Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ (١) - بَابُ التَّرْغِيبِ فِي النِّكَاحِ، وَالتَّهْىِ عَنِ التَّثُّلِ - حديث رقم (٣٤٠٥) ٥ - (ومنها): أن فيه ابن المسيِّب من الفقهاء السبعة. ٦ - (ومنها): أن صحابيه أولّ من روى بسهم في سبيل الله، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وآخر من مات منهم ظه، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبٍ) وفي الرواية التالية: ((عن ابن شهاب أنه قال: أخبرني سعيد بن المسيِّب))، فصرّح بالإخبار (عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) وفي الرواية التالية: ((أنه سمع سعد بن أبي وقّاص))، فصرّح بالسماع (قَالَ: رَدَّ رَسُولُ اللهِ وَ ﴿) وفي رواية النسائيّ: ((لَقَدْ رَدَّ رسول الله وَ)) (عَلَى عُثْمَانَ) بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حُذافة بن جُمَح الْجُمَحيّ، قال ابن إسحاق: أسلم بعد ثلاثة عشر رجلاً، وهاجر إلى الحبشة، هو وابنه السائب الهجرة الأولى في جماعة، فلما بلغهم أن قريشاً أسلمت رجعوا، فدخل عثمان في جوار الوليد بن المغيرة، ثم ذكر ردّه جواره، ورضاه بما عليه النبيّ وَّ، وذكر قصّة مع لبيد بن ربيعة حين أنشد: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللّهَ بَاطِلُ فقال عثمان بن مظعون: صدقت، فقال لبيد: وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ فقال عثمان: كذبت، نعيم الجنة لا يزول، فقام سَفِيةٌ منهم إلى عثمان، فلطم عينيه، فاخضرّت. توفّي ◌ُبه بعد شهوده بدراً في السنة الثانية من الهجرة(١)، وهو أول من مات بالمدينة من المهاجرين ظ﴿ه، وأول من دُفن بالبقيع منهم، وروى الترمذيّ من طريق القاسم، عن عائشة، قالت: قبّل النبيّ وَّ عثمان بن مظعون، وهو ميتٌ، وهو يبكي، وعيناه تذرفان، ولما توفّي إبراهيم ابن النبيّ وَ ير قال: ((الحق بسلفنا الصالح عثمان بن مظعون)) . وفي الرواية الثالثة: ((أراد عثمان بن مظعون أن يتبثّل، فنهاه (١) وقال في ((الفتح)) (٣٣٧/١١): وكانت وفاته في ذي الحجة سنة اثنتين من الهجرة، انتھی. ٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح رسول الله وَ﴿))، فعُلِم من هذا أن معنى قوله: ((ردّ على عثمان)) أي: لم يأذن له، بل نهاه. وأخرج الطبرانيّ من حديث عثمان بن مظعون نفسه: ((أنه قال: يا رسول الله إني رجلٌ يشُقّ عليّ العزوبة، فأذن لي في الخصاء، قال: لا، ولكن عليك بالصيام ... )) الحديث. ومن طريق سعيد بن العاص: ((أن عثمان قال: يا رسول الله ائذن لي في الاختصاء، فقال: إن الله قد أبدلنا بالرهبانية الحنيفيّةَ السمحة)). فَيَحْتَمِل أن يكون الذي طلبه عثمان هو الاختصاء حقيقةً، فعبّر عنه الراوي بالتبتّل؛ لأنه ينشأ عنه، فلذلك قال: ((ولو أذن له لاختصينا)). ويَحْتَمِل عكسه، وهو أن المراد بقول سعد: ((ولو أذن لاختصينا)) لفعلنا فعل من يختصي، وهو الانقطاع عن النساء. قال الطبريّ: التبتّل الذي أراده عثمان بن مظعون تحريم النساء، والطيب، وكلّ ما يُلتذّ به، فلهذا أُنزل في حقّه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَزِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اَللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٨٧]. (التَّبَتُّلَ) أي: الانقطاع عن النساء، وترك النكاح انقطاعاً إلى عبادة الله تعالى، و((التبّل)) في الأصل: مصدر ((تَبَثَّلَ))، من البَتْل، وهو القطع، يقال: بتله بَتْلاً، من باب قتل: قطعه، وأبانه، وطلّقها طلقةً بَنَّةً بَتْلَةً، وتَبَتّل إلى العبادة: تفرّغ لها، وانقطع. والمراد هنا الانقطاع عن النكاح، وما يتبعه من الملاذّ إلى العبادة. وأما المأمور به في قوله تعالى: ﴿وَتَبَثَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمّل: ٨] فقد فسّره مجاهدٌ، فقال: أخلِصْ له إخلاصاً، وهو تفسيرُ معنىً، وإلا فأصل التبثّل الانقطاع، والمعنى: انقطع إليه انقطاعاً، لكن لما كانت حقيقة الانقطاع إلى الله تعالى إنما تقع بإخلاص العبادة له فسّرها بذلك، ومنه: ((صدقةٌ بَتْلَةٌ)) أي: منقطعةٌ عن الملك، ومريم البتول؛ لانقطاعها عن التزويج إلى العبادة، وقيل الفاطمة رضيها: البتول؛ إما لانقطاعها عن الأزواج غير عليّ، أو لانقطاعها عن نظرائها في الحسن والشرف. وقد ترجم الإمام البخاريّ كَّلُ بقوله: ((باب ما يكره من التبثّل، ٤٣ (١) - بَابُ التَّرْغِيبِ فِي النِّكَاحِ، وَالنَّهْىِ عَنِ التَُّلِ - حديث رقم (٣٤٠٥) والخصاء)). فقال في ((الفتح)): وإنما قال: ((ما يكره من التبتل والخصاء)) للإشارة إلى أن الذي يكره من التبتّل هو الذي يُفضي إلى التنطّع، وتحريم ما أحلّ الله، وليس التبّل من أصله مكروهاً، وعطف ((الخصاء)) عليه؛ لأن بعضه يجوز في الحيوان المأكول. انتهى (١). وقال القرطبيّ تَظُّهُ: ردُّ التَبتل: عبارة عن أنَّه لم يأذن له فيه، ولم يُجِزْهُ له، كما قال: ((لا رهبانية في الإسلام))؛ أي: لا تَبَتُّل. انتهى (٢). (وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا) الاختصاء من خَصَيت الفحل: إذا سَلَلت خِصْیته؛ أي: أخرجتها، واختصيتُ: إذا فعلتَ ذلك بنفسك. قال الطيبيّ: كان الظاهر أن يقول: ولو أذن له لتبتّلنا، لكنه