Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
(٧٩) - بَابُ تَحْرِيمِ مَكَّةَ، وَصَيْدِهَا، وَخَلَاهَا، وَشَجَرِهَا، وَلُقَطَتِهَا، إِلَّا لِمُنْشِدٍ عَلَى الدَّوَامِ
[الثالث]: لجهد أهلها، ومن قولهم: تمكّكتُ العظم: إذا أخرجت مُخّه،
والتمكّك الاستقصاء.
[الرابع]: لقلة الماء بها .
وأما بَكّة ففي قوله تعالى: ﴿لَلَّذِى بِبََّّةَ﴾ [آل عمران: ٩٠]، وفي تسميتها
بذلك ثلاثة أقوال :
[أحدها]: لازدحام الناس بها، يقال: هم فيها يتباكُّون أي: يزدحمون،
قاله ابن عباس
[والثاني]: لأنها تبكّ أعناق الجبابرة؛ أي: تدفّها، وما قصدها جبار إلا
قصمه الله تعالی.
[والثالث]: لأنها تَضَع من نَخْوَة المتكبرين.
[البلد: ١ ]
وأما تسميتها بالبلد ففي قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ
قال المفسرون: أراد مكة، والبلد في اللغة صدر القرى.
وأما تسميتها بالقرية ففي قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ
ءَامِنَةٌ مُطْمَيِنَّةٌ﴾ الآية [النحل: ١١٢]، الإشارة إلى مكة، فإنها كانت ذات أمن
يَأْمَن أهلها أن يُغار عليهم، وكانوا أهل طمأنينة، لا يحتاجون إلى الانتقال
عنها؛ لخوف، أو ضيق، والقرية اسم لما يَجمع جماعة كثيرة من الناس، من
قولهم: قَرَيتُ الماء في الحوض: إذا جمعته فيه.
وأما تسميتها أم القرى ففي قوله تعالى: ﴿لَيْنِذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَا﴾
الآية [الأنعام: ٩٢]، يعني مكة، وفي تسميتها بذلك أربعة أقوال:
[أحدها]: أن الأرض دُحيت من تحتها، قاله ابن عباس ◌ًا، وقال ابن
قتيبة: لأنها أقدم الأرض.
[والثاني]: لأنها قبلة يؤمها جميع الأمة.
[الثالث]: لأنها أعظم القرى شأناً.
[الرابع]: لأن فيها بيت الله تعالى، ولمّا جرت العادة أن بلد الملك وبيته
مقدّمان على جميع الأماكن سُمّيت أُمّاً؛ لأن الأم متقدمة.
وسمّاها الله أيضاً في القرآن بالبلد الأمين، وبالبلدة، وبمعاد - بفتح
الميم -.

٤٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
[التين: ٣] قال ابن
فأما الأول: ففي قوله تعالى: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ
عباس : يعني مكة.
وأما الثاني: ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾
[النمل: ٩٣] قال الواحديّ في ((الوسيط)): هي مكة.
وأما الثالث: ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لَرَّاذُكَ إِلَّى
مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] قال ابن عباس: إلى مكة.
قال التقيّ الفاسيّ بعد ذكر هذه الأسماء الثمانية: فهذه ثمانية أسماء لمكة
مأخوذة من القرآن العظيم، ولم يذكر المحبّ الطبريّ من أسمائها المأخوذة من
القرآن إلا خمسة؛ لأنه قال: سَمَّى الله تعالى مكة بخمسة أسماء: بكة، ومكة،
والبلد، والقرية، وأم القرى. انتهى.
وأما حرم مكة فهو ما أحاطها، وأطاف بها من جوانبها، جعل الله تعالى
له حكمها في الحرمة تشريفاً لها، وسُمِّي حرماً؛ لتحريم الله تعالى فيه كثيراً مما
ليس بمحرَّم في غيره من المواضع، وحدّه من طريق المدينة عند التنعيم على
ثلاثة أميال من مكة، وقيل: أربعة، وقيل: خمسة، ومن طريق اليمن طَرَف
أضاة لبن، على ستة أميال من مكة، وقيل: سبعة، ومن طريق الجعرانة على
تسعة أميال - بتقديم المثناة الفوقية على السين - ومن طريق الطائف على
عرفات، من بطن نمرة سبعة أميال - بتقديم السين على الباء - وقيل: ثمانية،
ومن طريق جُدّة عشرة أميال.
