Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ (٦) - بَابُ تَحْرِيمِ الْخِطْبَةِ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَأْذَنَ أَوْ يَتْرُكَ - حديث رقم (٣٤٥٥) النهي عن التحريم، والفساد إلى خلافهما، فوجب القول بالبطلان. وهذا القول هو الذي مال إليه شيخ الإسلام ابن تيمية كَّتُهُ، حيث قال: إذا خطب الرجل امرأةً، ورَكِن إليه من إليه نكاحها، كالأب، فإنه لا يحلّ لغيره أن يخطبها، قال: ولكن العقد الثاني هل يقع صحيحاً، أو باطلاً؟ فيه قولان للعلماء : [أحدهما]: وهو أحد القولين في مذهب مالك، وأحمد أن عقد الثاني باطلٌ، فتنزع منه، وتردّ إلى الأوّل. [الثاني]: أن النكاح صحيح، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعيّ، فيعاقب من فعل المحرّم، ويردّ إلى الأول جميع ما أُخذ منه، والقول الأول أشبه بما في الكتاب والسنّة. انتهى كلام شيخ الإسلام بالاختصار(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): أنه استُدلّ بحديث الباب على أن الخاطب الأول إذا أذن للخاطب الثاني في التزويج ارتفع التحريم، ولكن هل يختصّ ذلك بالمأذون له، أو يتعدّى لغيره؟ لأن مجرّد الإذن الصادر من الخاطب الأول دالٌ على إعراضه عن تزويج تلك المرأة، وبإعراضه يجوز لغيره أن يخطبها، الظاهر الثاني، فيكون الجواز للمأذون له بالتنصيص، ولغير المأذون له بالإلحاق، ويؤيّده قوله: ((أو يترك))، وصرّح الرويانيّ من الشافعيّة بأن محلّ التحريم إذا كانت الخِطبة من الأول جائزة، فإن كانت ممنوعة كخطبة المعتدّة لم يضرّ الثاني بعد انقضاء العدّة أن يخطبها، وهو واضح؛ لأن الأول لم يثبت له بذلك حقّ، قاله في ((الفتح))(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): أنه استُدلّ بقوله: ((على خطبة أخيه)) أن محلّ التحريم إذا كان الخاطب مسلماً، فلو خطب الذميّ ذميّة، فأراد المسلم أن يخطبها جاز له ذلك مطلقاً، وهو قول الأوزاعيّ، ووافقه من الشافعيّة ابن المنذر، وابن جويرية، والخطّابيّ، ويؤيّده قوله في أول حديث عقبة بن عامر ظبه عند مسلم: ((المؤمن أخو المؤمن، فلا يحلّ للمؤمن أن يبتاع على (١) راجع: ((مجموع الفتاوى)) ٣٢/١٠. (٢) ((الفتح)) ٤٦٩/١١ - ٤٧٠. ١٨٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح بيع أخيه، ولا يخطب على خِطبته حتى يَذَر))، وقال الخطّابيّ(١): قطع الله الأُخَوَّة بين الكافر والمسلم، فيختصّ النهي بالمسلم، وقال ابن المنذر: الأصل في هذا الإباحة حتى يرِدَ المنع، وقد ورد المنع مقيّداً بالمسلم، فبقي ما عدا ذلك على أصل الإباحة. وذهب الجمهور إلى إلحاق الذميّ بالمسلم في ذلك، وأن التعبير بأخيه خرج على الغالب، فلا مفهوم له، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْدُلُواْ أَوْلَدَكُمْ﴾ الآية [الأنعام: ١٥١]، وكقوله: ﴿وَرَبِِّبُكُمُ الَّتِى فِى حُجُورِكُمْ﴾ الآية [النساء: ٢٣]، ونحو ذلك. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله الأوزاعيّ، ومن معه من أنّ هذا النهي خاصّ بالمسلم، دون الذميّ؛ عملاً بتقييده بالأخوّة، وبالإسلام هو الراجح؛ لظهور حجته، فتأمل، والله تعالى أعلم. وبناه بعضهم على أن هذا المنهيّ عنه، هل هو من حقوق العقد، واحترامه، أو من حقوق المتعاقدين؟ فعلى الأول فالراجح ما قال الخطّابيّ، وعلى الثاني فالراجح ما قال غيره. وقريبٌ من هذا البناء اختلافهم في ثبوت الشفعة للكافر، فمن جعلها من حقوق الملك أثبتها له، ومن جعلها من حقوق المالك منع. وقريبٌ من هذا البحث ما نُقل عن ابن القاسم، صاحب مالك أن الخاطب الأول إذا كان فاسقاً جاز للعفيف أن يخطب على خطبته، ورجحه ابن العربيّ منهم، وهو متّجه فيما إذا كانت المخطوبة عفيفةً، فيكون الفاسق غير كفء لها، فتكون خطبته كلًا خِظْبة، ولم يعتبر الجمهور ذلك إذا صدرت منها علامة القبول، وقد أطلق بعضهم الإجماع على خلاف هذا القول. ويلتحق بهذا ما حكاه بعضهم من الجواز إذا لم يكن الخاطب الأول أهلاً في العادة لخطبة تلك المرأة، كما لو خطب سُوقيّ بنت ملِك، وهذا يرجع إلى التكافؤ، قاله في ((الفتح))(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الفاسق، والذي ليس كفؤاً عادة يعمّهما النهي المذكور؛ فلا يجوز أن يخطب على خطبتهما؛ لأنهما مسلمان؛ (١) ((معالم السنن)) ١٦٧/٣. (٢) ((الفتح)) ٤٧٠/١١. ١٨٣ (٦) - بَابُ تَحْرِيمِ الْخِطْبَةِ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى بَأْذَنَ أَوْ يَتْرُكَ - حديث رقم (٣٤٥٦) إذ مجرّد الفسق لا يخرج الشخص من الإسلام عند أهل السنّة، فلا يخرج بذلك عن كونه خطب على خطبة أخيه المسلم، وبنحو هذا صرّح الحافظ العراقيّ في ((شرح الترمذيّ))(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): أنه استُدلّ به على تحريم خطبة المرأة على خِطبة امرأة أخرى؛ إلحاقاً لحكم النساء بحكم الرجال، وصورته أن تَرْغَب امرأة في رجل، وتدعوه إلى تزويجها، فيجيبها، فتجيء امرأة