): الجيش. وقيل: الجيش الْجَرّار.
وقيل: الجيشُ الْخَشِنُ. وقال في ((المحكم)): الجيش يَخْمِسُ ما وجَدَه، وسمّي
بذلك؛ لأنهم خمسُ فِرَق: المقدّمة، والقلب، والميمنة، والميسرة، والساقة،
ألا ترى إلى قول الشاعر:
(١) ((عمدة القاري)) ٤/ ٨٥.

٣٣٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
قَدْ يَضْرِبُ الْجَيْشَ الْخَمِيسَ الأَزْوَرَا
فجعله صفة. انتهى(١).
(قَالَ) أنس (وَأَصَبْنَاهَا)؛ أي: فتحنا خيبر (عَنْوَةً) بفتح العين، وهو القهر،
يقال: أخذته عنوةً؛ أي: قهراً، وقيل: أخذته عنوة؛ أي: عن غير طاعة، وقال
ثعلب: أخذت الشيء عنوة؛ أي: قهراً في عنف، وأخذته عنوة؛ أي: صلحاً
في رفق.
وقال ابن الأثير: هو من عنا يعنو: إذا ذلّ وَخَضَعَ، والْعَنْوَةُ: المرّة
الواحدة منه، كأن المأخوذ بها يَخْضَعُ ويَذِلُّ. وأُخِذت البلاد عَنْوَةً بالقهر
والإذلال(٢).
وقال ابن الأعرابيّ: عنا يَعنُو: إذا أخذ الشيء قهراً، وعنا يَعنُو عَنْوةً
فيهما: إذا أخذ الشيء صُلحاً بإكرام ورِفْقٍ. والْعَنْوةُ أيضاً المودّةُ. وقال
الأزهريّ: قولهم: أخذتُ الشيءَ عَنْوةً يكون غلبةً، ويكون عن تسليم وطاعةٍ
ممن يُؤخذ منه الشيءُ، وأنشد الفرّاء لِكُثَيِّر [من الطويل]:
فَمَا أَخَذُوهَا عَنْوَةً عَنْ مَوَدَّةِ
وَلَكِنَّ ضَرْبَ الْمَشْرَفِيِّ اسْتَقَالَهَا
فَهذا على معنى التسليم والطاعة بلا قتال. ذكره ابن منظور(٣).
وقال ابن التين: ويجوز أن يكون عن تسليم من أهلها، وطاعة بلا قتال،
ونقله عن القزاز في ((جامعه))، فحينئذ يكون هذا اللفظ من الأضداد، وقال أبو
عمر: الصحيح في أرض خيبر كلها عنوة. انتهى (٤).
وقال في ((الفتح): وقد اختلف في فتح خيبر، هل كان عنوةً، أو صلحاً،
وفي حديث عبد العزيز بن صُهيب، عن أنس ◌ُه التصريح بأنه كان عَنوةً، وبه
جزم ابن عبد البرّ، وردّ على من قال: فُتحت صلحاً، قال: وإنما دخلت الشبهة
على من قال: فُتحت صُلحاً بالحصنين اللذين أسلمهما أهلهما لحَقْن دمائهم،
وهو ضربٌ من الصلح، لكن لم يقع ذلك إلا بحصار، وقتال. انتهى.
قال الحافظ: والذي يظهر أن الشبهة في ذلك قول ابن عمر رضيها: ((إن
(١) ((لسان العرب)) ٦/ ٧٠.
(٣) ((لسان العرب)) ١٥/ ١٠١.
(٢) ((النهاية)) ٣١٥/٣.
(٤) ((عمدة القاري)) ٨٥/٤.