وقال الرافعيّ: هو من طريق المدينة على ثلاثة أميال، ومن العراق على
سبعة، ومن الجعرانة على تسعة، ومن الطائف على سبعة، ومن جُدّة على
عشرة، والسبب في بُعْد بعض الحدود وقرب بعضها ما قيل: إن الله تعالى لما
أَهَبَط على آدم ◌َلَّا بيتاً من ياقوتة، أضاء لهم ما بين المشرق والمغرب، فنفرت
الجنّ والشياطين؛ ليقربوا منها، فاستعاذ منهم بالله، وخاف على نفسه منهم،
فبعث الله ملائكة، فحَفّوا بمكة من كل جانب، ووقفوا مكان الحرم؛ أي: في
موضع أنصاب الحرم، يحرُسون آدم، فصار حدود الحرم موضع وقوف
الملائكة، وقيل: إن الخليل؛ لما وضع الحجر الأسود في الركن حين بنى

٤٢٣
(٧٩) - بَابُ تَحْرِيمِ مَكَّةَ، وَصَيْدِهَا، وَخَلَاهَا، وَشَجَرِهَا، وَلُقَطَتِهَا، إِلَّا لِمُنْشِدٍ عَلَى الدَّوَامِ
الكعبة، أضاء له نور، وصل إلى أماكن الحدود، فجاءت الشياطين، فوقفت
عند الأعلام، فبناها الخليل فَلَّ* حاجزاً، رواه مجاهد، عن ابن عباس، وعنه
أن جبرائيل ظلّلا أرى إبراهيم عليّ موضع أنصاب الحرم، فنصبها، ثم جدّدها
إسماعيل، ثم جدّدها قُصَيّ بن كلاب، ثم جدّدها النبيّ وَلّ، فلما ولي
عمر ظبه بعث أربعة من قريش، فنصبوا أنصاب الحرم، ثم جددها
معاوية ظه، ثم عبد الملك بن مروان، كذا ذكر القسطلانيّ في ((شرح
البخاريّ))، ونحوه في ((القرى)) ص٦٠٢ للمحبّ الطبري، وارجع لمزيد من
البسط إلى ((شفاء الغرام)) ٥٤/١ - ٦٦.
[تنبيه]: إن عَلَمي الحرم من طريق جدّة هما العَلَمان القديمان من زمن
نبيّنا إبراهيم ◌َّ بإشارة جبريل عليّل بوضعهما في تلك البقعة، كسائر حدود
الحرم من الجهات الأخرى، أما العلمان الجنوبيان المسامتان لعلمي الحرم
المذكورين، فقد أُحدثا في جمادى الثانية سنة ست وسبعين وثلاثمائة وألف من
أجل طريق السيارات المؤدي بينهما، ثم صار عدول السيارات من هذا الطريق
الجنوبي الذي يمر بين العلمين المحدثين إلى الطريق الشمالي الذي يمر بين
علمي الحرم القديمين، ولإزالة اللبس لزم التنبيه على ذلك، وحيث الحال ما
تقدم من أن حدود الحرم مختلفة في القرب والبعد، وأن وضع حدود الحرم هو
بإيقاف جبريل - عليه الصلاة والسلام - لأبينا إبراهيم - زيت - على حدود
الحرم، وظهور أن حدّا الحرم من طريق المدينة ثلاثة أميال، ومن طريق جُدّة
عشرة أميال، مع أن الحدين متجاوران فبذلك تبيّن أنه ليس للاجتهاد في تحديد
الحرم مساٌ، وأنه لا يجوز لأحد أن يُحْدِث حدّاً للحرم، ويضع عليه أنصاباً
من تلقاء نفسه؛ لأنه قد لا يكون ذلك حدّاً للحرم في نفس الأمر، أما إذا أتى
على محل ليس به أعلام، فإنه ينظر إلى محاذاة أقرب الأعلام إليه، وليس في
الإمكان سوى ذلك مع عدم الجزم بأن هذا حدّ للحرم، والله أعلم، كذا في
((مفيد الأنام))، ذكره في ((المرعاة))(١).
(١) ((المرعاة)) ٩ / ٤٥٩ - ٤٦١.

٤٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخَّشُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٣٠٣] (١٣٥٣) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ،
عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاؤُسٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهـ
يَوْمَ الْفَتْحِ فَتْحِ مَكَّةَ: ((لَا هِجْرَةَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا))، وَقَالَ
يَوْمَ الْفَتْحِ، فَتْحِ مَكَّةَ: ((إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ،
فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ
يَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يُعْضَدُ
شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا))، فَقَالَ
الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِلَّ الْإِذْخِرَ، فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ، وَلِبُيُوتِهِمْ، فَقَالَ: ((إِلَّا الْإِذْخِرَ))).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن راهويه، تقدّم قبل حديث.
٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم قبل بابين.
٣ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر، تقدّم أيضاً قبل بابين.
٤ - (مُجَاهِدُ) بن جبر المخزوميّ مولاهم، أبو الحجّاج المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ
فقيه إمام مشهور [٣] (ت١ أو٢ أو ٣ أو ١٠٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢١/٤.
٥ - (طَاؤُسُ) بن كيسان الْحِمْيريّ مولاهم، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، ثقةٌ
فقيه فاضلٌ [٣] (ت١٠٦) أو بعد ذلك (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله الحبر البحر ﴿هَا، تقدّم قريباً.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف تَّلُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له
ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، بل هو من رواية الأقران.

٤٢٥
(٧٩) - بَابُ تَحْرِيمِ مَكَّةَ، وَصَيْدِهَا، وَخَلَاهَا، وَشَجَرِهَا ... إلخ - حديث رقم (٣٣٠٣)
◌ًا من العبادلة الأربعة، والمكثرين
٤ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس
السبعة روى (١٦٩٦) حديثاً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ) قال في ((الفتح)): كذا رواه منصور موصولاً،
وخالفه الأعمش، فرواه عن مجاهد، عن النبيّ ◌َّ، مرسلاً، أخرجه سعيد بن
منصور، عن أبي معاوية، عنه. وأخرجه أيضاً عن سفيان، عن داود بن شابور،
عن مجاهد، مرسلاً، ومنصور ثقة حافظ، فالحكم لوصله. انتهى(١).
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﴿َّ أَنِه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَّهِ يَوْمَ الْفَتْحِ) ظرف
متعلّق بـ((قال))، وقوله: (فَتْح مَكَّةَ) بالجرّ بدلاً عن ((الفتح)) ((لَا هِجْرَةَ) أي: بعد
الفتح، وأفصح بذلك في بعض الروايات؛ أي: لا هجرة من مكة إلى المدينة
مفروضة بعد الفتح، كما كانت قبله، وقد عقد البخاريّ في أواخر الجهاد:
(باب لا هجرة بعد الفتح))، قال الحافظ: أي: بعد فتح مكة، أو المراد ما هو
أعمّ من ذلك؛ إشارةً إلى أن حُكم غير مكة في ذلك حكمها، فلا تجب الهجرة
من بلد قد فتحه المسلمون، أما قبل فتح البلد فمَن به من المسلمين أحد ثلاثة:
الأول: قادر على الهجرة منها، لا يمكنه إظهار دينه بها، ولا أداء
واجباته، فالهجرة منه واجبة.
الثاني: قادرٌ لكنه يمكنه إظهار دينه، وأداء واجباته، فمستحبة؛ لتكثير
المسلمين، ومعونتهم، وجهاد الكفار، والأمن من غدرهم، والراحة من رؤية
المنکر بینھم.
