Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ (٧) - بَابُ تَحْرِيمِ نِكَاحِ الشِّغَارِ وَبُطْلَائِهِ - حديث رقم (٣٤٦٥) يُزوّجه وليّته، والثاني: خلوّ بُضع كلّ منهما من الصداق، فمنهم من اعتبرهما معاً، حتى لا يمنع مثلاً إذا زوّج كلّ منهما الآخر بغير شرط، وإن لم يذكر الصداق، أو زوّج كلّ منهما الآخر بالشرط، وذكر الصداق. وذهب أكثر الشافعيّة إلى أن علّة النهي الاشتراك في البضع؛ لأن بضع كلّ منهما يصير مورد العقد، وجعلُ البضع صداقاً مخالفٌ لإيراد عقد النكاح، وليس المقتضي للبطلان ترك ذكر الصداق؛ لأن النكاح يصحّ بدون تسمية الصداق. واختلفوا فيما إذا لم يصرّحا بذكر البضع، فالأصحّ عندهم الصحّة، ولكن وُجد نصّ الشافعيّ على خلافه، ولفظه: إذا زوّج الرجل ابنته، أو المرأة يلي أمرها من كانت، لآخر على أن صداق كلّ واحدة بضع الأخرى، أو على أن يُنكحه الأخرى، ولم يُسمّ أحدٌ منهما لواحدة منهما صداقاً، فهذا الشعار الذي نهى عنه رسول الله وَ له، وهو منسوخٌ. هكذا ساقه البيهقيّ بإسناده الصحيح عن الشافعيّ، قال: وهو الموافق للتفسير المنقول في الحديث. واختَلَف نصّ الشافعيّ فيما إذا سمّى مع ذلك مهراً، فنصّ في ((الإملاء)) على البطلان، وظاهر نصّه في ((المختصر)) الصّحّة، وعلى ذلك اقتصر في النقل عن الشافعيّ من ينقل الخلاف من أهل المذاهب. وقال القفّال: العلّة في البطلان التعليق، والتوقيف، فكأنه يقول: لا ينعقد نكاح بنتي حتى ينعقد لي نكاح بنتك. وقال الخطّابيّ: كان ابن أبي هريرة يشبّهه برجل تزوّج امرأة، واستثنى عضواً من أعضائها، وهو مما لا خلاف في فساده، وتقرير ذلك أنه يزوّج وليّته، ويستثني بُضعها حيث يجعله صداقاً للأخرى. وقال الغزاليّ في ((الوسيط)): صورته الكاملة أن يقول: زوّجتك ابنتي على أن تزوّجني ابنتك، على أن يكون بُضع كلّ واحدة منهما صداقاً للأخرى، ومهما انعقد نكاح ابنتي انعقد نكاح ابنتك. قال الحافظ العراقيّ في ((شرح الترمذيّ)): ينبغي أن يُزاد: ولا يكون مع البضع شيء آخر، ليكون متفقاً على تحريمه في المذهب. ٢٠٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح ونقل الخِرَقيّ أن أحمد نصّ على أن علّة البطلان ترك ذكر المهر، ورجّح ابن تيميّة في ((المحرّر)) أن العلّة التشريك في البضع. وقال ابن دقيق العيد: ما نصّ عليه أحمد هو ظاهر التفسير المذكور في الحديث لقوله فيه: ولا صداق بينهما، فإنه يشعر بأن جهة الفساد ذلك، وإن كان يَحْتَمِل أن يكون ذلك ذُكر لملازمته لجهة الفساد، ثم قال: وعلى الجملة ففيه شعور بأن عدم الصداق له مدخل في النهي، ويؤيّده حديث أبي ريحانة الذي ذكره. انتهى(١). وقال العلامة ابن القيّم تَخّْتُهُ: قال الإمام أحمد: الشغار الباطل أن يزوّجه وليّته على أن يزوّجه الآخر وليّته، ولا مهر بينهما على حديث ابن عمر، فإن سمّوا مع ذلك مهراً صحّ العقد بالمسمّى عنده، وقال الخرقيّ: لا يصحّ، ولو سمّوا مهراً على حديث معاوية، وقال أبو البركات ابن تيميّة، وغيره من أصحاب أحمد: إن سمّوا مهراً، وقالوا مع ذلك: بُضع كلّ واحدة مهر الأخرى لم يصحّ، وإن لم يقولوا ذلك صحّ. واختلف في عّة النهي، فقيل: هي جعل كلّ واحد من العقدين شرطاً في الآخر، وقيل: العلّة التشريك في البضع، وجعلُ بُضع كلّ واحدة مهراً للأخرى، وهي لا تنتفع به، فلم يرجع إليها المهر، بل عاد المهر إلى الوليّ، وهو ملكه لبضع زوجته بتمليكه لبضع موليّته، وهذا ظلم لكل واحدة من المرأتين، وإخلاء لنكاحهما عن مهر تنتفع به، وهذا هو الموافق للغة العرب، فإنهم يقولون: بلدٌ شاغر من أمير، ودارٌ شاغرةٌ من أهلها: إذا خلت، وشغَرَ الكلب: إذا رفع رجله، وأخلى مكانها، فإذا سمّوا مهراً مع ذلك زال المحذور، ولم يبق إلا اشتراط كلّ واحد على الآخر شرطاً لا يؤثّر في فساد العقد، فهذا منصوص أحمد. وأما من فرّق، فقال: إن قالوا مع التسمية: إن بُضع كلّ واحدة مهرٌ للأخرى فسد؛ لأنها لم يرجع إليها مهرها، وصار بضعها لغير المستحقّ، وإن لم يقولوا ذلك صحّ، والذي يجيء على أصله أنهم متى عقدوا على ذلك، وإن (١) ((الفتح)) ٤١٠/١١ - ٤١١. ٢٠٣ (٧) - بَابُ تَحْرِيمِ نِكَاحِ الشِّغَارِ وَبُطْلَانِهِ - حديث رقم (٣٤٦٥) لم يقولوه بألسنتهم أنه لا يصحّ؛ لأن القصود في العقود معتبرةٌ، والمشروط عرفاً كالمشروط لفظاً، فيبطل العقد بشرط ذلك، والتواطئ عليه ونيّته، فإن سُمّي لكلّ واحدة مهرُ مثلها صحّ، وبهذا تظهر حكمة النهي، واتفاق الأحاديث في هذا الباب. انتهى كلام ابن القيّم ◌َذْفُهُ(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الإمام أحمد تَخْذَتُهُ أرجح؛ لأنه أقرب إلى ظاهر الحديث؛ لأن تفسير الشغار المذكور، إن كان مرفوعاً فواضحٌ، وإلا فتفسير الصحابيّ، أو الراوي أقرب؛ لأنه من أهل اللغة، وأفهم بمقاصد الشريعة. والحاصل أن الشغار لا يكون شغاراً محرّماً إلا إذا خلا عن ذكر المهر، فإن ذُكر المهر، جاز، اللَّهمّ إلا أن يترتّب عليه محظورٌ، وذلك بأن يشترط على أنه إذا حصل شقاقُ إحدى المرأتين مع زوجها، ففارقها انتزعت الأخرى