٣٣٣
(١٥) - بَابُ فَضِيلَةِ إِعْتَاقِهِ أَمَتَهُ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا - حديث رقم (٣٤٩٧)
النبيّ وَلّ قاتل أهل خيبر، فغلب على النخل، وألجأهم إلى القصر، فصالحوه
على أن يُجلوا منها، وله الصفراء، والبيضاء، والحلقة، ولهم ما حملت
ركابهم، على أن لا يكتموا، ولا يُغيّبوا ... )) الحديث، وفي آخره: ((فسبَى
نساءهم، وذراريّهم، وقسّم أموالهم؛ للنكث الذي نكثوا، وأراد أن يُجلیھم،
فقالوا: دَعْنَا في هذه الأرض نُصلحها ... )) الحديث. أخرجه أبو داود،
والبيهقيّ، وغيرهما. وكذلك أخرجه أبو الأسود في ((المغازي)) عن عروة.
فعلى هذا كان قد وقع الصلح، ثم حدث النقض منهم، فزال أثر الصلح، ثمّ
منّ عليهم بترك القتل، وإبقائهم عُمّالاً بالأرض، ليس لهم فيها ملكٌ، ولذلك
أجلاهم عمر رُه، فلو كانوا صُولحوا على أرضهم لم يُجْلَوا منها. والله
أعلم.
قال: وقد احتجّ الطحاويّ على أن بعضها فُتح صلحاً بما أخرجه هو وأبو
داود من طريق بُشَير بن يسار: ((أن النبيّ وَّ لَمّا قسم خيبر، عزل نصفها
النوائبه، وقسم نصفها بين المسلمين))، وهو حديث اختلف في وصله وإرساله،
وهو ظاهر في أن بعضها فُتح صُلحاً. والله أعلم. انتهى ما في ((الفتح)) بتصرّف
يسير(١).
وقال ابن المنذر: اختلفوا في فتح خيبر، كانت عنوة، أو صلحاً، أو
جلاء أهلها عنها بغير قتال، أو بعضها صلحاً، وبعضها عنوةً، وبعضها جلاء
أهلها عنها. قال: وهذا هو الصحيح، وبهذا أيضاً يندفع التضادّ بين الآثار.
ذكره العينيّ(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر: من أن بعضها
فتح قهراً، وبعضها فتح صلحاً، وبعضها أجلي أهلها عنها هو الحقّ؛ جمعاً بين
الأحاديث، وأما ردّ ابن عبد البرّ بأن أنساً صرّح بأن خيبر فُتحت عنوةً، فلا
وجه له؛ لأن ((العنوة)) ــ كما تقدّم في كلام أهل اللغة - تُطلق على القهر
والغلبة، وعلى الصلح، من الأضداد، فلا دلالة لها على ما قاله، بل الحقّ أن
(١) ((الفتح)) ٢٥٥/٨، ٢٥٦، كتاب ((المغازي)).
(٢) ((عمدة القاري)) ٣٢٦/٣.

٣٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
الآثار المختلفة في هذا الباب تدلّ دلالةً واضحة فيما صححه ابن المنذر
رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم.
(وَجُمِعَ السَّبْيُ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: جمع الجيش ما سَبَوْهُ من أهل
خیبر، حتی یُقسم بینھم.
و ((السَّبْيُ)) - بفتح، فسكون -: هو في الأصل مصدر، وُصف به؛ أي:
القوم الْمَسْبِيِّين. قال الفيّوميّ: سَبَيتُ العدوّ سَبْياً، من باب رمى، والاسم
السِّبَاء، وزان كتاب، والقصر لغةٌ، وأسبيتهُ مثله، فالغلام سَبِيٍّ، ومَسْبيٌّ،
والجارية سَبِيّةٌ، ومَسْبيّةٌ، وجمعها سَبَايا، مثلُ عطيّة وعطايا، وقَومٌ سَبْيٌّ، وَصْفٌ
بالمصدر. قال الأصمعيّ: لا يقال للقوم إلا كذلك. انتهى(١).
(فَجَاءَهُ دِحْيَةُ) - بفتح الدال، وكسرها - ابن خليفة بن فَرْوة الكلبيّ
الصحابيّ، وكان أجمل الناس وجهاً، وكان جبريل؛ يأتي رسول الله وَّةٍ في
صورته، قال ابن سعد: أسلم قديماً، ولم يشهد بدراً، وشَهِد المشاهد، وبقي
إلى خلافة معاوية، وكان رسول النبيّ وَل﴿ إلى قيصر، قال الواقديّ: لقيه
بحمص في المحرّم سنة سبع. وقال بعضهم: سكن دمشق، وكان منزله بقرية
الْبَّه .
الْمِزَّة. ومات في خلافة معاوية
(فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْطِنِي جَارِيَةً مِنَ السَّبْي، فَقَالَ) وَِ («اذْهَبْ، فَخُذْ
جَارِيَةً))) قال في ((الفتح)): يَحْتَمِل أن يكون إذنه وَّ له في أخذ الجارية على
سبيل التنفيل له، إما من أصل الغنيمة، أو من خمس الخمس، بعد أن مُيِّز، أو
قبلُ على أن تُحسب منه إذا مُيِّز، أو أذن له في أخذها؛ لتقوّم عليه بعد ذلك،
وتُحسب من سهمه. انتهى(٢).
وقال الكرمانيّ: فإن قلت: كيف جاز للرسول وَل إعطاؤها لدحية قبل
القسمة؟ .
قلت: صفي المغنم لرسول الله وَلّ، فله أن يعطيه لمن شاء.
وتعقّبه العينيّ، فقال: هذا غير مقنع؛ لأنه قال له ذلك قبل أن يُعَيِّن
الصفيّ، وههنا أجوبة جيدة.
(١) ((المصباح المنير)) ٢٦٥/١.
(٢) ((الفتح)) ٨٧/٢.

٣٣٥
(١٥) - بَابُ فَضِيلَةِ إِعْتَاقِهِ أَمَتَهُ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا - حديث رقم (٣٤٩٧)
الأول: يجوز أن يكون أذن له في أخذ الجارية على سبيل التنفيل له، إما
من أصل الغنيمة، أو من خمس الخمس، سواء كان قبل التمييز أو بعده.
الثاني: يجوز أن يكون أذن له على أنه يحسب من الخمس إذا ميز.
الثالث: يجوز أن يكون أذن له ليقوّم عليه بعد ذلك ويحسب من سهمه.
(١)
انتھی
(فَأَخَذَ صَفِيَّةَ) بفتح الصاد المهملة (بِنْتَ حُبَيٍّ) بضم الحاء المهملة،
وكسرها، وفتح الياء الأولى المخففة، وتشديد الثانية - ابن أخطب بن سَعْية -
بفتح السين المهملة، وسكون العين المهملة، وفتح الياء - ابن سفلة بن ثعلبة
وهي من بنات هارون؛ وأمها برة بنت سموأل، قال الواقديّ: ماتت في خلافة
معاوية سنة خمسين، وقال غيره: ماتت في خلافة عليّ ◌َظُبه سنة ست وثلاثين،
ودُفنت بالبقيع، وكانت تحت كنانة بن أبي الْحُقيق - بضم الحاء المهملة، وفتح
القاف الأولی - قُتل يوم خيبر.
وقال النوويّ دَخَُّهُ: وأما صفية فالصحيح أن هذا كان اسمها قبل السبي،
وقيل: كان اسمها زينب، فسُمّيت بعد السبي والاصطفاء صفية. انتهى(٢).