الثالث: عاجز بعذر من أَسْرٍ، أو مرض، أو غيره فتجوز له الإقامة، فإن
حَمَل على نفسه، وتكلّف الخروج منها أُچِر. انتهى.
وقال التوربشتيّ كَّتُهُ: قوله: ((لا هجرة)) كانت الهجرة إلى المدينة بعد أن
هاجر إليها رسول الله صل﴿ فرضاً على المؤمن المستطيع؛ ليكون في سعة من أمر
دينه، فلا يمنعه عنه مانع، ولينصر رسول الله ◌َيهر في إعلاء كلمة الله، وإظهار
(١) ((الفتح)) ١١٩/٥.

٤٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
دينه، فينحاز إلى حزب الحقّ وأنصار دعوته، ويفارق فريق الباطل، فلا يُكثِّر
سوادهم إلى غير ذلك من المعاني الموجبة لكمال الدين، فلما فتح وَلّ مكة،
وأظهره الله على الدين كلّه، أعلمهم بأن الهجرة المفروضة قد انقطعت، وأن
المسابقة بالهجرة بعد الفتح قد انتهت، وأنه ليس لأحد بعد ذلك أن ينال فضيلة
الهجرة إليه، ولا أن ينازع المهاجرين في مراتبهم، وحقوقهم. انتهى(١).
(وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ) أي: لكن لكم طريقٌ إلى تحصّل الفضائل التي في
معنى الهجرة، وذلك بالجهاد، ونيّة الخير في كل شيء، من لقاء رسول الله وَلات-
ونحوه، وارتفاع ((جهادٌ)) على الابتداء، وخبره محذوف مقدّماً، تقديره: لكم
جهادٌ، قاله في ((العمدة))(٢).
قال في ((الفتح)): المعنى أن وجوب الهجرة من مكة انقطع بفتحها؛ إذ
صارت دار إسلام، ولكن بقي وجوب الجهاد على حاله عند الاحتياج إليه،
وفسّره بقوله: ((فإذا استُنفرتم فانفروا))؛ أي: إذا دُعيتم إلى الغزو فأجيبوا.
قال الخطابي وغيره: كانت الهجرة فرضاً في أول الإسلام على من
أسلم؛ لقلة المسلمين بالمدينة، وحاجتهم إلى الاجتماع، فلما فتح الله مكة
دخل الناس في دين الله أفواجاً، فسقط فرض الهجرة إلى المدينة، وبقي فرض
الجهاد، والنية على من قام به، أو نزل به عدوّ. انتهى.
قال الحافظ: وكانت الحكمة أيضاً في وجوب الهجرة على من أسلم؛
لَيَسلم من أذى ذويه من الكفار، فإنهم كانوا يعذُّبون من أسلم منهم إلى أن
يرجع عن دينه، وفيهم نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّهُمُ الْمَلَتِكَةُ ظَالِمِىّ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُمْ
قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِ الْأَرْضِّ قَالُواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَسِعَةً فَنُهَاجِرُواْ فِيهَا﴾ الآية [النساء:
٩٩]، وهذه الهجرة باقية الحكم في حق من أسلم في دار كفر، وقَدَر على
الخروج منها .
وقد رَوَى النسائي من طريق بهز بن حكيم بن معاوية، عن أبيه، عن جدّه
مرفوعاً: ((لا يقبل الله من مشرك عملاً بعدما أسلم، أو يفارقَ المشركين)).
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٦/ ٢٠٤٠.
(٢) ((عمدة القاري)) ١٠/ ١٩١.

٤٢٧
(٧٩) - بَابُ تَحْرِيمِ مَكَّةَ، وَصَيْدِهَا، وَخَلَاهَا، وَشَجَرِهَا ... إلخ - حديث رقم (٣٣٠٣)
ولأبي داود من حديث سمرة مرفوعاً: ((أنا بريء من كل مشرك يقيم بين
أظهر المشركين)). وهذا محمول على من لم يأمن على دينه.