أخرى، فتدعوه، وترَغّبه في نفسها، وتزهّده في التي قبلها، وقد صرّحوا باستحباب خطبة أهل الفضل من الرجال، ولا يخفى أن محلّ هذا إذا كان المخطوب عزم أن لا يتزوّج إلا بواحدة، فأما إذا جمع بينهما فلا تحريم، قاله في ((الفتح)) أيضاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٤٥٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، جَمِيعاً عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَن ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِّ وَِّ قَالَ: ((لَا تَبَعِ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةٍ أَخِيهِ، إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ)). رجال هذا الإسناد: ستة : ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب. ٣ - (يَحْبَى) بن سعيد القطّان التميميّ، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ حافظ إمام قدوة، من كبار [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ ١ ص٣٨٥. ٤ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر العمريّ، تقدّم قبل بابين. والباقيان ذُكرا قبله. (١) راجع: ((طرح التثريب)) ٩٣/٧. ١٨٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح وقوله: (لَا يَبِعِ الرَّجُلُ) ((لا)) ناهية، والفعل مجزوم، وكُسرت العين؛ لالتقاء الساكنين. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٣٤٥٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً) تقدّم قبل حديثين. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) تقدّم قبل باب. و((عبيد الله)) ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية عليّ بن مسهر، عن عبيد الله هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٤٥٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُوبُ، عَنْ نَافِعٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ) فضيل بن حسين، تقدّم قبل بابين. والباقون ذُكرّوا في الباب قبله، و((حمّاد)) هو: ابن زيد، و((أيوب)) هو السختيانيّ. [تنبيه]: رواية أيوب، عن نافع هذه ساقها الإمام أحمد تَُّ في ((مسنده)) ١٥٣/٢ فقال: (٦٤١١) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا عارم، ثنا حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ وَّه قال: ((لا يبيع الرجل على بيع أخيه، ١٨٥ (٦) - بَابُ تَحْرِيمِ الْخِطْبَةِ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى بَأْذَنَ أَوْ يَتْرُكَ - حديث رقم (٣٤٥٩) ولا يخطب على خطبة أخيه، إلا بإذنه، وربما قال: بإذن له)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [٣٤٥٩] (١٤١٣) - (وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ زُهِيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: ((أَنَّ النَّبِيِّ وَِّ نَهَى أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، أَوْ يَتَنَاجَشُوا، أَوْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةٍ أَخِيهِ، أَوْ يَبِيعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا؛ لِتَكْتَفِئَ مَا فِي إِنَائِهَا، أَوْ مَا فِي صَحْفَتِهَا)). زَادَ عَمْرٌو فِي رِوَايَتِهِ: ((وَلَا يَسُمِ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمٍ أَخِهِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، نزيل مكة، صدوقٌ صنّف ((المسند))، ولازم ابن عيينة [١٠] (ت٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥. ٢ - (سَعِيدٌ) بن المسيِّب، تقدّم قريباً. والباقون ذُكروا في الباب، والبابين قلبه. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف رَّلُهُ . ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيوخه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، والثالث ما أخرج له البخاريّ، وأبو داود. ٣ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ عن تابعيّ، وفيه سعيد من الفقهاء السبعة، وفيه أبو هريرة ظه من المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: («أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ نَهَى أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ) معناه: أنه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾ ﴿ُبه ١٨٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح لا يجوز للمقيم ببلدة أن يبيع السٌّلَع التي أَتَى بها بدويّ؛ نفعاً له، بأن يكون دلالاً؛ لأن ذلك يُلحق الضرر بالحاضرين، فإنه لو ترك البدويّ لباعه لهم بثمن رخيص، وسيأتي تمام البحث فيه في ((كتاب البيوع)) - إن شاء الله تعالى -. (أَوْ يَتَنَاجَشُوا) منصوب بحذف نون الرفع عطفاً على ((يبيع))، وهو من ((النّجْش)) - بفتحتين، أو بفتح، فسكون - وهو أن يمدح السلعة ليُروّجها، أو يزيد في الثمن، ولا يريد شراءها؛ ليغترّ بذلك غيره، والأصل فيه