Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ (١) - بَابُ التَّرْغِيبِ فِي النِّكَاحِ، وَالنَّهْىِ عَنِ التَّثُّلِ - حديث رقم (٣٣٩٩) وقال أبو العبّاس القرطبيّ نَّلهُ: وقال بعضهم: الوجأ: أن توجأ العروق، والخصيتان باقيتان بحالهما، والخصاء شقّ الخصيتين، واستئصالهما، والْجَبّ أن تُحمَى الشّفرة، ثم يستأصل بها الخصيتان، وقد قاله بعضهم: ((وَجَا)) - بفتح الواو والقصر، قال: وليس بشيء؛ لأن ذلك هو الْحَفَاء في ذوات الخفّ. انتهى. وقال الحافظ وليّ الدين كَّثُ: ليس المراد هنا حقيقة الوِجَاء، بل سُمِّي الصوم وِجَاءً لأنه يفعل فعله، ويقوم مقامه، فالمراد أنه يقطع الشهوة، ويدفع شرّ الجماع، كما يفعله الوٍجاء، فهو من مجاز المشابهة المعنويّة. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن مسعود رُّبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٣٩٩/١ و٣٤٠٠ و٣٤٠١ و٣٤٠٢ ٣٤٠٣] (١٤٠٠)، و(البخاريّ) في ((الصوم)) (١٩٠٥) و ((النكاح)) (٥٠٦٥ و٥٠٦٦)، و(أبو داود) في ((النكاح)) (٢٠٤٦)، و(الترمذيّ) في ((النكاح)) (١٠٨١)، و(النسائيّ) في ((الصيام)) (٢٢٣٩ و٢٢٤٠ و٢٢٤١ و٢٢٤٢ و٢٢٤٣) و((النكاح)) (٣٢٠٨ و٣٢٠٩ و ٣٢١٠ و ٣٢١١ و٣٢١٢) و ((الکبری» (٢٥٤٧ و٢٥٤٨ و٢٥٤٩ و ٢٥٥٠ و٢٥٥١)، و(ابن ماجه) في ((النكاح)) (١٨٤٥)، و(عبد الرزّاق) في («مصنّفه)» (٦/ ١٦٩ و٤١٧/٧)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٢٦/٤) و((مسنده)) (١٥٦/١)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١١٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٧٨/١ و٤٤٧)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢١٦٥ و٢١٦٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٦/٣ - ٧)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٦٣/٤ - ٦٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٠٢٦)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٣٦/١)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٦٧٢)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٣٨/٢) و((الكبير)) (١٢٢/١٠)، و(أبو يعلى) في («مسنده)) (١٢٢/٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٩٦/٤) و(٧٧/٧) و((الصغرى)) (٧٦/٦)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٢٣٦)، والله تعالى أعلم. ٢٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): الحثّ على النكاح، ففيه الأمر بالنكاح لمن استطاعه، وتاقت إليه نفسه. ٢ - (ومنها): استحباب عرض الصاحب على صاحبه الذي ليست له زوجة بهذه الصفة، وهو صالِحُ للتزويج أن يتزوّج. ٣ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة ـة من مواساة بعضهم لبعض، وتفقدهم أحوالهم. ٤ - (ومنها): استحباب نكاح الشابّة؛ لأنها المحصّلة لمقاصد النكاح؛ فإنها ألذّ استمتاعاً، وأطيب نكهةً، وأرغب في الاستمتاع الذي هو مقصود النكاح، وأحسن عشرةً، وأفكه محادثةً، وأجمل منظراً، وألين مَلْمَساً، وأقرب إلى أن يُعَوِّدَها زوجها الأخلاق التي يرتضيها. ٥ - (ومنها): استحباب نكاح البكر، وتفضيلها على الثيب. ٦ - (ومنها): أن فيه إرشاد التائق إلى النكاح العاجز عن مُؤَنه إلى الصوم، وذلك لما فيه من كسرة الشهوة، فإن شهوة النكاح تابعة لشهوة الأكل، تَقوَى بقوّتها، وتضعف بضعفها . ٧ - (ومنها): أن من لم يستطع الجماع فالمطلوب منه ترك التزويج؛ لأنه أرشده إلى ما ينافيه، ويضعف دواعيه، وأطلق بعضهم أنه يُكره في حقّه، قاله في ((الفتح)) (١). ٨ - (ومنها): أن فيه الحثّ على غضّ البصر، وتحصين الفرج بكلّ ممكن، وعدم التكليف بغير المستطاع. ٩ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أن حظوظ النفس والشهوات لا تتقدّم على أحكام الشرع، بل هي دائرة معها . ١٠ - (ومنها): أن الخطّابيّ استدلّ به على جواز المعالجة لقطع شهوة النكاح بالأدوية، وحكاه البغويّ في ((شرح السنّة))، وينبغي أن يُحمل على دواء يسكّن الشهوة، دون ما يقطعها أصالةً؛ لأنه قد يقدر بعدُ، فيندم لفوات ذلك في (١) ((الفتح)) ٣٢٤/١١. ٢٣ (١) - بَابُ التَّرْغِيبِ فِي النِّكَاحِ، وَالنَّهْيِ عَنِ التَُّّلِ - حديث رقم (٣٣٩٩) حقّه، وقد صرّح الشافعيّة بأنه لا يُكسرها بالكافور ونحوه، والحجّة فيه أنهم اتفقوا على منع الجبّ والخصاء، فيُلحق بذلك ما في معناه من التداوي بالقطع أصلاً. ١١ - (ومنها): أن الخطّابيّ استدلّ به أيضاً على أن المقصود من النكاح الوطء، ولهذا شُرع الخيار في الْعُنَّة. ١٢ - (ومنها): أن القرافيّ استنبط من قوله: ((فإنه له وجاء)) أن التشريك في العبادة لا يَقدَح فيها بخلاف الرياء؛ لأنه أُمِر بالصوم الذي هو قربة، وهو بهذا القصد صحيح، مثاب عليه، ومع ذلك فأرشد إليه؛ لتحصيل غضّ البصر، وكفّ الفرج عن الوقوع في المحرّم. انتهى. قال الحافظ: فإن أراد تشريك عبادة بعبادة أخرى، فهو كذلك، وليس محلّ النزاع، وإن أراد تشريك العبادة بأمر مباح، فليس في الحديث ما یُساعده. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ردّده الحافظ كتّثُ عندي غير واضح، بل الواضح من الحديث هو ما استنبطه القرافيّ رَّتُهُ، فتأمله، والله تعالى أعلم. ١٣ - (ومنها): أن بعض المالكيّة استدلّ به على تحريم الاستمناء؛ لأنه أرشد عند العجز عن التزويج إلى الصوم الذي يقطع الشهوة، فلو كان الاستمناء مباحاً لكان الإرشاد إليه أسهل. وتُعُقّب دعوى كونه أسهل؛ لأن الترك أسهل من الفعل، وقد أباح الاستمناء طائفة من العلماء، وهو عند الحنابلة، وبعض الحنفيّة لأجل تسكين الشهوة، قاله في ((الفتح))(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم النكاح: (اعلم): أنه ذهب الجمهور إلى استحباب النكاح لمن تاقت إليه نفسه، واستطاعه بقدرته على مُؤَنه، دون الإيجاب عليه، فلا يلزمه عندهم التزوّج، ولا (١) ((الفتح)) ٣٢٧/١١. ٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح التسرّي، سواء خاف العَنَتَ، أم لا، كذا حكاه النوويّ عن العلماء كافّة، ثم قال: ولا نعلم أحداً أوجبه إلا داود، ومن وافقه من أهل الظاهر، ورواية عن أحمد، فإنهم قالوا: يلزمه إذا خاف الْعَنَت أن يتزوّج، أو يتسرّى، قالوا: وإنما يلزمه في العمر مرّةً واحدة، ولم يشترط بعضهم خوف العنت، قال أهل الظاهر: إنما يلزمه التزوج فقط، ولا يلزمه الوطء. انتهى. قال الحافظ وليّ الدين تَظُّ - بعد ذكر كلام النوويّ المذكور تَخْذَثُ ـ ما نصّه: وفيه نظر، فهذا الذي ذكر أنه رواية عن أحمد هو المشهور من مذهبه، وظاهر كلام أصحابه تعيّن النكاح. وعنه رواية أخرى بوجوبه مطلقاً، وإن لم يخف العَنَت، كما حكاه النوويّ عن بعضهم، وعبارة ابن تيميّة في ((المحرّر)): النكاح السابق سنة مقدّمة على نفل العبادة، إلا أن يخشى الزنا بتركه، فيجب، وعنه يجب عليه مطلقاً. انتهى. والوجوب عند خوف العنت وجه في مذهب الشافعيّ، حكاه الرافعيّ عن ((شرح مختصر الجوينيّ))، وقال النوويّ في ((الروضة)): هذا الوجه، لا يحتم النكاح، بل يُخيّر بينه وبين التسرّي، ومعناه ظاهر. انتهى. وجزم به أبو العباس القرطبيّ، وهو من المالكيّة، بل زاد فحكى الاتفاق عليه، فإنه قال: إنا نقول بموجب هذا الحديث في حقّ الشابّ المستطيع الذي يخاف الضرر على نفسه ودينه من العزبة، بحيث لا يرتفع عنه إلا بالتزويج، وهذا لا يختلف في وجوب التزويج عليه. انتهى. ونقله الاتفاق على ذلك مردود، لكن يُقلَّد في نقل مذهبه في ذلك، وبه يحصل الردّ على النوويّ في كلامه المتقدّم، ولم يقيّد ابن حزم ذلك بخوف الْعَنَتِ، وعبارته في ((المحلّى)): وفرضٌ على كلّ قادر على الوطء إن وجد ما يتزوّج به، أو يتسرّى، أن يفعل أحدهما، فإن عجز عن ذلك، فليُكثر من الصوم، ثم قال: وهو قول جماعة من السلف. وقال الشيخ تقيّ الدين في ((شرح العمدة)): قسم الفقهاء النكاح إلى الأحكام الخمسة، أعني الوجوب، والندب، والتحريم، والكراهة، والإباحةَ، وجعل الوجوب فيما إذا خاف العنت، وقَدَر على النكاح، إلا أنه لا يتعيّن واجباً، بل إما هو، وإما التسرّي، وإن تعذّر التسرّي، تعيّن النكاح حينئذ ٢٥ (١) - بَابُ التَّرْغِيبِ فِي النِّكَاحِ، وَالنَّهْىِ عَنِ التَُّّلِ - حديث رقم (٣٣٩٩) للوجوب، لا لأصل الشريعة. انتهى، وكان هذا التقسيم لبعض المالكيّة، وقد حكاه أبو العبّاس القرطبيّ عن بعض علمائهم، وقال: إنه واضحٌ، وقال القاضي أبو سعد الهرويّ من الشافعيّة: ذهب بعض أصحابنا بالعراق إلى أن النكاح فرض كفاية حتى لو امتنع منه أهل قطر، أُجبروا عليه. انتهى. وقال في ((الفتح)): وقد قسم العلماء الرجل في التزويج إلى أقسام: [الأول]: التائق إليه القادر على مؤنه، الخائف على نفسه، فهذا يُندب له النكاح عند الجميع، وزاد الحنابلة في رواية أنه يجب، وبذلك قال أبو عوانة الإسفرايينيّ من الشافعيّة، وصرّح به في ((صحيحه))، ونقله المصيصيّ في ((شرح مختصر الجوينيّ)) وجهاً، وهو قول داود، وأتباعه، ورَدّ عليهم عياضٌ، ومن تبعه بو جھین : [أحدهما]: أن الآية التي احتجّوا بها خيّرت بين النكاح والتسرّي - يعني قوله تعالى: ﴿فَوَجِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [النساء: ٣] قالوا: والتسرّي ليس واجباً اتفاقاً، فيكون التزويج غير واجب؛ إذ لا يقع التخيير بين واجب ومندوب. وهذا الردّ متعقّبٌ، فإن الذين قالوا بوجوبه قيّدوه بما إذا لم يندفع التوقان بالتسرّي، فإذا لم يندفع تعيّن التزويج، وقد صرّح بذلك ابن حزم، فقال: وفرض على كلّ قادر على الوطء إن وجد ما يتزوّج به، أو يتسرّى أن يفعل أحدهما، فإن عجز عن ذلك فليُكثر من الصوم، وهو قول جماعة من السلف. الوجه الثاني: أن الواجب عندهم العقد لا الوطء، والعقد بمجرّده لا يدفع مشقّة التوقان، قال: فما ذهبوا إليه لم يتناوله الحديث، وما تناوله الحديث لم يذهبوا إليه، كذا قال، وقد صرّح أكثر المخالفين بوجوب الوطء، فاندفع الإيراد. وقال ابن بطال: احتجّ من لم يوجبه بقوله وَلين: ((ومن لم يستطع فعليه بالصوم)»، قال: فلما كان الصوم الذي هو بدله ليس بواجب فمبدله مثله. وتعقّب بأن الأمر بالصوم مرتّبٌ على عدم الاستطاعة، ولا استحالة أن يقول القائل أوجبت عليك كذا، فإن لم تستطع فأَندُبُك إلى كذا، والمشهور عن أحمد أنه لا يجب للقادر التائق إلا إذا خشي العَنَتَ، وعلى هذه الرواية اقتصر ابن ◌ُبيرة. ٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح وقال المازريّ: الذي نطق به مذهب مالك أنه مندوبٌ، وقد یجب عندنا في حقّ من لا ينكفّ عن الزنا إلا به. وقال القرطبيّ: المستطيع الذي يخاف الضرر على نفسه، ودينه من العزوبة بحيث لا يرتفع عنه ذلك إلا بالتزويج لا يُخْتَلَف في وجوب التزويج عليه، ونبّه ابن الرفعة على صورة يجب فيها، وهي ما إذا نذره حيث كان مستحبّاً . وقال ابن دقيق العيد: قسم بعض الفقهاء النكاح إلى الأحكام الخمسة، وجعل الوجوب فيما إذا خاف العنت، وقَدَر على النكاح، وتعذّر التسرّي، وكذا حكاه القرطبيّ عن بعض علمائهم، وهو المازريّ قال: فالوجوب في حقّ من لا ينكفّ عن الزنا إلا به، كما تقدّم. قال: والتحريم في حقّ من يُخلّ بالزوجة في الوطء والإنفاق مع عدم قدرته عليه، وتوقانه إليه، والكراهة في حقّ مثل هذا حيث لا إضرار بالزوجة، فإن انقطع بذلك عن شيء من أفعال الطاعة، من عبادة، أو اشتغال بالعلم اشتدّت الكراهة، وقيل: الكراهة فيما إذا كان ذلك في حال العزوبة أجمع منه في حال التزويج، والاستحباب فيما إذا حصل به معنى مقصود من كسر شهوة، وإعفاف نفس، وتحصين فرج، ونحو ذلك، والإباحة فيما انتفت الدواعي والموانع. ومنهم: من استمرّ بدعوى الاستحباب فيمن هذه صفته؛ للظواهر الواردة في الترغيب فيه. قال عياضٌ: هو مندوبٌ في حقّ كلّ من يرجى منه النسل، ولو لم يكن له في الوطء شهوة؛ لقوله وَ فيه: ((فإني مكاثر بكم))، ولظواهر الحضّ على النكاح، والأمر به، وكذا في حقّ من له رغبة في نوع من الاستمتاع بالنساء غير الوطء، فأما من لا يُنسل، ولا أرب له في النساء، ولا في الاستمتاع فهذا مباحٌ في حقّه إذا علمت المرأة بذلك، ورضيت، وقد يقال: إنه مندوب أيضاً؛ لعموم قوله: ((لا رهبانية في الإسلام)). وقال الغزاليّ في ((الإحياء)»: من اجتمعت له فوائد النكاح، وانتفت عنه آفاته، فالمستحبّ في حقّه التزويج، ومن لا فالترك له أفضل، ومن تعارض الأمر في حقّه فليجتهد، ويعمل بالراجح. انتهى. قال الحافظ: الأحاديث الواردة في ذلك كثيرةٌ، فأما حديث: («فإني ٢٧ (١) - بَابُ التَّرْغِيبِ فِي النِّكَاحِ، وَالنَّهْىِ عَنِ التَُّلِ - حديث رقم (٣٣٩٩) مكاثر بكم)) فصحّ من حديث أنس بلفظ: ((تزوّجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم يوم القيامة))، أخرجه ابن حبّان، وذكره الشافعيّ بلاغاً عن ابن عمر بلفظ: (تناكحوا، تكاثروا، فإني أباهي بكم الأمم))، وللبيهقيّ من حديث أبي أمامة: ((تزوّجوا، فإني مكاثرٌ بكم الأمم، ولا تكونوا كرهبانية النصارى)). وورد: ((فإني مكاثرٌ بكم)) أيضاً من حديث الصنابحيّ، وابن الأعسر، ومَعْقِل بن يسار، وسهل بن حُنيف، وحرملة بن النعمان، وعائشة، وعياض بن غنم، ومعاوية بن حَيْدَة، وغيرهم. وأما حديث: ((لا رهبانية في الإسلام)) فلم أره بهذا اللفظ، لكن في حديث سعد بن أبي وقّاص عند الطبرانيّ: ((إن الله أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة))، وعن ابن عباس رفعه: ((لا صرورة في الإسلام))(١)، أخرجه أحمد، وأبو داود، وصححه الحاكم. وفي الباب حديث النهي عن التبثّل، ويأتي في هذا الباب، وحديث عائشة، رفعته: ((النكاح سنتي، فمن لم يعمل بسنتي فليس منّي، وتزوّجوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة، ومن كان ذا ◌َطَوْل فلينكح، ومن لم يجد فعليه بالصيام، فإن الصوم له وجاء))، رواه ابن ماجه، وهو صحيح بشواهده. وحديث: ((من كان موسراً، فلم يَنكِح فليس منّا))، أخرجه الدارميّ، والبيهقيّ من حديث ابن أبي نَجِيح، وجزم بأنه مرسل، وقد أورده البغويّ في ((معجم الصحابة)). وحديث طاوس: ((قال عمر بن الخطاب لأبي الزوائد: إنما يمنعك من التزويج عجزٌ، أو فُجور))، أخرجه ابن أبي شيبة وغيره. وأخرج الحاكم من حديث أنس به رفعه: ((من رزقه الله امرأة صالحة، فقد أعانه على شطر دينه، فليتّق الله في الشطر الثاني)). قال الحافظ: وهذه الأحاديث وإن كان في الكثير منها ضعف، فمجموعها يدلّ على أنّ لِمَا يحصل به المقصود من الترغيب في التزويج أصلاً، (١) أي: لا ينبغي لأحد أن يقول: لا أتزوّج؛ لأنه ليس من أخلاق المؤمنين، وهو فعل الرُّهبان. قاله في ((النهاية)) ٢٢/٣. ٢٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح لكن في حقّ من يتأتّى منه النسل، كما تقدّم. انتهى كلام الحافظ نَّتُهُ ببعض تصرّف(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق من الأدلّة أن أرجح الأقوال قول من قال بوجوب النكاح لمن استطاع عليه، وتاقت إليه نفسه، وخاف الْعَنَتِ؛ عملاً بظاهر الأمر الذي في حديث الباب، ومن عداه فيستحبّ له؛ عملاً بأحاديث الترغيب فيه، كما مرّ ذكرها آنفاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: قال الحافظ وليّ الدين كَّلُ: لم يقل أحد بوجوبه على النساء، وقد صرّح بذلك ابن حزم، فقال: وليس ذلك فرضاً على النساء؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْقَوَعِدُ مِنَ النِّسَاءِ الَّتِى لَا يَرَجُونَ نِكَمًا﴾ الآية [النور: ٦٠]. قال أبو إسحاق الشيرازيّ، صاحب ((التنبيه)): إن النكاح للنساء مستحبّ عند الحاجة، ومكروه عند عدمها، وقال الشيخ عماد الدين الزنجانيّ في ((شرح الوجيز)) المسمّى بـ((الموجز)): لم يتعرّض الأصحاب للنساء، والذي يغلب على الظنّ أن النكاح في حقّهنّ أولى مطلقاً؛ لأنهنّ يحتجن إلى القيام بأمورهنّ، والتستّر عن الرجال، ولم يتحقّق في حقّهنّ الضرر الناشئ من النفقة. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الزنجانيّ ◌َّلُ حسنٌ جدّاً، وأما قول الشيرازي بالكراهة عند عدم الحاجة فمما لا يؤيّده دليل، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٤٠٠] (.) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: إِنِّي لَأَمْشِي مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِمِنَّى، إِذْ لَقِيَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فَقَالَ: هَلُمَّ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: فَاسْتَخْلَاهُ، فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ اللهِ أَنْ لَيْسَتْ لَهُ حَاجَةٌ، قَالَ: قَالَ لِي: تَعَالَ بَا عَلْقَمَةُ، قَالَ: فَجِئْتُ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: (١) ((الفتح)) ٣٢٤/١١ - ٣٢٦. ٢٩ (١) - بَابُ التَّرْغِيبِ فِي النِّكَاحِ، وَالنَّهْرِ عَنِ التَُّّلِ - حديث رقم (٣٤٠٠) أَلَا نُزَوَّجُكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ جَارِيَةً بِكْراً، لَعَلَّهُ يَرْجِعُ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ مَا كُنْتَ تَعْهَدُ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَئِنْ قُلْتَ ذَكَ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ أَبِي مُعَاوِيَةَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةً) هو: عثمان بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الْعَبْسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، أخو أبي بكر المذكور في السند الماضي، ثقةٌ حافظٌ شهير [١٠] (ت٢٣٩) وله (٨٣) سنةً (خ م د س ق) تقدم في (الإيمان)) ٢٤٦/٣٥. ٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت١٨٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (إِنِّي لَأَمْشِي إلخ) هذه اللام هي لام الابتداء، دخلت في خبر (إنَّ) المكسورة، للتأكيد، كما قال في ((الخلاصة)): وَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ تَصْحَبُ الْخَبَرْ لَامُ ابْتِدَاءٍ نَحْوُ ((إِنِّي لَوَزَرْ)) وقوله: ((إِذْ لَقِيَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ) ((إذ)) هنا فُجائيّة؛ أي: ففاجأنا لقاء عثمان وقوله: (هَلُمَّ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) تقدّم البحث في ((هَلُمّ)) مستوفَى في شرح قوله: ((هلمّ إلى الرخاء))، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. وقوله: (فَاسْتَخْلَاهُ) أي: طلب منه أن يجتمع به في خلوة، قال المجد رَُّهُ : واستخلى الملكَ، فأخلاه، وبه، واستخلى به، وخلا به، وإليه، ومعه خَلْواً، وخلاءً، وخَلْوَةً: سأله أن يَجتمع به في خَلْوة، ففعَلَ. انتهى المقصود منه(١). وقال النوويّ كَُّ: قوله: ((إن عثمان دعا ابن مسعود، واستخلاه، فقال له)) هذا الكلام دليل على استحباب الإسرار بمثل هذا، فإنه مما يُسْتَحَيَى من ذكره بين الناس. انتهى (٢). وقوله: (فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ اللهِ أَنْ لَيْسَتْ لَهُ حَاجَةٌ، قَالَ لِي: تَعَالَ يَا عَلْقَمَةُ (١) ((القاموس المحيط)) ٣٢٥/٤. (٢) ((شرح النوويّ)) ٩/ ١٧٤. ٣٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح إلخ) وفي رواية البخاريّ: ((فلما رأى عبد الله أن ليست له حاجةٌ إلى هذا أشار إليّ، فقال يا علقمة، فانتهيت إليه، وهو يقول: أما لئن قلت ذلك، لقد قال لنا النبيّ (َ ﴿ إلخ))، قال في (الفتح)): هكذا عند الأكثر أن مراجعة عثمان لابن مسعود في أمر التزويج كانت قبل استدعائه لعلقمة، ووقع في رواية جرير عند مسلم، وزيد بن أبي أنيسة، عند ابن حبان بالعكس، ولفظ جرير بعد قوله: ((فاستخلاه، فلما رأى عبد الله أن ليس له حاجة قال لي: تعال يا علقمة، قال: فجئت، فقال له عثمان: ألا نزوجك؟))، وفي رواية زيد: ((فلقي عثمان، فأخذ بيده، فقاما، وتنحيت عنهما، فلما رأى عبد الله أن ليست له حاجة يُسِرُّها، قال: ادن يا علقمة، فانتهيت إليه، وهو يقول: ألا نزوجك؟)). قال: ويَحْتَمِل في الجمع بين الروايتين أن يكون عثمان أعاد على ابن مسعود ما كان قال له بعد أن استدعى علقمة؛ لكونه فَهِمَ منه إرادة إعلام علقمة بما كانا فيه. انتهى(١). وقوله: (أَلَا نُزَوَّجُكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ جَارِيَةً بِكْراً) البكر الذي لم يتزوّج من الرجال والنساء، يقال: رجلٌ بكرٌ، وامرأةٌ بكرٌ بكسر الباء، والبكر أيضاً: أول الأولاد بالكسر، كما قال الشاعر: يَا بِكْرَ بِكْرَيْنَ وَيَا خِلْبَ الْكَبِدْ أَصْبَحْتَ مِنِّ كَذِرَاعٍ فِي الْعَضُدْ وفي مقابلة البكر: الأَيِّم، وسيأتي ذكرها - إن شاء الله تعالى _(٢). وقوله: (فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ أَبِي مُعَاوِيَةً) فاعل ((ذَكَرَ)) ضمیر جرير. [تنبيه]: رواية جرير، عن الأعمش هذه ساقها أبو داود تخلّتُهُ في ((سننه)) بسند المصنّف، فقال: (١٧٥٠) - حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: إني لأمشي مع عبد الله بن مسعود بمنى، إذ لقيه عثمان، فاستخلاه، فلما رأى عبد الله أن ليست له حاجة، قال لي: تعال يا علقمة، فجئت، فقال له عثمان: ألا نزوجك يا أبا عبد الرحمن بجارية بكر، لعله يرجع إليك من نفسك ما كنت تعهد؟ فقال عبد الله: لئن قلت ذاك، لقد (١) ((الفتح)) ٣٢٠/١١. (٢) ((المفهم)) ٤/ ٨١. ٣١ (١) - بَابُ التَّرْغِيبِ فِي النِّكَاحِ، وَالتَّهْيِ عَنِ التَُّّلِ - حديث رقم (٣٤٠١ - ٣٤٠٢) سمعت رسول الله و98 يقول: ((من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع منكم فعليه بالصوم، فإنه له وجاء)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٣٤٠١] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ هُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (يَا مَغْشَرَ الشَّبَابِ، مَن اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عُمَارَةُ بْنُ عُمَيْرٍ) التيميّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] مات بعد المائة، وقيل: قبلها بسنتين (ع) تقدم في ((الصلاة)) ٢٩/ ٩٧٧. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ) بن قيس النخعيّ، أبو بكر الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٣] (ت٨٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٥/٤٦. والباقون ذُكروا في الإسنادين الماضيين. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديثين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٤٠٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَعَمِّ عَلْقَمَةُ وَالْأَسْوَدُ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: وَأَنَا شَابٌّ يَوْمَئِذٍ، فَذَكَرَ حَدِيثاً، رُئِيتُ أَنَّهُ حَدَّثَ بِهِ مِنْ أَجْلِيٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ بِمِثْلِ حَدِيثٍ أَبِي مُعَاوِيَةً، وَزَادَ: قَالَ: فَلَمْ أَلْبَتْ حَتَّى تَزَوَّجْتُ). ٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح رجال هذا الإسناد: كلّهم ذُكروا في الإسنادين الماضيين. وقوله: (دَخَلْتُ أَنَا وَعَمِّي عَلْقَمَةُ وَالْأَسْوَدُ) قال النوويّ تَُّهُ: هكذا هو في جميع النسخ، وهو الصواب، قال القاضي عياض: ووقع في بعض الروايات: ((أنا وعمّاي علقمة والأسود))، وهو غلطٌ ظاهرٌ؛ لأن الأسود أخو عبد الرحمن بن يزيد، لا عمّه، وعلقمة عمهما جميعاً، وهو علقمة بن قيس. انتھی(١). وقوله: (فَذَكَرَ حَدِيثاً) الحديث هو ما بيّنه بقوله: ((قال: قال رسول الله وَفيه إلخ)). وقوله: (رُئِيتُ إلخ) بالبناء للمفعول؛ أي: ظننت، قال النوويّ كَّلُهُ: هكذا هو في كثير من النسخ، وفي بعضها: ((رأيت))، وهما صحيحان، الأول من الظنّ، والثاني من العلم. انتهى(٢). والمعنى: أن عبد الله بن مسعود به لما دخل عليه عبد الرحمن بن يزيد، وأخوه الأسود بن يزيد، وعلقمة بن قيس ذكر حديثاً، وهو قوله اليه: ((من استطاع منكم الباءة إلخ))، فظنّ عبد الرحمن أن ابن مسعود ظُه إنما ذكر ذلك الحديث من أجله؛ لكونه شابّاً، فكأنه يشير عليه إن كان مستطيعاً للنكاح أن يتزوج، وإلا أن يصوم؛ لأن الشباب مظنّة شدّة الشهوة، فيُخشى منهم أن يقعوا في محظور، ولذا قال: فلم ألبث أن تزوّجت، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية الأعمش، عن عمارة بن عُمير هذه ساقها أبو نعيم كَُّهُ في ((مستخرجه)) ٤/ ٦٤ فقال: (٣٢٣٧) - حدّثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن يوسف الصرصريّ، ثنا يوسف القاضي، ثنا أبو الربيع الزهرانيّ، قال: ثنا جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن عُمارة بن عُمير، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: دخلت أنا والأسود، وعمي علقمةُ على عبد الله، وأنا يومئذ شابٌّ فذكر حديثاً رُئيت أنه حَدَّث به من أجلي، قال: قال رسول الله مصر: ((يا معشر الشباب، من استطاع (١) ((شرح النوويّ)) ٩/ ١٧٥. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٧٥/٩ - ١٧٦. ٣٣ (١) - بَابُ التَّرْغِيبِ فِي النِّكَاحِ، وَالنَّهْىٍ عَنِ التََّتُّلِ - حديث رقم (٣٤٠٣ - ٣٤٠٤) منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغضّ للبصر، وأحصنُ للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاءٌ)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٣٤٠٣] ( ... ) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَيْهِ، وَأَنَا أَحْدَثُ الْقَوْمِ، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ: فَلَمْ أَلْبَتْ حَتَّى تَزَوَّجْتُ). رجال هذا الإسناد: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ الْأَشَجُّ) الْكِنديّ الكوفيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت٢٥٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٧/٤. ٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية وكيع، عن الأعمش هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [٣٤٠٤] (١٤٠١) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ نَفَرَأُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَلـ سَأَلُوا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ وَّهِ عَنْ عَمَلِهِ فِي السِّرِّ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا آَكُلُ اللَّحْمَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، فَقَالَ: (مَا بَالُ أَقْوَامٍ، قَالُوا: كَذَا وَكَذَا، لَكِنِّي أُصَلِّي، وَأَنَامُ، وَأَصُومُ، وَأُقْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنَّْ رَغِبَ عَنْ سُتَِّي فَلَيْسَ مِنِّي))). ٣٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ الْعَبْدِيُّ) هو: محمد بن أحمد بن نافع الْعَبْديّ البصريّ، مشهور بكنيته، صدَّوقٌ، من صغار [١٠] مات بعد (٢٤٠) (م ت س) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٨/١٢. ٢ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد المائتين وقيل: قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٢/٣. ٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، أثبت الناس في ثابت، وتغيّر حفظه بآخره، من كبار [٨] (ت١٦٧) (خت م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠. ٤ - (ثَابِتُ) بن أسلم الْبُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع و(١٢٠) وله (٨٦) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠. رضىعنه سنة (٢ ٥ - (أَنَسُ) بن مالك بن النضر الصحابيّ الشهير، مات أو٣٩) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ◌َّلُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو، والترمذيّ، والنسائيّ، وحماد بن سلمة علّق عنه البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، من أوله إلى آخره. ٤ - (ومنها): أن فيه حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت، وثابت ألزم الناس لأنس مطالبه لزمه أربعين سنة. ٥ - (ومنها): أن فيه أنساً ظُبه من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثاً، وهو آخر من مات من الصحابة ه بالبصرة، وقد جاوز عمرة مائة سنة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (أَنَّ نَفَراً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ نَّهِ سَأَلُوا أَزْوَاجَ (عَنْ أَنَسٍ) ابن مالك النَّبِيِّ وَّةَ) وفي رواية البخاريّ من طريق حميد الطويل، عن أنس: ((جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبيّ ◌َ، يسألون عن عبادة النبيّ ◌َ﴾، فلما أخبروا ٣٥ (١) - بَابُ التَّرْغِيبِ فِي النِّكَاحِ، وَالنَّهْىِ عَنِ التَّثُّلِ - حديث رقم (٣٤٠٤) كأنهم تقالَّوها، فقالوا: وأين نحن من النبيّ وَّ، قد غُفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر ... )) الحديث. قال في ((الفتح)): ولا منافاة بين الروايتين، فالرهط من ثلاثة إلى عشرة، والنفر من ثلاثة إلى تسعة، وكلّ منهما اسم جمع، لا واحد له من لفظه، ووقع في مرسل سعيد بن المسيّب عند عبد الرزّاق أن الثلاثة المذكورين هم: عليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعثمان بن مظعون، وعند ابن مردويه من طريق الحسن الْعَدَنيّ: ((كان عليّ في أناس ممن أرادوا أن يحرموا الشهوات، فنزلت آية المائدة))، ووقع في ((أسباب النزول)) للواحديّ بغير إسناد: ((أن رسول الله وَّ﴿ ذَكَّرَ الناسَ، وخوّفهم، فاجتمع عشرة من الصحابة - وهم: أبو بكر، وعمر، وعليّ، وابن مسعود، وأبو ذرّ، وسالم مولى أبي حُذيفة، والمقداد، وسلمان، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومعقل بن مُقَرِّن - في بيت عثمان بن مظعون، فاتفقوا على أن يصوموا النهار، ويقوموا الليل، ولا يناموا على الفُرُش، ولا يأكلوا اللحم، ولا يقربوا النساء، ويَجُبُّوا مذاكيرهم))، فإن كان هذا محفوظاً احتَمَل أن يكون الرهط الثلاثة هم الذين باشروا السؤال، فُنُسب ذلك إليهم بخصوصهم تارة، ونُسب للجميع لاشتراكهم في طلبه. ويؤيّد أنهم كانوا أكثر من ثلاثة في الجملة ما روى مسلم من طريق زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام؛ أنه قدم المدينة، فأراد أن يبيع عقاره، فيجعله في سبيل الله، ويجاهد الروم حتى يموت، فلقي ناساً بالمدينة، فنَهَوْه عن ذلك، وأخبروه أن رهطاً ستةً أرادوا ذلك في حياة رسول الله تَّر، فنهاهم، فلما حدّثوه ذلك راجع امرأته، وكان قد طلّقها. يعني بسبب ذلك. قال الحافظ تَخُّْهُ: لكن في عَدّ عبد الله بن عمرو معهم نظرٌ؛ لأن عثمان بن مظعون به مات قبل أن يهاجر عبد الله فيما أحسب. انتهى. (عَنْ عَمَلِهِ فِي السِّرِّ) أي: فيما لا يطّلع عليه إلا أزواجه رضي الله عنهنّ (فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ(١)، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا آكُلُ اللَّحْمَ، وَقَالَ (١) قال صاحب ((التنبيه)): الظاهر أنه عثمان بن مظعون، قلته تفقّهاً، وقال شيخنا: إنه هو. انتهى. ٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح بَعْضُهُمْ: لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشِ (١)) زاد في رواية النسائيّ: ((وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَصُومُ، فَلَا أُفْطِرُ))(٢)، ولفظ البخاريّ: ((قال أحدهم: أما أنا فأنا أصلّي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر، ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء، فلا أتزوّج أبداً ... )) الحديث. قال أبو العباس القرطبيّ تَخْلقُهُ: فهؤلاء القوم حصل عندهم أن الانقطاع عن ملاذّ الدنيا، من النساء، والطيّب من الطعام، والنوم، والتفرّغ لاستغراق الأزمان بالعبادات أولى، فلما سألوا عن عمل رسول الله ويتر، وعبادته لم يُدركوا من عبادته ما وقع لهم أَبْدَوْا فارقاً بينهم وبين النبيّ وَّه بأنه مغفورٌ له، ثم أخبَرَ كلُّ واحد منهم بما عزم على فعله، فلما بلغ ذلك النبيّ ◌َّ أجابهم بأن ألغى الفارق بقوله: ((إني أخشاكم لله)). وتقرير ذلك: إني وإن كنت مغفوراً لي، فخشية الله، وخوفه يَحملني على الاجتهاد، وملازمة العبادة، لكنّ طريقَ العبادة ما أنا عليه، فمن رغب عنه، وتركه، فليس على طريقتي في العبادة. ويوضّح هذا المعنى، ويُبيّنه أن عبادة الله إنما هي امتثال أوامره الواجبة والمندوبة، واجتناب نواهيه المحظورة والمكروهة، وما من زمان من الأزمان إلا وتتوجّه على المكلّف فيه أوامر، أو نواهٍ، فمن قام بوظيفة كلِّ وقتٍ فقد أدّى العبادة، وقام بها، فإذا قام بالليل مصلّياً، فقد قام بوظيفة ذلك الوقت، فإذا احتاج إلى النوم لدفع ألم السهر، ولتقوية النفس على العبادة، ولإزالة تشويش مدافعة النوم المشوِّشة للقراءة، أو لإعطاء الزوجة حقّها من المضاجعة كان نومه ذلك عبادةً كصلاته، وقد بيّن هذا المعنى سلمانُ الفارسيُّ لأبي الدرداء بقوله: ((لكني أقوم، وأنام، وأحتسب في نومتي ما أحتسبه في قومتي))، وكذلك القول في الصيام، وأما التزويج فيجري فيه مثل ذلك، وزيادة نيّة تحصين الفرج، والعين، وسلامة الدين، وتكثير نسل المسلمين، وبهذه القصود (١) قال في ((التنبيه)): قال شيخنا: إنه أبو هريرة. (٢) قال في ((التنبيه)): هو عبد الله بن عمرو بن العاص، هكذا ظهر لي، وقال شيخنا: إنه ابن مسعود. ٣٧ (١) - بَابُ التَّرْغِيبِ فِي النِّكَاحِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الَّثُّلِ - حديث رقم (٣٤٠٤) الصحيحة تتحقّق فيه العبادات العظيمة، ولذلك اختلف العلماء في أيّ الأمرين أفضل، التزويج، أم التفرّغ منه للعبادة؟ كما هو معروف في مسائل الخلاف. وعلى الجملة فما من شيء من المباحات المستلذّات وغيرها إلا ويمكن لمن شرح الله صدره أن يصرفه إلى باب العبادات والطاعات بإخطار معانيها بباله، وقصد نيّة التقرّب بها، كما قد نصّ عليه المشايخ في كتبهم؛ كالحارث المحاسبيّ وغيره. ومن فَهِمَ هذا المعنى، وحَصّله تحقّق أن النبيّ وَّ قد حلّ من العبادات أعلاها؛ لانشراح صدره، وحضور قصده، ولعلمه بحدود الله، وبما يُقَرّب منه. ولمّا لم ينكشف هذا المعنى للنفر السائلين عن عبادته، استقلّوها بناءً منهم على أن العبادة إنما هي استفراغ الوسع في الصلاة، والصوم، والانقطاع عن الملاذٌ، وهيهات بينهما ما بين الثريّا والثَّرَى، وسُهيل والسُّها . وعند الوقوف على ما أوضحناه من هذا الحديث يتحقّق أن فيه ردّاً على غلاة المتزهّدين، وعلى أهل البطالة من المتصوّفين؛ إذ كلّ فريق منهم قد عَدَل عن طريقه، وحاد عن تحقيقه. انتهى كلام القرطبيّ كَُّ(١)، وهو بحثٌ مفيدٌ جدّاً . (فَحَمِدَ اللهَ) أي: النبيّ وََّ، وفي رواية النسائيّ: ((فبلغ ذلك النبيّ فحمد الله)) (وَأَثْنَى عَلَيْهِ، فَقَالَ: ((مَا بَالُ أَقْوَام) ((ما)) استفهاميّة، والاستفهام للإنكار؛ أي: ما شأنهم، وحالهم؟ (قَالُوا: كَذَا وَكَذَا) الجملة في محلٌ نصب على الحال، وفي رواية البخاريّ: ((فجاء إليهم رسول الله وَسير، فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟)). ويُجمع بين الروايتين بأنه منع من ذلك عموماً جهراً، مع عدم تعيينهم، وخصوصاً فيما بينه وبينهم رفقاً بهم، وستراً لهم. (لَكِنِّي) استدراٌ من شيء محذوف، دلّ عليه السياق؛ أي: أنا وأنتم بالنسبة إلى العبوديّة سواء، لكن أنا أعمل كذا (أُصَلِّي، وَأَنَامُ، وَأَصُومُ، وَأَفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي) المراد بالسنة الطريقة، لا التي تقابل الفرض، والرغبة عن الشيء الإعراض عنه إلى غيره، والمراد مَنْ ترك طريقتي، (١) ((المفهم)) ٨٦/٤ - ٨٧. ٣٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح وأخذ بطريقة غيري، فليس منّ، ولمّح بذلك إلى طريقة الرهبانيّة، فإنهم الذين ابتدعوا التشديد، كما وصفهم الله تعالى به، وقد عابهم بأنهم ما وفوا بما التزموه، وطريقة النبيّ ◌َ﴿ الحنيفيّة السمحة، فيُفطر ليتقوّى على الصوم، وينام ليتقوّى على القيام، ويتزوّج لكسر الشهوة، وإعفاف النفس، وتكثير النسل. وقوله: (فَلَيْسَ مِنِّي))) إن كانت الرغبة بضرب من التأويل، يُعذر صاحبه فيه، فمعنى ((فليس مني)) أي: على طريقتي، ولا يلزم أن يخرج عن الملّة، وإن كان إعراضاً، وتنطّعاً، يُفضي أرجحية عمله، فمعنى ((فليس مني): على ملّتي؛ لأن اعتقاد ذلك نوعٌ من الكفر، قاله في ((الفتح))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس عظته هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤٠٤/١] (١٤٠١)، و(البخاريّ) في ((النكاح)) (٥٠٦٣)، و(النسائيّ) في ((النكاح)) (٣٢١٨) و((الكبرى)) (٥٣٢٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤١/٣ و٢٥٩ و٢٨٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٤)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٦٤/٤)، و(عبد بن حُميد) في ((مسنده)) (٣٩٢/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧٧/٧)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٩٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان النهي عن التبتّل. ٢ - (ومنها): أن فيه دلالةً على فضل النكاح، والترغيب فيه. ٣ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة ـته من الحرص على التاسى بالنبيّ وَّ﴾، بحيث إنهم يبحثون عن عمله إذا خلا في بيته، حتى لا يفوتهم الاتباع به في سنته التي يعمل بها في حال خلوته عنهم. ٤ - (ومنها): أن فيه تتبّع أحوال الأكابر للتأسّي بأفعالهم، وأنه إذا تعذّرت معرفته من الرجال جاز استكشافه من النساء. ٣٩ (١) - بَابُ التَّرْغِيبِ فِي النِّكَاحِ، وَالنَّهْىِ عَنِ التَُّّلِ - حديث رقم (٣٤٠٥) ٥ - (ومنها): أن من عزم على عمل برّ، واحتاج إلى إظهاره حيث يأمن الرياء لم يكن ذلك ممنوعاً . ٦ - (ومنها): تقديم الحمد، والثناء على الله تعالى عند إلقاء مسائل العلم، وبيان الأحكام للمكلّفين، وإزالة الشبهة عن المجتهدين. ٧ - (ومنها): أن المباحات قد تنقلب بالقصد إلى الكراهة، والاستحباب. ٨ - (ومنها): ما قاله الطبريّ: إن فيه الردّ على من منع استعمال الحلال من الأطعمة والملابس، وآثر غليظ الثياب، وخشن المأكل، قال عياض: هذا مما اختَلَف فيه السلف، فمنهم من نحا إلى ما قاله الطبريّ، ومنهم من عكس، واحتجّ بقوله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَنِبَتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ الآية [الأحقاف: ٢٠]، قال: والحقّ أن هذه الآية في الكفّار، وقد أخذ النبيّ رَّ بالأمرين. قال الحافظ: لا يدلّ ذلك لأحد الفريقين، إن كان المراد المداومة على إحدى الصفتين، والحقّ أن ملازمة استعمال الطيّبات تُفضي إلى الترفّه، والبطر، ولا يأمن من الوقوع في الشبهات؛ لأن من اعتاد ذلك قد لا يجده أحياناً، فلا يستطيع الانتقال عنه، فيقع في المحظور، كما أن منع تناول ذلك أحياناً يفضي إلى التنطّع المنهيّ عنه، ويردّ عليه صريح قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِىّ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَاَلَّيِّبَتِ﴾ الآية [الأعراف: ٣٢]. كما أن الأخذ بالتشديد في العبادة يفضي إلى الملل القاطع لأصلها، وملازمة الاقتصار على الفرائض مثلاً، وترك التنفّل يفضي إلى إيثار البطالة، وعدم النشاط إلى العبادة، وخير الأمور الوسط، وفي قوله وَّر: ((إني لأخشاكم لله)) مع ما انضمّ إليه إشارةٌ إلی ذلك. انتهى. ٩ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى أن العلم بالله، ومعرفة ما يجب من حقّه أعظم قدراً من مجرّد العبادة البدنيّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذَتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٤٠٥] (١٤٠٢) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ ٤٠ البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: رَدَّ رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونِ الثَّبَثُّلَ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ ء لَاخْتَصَيْنَا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ) الحنظليّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ جواد مجاهد، جُمعت فيه خصال الخير [٨] (ت١٨١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٢/٥. ٢ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة اليمنيّ، بصريّ الأصل، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. ٣ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، أبو بكر المدنيّ الفقيه الحافظ المتقن المتّفق على جلالته وإتقانه، من رؤوس [٤] (ت١٢٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٤٨. ٤ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن بن أبي وهب المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، من كبار [٣] (ت٩٤) وقد ناهز (٨٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧١/٦. ٥ - (سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) هو: سعد بن مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق الصحابيّ الشهير، مات رَُّئه سنة (٥٥) على الصحيح (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧١/٦. والباقيان ذُكرا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيات المصنّف تَخْذَثُ، وله فيه طريقان فرّق بينهما بالتحول. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.