قال: وقوله: ((ولكن جهادٌ ونية)) قال الطيبيّ وغيره: وهذا الاستدراك
يقتضي مخالفة حكم ما بعده لما قبله، والمعنى أن الهجرة التي هي مفارقة
الوطن التي كانت مطلوبة على الأعيان إلى المدينة انقطعت، إلا أن المفارقة
بسبب الجهاد باقية، وكذلك المفارقة بسبب نيّة صالحة كالفرار من دار الكفر،
والخروج في طلب العلم، والفرار بالدين من الفتن، والنية في جميع ذلك.
وقال الطيبيّ تَخُّْ: ((ولكن جهادٌ)) عطف على محل مدخول: ((لا))،
والمعنى: أن الهجرة من الأوطان، إما هجرة إلى المدينة للفرار من الكفار،
ونصرة الرسول وقية، وإما إلى الجهاد في سبيل الله، وإما إلى غير ذلك من
تحصيل الفضائل؛ كطلب العلم، وابتغاء فضل الله تعالى من التجارة، وما
شاكلهما، فانقطعت الأولى، وبقيت الأخريان، فاغتنموهما، ولا تقاعدوا
عنهما، فإذا استنفرتم فانفروا. انتهى(١).
وقال ابن الأثير تَخْتُهُ: الجهاد: محاربة الكفّار، وهو المبالغة، واستفراغ
ما في الوسع والطاقة من قول، أو فعل، يقال: جَهَدَ الرجلُ في الشيء: إذا
جدّ فيه، وبالغ، وجاهد في الحرب مجاهدةً وجهاداً.
قال: والمراد بالنيّة: إخلاص العمل الله تعالى؛ أي: إنه لم يبق بعد فتح
مكة هجرة؛ لأنها صارت دار إسلام، وإنما هو الإخلاص في الجهاد، وقتال
الكفّار. انتهى(٢).
(وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ) بصيغة المجهول؛ أي: إذا طُلبتم للنَّفْر، وهو الخروج إلى
الجهاد (فَانْفِرُوا))) بكسر الفاء أي: اخرجوا، والمعنى: إذا دعاكم السلطان إلى
غزو فاذهبوا .
وقال في ((النهاية)): الاستنفار: الاستنجاد، والاستنصار؛ أي: إذا طُلب
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٠٤١/٦.
(٢) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٣١٩/١.

٤٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
منكم النُّصْرة، فأجيبوا، وانصروا، خارجين إلى الإعانة. انتهى(١).
وقال النوويّ كَّلُهُ: يريد أن الخير الذي انقطع بانقطاع الهجرة يمكن
تحصيله بالجهاد، والنية الصالحة، وإذا أمركم الإمام بالخروج إلى الجهاد
ونحوه، من الأعمال الصالحة فاخرجوا إليه.
(وَقَالَ) النبيّ نَّهِ (يَوْمَ الْفَتْحِ، فَتْحِ مَكَّةَ) قال القاري ◌َُّ: أعاده تأكيداً،
أو إشارةً إلى وقوع هذا القول وقتاً آخر من ذلك اليوم، والله تعالى أعلم.
انتھی .
قال الجامع عفا الله عنه: كونه تأكيداً هو الأولى، وأما وقوعه في وقت
آخر فبعيد، يُبعده وقوعه في رواية للبخاريّ بلفظ: ((فإذا استُنفرتم فانفروا، فإن
هذا بلد ... إلخ)) بالفاء، وليس فيه قوله: ((وقال يوم فتح مكة))، فقد أخرجه
في ((الحجّ)) من طريق عثمان بن أبي شيبة، عن جرير، بهذا اللفظ، فدلّ على
أنه حدیث واحد.
قال في ((الفتح)): الفاء أي: في قوله: ((فإن هذا)) جواب شرط محذوف،
تقديره: إذا علمتم ذلك فاعلموا، أن هذا بلد حرام، وكأن وجه المناسبة أنه
لما كان نصب القتال عليه حراماً كان التنفير يقع منه لا إليه. انتهى.