(فَجَاءَ رَجُلٌ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه (إِلَى نَبِيِّ اللهِ وَّهِ، فَقَالَ:
يَا نَبِيِّ اللهِ أَعْطَيْتَ دِحْيَةَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُبَيٍّ، سَيِّدِ قُرَيْظَةَ) بجرّ ((سيّد)) بدلاً، أو
عطف بيان لـ((حُييّ))، و((قُريظة)) بضم القاف، وفتح الراء، وسكون الياء،
وبالظاء المعجمة (وَالنَّضِيرِ) بفتح النون، وكسر الضاد المعجمة، وهما قبيلتان
عظيمتان، من يهود خيبر، وقد دخلوا في العرب على نسبهم إلى هارون؛ (مَا
تَصْلُحُ) بضمّ اللام، وفتحها، من باب قعد، وكَرُم، وفتح (إِلَّا لَكَ) لشرفها،
وجمالها (قَالَ) ﴿ للصحابة الحاضرين ((ادْعُوهُ بِهَا)))؛ أي: اطلبوه حتى يأتي
بتلك الجارية (قَالَ) أنس (فَجَاءَ بِهَا، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا)؛ أي: الجارية (النَّبِيُّ ◌َّل
قَالَ) لدحية ((خُذْ جَارِيَةً مِنَ السَّبْي غَيْرَهَا)))؛ أي: فإنها لي، ذكر الشافعيّ في
((الأم)) عن سِيَر الواقديّ أن النبيّ ◌َ* أعطاه أخت كنانة بن الربيع بن أبي
الْحُقيق. انتهى، وكان كنانة زوج صفية، فكأنه وَّو طيّب خاطره لمّا استرجع
(١) ((عمدة القاري)) ٨٥/٤.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢١٩/٩.

٣٣٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
منه صفية بأن أعطاه أخت زوجها، واسترجاع النبيّ وَلقر صفية منه محمول على
أنه إنما أذن له في أخذ جارية من حشو السبي، لا في أخذ أفضلهنّ، فجاز
استرجاعها منه؛ لئلا يتميز بها على باقي الجيش، مع أن فيهم من هو أفضل
منه .
ووقع في رواية لمسلم أن النبيّ وَلخير اشترى صفية منه بسبعة أرؤس،
وإطلاق الشراء على ذلك على سبيل المجاز، وليس في قوله: ((سبعة أرؤس)) ما
ينافي قوله هنا: ((خذ جارية))؛ إذ ليس هنا دلالة على نفي الزيادة، قاله في
(الفتح))(١).
وقال في ((العمدة)): فإن قلت: وقع في رواية مسلم أن النبيّ وَّر اشترى
صفية منه بسبعة أرؤس.
قلت: إطلاق الشراء على ذلك على سبيل المجاز؛ لأنه لما أخذها منه
على الوجه الذي نذكره الآن، وعوّضه عنها بسبعة أرؤس على سبيل التكرم
والفضل، أطلق الراوي الشراء عليه؛ لوجود معنى المبادلة فيه.
وأما وجه الأخذ فهو أنه لما قيل له: إنها لا تصلح له من حيث إنها من
بيت النبوة، فإنها من ولد هارون أخي موسى - عليهما الصلاة والسلام - ومن
بيت الرياسة، فإنها من بيت سيد قريظة والنضير، مع ما كانت عليه من الجمال
الباعث على كثرة النكاح المؤدية إلى كثرة النسل، وإلى جمال الولد، لا
للشهوة النفسانية، فإنه معصوم منها.
وعن المازريّ: يُحمل ما جرى مع دحية على وجهين:
،
أحدهما: أن يكون ردّ الجارية برضاه، وأذن له في غيرها.
الثاني: أنه إنما أذن له في جارية من حشو السبي، لا في أخذ أفضلهنّ،
ولما رأى أنه أخذ أنفَسهنّ، وأجودهنّ نسباً، وشرفاً، وجمالاً استرجعها؛ لئلا
يتميز دحية بها على باقي الجيش، مع أن فيهم من هو أفضل منه، فقطع هذه
المفاسد، وعوّضه عنها .
وقال القاضي: الأولى عندي أن صفية كانت فيئاً؛ لأنها كانت زوجة
(١) ((الفتح)) ٨٧/٢.