عدل عن هذا الظاهر إلى قوله: ((لاختصينا)) لإرادة المبالغة؛ أي: لبالغنا في التبتّل حتى يفضي بنا الأمر إلى الاختصاء، ولم يُرد به حقيقة الاختصاء؛ لأنه حرام. وقيل: بل على ظاهره، وكان ذلك قبل النهي عن الاختصاء، ويؤيّده توارد استئذان جماعة من الصحابة النبيَّ ◌َ* في ذلك؛ كأبي هريرة، وابن مسعود، وغيرهما، وإنما كان التعبير بالخصاء أبلغ من التعبير بالتبتّل؛ لأن وجود الآلة يقتضي استمرار وجود الشهوة، ووجود الشهوة ينافي المراد من التبتّل، فيتعيّن الخصاء طريقاً إلى تحصيل المطلوب، وغايته أن فيه ألماً عظيماً في العاجل، يُغتفر في جنب ما يندفع به في الآجل، فهو كقطع الإصبع إذا وقعت في اليد الآكلة؛ صيانة لبقيّة اليد، وليس الهلاك بالخصاء محققاً، بل هو نادر، ويشهد له كثرة وجوده في البهائم مع بقائها، وعلى هذا فلعلّ الراوي عبّر بالخصاء عن الْجَبّ؛ لأنه هو الذي يُحصّل المقصود. والحكمة في منعهم من الاختصاء؛ إرادة تكثير النسل؛ ليستمرّ جهاد الكفّار، وإلا فلو أذن في ذلك لأوشك تواردهم عليه، فينقطع النسل، فيقلّ المسلمون بانقطاعه، ويكثر الكفّار، فهو خلاف المقصود من البعثة المحمدية. انتھی. وقال القرطبيّ تَخْتُ: قوله: ((ولو أجاز له ذلك لاختصينا)) قد بيَّنًا: أن (١) ((الفتح)) ٣٣٦/١١ - ٣٣٧. (٢) ((المفهم)) ٨٨/٤. ٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح الخصاء هو شَقُّ الخصيتين وانتزاعهما، وقد يقال: من أين يلزم من جواز التبتل عن النساء جواز الاختصاء؟ وهو قطع عضوين شريفين بهما قوام النسل، وفي قطعهما ألم عظيم لا يجوز لأحد أن يُدْخِلَهُ على نفسه، وضررٌ عظيم ربما يفضي بصاحبه إلى الهلاك، وهو محرمٌ بالاتفاق. والجواب أن ذلك لازم من حيث أن مطلق التبتل يتضمنه، وكأنَّ قائل ذلك وقع له: أنَّ التبتل الحقيقي الذي تؤمن معه شهوة النساء هو الخصاء، فكأنّه أخذ بأكثر مما يدل عليه الاسم، وقولكم: هو ألم عظيم مُسَلَّم، لكنه مُغتفرٌ في جنب صيانة الدّين، فقد يُغتفر الألم العظيم في جنب ما هو أعظم منه، كقطع اليد للآكلة، وكالكيٍّ، والبَطّ، وغير ذلك. وقولكم: هو مُفْض إلى الهلاك غالباً، غير مُسلَّم، بل نقول: وقوعُ الهلاك منه نادرٌ، فلا يُلْتَفتُ إليه، وخصاء البهائم يشهد بذلك، وما ذكرناه إنما هو تقدير ما وقع لسعدٍ، ولا يُظَنُّ: أن ذلك يجوز لأحدٍ اليوم، بل هو محرّم بالإجماع، وكلُّ ما ذكرناه مبنيٌّ على الأخذ بظاهر: ((لاختصينا))، ويَحْتَمِل أن يريد به سعدٌ: لمنعنا أنفسنا من النساء، منع المختصي، والظاهر هو الأول، والله أعلم. قال: وحديث أنس وسهلٍ يدلان على أن التزويج أفضل من التفرغ للعبادة، وهو أحد القولين المتقدمين، ويمكن أن يقال: كان ذلك في أول الإسلام، لِما كان النساء عليه من المعونة على الدِّين والدنيا، وقلّة الكلف، والتعاون على البر والتقوى، والحنوّ، والشفقة على الأزواج، وأمَّا في هذه الأزمان فنعوذ بالله من الشيطان والنسوان، فوالله الذي لا إله إلا هو لقد حلَّت العزلة والعزبة، بل وتعيّن الفِرار من فتنتهنَّ، والرحلة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ كَّلُ، واستعاذ منه حسبما شاهده في بلده، وليس ذلك لازماً لكلّ بلد، وكلّ وقت، فالأمة الإسلاميّة فيها خير كثير، وفيها نساء مؤمنات صالحات، كما أنه لا يستنكر : 2 وجود المنافقات في العهد الأول، فلا يزال الخير موجوداً، وقد قال الله ثم (١) ((المفهم)) ٤ /٨٨ - ٩٠. ٤٥ (١) - بَابُ التَّرْغِيبِ فِي النِّكَاحِ، وَالنَّهْىِ عَنِ التَّثُّلِ - حديث رقم (٣٤٠٥) ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجَا لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا﴾ الآية [الروم: ٢١]، فهذا امتنان من الله رَك يمتنّ به على عباده، فوجود الزوجة التي يسكن إليها الرجل مستمرّ، فالحقّ أن يأخذ المسلم بما أرشد إليه النبيّ ◌َ ر، وهو النكاح، وتكثير الأمة الإسلاميّة بالأولاد، وعليه أن يبحث عن النساء الصالحات، ويستخير الله تعالى، ويدعوه بالتوفيق، فليُتنبّه، فإن هذا من مزالّ الأقدام، وفيه الإحجام عن سنّة خير الأنام، عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سعد بن أبي وقّاص ◌ُبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤٠٥/١ و٣٤٠٦ و٣٤٠٧] (١٤٠٢)، و(البخاريّ) في ((النكاح)) (٥٠٧٤)، و(الترمذيّ) في ((النكاح)) (١٠٨٣)، و(النسائيّ) في ((النكاح)) (٣٢١٣) و((الكبرى)) (٥٢٢٣)، و(ابن ماجه) في (النكاح)) (١٨٤٨)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٦٨/٦ و١٥٠/٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٧٥/١ و١٧٦ و١٨٣)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢١٦٧ و٢١٦٩)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٨/٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٤/ ٦٤ - ٦٥)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٦٧٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٠٢٧)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٣٣/٩ - ٣٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٢٠/٢ و١٢٨)، و(البزّار) في ((مسنده)) (٢٧٩/٣ - ٢٨٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧٩/٧)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٢٣٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان النهي عن التبتّل. ٢ - (ومنها): بيان سماحة الشريعة، وسهولة تكاليفها، حيث منعت عن الاختصاء الذي ضرره أكثر من نفعه، حيث يمنع من الطيبات، وينقطع به النسل، وتنقص به كرامة الرجل. ٣ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة من شدّة الحرص على الطاعة، ٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح وإزالة العقبات التي تعوقهم عنها، وإن كان فيها ألم وضرر في أبدانهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّقُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٤٠٦] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو عِمْرَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَن ابْنِ شِهَابِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعْداً يَقُولُ: رُدَّ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التََّقُّلُ، وَلَوْ أُذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو عِمْرَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ) الْوَرَكانيّ - بفتحتين - الْخُراسانيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت٢٢٨) (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٥٥/٣٨. ٢ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجة [٨] (ت١٨٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩/ ١٤١. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: وقع في بعض النسخ في هذا السند ما نصّه: ((عن ابن شهاب، عن الزهريّ)) بزيادة ((عن)) بين ابن شهاب، وبين الزهريّ، وهو غلط، والصواب: عن ابن شهاب الزهريّ، فإن الزهريّ هو ابن شهاب نفسه، فتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق. وقوله: (رُدَّ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ) ببناء الفعل للمفعول، وقد تبيّن بالرواية السابقة أن الراد هو النبيّ رَل﴾. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان المسائل المتعلّقة به في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٤٠٧] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ عُقِيْلِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُوَّلُ: أَرَادَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ أَنْ يَتَبَثَّلَ، فَنَهَاهُ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، وَلَوْ أَجَازَ لَهُ ذَلِكَ لَاخْتَصَيْنَا). ٤٧ (٢) - بَابُ نَذْبٍ مَنْ رَأَى امْرَأَةً فَوَقَعَتْ فِي نَفْسِهِ ... إلخ - حديث رقم (٣٤٠٨) رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) القُشيريّ مولاهم، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقة حافظٌ عابدٌ [١١] (ت٢٤٥) (خ م « ت س) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. ٢ - (حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى) اليماميّ، أبو عُمير سكن بغداد، وولي قضاء خُراسان، ثقةٌ [٩] (ت٢٠٥) (خ م د ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٨١/ ٤٣٧. ٣ - (لَيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ [٧] (ت١٧٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤١٢. ٤ - (عُقَيْلُ) بن خالد الأمويّ مولاهم، أبو خالد الأيليّ، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت١٤٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٣/٨. والباقون ذُكروا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلِهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (٢) - (بَابُ نَذْبٍ مَنْ رَأَى امْرَأَةً فَوَقَعَتْ فِي نَفْسِهِ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ امْرَأَتَهُ، أَوْ جَارِيَتَهُ، فَيُوَاقِعَهَا) وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٣٤٠٨] (١٤٠٣) - (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ رَأَى امْرَأَةً، فَأَتَى امْرَأَتَهُ زَيْنَبَ، وَهِيَ تَمْعَسُ مَنِيئَةً لَهَا، فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: ((إِنَّ الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةٍ شَيْطَانٍ، وَتُدْبِرُ فِي صُورَةٍ شَيْطَانٍ، فَإِذَا أَبْصَرَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً، فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِهِ)). ٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بن بَحْر بن كَنِيزِ الْفَلّاس الصيرفيّ، أبو حفص البصريّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت٢٤٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٨/٦. ٢ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت١٨٩) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٧/٥. ٣ - (هِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللهِ) اسم أبيه سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢/ ١٥٦. ٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤. ٥ - (جَابِرُ) بن عبد الله بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ النجّاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ظًُّا، مات سنة بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ◌َّلهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين إلى هشام، والباقيان مكيّان، وجابر مدنيّ، وقد سكن مكة. ٤ - (ومنها): أن جابراً ظ له أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثاً . شرح الحديث: (عَنْ جَابِرٍ) رَّبُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ رَأَى امْرَأَةً) قال صاحب ((التنبيه)): لا أعرفها (١)، وقال القرطبيّ: قوله: ((رأى امرأةً)) أي: وقع بصره عليها فَجْأَةً، وكان ◌َ ﴿ لا تحتجب النساء منه، وكان إذا أعجبته امرأة، فرغب فيها حَرُم على زوجها إمساكها، هذا ذكره أبو المعالي وغيره. انتهى(٢). (١) ((تنبيه المعلم)) ص٢٣٣. (٢) ((المفهم)) ٤ / ٩٠. ٤٩ (٢) - بَابُ نَدْبٍ مَنْ رَأَى امْرَأَةً فَوَقَعَتْ فِي نَفْسِهِ ... إلخ - حديث رقم (٣٤٠٨) قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((لا تحتجب النساء منه)) يحتاج إلى دليل، وكذا قوله: ((حَرُم على زوجها إمساكها))، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وقال الأبيّ تَخُّْهُ - بعد ذكر ما مرّ عن أبي المعالي وغيره -: قلت: وعلى هذا لا يحتاج إلى تأويل أن يكون رآها فجأة، وحمله بعضهم على أنها نظرة الفجأة، وأنه مع كونها فجأةً لا بدّ من التأويل؛ لأن نظر الفجأة قد توقع في النفس، وتأويله ما تقدّم. وقال ابن العربيّ تَخّْتُهُ: الحديث غريب المعنى؛ فإن الذي جرى منه شيء لا يعلمه إلا الله تعالى، وإنما أذاعه للتعليم، وما وقع في نفسه من الإعجاب بالمرأة غير مؤاخذ به، ولا ينقص من منزلته، وهو من مقتضى الْجِبِّي والشهوة الآدميّة، وغلبها بالعصمة، فأتى أهله؛ ليقضي حقّ الإعجاب، والشهوة الآدميّة، والاعتصام والعفّة. انتهى(١). (فَأَتَّى امْرَأَتَهُ زَيْنَبَ) بنت جحش الأسديّة أم المؤمنين، ماتت عظُّا في خلافة عمر رَُّه (وَهِيَ تَمْعَسُ مَنِيئَةً لَهَا) جملة حاليّة من المفعول؛ أي: تَدْبُغُ جلداً، وهو بفتح التاء، وسكون الميم، وفتح العين المهملة، من باب مَنَعَ، يقال: مَعَسَه: إذا دَلَكه دلكاً شديداً(٢) . وقال النوويّ كَُّ: قال أهل اللغة: ((الْمَعْسُ)) بالعين المهملة: الدلك، و((المَنِيئَةُ)) - بميم مفتوحة، ثم نون مكسورة، ثم همزة ممدودة، ثم تاء تُكْتَب هاءً - وهي على وزن صغيرة، وكبيرة، وذبيحة، قال أهل اللغة: هي الجلد أولَ ما يوضع في الدباغ، وقال الكسائيّ: يُسَمَّى مَنِيئةً ما دام في الدباغ، وقال أبو عبيدة: هو في أول الدباغ مَنِيئةٌ، ثم أَفِيقٌ بفتح الهمزة، وكسر الفاء، وجمعه أُفُق، كقفيز وقفز، ثم أَدِيم، والله أعلم(٣). (فَقَضَى حَاجَتَهُ) أي: جامعها (ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: ((إِنَّ الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةٍ شَيْطَانٍ) قال الطيبيّ كَخْتُ: جعل ((صورة شيطان)) ظرفاً لإقبالها مبالغةً على سبيل التجريد، كما تقول: رأيتُ فيك أسداً؛ أي: لست غير (١) راجع: ((شرح الأبيّ)) ١٠/٤. (٣) ((شرح النوويّ)) ١٧٨/٩. (٢) ((القاموس المحيط)) ٢٥١/٢. ٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح الأسد؛ لأن إقبالها داع للإنسان إلى استراق النظر إليها، كالشيطان الداعي إلى الشرّ والوسواس، وعلى هذا إدبارها؛ لأن الطرف رائد القلب، فيتعلّق بها عند الإدبار، فيتخيّل للوصول إليها، قال الحماسيّ [من الطويل]: لِقَلْبِكَ يَوْماً أَتْعَبَتْكَ الْمَنَاظِرُ وَكُنْتَ إِذَا أَرْسَلْتَ طَرْفَكَ رَائِداً عَلَيْهِ وَلَا عَنْ بَعْضِهِ أَنْتَ صَابِرُ رَأَيْتَ الَّذِي لَا كُلَّهُ أَنْتَ قَادِرٌ قال أبو حامد: النظر مبدأ الزنا، فحفظه مُهمّ، وهو عسيرٌ من حيثُ إنه قد يُستهان به، ولا يَعُْمُ الخوف منه، والآفات كلّها تنشأ منه. انتهى(١). (وَتُدْبِرُ فِي صُورَةٍ شَيْطَانٍ) شبّهها بالشيطان في صفة الوسوسة، والإضلال، فإن رؤيتها من جميع الجهات داعية للفساد، قاله القاريّ تَذَتُهُ(٢). وقال النوويّ تَخّْثُهُ: قال العلماء: معناه الإشارة إلى الهوى، والدعاء إلى الفتنة بها؛ لِما جعله الله تعالى في نفوس الرجال من الميل إلى النساء، والالتذاذ بنظرهنّ، وما يتعلق بهنّ، فهي شبيهة بالشيطان في دعائه إلى الشر بوسوسته، وتزیینه له. انتهى(٣). وقال النوويّ تَخْفُهُ: وفي الرواية الأخرى: ((إذا أحدَكُم أعجبته المرأة، فوقعت في قلبه، فَلْيَعْمِد إلى امرأته، فليواقعها، فإن ذلك يَرُدّ ما في نفسه))، هذه الرواية الثانية مبيّنة للأولى، ومعنى الحديث أنه يستحب لمن رأى امرأة، فتحركت شهوته، أن يأتي امرأته، أو جاريته، إن كانت له، فليواقعها؛ ليدفع شهوته، وتَسْكُن نفسه، ويَجْمَعَ قلبه على ما هو بصدده. انتهى (٤). (فَإِذَا أَبْصَرَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً) أي: فأعجبته، ووقعت في نفسه (فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ) أي: فليجامعها (فَإِنَّ) الفاء للتعليل؛ أي: لأن (ذَلِكَ) أي: الجماع (يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِهِ))) قال القاري كَّتُهُ: ((يردّ)) بمثناة تحتية، من الردّ، وقال صاحب ((النهاية)) (يُبْرِد)) بالموحدة، من البرد، ذكره السيوطيّ، وقال ابن الملك تَُّهُ: قوله: (يَرُدُّ» بياء المضارعة من الردّ، ورُوي بالباء الموحدة، على صيغة الماضي، من (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٢٧٠/٧. (٢) ((مرقاة المفاتيح)) ٢٥٥/٦. (٤) ((شرح النوويّ)) ١٧٨. (٣) ((شرح النوويّ)) ١٧٨/٩. ٥١ (٢) - بَابُ نَدْبٍ مَنْ رَأَى امْرَأَةً فَوَقَعَتْ فِي نَفْسِهِ ... إلخ - حديث رقم (٣٤٠٨) التبريد، والمشهور هو الرواية الأولى. انتهى (١). وقال القرطبيّ كَّلُهُ: قوله: ((إن المرأة تُقْبِل في صورة شيطان)): أي: في صفته من الوسوسة، والتحريك للشهوة بما يبدو منها من المحاسن المثيرة للشهوة النفسية، والميل الطبيعي، وبذلك تدعو إلى الفتنة التي هي أعظم من فتنة الشيطان، ولذلك قال ◌َ: ((ما تركت في أمتي فتنة أضر على الرجال من النساء))(٢)، فلمّا خاف ◌َ لل هذه المفسدة على أمته أرشدهم إلى طريق بها تزول وتنحسم، فقال: ((إذا أبصر أحدكم المرأة، فأعجبته فليأت أهله))، ثم أخبر بفائدة ذلك، وهو قوله: «فإن ذلك يردّ ما في نفسه)»، وللردّ وجهان: أحدهما: أنَّ المنَّي إذا خرج؛ انكسرت الشهوة، وانطفأت، فزال تعلُّق النَّفْس بالصّورة الْمَرئيّة. وثانيهما: أن محل الوطء والإصابة متساوٍ من النساء كلِّهنّ، والتفاوت إنما هو من خارج ذلك، فليُكْتَف بمحلِّ الوطء، الذي هو المقصود، ويُغْفَل عمَّا سواه، وقد دلّ على هذا ما جاء في هذا الحديث في غير مسلم بعد قوله: («فليأت أهله)): ((فإن معها مثل الذي معها))(٣). قال: ولا يُظْنُّ برسول الله وَّه ــ لَمَّا فعل ذلك - ميلُ نَفْسٍٍ، أو غلبة شهوة - حاشاه عن ذلك - وإنما فعل ذلك لِيَسُنَّ، وليُقتدى به، ولِيَحْسِمَ عن نفسه ما يتوقع وقوعه. انتهى(٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر نظراته هذا من أفراد المصنّف ◌َظّتُهُ . [تنبيه]: حديث جابر ظه هذا من رواية أبي الزبير، عنه، وهو مدلّس، وقد عنعنه، ولم أر له فيه تصريحاً بالسماع، إلا أن المصنّف صححه، ولا يسعنا إلا أن نُحسن الظنّ فيه، فتأمل، والله تعالى أعلم. (١) ((مرقاة المفاتيح)) ٢٥٥/٦. (٣) رواه ابن حبّان في ((صحيحه)) (٥٥٧٢). (٤) ((المفهم)) ٤ /٩٠ - ٩١. (٢) متّفقٌ عليه. ٥٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤٠٨/٢ و٣٤٠٩ و٣٤١٠] (١٤٠٣)، و(أبو داود) في ((النكاح)) (٢١٥١)، و(الترمذيّ) في ((النكاح)) (١١٥٨)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٥١/٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٣٠/٣)، و(عبد بن حُميد) في («مسنده)) (٣٢٢/١)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (١٥/٣ - ١٦)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٦٥/٤ - ٦٦)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٣٤/٣) و((الكبير)) (٢٤ / ٥٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩٠/٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن من رأى امرأةً، فأعجبته، ووقعت في نفسه ينبغي له أن يأتي امرأته، أو جاريته، فيواقعها. ٢ - (ومنها): بيان أنه ينبغي للمرأة أن لا تخرج بين الرجال الا لضرورة؛ لئلا تفتنهم. ٣ - (ومنها): أنه ينبغي للرجل الغضّ عن ثيابها، وعدم تأمل محاسنها، والإعراض عنها؛ لئلا يقع في فتنة. ٤ - (ومنها): إنما فعل النبيّ ◌َل﴿ بأهله ما ذُكر بياناً لأمته، وإرشاداً لما ينبغي لهم أن يفعلوه إذا وقع لهم مثل ذلك، فعلّمهم بفعله؛ لكونه أبلغ. ٥ - (ومنها): بيان أنه لا بأس بطلب الرجل امرأته إلى الوقاع في النهار وغيره، وإن كانت مشتغلة بما يمكن تركه؛ لأنه ربما غلبت على الرجل شهوة يتضرر بالتأخير في بدنه، أو في قلبه (١). ٦ - (ومنها): أن الحديث يدلّ على أرجحيّة النكاح؛ لأن به يحصل التمكن من مدلول الحديث؛ لعدم تحصيل الصوم ذلك(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٤٠٩] ( .. ) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ أَبِي الْعَالِيَةِ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ (١) راجع: ((شرح النوويّ)) ١٧٩/٩. (٢) راجع: ((شرح الأبيّ)» ١١/٤. ٥٣ (٢) - بَابُ نَذْبٍ مَنْ رَأَى امْرَأَةً فَوَقَعَتْ فِي نَفْسِهِ ... إلخ - حديث رقم (٣٤٠٩) أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ رَأَى امْرَأَةً، فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَأَتَّى امْرَأَتَهُ زَيْئَبَ، وَهِيَ تَمْعَسُ مَنِيئَةً، وَلَمْ يَذْكُرْ: ((تُدْبِرُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ)، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. ٢ - (عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبريّ مولاهم التَّنُّوريّ، أبو سهل البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت٢٠٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٢. ٣ - (حَرْبُ بْنُ أَبِي الْعَالِيَةِ) أبو معاذ البصريّ، قيل: اسم أبي العالية مِهْرَان، صدوقٌ يَهِمُ [٧]. رَوَى عن أبي الزبير، وابن أبي نَجيح، والحسن البصريّ. وروى عنه عبد الصمد بن عبد الوارث، وأبو الوليد، وهشيم، وقتيبة بن سعيد، ومحمد بن سليمان لُوَين، وجماعة. قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه، فقال: روى عنه هشيم، ما أدري له أحاديث، كأنه ضعّفه، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: شيخ ضعيفٌ، قال: وقال القواريريّ: هو شيخ لنا ثقةٌ، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال العقيليّ: ضعّفه أحمد، وقال الصريفينيّ: مات سنة بضع وسبعين ومائة. تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وليس له عندهما إلا هذا الحديث. والباقیان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية حرب بن أبي العالية، عن أبي الزبير هذه ساقها أبو عوانة تَخْلَثُ في ((مسنده)) ١٦/٣ فقال: وحدثنا الصغانيّ، قال: ثنا زهير، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا حرب، قال: ثنا أبو الزبير، عن جابر؛ أن النبيّ وَله رأى امرأة، فأعجبته، فأتى امرأته زينب، وهي تَمْعَسُ مَنِيئَةً لها، فقضى حاجته منها، ثم خرج، فقال: ((إن المرأة تقبل في صورة شيطان، فإذا رأى أحدكم امرأةً، ٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح فأعجبته، فليأت أهله، فإن ذلك يَرُدّ ما في نفسه)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّقُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٤١٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلُ، عَنْ أَبِيِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: قَالَ جَابِرٌ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َهِ يَقُولُ: ((إِذَا أَحَدُكُمْ أَعْجَبَتْهُ الْمَرْأَةُ، فَوَقَعَتْ فِي قَلْبِهِ، فَلْيَعْمِدْ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَلْيُوَاقِعْهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِهِ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) الْمِسْمعيّ النيسابوريّ، نزيل مكة، ثقةٌ، من كبار [١١] مات سنة بضع (٢٤٠) (م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٦٠. ٢ - (الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ) هو: الحسن بن محمد بن أعين، نُسب لجدّه، أبو عليّ الحرّانيّ، صدوقٌ [٩] (٢١٠) (خ م س) تقدم في (الإيمان)) ١١٩/٤. ٣ - (مَعْقِلُ) بن عبيد الله الْجَزَريّ، أبو عبد الله الْعَبْسيّ مولاهم، صدوقٌ يُخطئ [٨] (ت١٦٦) (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤. والباقيان ذُکرا قبله. وقوله: (أَعْجَبَتْهُ) أي: استحسنها؛ لأن غاية رؤية المتعجّب منه تعظيمه، واستحسانه، قاله الطيبيّ كَذّهُ(١). والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَّهِ أُنِبُ﴾ . (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٧/ ٢٢٧٠. ٥٥ (٣) - بَابُ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَبَيّانِ أَنَّهُ أُبِيحَ، ثُمَّ نُسِخَ، ... إلخ (٣) - (بَابُ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَبَيَانِ أَنَّهُ أُبِيحَ، ثُمَّ نُسِخَ، ثُمَّ أُبِيحَ، ثُمَّ نُسِخَ، وَاسْتَقَرَّ تَحْرِيمُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) (اعلم): أن ((الْمُتْعَةَ)) - بضمّ الميم، وسكون المثناة الفوقانيّة -: هي النكاح إلى أجل معيّن، وهو من التمتّع بالشيء، وهو الانتفاع به، يقال: تمتّعتُ به أَتَمَتَّعُ تمتّعاً، والاسم الْمُتْعة، كأنه يَنتَفِع بها إلى أمد معلوم. وقد كان مباحاً في أول الإسلام، ثم حرّم، وهو الآن جائزٌ عند الشيعة. قاله ابن الأثير تَخَّتُهُ(١). ٠٠ وقال الفيّوميّ تَخْثُ: نكاح المتعة: هو المؤقّت في العقد، وقال في العُبَاب: كان الرجل يُشارط المرأة شرطاً على شيء إلى أجل معلوم، ويُعطيها ذلك، فيستحلّ بذلك فرجها، ثم يُخلي سبيلها من غير تزويج، ولا طلاق. (٢). انتھی وقال ابن منظور تَخْذُّ: والمتعة: التمتّع بالمرأة، لا تريد إدامتها لنفسك، ومتعة التزويج بمكة منه. وأما قول الله تعالى في ((سورة النساء)) بعقب ما حُرّم من النساء، فقال: ﴿وَأُحِلَ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُواْ بِأَمْوَلِكُمْ تُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينٌ﴾ [النساء: ٢٤] أي: عاقدي النكاح الحلال، غير زُناة ﴿فَمَا أَسْتَمْتَعْثُ بِهِ، مِنْهُنَّ فَتُوُهُنَّ أُجُورَهُنَّ فِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤]، فإن الزّجّاج ذكر أن هذه الآية غلِطَ فيها قومٌ غَلَطاً عظيماً لجهلهم باللغة، وذلك أنهم ذهبوا إلى قوله: ﴿فَمَا أُسْتَمْتَعْثُم بِهِ مِنْهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤] من المتعة التي قد أَجْمَع أهل العلم أنها حرامٌ، وإنما معنى ﴿فَمَا أُسْتَمْتَعْثُم بِهِهِ مِنْهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤]، فما نكحتم منهنّ على الشريطة التي جرى في الآية أنه الإحصان أن تبتغوا بأموالكم محصنين؛ أي: عاقدين التزويج؛ أي: فما استمتعتم به منهنّ على عقد التزويج الذي جرى ذكره، فآتوهنّ أُجورهنّ فريضةً؛ أي: مهورهنّ، فإن استمتع بالدخول بها، آتى المهر تامّاً، وإن استمتع بعقد النكاح آتى نصف المهر. (١) ((النهاية)) ٤٧٠/٢ (٢) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٦٢. ٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح قال الأزهريّ: المتاع في اللغة كلُّ ما انتُفِعَ به، فهو متاعٌ، وقوله تعالى: ﴿وَمَتِعُوهُنَ عَلَى الْوُسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] ليس بمعنى زوّدوهنّ الْمُتَعَ، إنما معناه: أعطوهنّ ما يَستمتعن به، وكذلك قوله: ﴿ وَلْمُطَلَّقَتِ مَتَعٌ بِلْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١] قال: ومن زعم أن قوله تعالى: ﴿فَمَا أَسْتَمْتَعْثُم بِه مِنْهُنَّ﴾ التي هي الشرط في التمتّع الذي يفعله الرافضة، فقد أخطأ خطأً عظيماً؛ لأن الآية واضحةٌ بيّنةٌ. قال: فإن احتجّ محتجّ من الروافض بما يُرْوَى عن ابن عباس أنه كان يراها حلالاً، وأنه كان يقرؤها: ((فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمَّى))، فالثابت عندنا أن ابن عبّاس كان يراها حلالاً، ثم لما وقف على نهي النبيّ وَّل رجع عن إحلالها. انتهى المقصود من كلام ابن منظور كثّفُهُ(١). وترجم الإمام البخاريّ تَُّ في ((صحيحه)): ((باب نهي النبيّ وَّ عن نكاح المتعة أخيراً)). قال في ((الفتح)): يعني تزويج المرأة إلى أجل، فإذا انقضى وقعت الفرقة، وقوله في الترجمة: ((أخيراً)) يُفهم منه أنه كان مباحاً، وأن النهي عنه وقع في آخر الأمر، وليس في أحاديث الباب التي أوردها التصريح بذلك، لكن قال في آخر الباب: ((أن عليّاً بيّن أنه منسوخ، وقد وردت عدّة أحاديث صحيحة صريحة بالنهي عنها بعد الإذن فيها، وأقرب ما فيها عهداً بالوفاة النبويّة ما أخرجه أبو داود من طريق الزهريّ، قال: ((كنّا عند عمر بن عبد العزيز، فتذاكرنا متعة النساء، فقال رجلٌ يقال له ربيع بن سبرة: أشهد على أبي أنه حدّث أن رسول الله وَّ نَهَى عنها في حجة الوداع)). انتهى(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٣٤١١] (١٤٠٤) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرِ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَوَكِيعٌ، وَابْنُ بِشْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ يَقُولُ: (١) ((لسان العرب)) ٣٢٩/٨ - ٣٣٠. (٢) ((الفتح)) ١١/ ٤١٧. ٥٧ (٣) - بَابُ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَبَيَانِ أَنَّهُ أُبِيحَ، ثُمَّ نُسِخَ، ... إلخ - حديث رقم (٣٤١١) كُثَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ وَلِ لَيْسَ لَنَا نِسَاءُ، فَقُلْنَا: أَلَا نَسْتَخْصِي؟ فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ إِلَى أَجَلِ، ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللهِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْنَدُوَأْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُ (ه﴾ [المائدة: ٨٧]). اُلْمُعْتَدِينَ رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرِ الْهَمْدَانِيُّ) أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. ٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت١٩٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. ٣ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قبل باب. ٤ - (ابْنُ بِشْرٍ) هو: محمد بن بشر بن الْعَبديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٧/١. ٥ - (إِسْمَاعِيلَ) بن أبي خالد البجليّ الأحمسيّ مولاهم، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت١٤٦) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٩. ٦ - (قَيْسُ) بن أبي حازم البجليّ، أبو عبد الله الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ [٢] مات بعد التسعين، أو قبلها، وقد جاوز المائة، وتغيّر (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٧٥. ٧ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود ◌ُته، تقدّم قبل باب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ◌َُّهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم. ٥ - (ومنها): أن قيساً هذا اجتمع له الرواية عن العشرة المبشّرين بالجنة كلِّهم على الصحيح، ولا يوجد في التابعين له نظير، فتنبّه. ٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح ٦ - (ومنها): أن صحابيّه الكلام فيه قريباً . ـة، وقد مضى عبْه من مشاهير الصحابة شرح الحديث: (عَنْ قَيْسٍ) بن أبي حازم، مخضرمٌ، قَدِمَ المدينة بعدما قُبِض النبيّ ◌َِّه؛ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ يَقُولُ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهَِ﴿ لَيْسَ لَنَا نِسَاءٌ، فَقُلْنَا: أَلَا نَسْتَخْصِي) أي: نَخْصِي أنفسنا، ونستغني عن النساء، والاسم الْخِصَاء ممدوداً، وهو سَلُّ الأنثيين، وإخراجهما، وقال الكسائيّ: الْخِصْيتان البيضتان، والْخِصْيان الجلدتان عليهما، قاله في ((المشارق))(١). وقال في ((الفتح)): قوله: ((ألا نستخصي))؛ أي: ألا نستدعي من يفعل بنا الْخِصاء، أو نعالج ذلك