(((إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ) أي: مكة يعني حَرَمها، قال القاري: أو المراد بالبلد
أرض الحرم جميعها (حَرَّمَهُ اللهُ) أي: حكم بتحريمه وقضاه، وظاهره أن
حكم الله تعالى في مكة أن لا يقاتل أهلها، ويُؤَمَّن من استجار بها، ولا
يتعرض له، وهو أحد أقوال المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَمُ كَانَ ءَامِنَا﴾
الآية [آل عمران: ٩١]، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنًا﴾ الآية [العنكبوت:
٦٧] (يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) يعني أن تحريمه أمر قديمٌ، وشريعة سالفة
مستمرّةٌ.
والمعنى: أن تحريمه من الله تعالى، وليس مما أحدثه الناس، أو اختص
بشرعه .
[فإن قلت]: هذا يعارضه ما في حديث جابر ظه الآتي عند مسلم،
(١) ((النهاية)) ٩٢/٥.

٤٢٩
(٧٩) - بَابُ تَحْرِيمِ مَكَّةَ، وَصَيْدِهَا، وَخَلَاهَا، وَشَجَرِهَا ... إلخ - حديث رقم (٣٣٠٣)
له عند البخاريّ: ((إن إبراهيم حرم مكة))، فكيف التوفيق
وحديث أنس
بینھما؟
[أجيب]: بأن إسناد التحريم إلى إبراهيم عليّله من حيث إنه مبلّغه، فإن
الحاكم بالشرائع والأحكام كلها هو الله تعالى، والأنبياء يبلّغونها، فكما تضاف
إلى الله تعالى من حيث إنه الحاكم بها، تضاف إلى الرسل أيضاً؛ لأنها تُسمع
منهم، وتُبيّن على ألسنتهم.
والحاصل أنه فعلّ أظهر تحريمه مُبَلِّغاً عن الله تعالى بعد أن كان
مهجوراً، لا أنه ابتدأ تحريمه.
وقيل: إنه حرّمها بإذن الله، يعني أنه تعالى كتب في اللوح المحفوظ يوم
خلق السماوات والأرض أن إبراهيم سيحرِّم مكة بأمر الله تعالى، كذا في
((إرشاد الساري))، وهذا القول ليس بشيء، فتنبّه.
وقال في ((العمدة)): معنى قوله: ((إن إبراهيم حرّم مكة)): أعلن بتحريمها،
وعَرَّف الناس بأنها حرام بتحريم الله إياها، فلما لم يُعْرَف تحريمها إلا في زمانه
على لسانه أضيف إليه، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَنَّى الْأَنْفُسَ﴾ الآية
[الزمر: ٤٣]، فإنه أضاف إليه التوفي، وفي آية أخرى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّكُمْ مَّلَكُ اَلْمَوْتِ﴾
الآية [السجدة: ١١]، فأضاف إلى الملك التوفي، وقال في آية أخرى: ﴿الَّذِينَ
تَوَقَّهُمُ الْمَلَئِكَةُ﴾ [النحل: ٢٨، ٣٢] فأضاف إليهم التوفي، وفي الحقيقة المتوفِّي
هو الله رَك، وأضاف إلى غيره؛ لأنه ظهر على أيديهم. انتهى.
وقال في ((الفتح)): لا معارضة بين الحديثين؛ لأن معنى قوله: ((إن
إبراهيم حرم مكة)) أي: بأمر الله تعالى، لا باجتهاده، أو أن الله قضى يوم خلق
السماوات والأرض أن إبراهيم سيحرِّم مكة، أو المعنى أن إبراهيم أول من
أظهر تحريماً بين الناس، وكانت قبل ذلك عند الله حراماً، أو أول من أظهره
بعد الطوفان، وقال القرطبيّ: معناه: إن الله حرم مكة ابتداء من غير سبب
يُنسب لأحد، ولا لأحد فيه مدخل، قال: ولأجل هذا أكد المعنى بقوله في
حديث أبي شُرَيح الآتي: ((ولم يُحَرِّمها الناس))، والمراد بقوله: ((ولم يحرمها
الناس)) أن تحريمها ثابت بالشرع، لا مدخل للعقل فيه، أو المراد أنها من
محرمات الله، فيجب امتثال ذلك، وليس من محرمات الناس، يعني في

٤٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
الجاهلية، كما حَرّموا أشياء من عند أنفسهم، فلا يسوغ الاجتهاد في تركه،
وقيل: معناه إن حُرمتها مستمرة من أول الخلق، وليس مما اختَصَّت به شريعة
النبيّ وَله .