٣٣٧
(١٥) - بَابُ فَضِيلَةِ إِعْتَاقِهِ أَمَتَهُ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا - حديث رقم (٣٤٩٧)
كنانة بن الربيع، وهو وأهله من بني الْحُقيق كانوا صالحوا رسول الله وَّةٍ،
وشرط عليهم أن لا يكتموا كنزاً، فإن كتموه فلا ذمّة لهم، وسألهم عن كنز
حُيَيٍّ بن أخطب، فكتموه، فقالوا: أذهبته النفقات، ثم عَثَر عليه عندهم،
فانتقض عهدهم، فسباهم، وصفية من سبيهم، فهي فيء، لا يخمَّس، بل يفعل
فيه الإمام ما رأى.
وتعقّبه العينيّ بأن هذا تفريع على مذهبه أن الفيء لا يخمس، ومذهب
غیره أنه یخمس. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الذي قاله القاضي عياض: من أنها كانت فيئاً،
فكان أمرها إلى النبيّ وَل ﴿ أقرب، وأرجح؛ إذ به يزول ما تقدّم من الإشكال،
فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقال أبو العباس القرطبيّ - بعد ذكر نحو ما تقدّم -: وحَذَارٍ من أن يَظُنّ
جاهل برسول الله ﴿ أن الذي حمله على ذلك غلبة الشهوة النفسانيّة، وإيثار
اللذّة الجسمانيّة، فإن ذلك اعتقادٌ يجرّه جهل بحال النبيّ وَّر، وبأنه معصوم من
مثل ذلك، إذ قد أعانه الله تعالى على شيطانه، فأسلم، فلا يأمره إلا بخير،
وقد نزع الله من قلبه حظّ الشيطان، حيث شقّ قلبه، فأخرجه منه، وطهّره،
وملأه حكمة وإيماناً، وإنما الباعث له على اختيار ما اختاره من أزواجه ما
ذكرتُ لك، وما في معناه. انتهى(١).
(قَالَ) أنس (وَأَعْتَقَهَا)؛ أي: أعتق نَّ صفيّة (وَتَزَوَّجَهَا) قال عبد العزيز
(فَقَالَ لَهُ)؛ أي: لأنس (ثَابِتٌ) البنانيّ (يَا أَبَا حَمْزَةَ) كنية أنس ◌َظُته (مَا
أَصْدَقَهَا؟) ((ما)) استفهاميّة؛ أي: أيَّ شيء جعل لها صداقاً لما تزوّجها؟ (قَالَ)
أنس (نَفْسَهَا)؛ أي: جعل مهرها نفسها، ثم فسّره بقوله: (أَعْتَقَهَا، وَتَزَوَّجَهَا،
حَتَّى إِذَا كَانَ بِالطَّرِيقِ) وفي رواية في ((الصحيح)): ((فخرج بها حتى إذا بلغ سدّ
الرَّوْحاء))، و((السدّ)) بفتح السين وضمّها، وهو جبل الرَّوحاء، وهي قرية جامعة
من عمل الْفُرْع لمزينة، على نحو أربعين ميلاً من المدينة، أو نحوها.
و ((الرَّوحاء)) بفتح الراء، والحاء المهملة ممدود. وفي رواية: ((أقام عليها بطريق
(١) ((المفهم)) ١٤٠/٤.

٣٣٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
خيبر ثلاثة أيام حين أعرس بها، وكانت فيمن ضرب عليها الحجاب)). وفي
رواية: ((أقام بين خيبر والمدينة ثلاثة أيام، فبنى بصفيّة)) (جَهَّزَتْهَا لَهُ)؛ أي:
هيّئتها، وأصلحتها لأجل النبيّ وَِِّّ (أُمُّ سُلَيْم) بضم السين المهملة، وهي أم
أنس (فَأَهْدَتْهَا)؛ أي: زفّتها (لَهُ) وَ (مِنَ أَلَلَّيْلٍ)؛ أي: في الليل، فـ((من))
بمعنى ((في))، أو هي للتبعيض؛ أي: في بعض الليل. وفي رواية: ((فهدتها له))،
قيل: هو الصواب.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل الصواب جواز الوجهين، فقد قال
الفيّوميّ ◌َُّهُ: وهَدَيتُ الْعَرُوس إلى بَعْلها هِدَاءً بالكسر والمدّ، فهي هَدِيٌّ،
وهَدِيّةٌ، ويُبْنَى للمفعول، فيقال: هُدِيَتْ فهي مَهْديّةٌ، وأهديتها بالألف لغة قيس
عَيْلَانَ فهي مُهْدَاةٌ. انتهى (١).