بأنفسنا. انتهى (٢). (فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ) أي: عن الاستخصاء، فدلّ على أنه حرام في الآدميّ صغيراً كان أو كبيراً؛ لأن فيه تغيير خلق الله تعالى، ولما فيه من قطع النسل، وتعذيب الحيوان، قال البغويّ: وكذا كل حيوان لا يؤكل، وأما المأكول فيجوز في صغره، ويحرُم في كبره. انتهى(٣). وقال في ((الفتح)): قوله: ((فنهانا عن ذلك)): هو نهي تحريم بلا خلاف في بني آدم؛ لما فيه من المفاسد، من تعذيب النفس، والتشويه، مع إدخال الضرر الذي قد يُفضي إلى الهلاك، وفيه إبطال معنى الرجولية، وتغيير خلق الله، وكفر النعمة؛ لأن خلق الشخص رجلاً من النعم العظيمة، فإذا أزال ذلك فقد تشبّه بالمرأة، واختار النقص على الكمال. قال القرطبيّ ◌َّهُ: الخصاء في غير بني آدم ممنوع في الحيوان إلا لمنفعة حاصلة في ذلك، کتطییب اللحم، أو قطع ضرر عنه. وقال النوويّ: يَحْرُم خصاء الحيوان غير المأكول مطلقاً، وأما المأكول فيجوز في صغيره دون كبيره، وما أظنه يدفع ما ذكره القرطبيّ من إباحة ذلك (١) ((مشارق الأنوار)) ٢٤٣/١. (٣) راجع: ((عمدة القاري)) ٢٠/ ٧١. (٢) ((الفتح)) ٣٣٨/١١. ٥٩ (٣) - بَابُ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَبَيَانِ أَنَّهُ أُبِيحَ، ثُمَّ نُسِخَ، ... إلخ - حديث رقم (٣٤١١) في الحيوان الكبير عند إزالة الضرر. انتهى (١). (ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا) وفي رواية للبخاريّ في ((التفسير)): ((ثم رخّص لنا بعد ذلك)) (أَنْ نَنْكِحَ) بكسر الكاف، من باب ضرب (الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ) أي: بالثوب، وغيره مما نتراضى به، وفي حديث جابر ظه الآتي: ((كنّا نستمتع بالقُبْضة من التمر، والدقيق الأيام على عهد رسول الله وَلجر ... )) (إِلَى أَجَل) أي: إلى وقت محدّد (ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعود رَؤُه مستدلاً على تحريمَ الخصاء (﴿يَأَيُّها الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُخَزِّمُواْ طَيِّبَتِ مَا أَهَلَّ اَللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوَّأْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ اُلْمُعْتَدِينَ (٨)) قال في ((الفتح)): وظاهر استشهاد ابن مسعود ظه بهذه الآية هنا يُشْعِر بأنه كان يرى بجواز المتعة، فقال القرطبيّ: لعله لم يكن حينئذ بَلَغَه الناسخ، ثم بلغه، فرجع بعدُ. قال الحافظ: يؤيده ما ذكره الإسماعيليّ أنه وقع في رواية أبي معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد: ((ففعله، ثم ترك ذلك))، قال: وفي رواية لابن عيينة، عن إسماعيل: ثم جاء تحريمها بعدُ، وفي رواية معمر، عن إسماعيل: (ثم نُسِخَ)). انتهى(٢). وقال الإمام ابن القيّم تَخّلُهُ: وقراءة عبد الله هذه الآية عقيب هذا الحديث يَحْتَمِل أمرين: أحدهما: الردّ على من يُحَرِّمها، وأنها لو لم تكن من الطيبات لما أباحها رسول الله وَ له. والثاني: أن يكون أراد آخر هذه الآية، وهو الردّ على من أباحها مطلقاً، وأنه مُعْتَدٍ، فإن رسول الله ﴿ إنما رَأَخَّصَ فيها للضرورة، وعند الحاجة في الغزو، وعند عدم النساء، وشدّة الحاجة إلى المرأة، فمن رَخَّص فيها في الحضر مع كثرة النساء، وإمكان النكاح المعتاد، فقد اعتدى، والله لا يحب المعتدين (٣). قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأول أقرب؛ لما تقدّم في التحقيق (١) ((الفتح)) ٣٣٨/١١ - ٣٣٩. (٣) ((زاد المعاد)) ٤٦٢/٣. (٢) ((الفتح)) ٣٣٩/١١. ٦٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود ظه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤١١/٣ و٣٤١٢ و ٣٤١٣] (١٤٠٤)، و(البخاريّ) في ((التفسير)) (٤٦١٥) و((النكاح)) (٥٠٧١ و٥٠٧٥)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٣٦/٦)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٩٢/٤) و((مسنده)) (١/ ١٤٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٨٥/١ و٤٢٠ و٤٣٢ و٤٥٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤١٤١)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٢٤/٣)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (١٠/٣ و٣٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٦٦/٤ - ٦٧)، و(أبو يعلى) في («مسنده)) (٢٦٠/٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧٩/٧ و٢٠٠ و٢٠١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان إباحة نكاح المتعة، إلا أنه نُسح بعدُ. ٢ - (منها): بيان جواز النسخ في الشريعة الإسلاميّة، ووقوعه، وهو مجمع عليه بين المسلمين. ٣ - (ومنها): بيان أن بعض كبار الصحابة ﴿ه يخفى عليهم ما نُسخ من الأحكام؛ فإن ابن مسعود رائه مع جلاله لم يبلغه نسخ نكاح المتعة، ولذا استدلّ بالآیة علی جوازه. ٤ - (ومنها): ما قاله ابن حبّان تَخْلُ: الدليلُ على أن المتعة كانت محظورة قبل أن أبيح لهم الاستمتاع قولهم للنبيّ وَّر: ألا نستخصي عند عدم النساء؟ ولو لم تكن محظورة لم يكن لسؤالهم عن هذا معنى. انتهى(١). ٥ - (ومنها): قال القرطبيّ كَّلُهُ: هذا الحديث، وأكثر أحاديث هذا (١) (صحيح ابن حبان)) ٤٤٨/٩.