(فَهُوَ) أي: البلد (حَرَامٌ) أي محرّم محترم (بِحُرْمَةِ اللهِ) أي: بسبب
حرمة الله، فالباء للسببية، ويجوز أن تكون للملابسة، فيكون متعلق الباء
محذوفاً؛ أي: متلبساً بحرمة الله، وهو تأكيد للتحريم، وقوله: (إِلَى يَوْمِ
الْقِيَامَةِ) إيماء إلى عدم نسخه، وقال الحافظ تَُّهُ: قوله: ((بحرمة الله)) أي:
بتحريمه، وقيل: الحرمة الحقّ؛ أي: حرام بالحق المانع من تحليله، واستُدِلّ
به على تحريم القتل، والقتال بالحرم، وسيأتي البحث في هذا مستوفّى في
المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
(وَإِنَّهُ) الضمير للشأن؛ أي: إن الشأن والحال (لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ
قَبْلِي) زاد في بعض طرق البخاريّ: ((ولا يَحِلّ لأحد بعدي))، قال المحبّ
الطبريّ كَّتُهُ: هذا القول يَحْتَمِل وجوهاً، ثم ذكرها، وقال: الوجه الرابع، وهو
أقواها، وأسلمها عن الاعتراض: أن يريد تحريم القتل بها، وكان مستحَقّاً،
حتى لو دخل كافر بغير أمان، أو زانٍ محصَن، أو من قَتل إنساناً عمداً عدواناً
لم يُقتل بها، بل يُضَيَّق عليه حتى يخرج، وهذا مذهب أبي حنيفة، وإحدى
الروايتين عن أحمد، وقول بعض أصحاب مالك، وكذلك القتال أيضاً لا يكون
بقتل، بل بالحصر، والتضييق، والمدافعة حتى يخرجوا منها، ولا كذلك سائر
البلاد، وإليه الإشارة بقوله وهي: ((فإن أحد ترخص بقتال رسول الله (وَلايف(9)) أي:
وقتله ابن خَطَل وغيره، وقد عاذوا بالحرم، فيقال لهم: ((إن الله أذن
لرسوله (8#، ولم يأذن لكم))، فمنع رسول الله ﴿ الناس أن يقتدوا به في هذه
الرخصة، وأن يعد سببها تحقيقاً لاختصاصه وَال بهذه الرخصة. انتهى.
وقال ابن بطال تَخَّتُهُ: المراد بقوله: ((ولا تحل لأحد بعدي)) الإخبار عن
الحكم في ذلك، لا الإخبار بما سيقع؛ لوقوع خلاف ذلك في الشاهد، كما وقع
من الحجاج وغيره. انتهى. ومحصله أنه خبر بمعنى النهي، بخلاف قوله: ((لم
يحل القتال فيه لأحد قبلي))، فإنه خبر محضّ، أو معنى قوله: ((ولا تحل لأحد
بعدي)) أي: لا يُحِلّه الله بعدي؛ لأن النسخ ينقطع بعده؛ لكونه خاتم النبيين.

٤٣١
(٧٩) - بَابُ تَحْرِيمِ مَكَّةَ، وَصَيْدِهَا، وَخَلَاهَا، وَشَجَرِهَا ... إلخ - حديث رقم (٣٣٠٣)
(وَلَمْ يَحِلَّ) أي: القتال (لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ) أي: مقداراً من الزمان،
وهو ما بين طلوع الشمس وصلاة العصر، وقد ورد عند أحمد، من طريق
عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه: ((لَمّا فُتحت مكة قال: كُفّوا السلاح، إلا
خُزاعة عن بني بكر، فَأَذِن لهم حتى صلى العصر، ثم قال: كُفّوا السلاح،
فلقي رجل من خزاعة رجلاً من بني بكر من غد بالمزدلفة فقتله، فبلغ ذلك
رسول الله ◌َ، فقام خطيباً، فقال: ورأيته مسنداً ظهره إلى الكعبة ... )) فذكر
الحدیث.