قهراً بسبب ذلك، كما يُفعل في بعض البلدان، فلا يجوز؛ لإلحاق الضرر بالثانية؛ وقد صحّ عن رسول الله وَي أنه قال: ((لا ضرر، ولا ضرار))، رواه أحمد (٢). [فإن قلت]: أخرج أبو داود في ((سننه)) بإسناد صحيح، من طريق ابن إسحاق، حدّثني عبد الرحمن بن هُرْمُز الأعرج، أن العبّاس بن عبد الله بن العباس أنكح عبد الرحمن بن الحكم ابنته، وأنكحه عبد الرحمن ابنته، وكانا جعلا صداقاً، فكتب معاوية إلى مروان يأمره بالتفريق بينهما، وقال في كتابه: هذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله وَله . فقد أوضح معاوية ربه فيه أن الشغار يَشْمَل أيضاً ما سُمّي فيه المهر، قال ابن حزم تخُّهُ: فهذا معاوية بحضرة الصحابة، لا يُعرف له منهم مخالف، يَفسَخ هذا النكاح، وإن ذكرا فيه الصداق. انتهى (٣). [قلت]: هذا فهمُ معاوية ◌ُّه في حمل الشغار على ما يشمل الصورة المذكورة في هذا الحديث، وقد تقدّم أن غيره خالفه في ذلك، ففسّروا الشغار (١) ((زاد المعاد في هدي خير العباد)) ١٠٨/٥ - ١٠٩. (٢) حديث صحيح، رواه الإمام أحمد كَفُ في ((مسنده)) برقم (٢٨٦٢). (٣) ((المحلّى)) ٥١٦/٩. ٢٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح بما اشتمل على وصفين: اشتراط كل منهما على الآخر أن يزوّجه موليّته، والخلوّ من ذكر الصداق، فهذا الحمل إن كان مرفوعاً، فواضح، وإن كان موقوفاً، فالقائلون به أكثر، وأما قول ابن حزم: فهذا معاوية بحضرة الصحابة، لا يعرف له منهم مخالف إلخ، ففيه نظر لا يخفى، فمن أين له أنه قال ذلك بحضرة الصحابة؟، ومن أين عرف عدم مخالفتهم له؟، وقد تقدّم أن تفسير الشغار بما تقدّم وقع في حديث ابن عمر، وأبي هريرة، وأنس، وجابر، وأبي ريحانة ﴿، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم نكاح الشِّغَار: أجمعوا على أن نكاح الشغار لا يجوز، ولكن اختلفوا في صحّته، فالجمهور على البطلان. وفي رواية عن مالك: يُفسخ قبل الدخول، لا بعده، وحكاه ابن المنذر عن الأوزاعيّ. وذهب الحنفيّة إلى صحّته، ووجوب مهر المثل، وهو قول الزهريّ، ومكحول، والثوريّ، والليث، ورواية عن أحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وهو قول على مذهب الشافعيّ؛ لاختلاف الجهة. لكن قال الشافعيّ: إن النساء محرّمات إلا ما أحلّ الله، أو ملك یمین، فإذا ورد النهي عن نكاح تأكّد التحريم، قاله في ((الفتح))(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور من بطلان نكاح الشغار هو الحقّ؛ لما ذكره الشافعيّ تَخْلُ آنفاً، من أن الأصل في النساء التحريم، فلا يحلّ منهنّ إلا ما أحلّه الشارع، فإذا ورد نهي في نوع من النكاح، كالشغار المذكور ازداد التحريم تأكُّداً، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج دَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٤٦٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللهِ ابْنُ سَعِيدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا بَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعِ، عَن ابْنِ عُمَرَ، عَن (١) ((الفتح)) ١١ /٤١١ - ٤١٢. ٢٠٥ (٧) - بَابُ تَحْرِيمِ نِكَاحِ الشِّغَارِ وَبُطْلَائِهِ - حديث رقم (٣٤٦٧) النَّبِيِّ وَّهِ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: قُلْتُ لِنَافِعِ: مَا الشِّغَارُ؟). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) أبو قدامة السرخسي، تقدم قريباً. ٢ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر الْعُمريّ، تقدّم قبل باب. والباقون ذُكروا في الباب، وفيما قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظْتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٤٦٧] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ،عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السََّّاجِ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ وََّ نَهَى عَنِ الشِّغَارِ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ السَّرَّاجُ) هو: عبد الرحمن بن عبد الله السرّاج(١) البصريّ، ثقةٌ [٨]. رَوَى عن نافع، والزهريّ، وسعيد المقبريّ، وعطاء بن أبي رَبَاح. ورَوى عنه أيوب السختيانيّ، وهو من أقرانه، وأيوب بن خُوط، وجرير بن حازم، وجويرية ابن أسماء، وحماد بن زيد، وسعيد بن أبي عَروبة، ومعمر، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال معمر: ثنا عبد الرحمن السرّاج، وكان قد وَعَى علماً، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وذكره ابن المدينيّ في الطبقة السابعة من أصحاب نافع. تفرّد به المصنّف، والنسائيّ. والباقون ذُكروا في الباب. (١) ((السّرّاج)) بتشديد الراء: نسبة إلى عَمَل السُّروج. قاله في ((اللباب)) ٤٣٤/١. ٢٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٤٦٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ وَ قَالَ: ((لَا شِغَارَ فِي الْإِسْلَام))). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلهم تقدّموا في الباب، وقبله، و((معمرٌ)) هو: ابن راشد، و((أيوب)) هو: السختيانيّ. وقوله: (لَا شِغَارَ فِي الْإِسْلَام))) ((لا)) هي النافية للجنس، فتدلّ على أن النهي السابق في قوله: ((نَهَى عن الشغار)) محمول على عدم المشروعيّة أصلاً، قال السنديّ وَّلُ: وعليه اتفاق الفقهاء. انتهى(١). وقال القرطبيّ تَخُّْ: قوله: ((لا شِغار في الإسلام)) أي لا صحّة لعقد الشِّغار في الإسلام، وهو حجة لمن قال بفساده على كلّ حال، وهو ظاهر هذه الصيغة، كقوله: ((لا صيام لمن لم يُبيِّت الصيام))(٢)، و((لا عمل إلا بالنيّة))(٣)، ولا رجل في الدار، فإن الظاهر من هذه الصيغ نفي الصحّة، ونفي الكمال مُحْتَمِلٌ، فلا يصار إليه إلا بدليل. انتهى(٤). والحديث بهذا اللفظ من أفراد المصنّف تَّتُهُ، وأخرجه (أحمد) في («مسنده)) (٣٥/٢ و٩١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٠/٣)، و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (٨٢/٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذّثهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٤٦٩] (١٤١٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرِ، وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي الزّنَادِ، عَن الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى (١) ((شرح السنديّ على النسائيّ)) ١١١/٦. (٢) صحيح. أخرجه النسائيّ ١٩٧/٤. (٤) ((المفهم)) ٤ / ١١١. (٣) رواه البيهقيّ ٤١/١. ٢٠٧ (٧) - بَابُ تَحْرِيمِ نِكَاحِ الشِّغَارِ وَبُطْلَائِهِ - حديث رقم (٣٤٧٠) رَسُولُ اللهِ بِهِ عَنْ الشِّغَارِ، زَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ: وَالشِّغَارُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: زَوِّجْنِي ابْتَتَكَ، وَأُزَوِّجَُكَ ابْنَتِي، أَوْ زَوِّجْنِي أُخْتَكَ، وَأُزَوِّجُكَ أُخْتِي). رجال هذا الإسناد: سبعة: وكلّهم ذُكروا في الباب، والذي قبله، وقبل ثلاثة أبواب، و((ابْنُ نُمَيْرٍ)) هو: عبد الله بن نُمير، و(أَبُو أُسَامَةَ)) هو: حمّاد بن أُسامة، و((أَبُو الزِّنَادِ)) هو: عبد الله بن ذكوان، و((الْأَعْرَجُ)) هو: عبد الرحمن بن هُرْمُز. وشرح الحديث واضحٌ، يُعلم مما سبق في شرح حديث ابن عمر ◌ًّا. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظُه هذا من أفراد (المصنّف) وَُّ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤٦٩/٧ و٣٤٧٠] (١٤١٦)، و(النسائيّ) في ((النكاح)) (١١٢/٦)، و(ابن ماجه) في ((النكاح)) ١٨٨٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٧٦ و٤٣٩ و٤٩٦)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٨٢/٤). وبقيّة المسائل تقدّمت في شرح حديث ابن عمر ◌ًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [٣٤٧٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، وَهُوَ ابْنُ عُمَرَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ زِيَادَةَ ابْنِ نُمَيْرٍ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة : ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قريباً. ٢ - (عَبْدَةُ) بن سليمان الكلابيّ، تقدّم أيضاً قريباً . و((عُبَيْدُ اللهِ)) ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية عبدة بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ٢٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٤٧١] (١٤١٧) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْج (ح) وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَنِ الَشِّغَارِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الحمّال، أبو موسى البغداديّ البزّاز، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٣) (م٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦١/٦٤. ٢ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأعور الْمصْيصيّ، أبو محمد الترمذيّ الأصل، نزيل بغداد، ثم المِصِّيصة، ثقةٌ ثبتٌ، اختلط في آخره [٩] (ت٢٠٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩٤/٦. ٣ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قريباً. ٤ - (إِسْحَاقُ بَّنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل بابين. ٥ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس، تقدّم قريباً. ٦ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حرام ﴿ًا، تقدّم أيضاً قريباً. والباقيان ذُكرا في الباب، وشرح الحديث، وفوائده تقدّمت مستوفاة في حديث ابن عمر مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: جّ هذا من أفراد (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله المصنّف يَخْذَلَهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤٧١/٧] (١٤١٧)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٦/ ١٨٣)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٣/٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣/ ٣٢١ و٣٣٩)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٢١/٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٤/ ٨٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧/ ٢٠٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . ٢٠٩ (٨) - بَابُ بَيَانِ وُجُوبٍ الْوَفَاءِ بِالشُّرُوطِ فِي النَّكَاحِ - حديث رقم (٣٤٧٢) (٨) - (بَابُ بَيَانِ وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِالشَّرُوطِ فِي النِّكَاحِ) [٣٤٧٢] (١٤١٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَهُوَ الْقَطَّنُ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ مَرْفَدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْيَزَنِيِّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ أَحَقَّ الشَّرْطِ أَنْ يُوفَى بِهِ، مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ)). هَذَا لَفْظُ حَدِيثٍ أَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ الْمُثَنَّى، غَيْرَ أَنَّ ابْنَ الْمُثَنَّى قَالَ: ((الشُّرُوطِ))). رجال هذا الإسناد: اثنا عشر: ١ - (هُشَيْمُ) بن بشير الواسطي، تقدم قريباً . ٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم قبل بابين. ٣ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قريباً. ٤ - (أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ) سليمان بن حيّان الأزديّ الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٨] (ت١٩٠) أو قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٠/٥. ٥ - (عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ) بن عبد الله بن الحكم بن رافع الأنصاريّ المدنيّ، صدوقٌ رُمي بالقدر، وربّما وَهِمَ [٦] (ت١٥٣) (خت م ٤) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١١٩٥/٤. ٦ - (مَرْفَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْيَزَنِيُّ(١)) أبو الخير المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣] (ت٩٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦. والباقون ذُكروا في الباب الماضي، وقبله. شرح الحديث: .(قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ أَحَقَّ الشَّرْطِ) (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) بالإفراد، وفي رواية محمد بن المثنّى: ((إن أحقّ الشرُوط)) بالجمع (أَنْ يُؤَفَى بِهِ) (١) بفتح التحتانيّة، والزاي، بعدها نون. ٢١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح بالبناء للمفعول، وتخفيف الفاء، من الإيفاء، أو تشديدها، من التوفية، ولفظ النسائيّ: ((أن تُوفوا به))، وفي رواية البخاريّ: ((أحقُّ الشروط أن توفوا بها ما استحللتم به الفروج))، وفي لفظ له: ((أحقّ ما أوفيتم من الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج)). فقوله: ((أن يوفى به)) في تأويل المصدر مجرور بحرف جرّ محذوف قياساً؛ لكونه مع ((أَنْ))، متعلّق بـ ((أحقّ))، كما قال في ((الخلاصة)): وَعَدِّ لَازِماً بِحَرْفِ جَرِّ وَإِنْ حُذِفْ فَالنَّصْبُ لِلْمُنْجَرِّ نَقْلاً وَفِي ((أَنَّ) و((أَنْ) يَظَرِدُ مَعْ أَمْنِ لَيْسِ كَـ ((عَجِبْتُ أَنْ يَدُوا)) وقوله: (مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ))) ((ما)) موصولة خبر ((إنّ))، أي إنّ أليق الشروط بالوفاء الشرط الذي وقع به عقد النكاح؛ لأن أمره أحوط، وبابه أضيق. قال النوويّ كَّلُهُ: قال الشافعيّ، وأكثر العلماء: إن هذا محمول على شروط لا تنافي مقتضي النكاح، بل تكون من مقتضياته، ومقاصده، كاشتراط العشرة بالمعروف، والإنفاق عليها، وكسوتها، وسُكناها بالمعروف، وأنه لا يُقَصِّر في شيء من حقوقها، ويَقْسِم لها كغيرها، وأنها لا تخرج من بيته إلا بإذنه، ولا تَنْشُز عليه، ولا تصوم تطوعاً بغير إذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه، ولا تتصرف في متاعه إلا برضاه، ونحو ذلك، وأما شَرْطٌ يخالف مقتضاه، كشرط أن لا يَقسِم لها، ولا يتسرى عليها، ولا ينفق عليها، ولا يسافر بها، ونحو ذلك، فلا يجب الوفاء به، بل يلغو الشرط، ويصح النكاح بمهر المثل؛ لقوله وَّ: ((كلُّ شرط ليس في كتاب الله، فهو باطل))، وقال أحمد، وجماعة: يجب الوفاء بالشرط مطلقاً؛ لحديث: ((إن أحقّ الشروط إلخ)). انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الإمام الشافعيّ، وأكثر العلماء هو الأرجح؛ وسيأتي بيان اختلاف العلماء، وترجيح الراجح بدليله في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى -. وقوله: (هَذَا) إشارة إلى المتن الذي ساقه (لَفْظُ حَدِيثٍ أَبِي بَكْرٍ) ابن أبي (١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٢/٩. ٢١١ (٨) - بَابُ بَيَانِ وُجُوبٍ الْوَفَاءِ بِالشُّرُوطِ فِي النُّكَاحِ - حديث رقم (٣٤٧٢) شيبة، شيخه الثالث (وَ) محمد (بْنِ الْمُثَنَّى) شيخه الرابع (غَيْرَ أَنَّ ابْنَ الْمُثَنَّى) بنصب ((غيرَ)) على الاستثناء؛ لوقوعها بعد تمام الكلام الموجب، كما أشار إليه في («الخلاصة)): وَاسْتَثْنِ نَاصِباً بِ(غَيْرُ)) مُعْرَبَا بِمَا لِمُسْتَثْنَى بِ ((إِلَا)) نُسِبَا وقوله: (قَالَ: ((الشُّرُوطِ))) يعني أن ابن المثنّى قال في روايته: ((إن أحقّ الشروط)) بلفظ الجمع، بدل قول أبي بكر: ((إن أحقّ الشرط)) بالإفراد، ولا اختلاف بينهما في المعنى؛ لأن المفرد المحلّى بـ((أل)) يعمّ، فيكون بمعنى الجمع، كالسارق، والزاني، والعبد، والحرّ، ونحو ذلك، ولذا وُصف بصيغة العموم في قوله تعالى: ﴿أَوِ اٌلْطِفْلِ الَّذِينَ لَّمْ يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَتِ الْنِسَاءِ﴾ [النور: ٣١]، وقد أشرت إلى هذا في ((التحفة المرضيّة)) بقولي: وَمُفْرَدٌّ بِلَامٍ غَيْرِ الْعَهْدِ قَدْ حُلِّيَ فَالْعُمُومُ فِيهِ يُعْتَمَدْ وإن أردت تحقيق المسألة، فراجع ((شرحه))(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عقبة بن عامر ظه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤٧٢/٨] (١٤١٨)، و(البخاريّ) في ((الشروط)) (٢٧٢١) و((النكاح)) (٥١٥١)، و(أبو داود) في ((النكاح)) (٢١٣٩)، و(الترمذيّ) في ((النكاح)) (١١٢٧)، و(النسائيّ) في ((النكاح)) (٣٢٨٢ و٣٢٨٣) وفي ((الكبرى)) (٥٥٣١ و٥٥٣٣)، و(ابن ماجه) في ((النكاح)) (١٩٥٤)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٠٦١٣)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٩٩/٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٦٨٥١ و١٦٩١١ و١٦٩٢٥)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٢٠٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٠٩٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢/ ٦٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٨٣/٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١) ((المنحة الرضيّة شرح التحفة المرضية)) ٢٢٣/٣ - ٢٢٤. ٢١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح (١٧٥٤)، و(سعيد بن منصور) في ((سننه)) (٢١٠/١)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٧٥٣/١٧ و٧٥٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٤٨/٧) و((الصغرى)) (٢٤٦/٦) و((المعرفة)) (٣٩٢/٥ و٣٩٣)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٢٧٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في المراد بالشرط المذكور في هذا الحديث: قال الخطابيّ تَخَُّ(١): الشروط في النكاح مختلفةٌ: (فمنها): ما يجب الوفاء به اتفاقاً، وهو ما أمر الله به، من إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان، وعليه حَمَل بعضهم هذا الحديث. (ومنها): ما لا يوفَى به اتفاقاً، كسؤال طلاق أختها . (ومنها): ما اختُلف فيه، كاشتراط أن لا يتزوّج عليها، أو لا يتسرّى، أو لا ينقلها من منزلها إلى منزله. وعند الشافعيّة الشروط في النكاح على ضربين: منها: ما يرجع إلى الصداق، فيجب الوفاء به، وما يكون خارجاً عنه، فمختلف الحكم فيه، فمنه ما يتعلّق بحقّ الزوج، وسيأتي بيانه. ومنه ما يشترطه العاقد لنفسه خارجاً عن الصداق، وبعضهم يسمّيه: الحلوان، فقيل: هو للمرأة مطلقاً، وهو قول عطاء، وجماعة من التابعين، وبه قال الثوريّ، وأبو عُبيد. وقيل: هو لمن شرَطه، قاله مسروقٌ، وعليّ بن الحسين، وقيل: يختصّ ذلك بالأب، دون غيره من الأولياء، وقال الشافعيّ: إن وقع في نفس العقد وجب للمرأة مهر مثلها، وإن وقع خارجاً عنه لم يجب، وقال مالك: إن وقع في حال العقد فهو من جملة المهر، أو خارجاً عنه، فهو لمن وُهب له. وجاء ذلك في حديث مرفوع، أخرجه النسائيّ(٢) من طريق ابن جُريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص: ((أن النبيّ وَل قال: أيّما امرأة نُكحت على صداق، أو حِبَاء، أو عِدَةٍ قبل عصمة النكاح، فهو (١) راجع: ((الأعلام)) ١٩٧٩/٣ - ١٩٨٠. (٢) أي في ((الكبرى)) ٣٢٢/٣ - ٣٣٣ رقم (٥٥٣٢). ٢١٣ (٨) - بَابُ بَيّانِ وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِالشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ - حديث رقم (٣٤٧٢) لها، فما كان بعد عصمة النكاح، فهو لمن أُعطيه، وأحقّ ما أُكرم عليه الرجل ابنته، أو أخته))(١). وأخرجه البيهقيّ من طريق حجّاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب، عن عروة، عن عائشة، نحوه. وقال الترمذيّ بعد تخريجه: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من الصحابة، منهم عمر، قال: إذا تزوّج الرجل المرأةَ، وشرطَ أن لا يُخرجها لزم. وبه يقول الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. قال في ((الفتح)): كذا قال. والنقل في هذا عن الشافعيّ غريبٌ، بل الحديث عندهم محمولٌ على الشروط التي لا تنافي مقتضى النكاح، بل تكون من مقتضياته، ومقاصده، كاشتراط العشرة بالمعروف، والإنفاق، والكسوة، والسكنى، وأن لا يقصّر في شيء من حقّها، من قسمة، ونحوها، وكشرطه عليها أن لا تَخرُج