(فَأَصْبَحَ النَّبِيُّ وَلِ عَرُوساً) العروس بالفتح: وصفٌ يستوي فيه الذكر،
والأنثى ما داما في إعراسهما، وجمع الرجل: عُرُس بضمّتين، مثل رسول
ورُسُل، وجمع المرأة: عرائس، قاله الفيّوميّ(٢).
وقال في ((العمدة)): قوله: ((عروساً)) على وزن فَعُول يستوي فيه الرجل
والمرأة، ما داما في إعراسهما، يقال: رجل عَروس، وامرأة عَروس، وجمع
الرجل عُرُس، وجمع المرأة عرائس، وفي المثل: كاد العروس أن يكون ملكاً،
والعروس اسم حصن باليمن، وقول العامة: العروس للمرأة، والعريس للرجل
ليس له أصل. انتهى(٣).
((مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ) من الطعام (فَلْيَجِئْ بِهِ))
(فَقَالَ) وَلّ للصحابة
وفي بعض النسخ: ((فليجئني به)) بالنون، وفيه دليل لوليمة العرس، وأنها بعد
الدخول، وقد سبق أنها تجوز قبله وبعده، وفيه إدلال الكبير على أصحابه،
وطلب طعامهم في نحو هذا، وفيه أنه يُستحب لأصحاب الزوج وجيرانه
مساعدته في وليمته بطعام من عندهم(٤).
(قَالَ) أنس (وَبَسَطَ نِطَعاً)؛ أي: أمر به أن يُبسط، والنطع فيه أربع لغات
(١) ((المصباح)) ٦٣٦/٢.
(٣) ((عمدة القاري)) ٨٧/٤.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٠١.
(٤) ((شرح النوويّ)) ٢٢٢/٩.

٣٣٩
(١٥) - بَابُ فَضِيلَةِ إِعْتَاقِهِ أَمَتَهُ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا - حديث رقم (٣٤٩٧)
مشهورات: فتح النون، وكسرها، مع فتح الطاء، وإسكانها، وأفصحهنّ كسر
النون، مع فتح الطاء، وجمعه نُطوع، وأنطاع(١).
(قَالَ) أنس (فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالأَقِطِ) قال الفيّومِيّ ◌َخْتُ: الأَقِطُ: قال
الأزهريّ: يُتَّخَذُ من اللبن المخيض، يُطْبَخُ، ثم يُترك، حتى يَمْصُلَ(٢)، وهو
بفتح الهمزة، وكسر القاف، وقد تسكّن القاف للتخفيف، مع فتح الهمزة،
وكسرها، مثل تخفيف كَبِدٍ، نقله الصَّغَاني عن الفَرَّاء. انتهى(٣).
(وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالتَّمْرِ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالسَّمْنِ، فَحَاسُوا حَيْساً)
الحيس هو الأقط، والتمر، والسمن، يُخلط، ويُعجن، ومعناه: جعلوا ذلك
حيساً، ثم أكلوه، قاله النوويّ(٤).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((فحاسوا)) بمهملتين؛ أي: خلطوا، والحيس
بفتح أوله: خليط السمن، والتمر، والأقط، قال الشاعر:
الثَّمْرُ وَالسَّمْنُ جَمِيعاً وَالأَقِظْ الْحَيْسُ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِظْ
وقد يختلط مع هذه الثلاثة غيرها، كالسويق. انتهى(٥).