تنفير الوحش من مكان إلى مكان، وإنما عبّر بالتفاعل؛ لأن التجّار يتعاوضون، فيفعل هذا بصاحبه على أن يُكافئه بمثل ما فعل، فنُهوا عن أن يفعلوا ذلك، معاوضةً، فضلاً عن أن يفعلوه بدءاً، وسيأتي تمام البحث فيه في موضعه من ((كتاب البيوع)) - إن شاء الله تعالى -. (أَوْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ) من الخِطبة - بكسر الخاء - بمعنى التماس النكاح، من باب نصر، وهو منصوب أيضاً عطفاً على ((يَبيعَ))، وقد تقدّم تمام البحث فيه في شرح حديث ابن عمر ته الذي قبله. (أَوْ يَبِيعَ) بالنصب أيضاً عطفاً على (يبيع)) (عَلَى بَيْع أَخِيهِ) قيل: المراد السوم، والنهي للمشتري دون البائع؛ لأن البائع لا يكاد يَدخل على البائع، وإنما المشهور زيادة المشتري على المشتري، وقيل: يَحْتَمِل الحمل على ظاهره، فيمنع البائع أن يبيع على بيع أخيه، وهو أن يَعْرِض سلعته على المشتري الراكن إلى شراء سلعة غيره، وهي أرخص، أو أجود؛ ليزهّده في شراء سلعة الغير، قال عياض: وهو الأولى، وسيأتي تمام البحث في ((كتاب البيوع)) - إن شاء الله تعالى -. (وَلَا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا) بالجزم على أن ((لا)) ناهية، وكُسِرت اللام؛ لالتقاء الساكنين، ويجوز الرفع، على أنها نافية، قال النوويّ: بالرفع على الخبر، والمراد به النهي، وهو أبلغ في النهي؛ لأن خبر الشارع لا يُتصوّر وقوع خلافه، والنهي قد يقع مخالفته، فكأنّ المعنى: عاملوا هذا النهي معاملة الخبر المتحتّم. انتهى. قيل: هو نهي للمخطوبة عن أن تسأل الخاطب طلاق المرأة التي في نكاحه، وللمرأة من أن تسأل طلاق الضرّة أيضاً، والمراد بالأخت: الأخت في ١٨٧ (٦) - بَابُ تَحْرِيمِ الْخِطْبَةِ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَأْذَنَ أَوْ يَتْرُكَ - حديث رقم (٣٤٥٩) الدين، وفي التعبير باسم الأخت تشنيعٌ لفعلها، وتأكيدٌ للنهي عنه، وتحريضُ لها على تركه، ومثله التعبير باسم الأخ فيما سبق. وفي رواية للبخاريّ: ((لا يحلّ لامرأة تسأل طلاق أختها؛ لتستفرغ صحفتها، فإنما لها ما قدّر لها)) .. وهو ظاهرٌ في تحريم ذلك، وهو محمولٌ على ما إذا لم يكن هناك سببٌ يجوّز ذلك، كريبةٍ في المرأة، لا ينبغي معها أن تستمرّ في عصمة الزوج، ويكون ذلك على سبيل النصيحة المحضة، أو لضرر يحصُّل لها من الزوج، أو للزوج منها، أو يكون سؤالها ذلك بعوض، وللزوج رغبةٌ في ذلك، فيكون كالخلع مع الأجنبيّ، إلى غير ذلك من المقاصد المختلفة، وقد تقدّم تمام البحث فيه. (لِتَكْتَفِئَ مَا فِي إِنَائِهَا) من كَفَأْت القِدْرَ: إذا كَبَيْتَها؛ لتُفْرِغ ما فيها، يقال: كَفَأْتُ الإناء، وأكفأته: إذا كبَبتَه، وإذا أَمَلْتَهُ، وهذا تمثيلٌ لإمالة الضرّة حقّ صاحبتها من زوجها إلى نفسها، إذا سألت طلاقها، وقد تقدّم البحث فيه مستوفّی. وقوله: (أَوْ مَا فِي صَحْفَتِهَا))) ((أو)) للشكّ من الراوي، والصحفة إناءٌ كالقصعة المبسوطة، وهذا مثَلٌّ، يريد به: الاستئثار عليها بحظّها، فتكون كمن قلب إناء غيره في إنائه، وقد تقدّم تمام البحث فيه. وقوله: (زَادَ عَمْرٌو) هو عمرو الناقد شيخه الأول في السند (فِي رِوَايَتِهِ: ((وَلَا يَسُم) ((لا)) ناهية، ولذا جُزم الفعل بعدها، وكُسرت الميم؛ لالتقاء الساكنين، و((يسُم)) بضمّ السين المهملة، مضارع سام، من باب قال (الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ))) معناه: أن يتّفق مالك السلعة، والراغب فيها على البيع، ولم يعقداه، فيقول الآخر للبائع: أنا أشتريه، وهذا حرام بعد استقرار الثمن، وأما السوم في السلعة التي تباع فيمن يزيد، فليس بحرام، وسيأتي تمام البحث في هذا في محلّه - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. ١٨٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة نظ ◌ُّه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤٥٩/٦ و٣٤٦٠ و٣٤٦١ و٣٤٦٢ و ٣٤٦٣] (١٤١٣) ويأتي في ((البيوع)) [٣٨١١/٤] (١٥١٥)، و(البخاريّ) في ((البيوع)) (٢١٤٠ و٢١٥٠) و((النكاح)) (٥١٤٤ و٥١٥٢) و((القدر)) (٦٦٠١)، و(أبو داود) في ((الطلاق)) (٢١٧٦ و٣٤٣٧) و((البيوع)) (٣٤٣٨ و٣٤٤٣)، و(الترمذيّ) في ((النكاح)) (١١٣٤) و((الطلاق)) (١١٩٠) و((البيوع)) (١٢٢٢ و١٣٠٤)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) في ((النكاح)) (٣٢٤٠ و٣٢٤١ و٣٢٤٢ و٣٢٤٣) و ((البيوع)) (٤٥٠٣ و ٤٥٠٧ و٤٥٠٨) وفي ((الكبرى)) (٥٣٥٦ و٥٣٥٧ و٣٥٣٥٨ و٥٣٥٩) و((البيوع)» (٦٠٨٢ و٦٠٩٣ و٦٠٩٦ و٦٠٩٨)، و(ابن ماجه) في ((النكاح)) (١٨٦٧) و((التجارات)) (٢١٧٢ و٢١٧٤ و٢١٧٥)، و(مالك) في ((الموطإ)) (١١١١ و١٣٩١ و١٦٦٦)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٥١/٤)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٤٤٥/٢ - ٤٤٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٣٨/٢ و٢٧٤ و٤٨٧)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢١٧٥)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (١٤٦/١ و١٧٠)، و(أبو يعلى) في («مسنده)) (٢٩٢/١٠ و٢٣٠/١١)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٧) ١١٧)، و(عبد بن حميد) في («مسنده)) (١/ ٤٢٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٨/٣ و٢٧٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٧٩/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٤٣/٥ و٣٤٤) و((المعرفة)) (٣٨٦/٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم خطبة الرجل على خطبة أخيه. ٢ - (ومنها): بيان تحريم النجش، وهو - بفتحتين، أو بفتح، فسكون -: أن يزيد في ثمن السلعة، لا لرغبة فيها، بل ليَخْدَع غيره، ويغرّه ليزيد، ویشتريها . ٣ - (ومنها): تحريم بيع الحاضر للبادي؛ لئلا يتضرّر أهل الحضر بذلك. ٤ - (ومنها): تحريم بيع الرجل على بيع أخيه، ويشمل البيع والشراء، إذ البيع يُسْتعمل لهما من الأضداد. ١٨٩ (٦) - بَابُ تَحْرِيمِ الْخِطْبَةِ عَلَى خِطْبَةٍ أَخِيهِ حَتَّى يَأْذَنَ أَوْ يَتْرُك - حديث رقم (٣٤٦٠ -٣٤٦١) ٥ - (ومنها): تحريم سؤال المرأة طلاق الأخرى حتى يتزوّجها، أو تنفرد به دون الأخری. ٦ - (ومنها): حرص الشريعة على قطع أسباب الشحناء والبغضاء، والحقد، والحسد، ولذا حرّمت هذه الأشياء المذكورة في هذا الحديث، وما أشبهها، مما يؤدّي إلى وقوع التنافر، والتشاكس، والتخاذل بين المسلمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٤٦٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: (لَا تَنَاجَشُوا، وَلَا بَبِعِ الْمَرْءُ(١) عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا يَخْطُبِ الْمَرْءُ عَلَى خِطْبَةٍ أَخِيهِ، وَلَا تَسْأَلَ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ الْأُخْرَى(٢)؛ لِتَكْتَفِئَ مَا فِي إِنَائِهَا»). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم تقدّموا في الباب، وقبل باب. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٣٤٦١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، جَمِيعاً عَنْ مَعْمَرٍ، عَن الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ: ((وَلَا يَزِدِ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ))). (١) وفي نسخة: ((ولا يبع الرجل)). (٢) وفي نسخة: ((طلاق أختها)). ١٩٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح رجال هذا الإسناد: ستة: وكلهم تقدّموا في الباب، والأبواب الثلاثة قبله، و((عبد الأعلى)) هو: ابن عبد الأعلى، و((معمر)) هو: ابن راشد. وقوله: (جَمِيعاً عَنْ مَعْمَرٍ) يعني أن كلّاّ من عبد الأعلى، وعبد الرزّاق روى هذا الحديث عن معمر. [تنبيه]: رواية معمر، عن الزهريّ بلفظ: ((ولا يزد الرجل على بيع أخيه)) لم أجد من ساقها، وقد ساق الحديث أبو عوانة في ((مسنده)) بلفظ: ((ولا يبيع الرجل على بيع أخيه))، فقال ٣٨/٣: (٤١٢١) - حدثنا محمد بن يحيى، ومحمد بن إسحاق بن الصباح، قالا: ثنا عبد الرزاق، أنبا معمر، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة: أن رسول الله وَ ل* قال: ((لا يبيع حاضر لباد، ولا تناجشوا، ولا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبته، ولا تسأل المرأة طلاق أختها؛ لتكفئ ما في إنائها)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٤٦٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، جَمِيعاً عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنٍ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، أَخْبَرَنِي الْعَلَّءُ، عَنْ أَبِيِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَِّ قَالَ: ((لَا يَسُمُ الْمُسْلِمُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ (١)، وَلَا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَتِهِ)). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ، أبو زكريّاء البغداديّ، ثقة عابدٌ [١٠] (٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في ((الإيمان)) ٢/ ١١٠. ٢ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو عليّ السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢. (١) وفي نسخة: ((على سوم المسلم)). ١٩١ (٦) - بَابُ تَحْرِيمِ الْخِطْبَةِ عَلَى خِطْبَةٍ أَخِيهِ حَتَّى يَأْذَنَ أَوْ يَتْرُكَ - حديث رقم (٣٤٦٣) ٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرقيّ، أبو إسحاق المدنيّ القارئ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٠) (ع) تقدم في (الإيمان)) ١١٠/٢. ٤ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن بن يعقوب الْحُرَقِيّ، أبو شِبْل المدنيّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٥] مات سنة بضع و(١٣٠) (زم ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨. ٥ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الجهنيّ المدنيّ، مولى الْحُرَقة، ثقةٌ [٣] (ز م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨. والباقيان ذُكرا في الباب. وقوله: (عَلَى سَوْم أَخِيهِ) وفي نسخة: ((على سوم المسلم)). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفَى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٤٦٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْعَلَاءِ، وَسُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِمَا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيِّ نَّ (ح) وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ، إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: ((عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، وَخِطْبَةِ أَخِّهِ))). رجال هذا الإسناد: أحد عشر: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ) البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (٢٤٦) (م د ت ق) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٦٧. ٢ - (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج، تقدّم قبل باب. ٤ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح، أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ تغيّر بآخره [٦] (ت١٣٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦١. ٥ - (أَبُوه) أبو صالح ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (١٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. ١٩٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح ٦ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم قريباً. والباقون ذُكرو! في الباب. وقوله: (عَنْ أَبِيهِمَا) قال النوويّ كَُّ: هكذا صورته في جميع النسخ، وأبو العلاء غير أبي سهيل، فلا يجوز أن يقال: ((عن أبيهما))، قالوا: وصوابه ((أبويهما))، قال القاضي وغيره: ويصح أن يقال: ((عن أَبَيْهِمَا)) بفتح الباء على لغة من قال في تثنية الأب: أبان، كما قال في تثنية اليد: يدان، فتكون الرواية صحيحة، لكن الباء مفتوحة. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: هذه اللغة تسمّى لغة النقص، ففي الأسماء الستة ثلاث لغات، المشهور إعرابها بالحروف، بالواو رفعاً، كهذا أبوه، وبالألف نصباً، كرأيت أباه، وبالياء جرّاً، كمررت بأبيه، والثانية القصر، فتكون بالألف في الأحوال الثلاثة، كهذا أباه، ورأيت أباه، ومررت بأباه، والثالثة النقص، كَيَدٍ، كهذا أبٌ، ورأيت أباً، ومررت بأب، وإلى هذا أشار في ((الخلاصة)) بقوله : وَاجْرُرْ بِيَاءٍ مَا مِنَ الأَسْمَا أَصِفْ وَارْفَعْ بِوَاوٍ وَانْصِبَنَّ بِالأَلِفْ وَ(الْفَمُ)) حَيْثُ الْمِيمُ مِنْهُ بَانَا مِنْ ذَاكَ ((ذُو)) إِنْ صُحْبَةً أَبَانًا وَالنَّقْصُ فِي هَذَا الأَخِيرِ أَحْسَنُ (أَبِّ)) ((أَخْ)) ((حَمٌ)) كَذَاكَ و((هَنُ)) وَقَصْرُهَا مِنْ نَقْصِهِنَّ أَشْهَرُ وَفِي ((أَبٍ)) وَتَالِيَيْهِ يَنْدُرُ وقوله: (إِلَّا أَنَّهُمْ إلخ) الظاهر أن ضمير الجماعة في ((أنّهم)) للعلاء، وسهيل، والأعمش. وقوله: (قَالُوا: عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، وَخِطْبَةٍ أَخِيهِ) هذا يدلّ على أن الرواية السابقة بلفظ: ((على سوم المسلَم))، كما هو في بعض النسخ، فتأمل. والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) ((شرح النوويّ)) ١٩٩/٩. ١٩٣ (٦) - بَابُ تَحْرِيمِ الْخِطْبَةِ عَلَى خِطْبَةٍ أَخِيهِ حَتَّى يَأْذَنَ أَوْ يَتْرُكَ - حديث رقم (٣٤٦٤) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٣٤٦٤] (١٤١٤) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَن اللَّيْثِ وَغَيْرِهِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ، عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ، فَلَا يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَبْتَاعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةٍ أَخِيهِ حَتَّى يَذَرَ)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السرح المصريّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدّم أيضاً قبل بابين. ٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ الشهير، تقدّم في الباب الماضي. [تنبيه]: قوله: (وَغَيْرِهٍ) هو ابن لهيعة، كما صرّح به أبو نعيم في ((مستخرجه))، وإنما أبهمه؛ لضعفه، وهكذا عادة البخاريّ، والنسائيّ أيضاً يذكران مقروناً، ويُبهمانه؛ لما ذُكر، فتنبّه. ٤ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ) واسمه سُويد المصريّ، تقدّم قبل باب. ٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شِمَاسَةَ) - بكسر الشين المعجمة، وتخفيف المیم، بعدها مهملة - الْمَهْريّ(١) المصريّ، ثقةٌ [٣] (ت١٠١) أو بعدها (م ٤) تقدم في ((الإيمان)» ٣٢٨/٥٧. ٦ - (عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ) الْجُهنيّ الصحابيّ الشهير، أبو حمّاد، وقيل: غيره، وَلِي إمرة مصر لمعاوية ﴿ها ثلاث سنين، وكان فقيهاً فاضلاً، مات في قرب (٦٠) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٩/٦. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رَّتُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فلم يُخرج له البخاريّ، والترمذي، وابنِ شِماسة، فلم يُخرج له البخاريّ. (١) بفتح الميم، وسكون الهاء. ١٩٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمصريين من أوله إلى آخره. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ) بكسر الشين (أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ) (عَلَى الْمِنْبَرِ) متعلّق بحال مقدّر، أي حال كونه كائناً على المنبر يخطب الناس (يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ: ((الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ) أي في الدين، وهو بمعنى قول الله تعالى: ﴿إِنََّا اُلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، وإذا كان أخاه، فينبغي أن يعاشره معاشرة الإخوة في التحابّ، والتصافي، وتجنب التجافي، قال الزين العراقيّ كَخْذُ: وهذه الأُخوّة دون الأُخوّة التي آخاها رسول الله وَلّى بين أصحابه حين قدم المدينة، ولهذه الأُخُوّة مزية على أُخُوّة الإسلام(١). (فَلَا بَحِلُّ) الفاء فصيحيّة، أي إذا كان أخاً للمؤمن، فلا يحلّ (لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَبْتَاعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلَا يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ) قال الحافظ العراقيّ تَظُّهُ: هذا ظاهرٌ في اختصاص ذلك بخطبة المسلم، وقال الجمهور: تَحْرُم الْخِطبة على خِطبة الكافر أيضاً، قال النوويّ: ولهم أن يجيبوا عن الحديث بأن التقييد بـ((أخيه)) خرج على الغالب، فلا يكون له مفهوم يُعمَل به، كما في قوله تعالى: ﴿ وَلَا نَقْتُواْ أَوْلَدَّكُمْ خَشْيَةً إِمْلَئِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَرَبپُكُمُ الَّتِی فی حُجُورِكُم﴾، ونظائره. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم لك أن ما دلّ عليه ظاهر الحديث من التقييد بالمسلم هو الأرجح، فتفطّن، والله تعالى أعلم. وقوله: (حَتَّى يَذَرَ)) أي يترك، وهو مضارع وَذِرْتُهُ أَذَرُهُ، كَوَسِعَهُ يَسَعُهُ، وَذْراً، قالوا: وأماتت العرب ماضيه، ومصدره، فإذا أريد الماضي قيل: ترك، ورُبّما استُعمل الماضي على قلّة، ولا يُستعمل منه اسم فاعل(٣). قال وليّ الدين كَخُّْهُ: وقوله: ((حتى يَذَرَ)) يعود للجملتين معاً، كما هو مقتضى قاعدة الشافعيّ كَخَّثهُ، وقد ورد التصريح به في ((سنن البيهقيّ))، قال (١) وقوله في: ((فيض القدير)) ٢٥٦/٦. (٢) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٨٢/٦. (٣) ((المصباح المنير)) ٢/ ٦٥٤ بزيادة من ((القاموس)). ١٩٥ (٧) - بَابُ تَحْرِيمِ نِكَاحِ الشِّغَارِ وَيُطْلَانِ - حديث رقم (٣٤٦٥) فيه: ((حتى يَذَرَ)) بعد كلّ من الجملتين. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عقبة بن عامر ظاه هذا من أفراد المصنّف تَخَذَتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤٦٤/٦] (١٤١٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤/ ١٤٧)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٤١/٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٤/ ٨١)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (١٤٧/١)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٧/ ٣١٦)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٤٤/٥ و٣٤٦ و١٨٠/٧) و((المعرفة)) (٤/ ٣٨٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُثِبُ﴾ . (٧) - (بَابُ تَحْرِيمِ نِكَاحِ الشِّغَارِ وَبُطْلَانِهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٤٦٥] (١٤١٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ نَهَى عَنِ الشِّغَارِ)). وَالشِّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجِّلُ ابْتَتَهُ، عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْتَتَهُ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ). رجال هذا الإسناد: أربعة: وكلهم تقدّموا في البابين الماضيين. لطائف هذا الإسناد : ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وهو (٢٢٥) من رباعيّات الكتاب. (١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٦/ ٨٢. ١٩٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ. ٤ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصحّ الأسانيد على الإطلاق: مالك، عن نافع، عن ابن عمر ها، وقد تقدّم غير مرّة. ٥ - (ومنها): أن فيه ابن عمر ◌ًا من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﴿َا (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ، نَهَى عَنِ الشِّغَارِ) قال النووي: قال العلماء: الشغار - بكسر الشين المعجمة، وبالغين المعجمة - أصله في اللغة الرفع، يقال: شَغَرَ الكلبُ إذا رفع رجله ليبول، كأنه قال: لا ترفع رجل بنتي حتى أرفع رجل بنتك. انتهى. وقال صاحب ((النهاية)): قيل له: شغار؛ لا رتفاع المهر بینهما، من شغر الکلب: إذا رفع إحدی رجلیه لیبول. انتهى. وقال الفيّوميّ تَخْذُ: شَغَرَ البلدُ شُغُوراً، من باب قَعَد: إذا خلا عن حافظٍ يمنعه، وشَغَرَ الكلبُ شَغْراً، من باب نَفَعَ: رفع إحدى رجليه ليبول، وشَغَرَت المرأة: رفعت رجلَها للنكاح، وشَغَرتُها: فعلتُ بها ذلك، يتعدّى، ولا يتعدّى، وقد يتعدّى بالهمز، فيقال: أشغرتها، وشاغَرَ الرجلُ الرجلَ شِغَاراً، من باب قاتل: زوّج كلُّ واحد صاحبه حَرِيمتَهُ على أن بُضْعَ كلِّ واحدة صداقُ الأخرى، ولا مهر سوى ذلك، وكان سائغاً في الجاهليّة، قيل: مأخوذٌ من شَغَرَ البلدُ، وقيل: من شَغَر برجله: إذا رفعها، والشَّغَار، وزانُ سَلَام: الفارغ. انتهى(١). وقال الخطابيّ: قال بعضهم: أصل الشغر في اللغة: الرفع، يقال: شَغَر الكلب برجله: إذا رفعها عند البول، قال: فإنما سمي هذا النكاح شغاراً لأنهما رفعا المهر بينهما، قال: وهذا القائل لا ينفصل ممن قال: بل سُمّي شغاراً لأنه رُفِع العقدُ من أصله، فارتفع النكاح، والمهر معاً. ويبيّن لك أن النهي قد (١) ((المصباح المنير)) ٣١٦. ١٩٧ (٧) - بَابُ تَحْرِيمِ نِكَاحِ الشِّغَارِ وَيُطْلَانِهِ - حديث رقم (٣٤٦٥) انطوى على الأمرين معاً: أن البدل هنا ليس شيئاً غير العقد، ولا العقد شيئاً غير البدل، فهو إذا فسد مهراً فسد عقداً، وإذا أبطلته الشريعة، فإنما أفسدته على الجهة التي كانوا يوقعونه، وكانوا يوقعونه مهراً وعقداً، فوجب أن يفسدا (١) معاً. انتهى(١). وقال الحافظ وليّ الدين: فهذه ثلاثة أقوال على تفسير الشغار بالرفع، قال الرافعيّ: وفي بعض الشروح أن الكلب إذا كان يبول حيث يصل من غير مبالاة، قيل: شغر الكلب برجله، فسُمي شغاراً؛ لعدم المبالاة فيه بالمهر، وقال ابن عبد البرّ: للشغار في اللغة معنى لا مدخل لذكره هنا، وذلك أنه مأخوذ عندهم من شغر الكلب: إذا رفع رجله ليبول، وذلك زعموا ألا يكون منه إلا بعد مفارقة حال الصغر على حال يمكن فيها طلب الوثوب على الأنثى للنسل، وهو عندهم للكلب إذا فعله علامة بلوغه إلى حال الاحتلام من الرجال، ولا يرفع رجله للبول إلا وهو قد بلغ ذلك المبلغ، يقال منه: شغر الكلب إذا رفع رجله، فبال، أم لم يبُل، ويقال: شَغَرتُ المرأةَ أشغرها شَغْراً: إذا رفعت رجلها للنكاح. انتهى. ثم قال النوويّ، وقيل: هو من شَغَر البلد، إذا خلا؛ لخلوّه عن الصداق. انتهى. قال الرافعيّ: ويقال: لخلوّه عن بعض الشروط، وقال صاحب ((النهاية)) بعد كلامه المتقدّم: وقيل: الشغر البعد، وقيل: الاتساع. انتهى. فهذه ثلاثة أقوال غير ما تقدّم، وهي الخلوّ، والبعد، والاتساع، وعبّر القاضي عياض في ((المشارق)) بقوله: وقيل: من رَفْع الصداق فيه، وبُعْده منه. انتهى، وهذا يقتضي رجوع البعد إلى المعنى المشهور، وهو الرفع، والله أعلم. انتهى كلام وليّ الدين تقذفُ(٢). (وَالشِّغَارُ) هذا التفسير مدرج من قول نافع، كما سيأتي تحقيقه قريباً، إن شاء الله تعالى، وهو مبتدأ، خبره قوله: (أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ) ليس ذكر البنت قيداً في هذا، بل غيرها من الأخوات، والعمات، (١) ((معالم السنن)) ٢٠/٣ - ٢١. (٢) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٢٨/٧ - ٢٩. ١٩٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح ونحوها كذلك، كما هو في حديث أبي هريرة الآتي بعد هذا، قال النوويّ ◌َخْلُهُ: أجمعوا على أن غير البنات من الأخوات، وبنات الأخ، والعمّات، وبنات الأعمام، والإماء كالبنات في هذا، وصورته الواضحة: زوّجتك بنتي على أن تزوّجني بنتك، وبُضْعُ كلّ واحدة صداقٌ للأخرى، فيقول: قَبِلتُ. انتهى(١). (وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ) أي بل صداق كلّ واحدة منهما هو بُضْعُ الأخرى. وهذا النهي محمول على عدم المشروعيّة بالاتفاق، ثم إن الجمهور قالوا: لا ينعقد أصلاً، وقال الحنفيّة: ينعقد، ويلزم فيه مهر المثل، وبه يخرج عن كونه شغاراً، والحقّ ما ذهب إليه الجمهور، وسيأتي مزيد تحقيق لذلك في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﴾ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤٦٥/٧ و٣٤٦٦ و٣٤٦٧ و٣٤٦٨] (١٤١٥)، و(البخاريّ) في ((النكاح)) (٥١١٢) و((ترك الْحِيَل)) (٦٩٦٠)، و(أبو داود) في ((النكاح)) (٢٠٧٤)، و(الترمذيّ) في ((النكاح)) (١١٢٤)، و(النسائيّ) في ((النكاح)) (٣٣٣٥ و٣٣٣٨) وفي ((الكبرى)) (٥٤٩٣ و٥٤٩٧)، و(ابن ماجه) في ((النكاح)) (١٨٨٣)، و(مالك) في ((الموطإ)) (١١٣٤)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (٢٥٣/١ و٣٧٤)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٣/٤)، و(أحمد) في (مسنده)) (٧/٢ و١٩ و٦٢)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢١٨٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤١٥٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٠/٣)، و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (٨١/٤ -٨٢)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (١٨٠/١)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٩٠/١٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٩٩/٧ - ٢٠٠) (١) ((شرح النوويّ)) ٩/ ٢٠١. ١٩٩ (٧) - بَابُ تَحْرِيمِ نِكَاحِ الشِّغَارِ وَبُطْلَاِهِ - حديث رقم (٣٤٦٥) و((الصغرى)) (١٨٩/٦) و((المعرفة)) (٣٣٨/٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قال الحافظ وليّ الدين تَّهُ: ظاهر الحديث أن تفسير الشغار من تَتِمّة المرفوع، وقد أخرجه الشيخان، وغيرهما من طريق عبيد الله بن عمر، وفيه: ((قلت لنافع: ما الشغار؟ قال: يَنكِح ابنة الرجل، وُنكِحه ابنته بغیر صداق، وينكح أخت الرجل، ويُنكحه أخته بغير صداق)). فيكون مدرجاً في رواية مالك، وقال الشافعيّ تَظُّهُ: لا أدري تفسير الشغار في الحديث من النبيّ ◌َّة، أو من ابن عمر، أو من نافع، أو من مالك؟، حكاه عنه البيهقيّ في ((المعرفة))، وقال الرافعيّ: قال الأئمة: وهذا التفسير يجوز أن يكون مرفوعاً، ويجوز أن يكون من عند ابن عمر. انتهى (١). وقال في ((الفتح)): قال ابن عبد البرّ: ذَكَرَ تفسير الشغار جميعُ رواة مالك عنه. انتهى، قال الحافظ: ولا يَرِدُ على إطلاقه أن أبا داود، أخرجه عن القعنبيّ، فلم يذكر التفسير، وكذا أخرجه الترمذيّ من طريق مَعْن بن عيسى؛ لأنهما اختصرا ذلك في تصنيفهما، وإلا فقد أخرجه النسائيّ من طريق معن بالتفسير، وكذا أخرجه الخطيب في (المدرج)) من طريق القعنبيّ. نعم، اختَلَفَ الرواة عن مالك فيمن يُنسب إليه تفسير الشغار، فالأكثر لم ينسبوه لأحد، ولهذا قال الشافعيّ فيما حكاه في ((المعرفة)): لا أدري التفسير عن النبيّ ◌َ﴿، أو عن ابن عمر، أو عن نافع، أو عن مالك، ونسبه مُحْرِز بن عون، وغيره لمالك، قال الخطيب: تفسير الشغار ليس من كلام النبيّ وَّ، وإنما هو قول مالك وُصل بالمتن المرفوع، وقد بيّن ذلك ابن مهديّ، والقعنبيّ، ومُخْرِز بن عون، ثم ساقه كذلك عنهم، ورواية مُحرز بن عون عند الإسماعيليّ، والدارقطنيّ في ((الموظّآت))، وأخرجه الدارقطنيّ أيضاً من طريق خالد بن مخلد، عن مالك، قال: سمعت أن الشغار أن يتزوّج الرجل إلخ، وهذا دالّ على أن التفسير من منقوله لا من مقوله، ووقع عند البخاريّ في ((ترك الحيل)) من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع في هذا الحديث تفسير الشغار من قول نافع، ولفظه: ((قال عبيد الله بن عمر: قلت لنافع: ما الشغار؟ فذكره))، فلعلّ مالكاً أيضاً نقله عن نافع. (١) ((طرح التثريب)) ٢١/٧ - ٢٢. ٢٠٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح وقال أبو الوليد الباجيّ: الظاهر أنه من جملة الحديث، وعليه يُحْمَل حتى يتبيّن أنه من قول الراوي، وهو نافع. قال الحافظ: قد تبيّن ذلك، ولكن لا يلزم من كونه لم يرفعه أن لا يكون في نفس الأمر مرفوعاً، فقد ثبت ذلك من غير روايته، فعند مسلم من رواية أبي أسامة، وابن نُمير عن عبيد الله بن عمر أيضاً عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة به مثله سواء، قال: وزاد ابن نُمير: ((والشغار أن يقول الرجل للرجل: زوّجني ابنتك، وأُزوّجك ابنتي، وزوّجني أختك، وأزوّجك أختي))، وهذا يَحْتَمِل أن يكون من كلام عبيد الله بن عمر، فيرجع إلى نافع، ويَحْتَمِل أن يكون تلقّاه عن أبي الزناد، ويؤيّد الاحتمال الثاني وروده في حديث أنس، وجابر، وغيرهما أيضاً، فأخرج عبد الرزاق، عن معمر، عن ثابت، وأبان، عن أنس مرفوعاً: ((لا شغار في الإسلام، والشغار أن يزوّج الرجل الرجل أخته بأخته)). وروى البيهقيّ من طريق نافع بن يزيد، عن ابن جُريج، عن أبي الزبير، عن جابر، مرفوعاً: ((نُهي عن الشغار، والشغار أن يَنكح هذه بهذه بغير صداق، بُضْعُ هذه صداق هذه، وبُضع هذه صداق هذه))، وأخرج أبو الشيخ في ((كتاب النكاح)) من حديث أبي ريحانة: ((أن النبيّ وَّ نَهَى عن المشاغرة، والمشاغرة أن يقول: زوّج هذا من هذه، وهذه من هذا بلا مهر)». قال القرطبيّ: تفسير الشغار صحيح موافق لما ذكره أهل اللغة، فإن كان هذا مرفوعاً فهو المقصود، وإن كان من قول الصحابيّ، فمقبولٌ أيضاً؛ لأنه أعلم بالمقال، وأقعد بالحال. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى حسنٌّ جدّاً. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم، هل يُشتَرط في الشغار ما اقتضاه ظاهر الحديث من مراعاة الوصفين المذكورين، أم لا؟: (اعلم): أنهم اختلفوا هل يُعتبر في الشغار الممنوع ظاهر الحديث في تفسيره؟ فإن فيه وصفين: أحدهما: تزويج كلّ من الوليين وليّته للآخر بشرط أن (١) ((الفتح)) ٤٠٩/١١ - ٤١٠.