إلا بإذنه، ولا تمنعه نفسها، ولا تتصرّف في متاعه إلا برضاه، ونحو ذلك. وأما شرط ينافي مقتضى النكاح، كأن لا يَقسم لها، أو لا يتسرّى عليها، أو لا يُنفق، أو نحو ذلك، فلا يجب الوفاء به، بل إن وقع في صلب العقد كفَى، وصحّ النكاح بمهر المثل، وفي وجه: يجب المسمّى، ولا أثر للشرط، وفي قول للشافعيّ: يبطل النكاح. وقال أحمد، وجماعة: يجب الوفاء بالشرط مطلقاً . وقد استشكل ابن دقيق العيد حملَ الحديث على الشروط التي هي من مقتضيات النكاح، قال: تلك الأمور لا تؤثّر الشروط في إيجابها، فلا تشتدّ الحاجة إلى تعليق الحكم بالاشتراط فيها، ومقتضى الحديث أن لفظ: ((أحقّ الشروط)) يقتضي أن يكون بعض الشروط يقتضي الوفاء، وبعضها أشدّ اقتضاءً له، والشروط التي هي مقتضى العقود مستويةٌ في وجوب الوفاء، ويترجّح على ما عدا النكاح الشروط المتعلّقة بالنكاح من جهة حرمة الأبضاع، وتأكيد استحلالها. والله أعلم. انتهى (٢). (١) ضعّفه الشيخ الألبانيّ كَّلُهُ، راجع: ((السلسلة الضعيفة)) ٥٨/٣. (٢) ((إحكام الأحكام)) ١٨٩/٣ - ١٩٠. ٢١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح وقال الترمذيّ: وقال عليّ: سبق شرطُ الله شرطَها، قال: وهو قول الثوريّ، وبعض أهل الكوفة، والمراد في الحديث: الشروط الجائزة، لا المنھيّ عنها. انتهى. وقد اختُلف عن عمر، فروى ابن وهب بإسناد جيّد عن عبيد بن السبّاق: ((أن رجلاً تزوّج امرأة، فشرَط لها أن لا يخرجها من دارها، فارتفعوا إلى عمر فوضع الشرط، وقال: المرأة مع زوجها))، قال أبو عبيد: تضادّت الروايات عن عمر في هذا، وقد قال بالقول الأول عمرو بن العاص، ومن التابعين طاوس، وأبو الشعثاء، وهو قول الأوزاعيّ، وقول الليث، والثوريّ، والجمهور بقول عليّ، حتى لو كان صداق مثلها مائة مثلاً، فرضيت بخمسين على أن لا يخرجها، فله إخراجها، ولا يلزمه إلا المسمّى. وقالت الحنفيّة: لها أن ترجع عليه بما نقصته له من الصداق. وقال الشافعيّ: يصحّ النكاح، ويلغو الشرط، ويلزمه مهر المثل. وعنه: يصحّ، وتستحقّ الكل. وقال أبو عبيد: والذي نأخذ به أنا نأمره بالوفاء بشرطه من غير أن يحكم عليه بذلك. قال: وقد أجمعوا على أنها لو اشترطت عليه أن لا يطأها لم يجب الوفاء بذلك الشرط، فكذلك هذا. ومما يقوّي حمل حديث عقبة على الندب ما سيأتي في حديث عائشة في قصّة بريرة: ((كلّ شرط ليس في كتاب الله، فهو باطل))، والوطء، والإسكان، وغيرهما من حقوق الزوج إذا شرط عليه إسقاط شيء منها كان شرطاً، ليس في کتاب الله، فيبطل. وأخرج إسحاق في ((مسنده)) من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو، عن أبيه، عن جدّه، مرفوعاً بلفظه: ((المسلمون عند شروطهم، إلا شرطاً حرّم حلالاً، أو أحلّ حراماً))، وكثير بن عبد الله ضعيف عند الأكثرين، لكن البخاريّ، ومن تبعه كالترمذيّ، وابن خزيمة يُقوّون أمره، وقد علّق البخاريّ الجزء الأول منه في ((صحيحه)) بصيغة الجزم. وأخرج الطبرانيّ في ((الصغير)) بإسناد حسن عن جابر: ((أن النبيّ وَل خطب أمّ مبشّر بنت البراء بن معرور، فقالت: إني شرطت لزوجي أن لا أتزوّج ٢١٥ (٩) - بَابُ اسْتِثْمَارِ الثَِّبِ فِي النِّكَاحِ بِالنُّطْقِ، وَاسْتْذَانِ الْبِكْرِ بِالسُّكُوتِ - حديث رقم (٣٤٧٣) بعده، فقال النبيّ وَّر: ((إن هذا لا يصلح))، أفاده في ((الفتح))(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجّح عندي أن الشرط الذي يلزم الوفاء به هو الشرط الذي يذكره الزوج ترغيباً للزوجة في النكاح، مما لا يؤدّي إلى تحريم حلالٍ، أوتحليل حرام، وأما ما أدّى إلى ذلك فليس مراد حديث الباب؛ إذ الباطل لا يجوز الوفاء به؛ لحديث: ((كلّ شرط ليس في كتاب الله فهو باطل))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ . (٩) - (بَابُ اسْتِثْمَارِ الثَّيِّبِ فِي النِّكَاحِ بِالنُّطْقِ، وَاسْتِئْذَانِ الْبِكْرِ بِالسُّكُوتِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال : [٣٤٧٣] (١٤١٩) - (حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((لَا تُنْكَحِ الْأَيْمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحِ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: ((أَنْ تَسْكُتَ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ الْقَوَارِيرِيُّ) أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٥) عن (٨٥) سنةً (خ م دس) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٥. ٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) الْهُجَيميّ البصريّ، تقدّم قريباً. ٣ - (هِشَامُ) بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (بَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) صالح بن المتوكل، تقدّم أيضاً قريباً . ٥ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف، تقدّم أيضاً قريباً . ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ظُهُ ذُكر قبل باب. (١) ((الفتح)) ٤٩٨/١١ - ٥٠٠. ٢١٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رَّلهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، كما أسلفته آنفاً. ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، والثاني بالمدنيين، ويحيى وإن كان بصريّاً، ثم يماميّاً، إلا أنه سكن المدينة مدة طويلة يطلب العلم، فقد ذكر في ((تهذيب الكمال)) أنه أقام بالمدينة عشر سنين في طلب (١) العلم. انتهى (١). ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة تظله أحفظ من روى الحديث في دهره. شرح الحديث: (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َ﴿بَهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((لَا تُنْكَحِ) يَحْتَمِلُ أن تكون ((لا)) ناهية، والفعل مجزوم، وكسرت الحاء لالتقاء الساكنين، ويَحْتَمِل أن تكون نافيةً، والفعل مرفوع، وهو خبر بمعنى النهي، وهو أبلغ في المنع، كما تقدّم تحقيقه. (الأيمُ) - بفتح الهمزة، وتشديد التحتانيّة -: هو في الأصل من لا زوج لها، بكراً كانت، أو ثيّباً، والمراد به هنا: الثيّب، كما فسّرته الرواية الأخرى، ولمقابلته بالبكر، ولأنه الأكثر استعمالاً . قال أبو العباس القرطبيّ كَّلُ: اتفق أهل اللغة على أن الأيّم في الأصل هي المرأة التي لا زوج لها، بكراً كانت أو ثيّباً، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُواْ اُلْأَيَى مِنكُمْ﴾ [النور: ٣٢] تقول العرب: تأيّمت المرأة: إذا أقامت لا تتزوّج، ويقال: أيّمٌ بَيّنة الأَيْمَة، وقد آمت هي، وإِمْتُ أنا، قال الشاعر [من الطويل]: لَقَدْ إِمْتُ حَتَّى لَامَنِي كُلُّ صَاحِبٍ رَجَاءً بِسَلْمَى أَنْ تَئِيمَ كَمَا إِمْتُ قال أبو عبيد: يقال: رجلٌ أَيّمٌ، وامرأةٌ أيّمُ، وأكثر ما يكون في النساء، وهو كالمستعار في الرجال. انتهى (٢). (١) راجع: ((تهذيب الكمال)) ٥١٠/٣١. (٢) ((المفهم)) ١١٤/٤. ٢١٧ (٩) - بَابُ اسْتِمَارِ الثَيِّبِ فِي النِّكَاحِ بِالنُّطْقِ، وَاسْتِذَانِ الْبِكْرِ بِالسُّكُوتِ - حديث رقم (٣٤٧٣) وقال في ((الفتح)): ظاهر هذا الحديث أن الأَيِّم هي الثيب التي فارقت زوجها بموت، أو طلاق؛ لمقابلتها بالبكر، وهذا هو الأصل في الأَيِّم، ومنه قولهم: ((الْغَزْوُ مَأْيَمَةٌ))، أي يَقْتُل الرجال، فتصير النساء أَيَامَى، وقد تطلق على من لا زوج لها أصلاً، ونقله عياض عن إبراهيم الحربيّ، وإسماعيل القاضي، وغيرهما أنه يُطلق على كل من لا زوج لها، صغيرةً كانت، أو كبيرةً، بكراً كانت، أو ثَيِّباً، وحَكَى الماورديّ القولين لأهل اللغة، وقد وقع في رواية الأوزاعيّ، عن يحيى، في هذا الحديث عند ابن المنذر، والدارميّ، والدار قطنيّ: ((لا تنكح الثيب))، ووقع عند ابن المنذر، في رواية عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، في هذا الحديث: ((الثيب تُشَاوَرُ)). انتهى(١). وقال القاضي عياضٌ تَخَُّ: اختلف العلماء في المراد بالأيّم هنا، مع اتفاق أهل اللغة على أنها تُطلق على امرأة لا زوج لها، صغيرةً كانت، أو كبيرةً، .بكراً كانت، أو ثيّباً، قاله إبراهيم الحربيّ، وإسماعيل القاضي، وغيرهما، والأَيْمَةُ العُزُوبة، ورجلٌ أيّمٌ، وامرأة أيّمٌ، وحكى أبو عبيد: أيّمةٌ أيضاً. قال القاضي: ثم اختلف العلماء في المراد به هنا، فقال علماء الحجاز، والفقهاء كافّةً: المراد الثيّب، واستدلّوا بأنه جاء مفسّراً في الرواية الأخرى بالثّب، وبأنها جعلت في مقابلة البكر، وبأن أكثر استعمالها في اللغة للثيّب، وقال الكوفيون، وزفر: الأيّم هنا كلّ امرأة لا زوج لها، بكراً كانت أو ثيّباً، كما هو مقتضاه في اللغة قالوا: فكلّ امرأة بلغت فهي أحقّ بنفسها من وليّها، وعقدُها على نفسها النكاح صحيح. وبه قال الشعبيّ، والزهريّ، قالوا: وليس الوليّ من أركان صحّة النكاح، بل من تمامه. وقال الأوزاعيّ، وأبو يوسف، ومحمد: تتوقّف صحّة النكاح على إجازة الوليّ. قال القاضي: واختلفوا أيضاً في قوله بَ له: ((أحقّ من وليّها))، هل هي أحقّ بالإذن فقط، أو بالإذن والعقد على نفسها؟ فعند الجمهور بالإذن فقط، وعند هؤلاء بهما جميعاً. انتهى (٢). (١) ((الفتح)) ٤٥٧/١١. (٢) راجع: ((إكمال المعلم)) ٤ /٥٦٤ _ ٥٦٥. ٢١٨ سـ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ ما قاله الجمهور من أن الوليّ شرط في صحّة النكاح، وليس للمرأة إلا مجرّد الإذن، إما صريحاً، وهو للثّيّب، أو سكوتاً، وهو للبكر للحديث الصحيح: ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل))، والله تعالى أعلم. (حَتَّى تُسْتَأْمَرَ) بالبناء للمفعول، أصل الاستثمار طلب الأمر، فالمعنى لا يُعقَد عليها حتى يُطلب الأمر منها، ويؤخذ من قوله: ((تُستأمر)) أنه لا يَعقِد عليها وليّها إلا بعد أن تأمر بذلك، وليس فيه دلالة على عدم اشتراط الوليّ في حقّها، كما زعم بعض أهل العلم، بل فيه إشعارٌ باشتراطه، أفاده في ((الفتح))(١). (وَلَا تُنْكَحِ الْبِكْرُ) بالجزم والرفع على التوجيه السابق (حَتَّى تُسْتَأْذَنَ)) بالبناء للمفعول، قال في ((الفتح)): كذا وقع في هذه الرواية التفرقة بين الثيّب والبكر، فعبّر للثّب بالاستثمار، وللبكر بالاستئذان، فيؤخذ منه فرق بينهما من جهة أن الاستثمار يدلّ على تأكيد المشاورة، وجعل الأمر إلى المستأمرة، ولهذا يحتاج الوليّ إلى صريح إذنها في العقد، فإذا صرّحت بمنعه امتنع اتفاقاً، والبكر بخلاف ذلك، والإذن دائرة بين القول والسكوت بخلاف الأمر، فإنه صريحٌ في القول، وإنما جعل السكوت إذناً في حقّ البكر لأنها قد تستحيي أن تُفصح. انتھی. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أخرج النسائيّ هذا الحديث من طريق أبي إسماعيل القنّاد، عن يحيى بلفظ الاستئذان في الثيّب، والاستثمار في البكر، فعندي أن هذا من تصرّفات الرواة، والظاهر أنه لا فرق بين العبارتين، كما يدلّ عليه تصرّف النسائيّ تَظْلَثُ في تراجمه، حيث عبّر في بعضها باستئذان البكر، وفي بعضها باستثمار الأب البكر، حسب اختلاف الروايات، فالذي يظهر أن الروايات بعضها باللفظ، وبعضها بالمعنى، فلا تعارض بينها، فتأمّل، والله تعالى أعلم. (١) راجع: ((الفتح)) ١١/ ٤٥٧. ٢١٩ (٩) - بَابُ اسْتِثْمَارِ النَِّبِ فِي النَّكَاحِ بِالنُّطْقِ، وَاسْتِذَانِ الْبِكْرِ بِالسُّكُوتِ - حديث رقم (٣٤٧٣) (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ) وفي رواية عمر بن أبي سلمة، عن أبيه: ((قلنا))، وحديث عائشة رضيّا صريح في أنها هي السائلة عن ذلك. (وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟) في حديث عائشة: قلت: إن البكر تستحي (قَالَ) وَلول ((أَنْ تَسْكُتَ))) ((أن)) بالفتح هي المصدريّة، والمصدر المؤوّل خبر لمحذوف، أي إذنها سكوتها . قال ابن المنذر تَخْتُ: يُستحبّ إعلام البكر أن سكوتها إذنٌ، لكن لو قالت بعد العقد: ما علمت أن صمتي إذنٌّ لم يبطل العقد بذلك عند الجمهور، وأبطله بعض المالكيّة، وقال ابن شعبان منهم: يقال لها ذلك ثلاثاً: إن رضيتٍ فاسكتي، وإن كرهتِ فانطلقي، وقال بعضهم: يُطالُ المقام عندها؛ لئلا تَخْجَل، فيمنعها ذلك من المسارعة، واختلفوا فيما إذا لم تتكلّم، بل ظهرت منها قرينة السخط، أو الرضا بالتبسّم مثلاً، أو البكاء، فعند المالكيّة إن نفرت، أو بكت، أو قامت، أو ظهر منها ما يدلّ على الكراهة لم تُزوَّج، وعند الشافعيّة: لا أثر لشيء من ذلك في المنع إلا إن قَرَنت مع البكاء الصياح ونحوه، وفرّق بعضهم بين الدمع، فإن كان حارّاً دلّ على المنع، وإن كان بارداً دلّ على الرضا، قاله في ((الفتح)) (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤٧٣/٩ و٣٤٧٤] (١٤١٩)، و(البخاريّ) في ((النكاح)) (٥١٣٦) و((الحيل)) (٦٩٦٨ و٦٩٧٠)، و(أبو داود) في ((النكاح)) (٢٠٩٢)، و(الترمذيّ) في ((النكاح)) (١١٠٧)، و(النسائيّ) في ((النكاح)) (٨٥/٦ و٨٦) و((الكبرى)) (٢٨١/٣)، و(ابن ماجه) في ((النكاح)) (١٨٧١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٦٠/٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٢٩/٢ و٢٥٠ و٢٧٩ (١) ((الفتح)) ٤٥٨/١١ - ٤٥٩. ٢٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح و٤٣٤)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢١٨٦)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (١/ ١٧٧)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٧٣/٣ - ٧٤)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٤/ ٨٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٠٧/١٠)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٣/ ٢٣٨)، و(سعيد بن منصور) في ((سننه)) (١٨١/١ - ١٨٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١١٩/٧ و١٢٢) و((المعرفة)) (٢٤٧/٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وجوب استثمار الأَيِّم في النكاح، وأنها أحقّ به من الوليّ، بمعنى أنه لا بدّ من إذنها الصريح، أو ردّها، لا بمعنى أنها تزوّج نفسها، كما يقول به داود الظاهريّ. ٢ - (ومنها): بيان وجوب استئذان البكر، وأنه لا يجب عليها التصريح بالقول، بل یکفي سكوتها . ٣ - (ومنها): أنه يدلّ على أنَّ السكوت على الشيء بعد العلم به يكون رضاً به، لكن بشرط أن لا يكون السكوت عن خوف ونحوه. ٤ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى أن البكر التي أُمِر باستئذانها هي البالغة؛ إذ لا معنى الاستئذان من لا تدري ما الإذن، ومن يستوي سكوتها وسخطها . ٥ - (ومنها): أنه يدلّ على أن البكر إذا أعلنت بالمنع لم يجز النكاح عليها، وإن أعلنت بالرضا جاز بطريق أولى، وشذّ بعض أهل الظاهر، فقال: لا يجوز أيضاً، وقوفاً عند ظاهر قوله: ((وإذنها أن تسكت))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: نقل ابن عبد البرّ عن مالك أن سكوت البكر اليتيمة قبل إذنها، وتفويضها لا يكون رضاً منها، بخلاف ما إذا كان بعد تفويضها إلى وليّها، وخصّ بعض الشافعيّة الاكتفاء بسكوت البكر البالغ بالنسبة إلى الأب والجدّ، دون غيرهما؛ لأنها تستحيي منهما أكثر من غيرهما، والصحيح الذي عليه الجمهور استعمال الحديث في جميع الأبكار بالنسبة لجميع الأولياء، والله تعالى أعلم.