وقال ابن سيده: الْحَيْسُ هو الأَقِطُ يُخلَط بالسمن والتمر، وحاسه حَيْساً
وحَيْسَةً: خَلَطَه، قال الشاعر [من الكامل]:
وَإِذَا تَكُونُ كَرِيهَةٌ أُدْعَى لَهَا وَإِذَا يُحَاسُ الْحَيْسُ يُدْعَى جُنْدَبُ
(فَكَانَتْ) تلك الأشياء التي جُمعت على النطع (وَلِيمَةَ رَسُولِ اللهِ وَلَّ)
بنصب ((وليمةَ)) على الخبريّة لـ((كان))، ويَحْتَمِل أن تكون ((كان)) تامّة - إن ثبت
روايةً - و((وليمة)) مرفوع على الفاعليّة؛ أي: فحصلت، ووقعت وليمة
رسول الله * بتلك الأشياء المجموعة، والله تعالى أعلم.
(١) «شرح النوويّ)) ٢٢٢/٩.
(٢) المَصْلُ مثال فَلْس: عُصارة الأقط، وهو ماؤه الذي يُعصر منه حين يطبخ، قاله ابن
السكيت. ((المصباح المنير)) ٥٧٤/٢.
(٣) ((المصباح المنير)) ١/ ١٧.
(٥) ((الفتح)) ٨٨/٢.
(٤) ((شرح النوويّ)) ٢٢٢/٩.

٣٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس ◌َُّته هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤٩٧/١٥ و٣٤٩٨] (١٣٦٥)، و(البخاريّ) في
((الصلاة)) (٣٧١)، و((الأذان)) (٦١٠)، و((صلاة الخوف)) (٩٤٧)، و((الجهاد))
(٢٩٤٤ و٢٩٩١)، و((المناقب)) (٣٦٤٧ و٤١٩٨)، و((المغازي)) (٤٢٠٠)،
و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (٢٧١/١ - ٢٧٢)، وفي ((النكاح)) (١٣١/٦ - ١٣٢)،
و((الكبرى)) (٥٥٧٦ و٥٥٧٧)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٤٦٨/٢)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٢٠٦/٣ و٢٦٣)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢١٢٧)، و(ابن سعد)
في ((الطبقات)) (١٠٨/٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٦٧/١٢ - ٣٦٨
و٤٦١/١٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٧٤٥ و٤٧٤٦)، و(أبو يعلى) في
(مسنده)) (٣٨٠٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧٩/٩)، و(البغويّ) في ((مسنده))
(٢٧٠٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز كون العتق صداقاً في النكاح، وفيه خلاف،
سيأتي تحقيقه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى - والصحيح جوازه.
٢ - (ومنها): أنه يجوز للسيّد تزويج أمته إذا أعتقها من نفسه، ولا يحتاج
إلى وليّ، ولا حاكم، وقد اختَلَف السلف، هل يزوّج الوليّ موليّته من نفسه،
أم يحتاج إلى وليّ آخر؟، فقال الأوزاعيّ، وربيعة، والثوريّ، ومالك، وأبو
حنيفة، وأكثر أصحابه، والليث: يُزوّج الوليّ نفسه، ووافقهم أبو ثور. وعن
مالك: لو قالت الثيّب لوليّها: زوّجني بمن رأيتَ، فزوّجها من نفسه، أو ممن
اختار لزمها ذلك، ولو لم تعلم عين الزوج. وقال الشافعيّ: يزوّجهما
السلطان، أو وليّ آخر مثله، أو أبعد منه، ووافقه زفرُ، وداود. وحجّتهم أن
الولاية شرط في العقد، فلا يكون الناكح مُنكحاً، كما لا يبيع من نفسه.
قال الجامع عفا الله عنه: القول بجواز تزويج المولى أمته التي أعتقها من
نفسه هو الأرجح عندي؛ لظاهر الحديث، فليُتأمّل.
٣ - (ومنها): مشروعيّة البناء في السفر.