ويستفاد منه أن قتل من أذن النبيّ وَّ ﴿ في قتلهم، كابن خَطَل وقع في
الوقت الذي أبيح للنبيّ وَّهُ فيه القتال خلافاً لمن حَمَل قوله: ((ساعة من نهار))
على ظاهره، فاحتاج إلى الجواب عن قصة ابن خطل، كذا في ((الفتح)).
وقال القاري: قوله وَله: ((ولم يَحل لي إلا ساعة من نهار))؛ أي: أُحل
لي ساعة إراقة الدم، دون الصيد، وقطع الشجر.
وقال الخطابيّ: قيل: إنما أُحلت له في تلك الساعة إراقة الدم دون
الصيد، وقطع الشجر، وسائر ما حُرِّم على الناس منه. انتهى.
وقال الطبريّ: ويَحْتَمِل العموم، فإن انتشار العسكر لا يخلو من تنفير
صيد، ودوس خَلاً، وقطعه، وغير ذلك، والعمد والخطأ فيه سواء، وقال
أيضاً: يَحْتَمِل أن يكون المراد جميع ما حُرِّم فيه من تنفير الصيد، واختلاء
الخلا، وعضد الشجر؛ لأن ذلك من لوازم انتشار العسكر غالباً، فالصيد ينفر
بذلك، والدواب يُختلى لها، ويُخبط، فحصوله وإن كان تبعاً وضمناً، لكنه لما
كان معلوماً بالضرورة كان كالمباشر. انتهى.
(فَهُوَ) أي: البلد (حَرَامٌ) أي: على كلّ أحد بعد تلك الساعة (بِحُرْمَةِ اللهِ
إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) أي: بتحريمه المؤبّد إلى قيام الساعة.
(لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: لا يقطع، والعضد: القطع،
يقال: عضدت الشجرة أَعضِدها بالكسر عضداً، من باب ضرب: قطعتها، وفي
حديث أبي شُرَيح: ((ولا يعضدُ بها شجر)) قال ابن الجوزيّ: أصحاب الحديث
يقولون: ((يعضد)) بضم الضاد، وقال لنا ابن الخشّاب: هو بكسرها، والمعضد
بكسر أوله: الآلة التي يقطع بها، قال الخليل: المعضد: الممتهن من السيوف

٤٣٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
في قطع الشجر، وقال الطبريّ: أصله من عَضَدَ الرجل: إذا أصابه بسوء في
عضده، ووقع في رواية لعمر بن شبّة بلفظ: ((لا يخضد)) بالخاء المعجمة بدل
العين المهملة، وهو راجع إلى معناه، فإن أصل الخضد الكسر، ويستعمل في
القطع.
(شوكه) وقال القاري: قوله: ((ولا يُعضد شوكه))؛ أي: ولو حصل التأذي
به، وأما قول بعض الشافعية: إنه يجوز قطع الشوك المؤذي، فمخالف لإطلاق
النصّ، ولذا جرى جمع من متأخريهم على حرمة قطعه مطلقاً، وصححه النوويّ
في ((شرح مسلم))، واختاره في عدّة کتبه. انتهى.
وقال الخطابي في ((المعالم)): أما الشوك فلا بأس بقطعه؛ لما فيه من
الضرر، وعدم النفع، ولا بأس بأن يُنتفع بحطام الشجر، وما بلي منه. انتهى.
وقال الحافظ: وأجازوا - أي: الشافعية - قطع الشوك؛ لكونه يؤذي
بطبعه، فأشبه الفواسق، ومنعه الجمهور؛ لحديث ابن عباس ها هذا،
وصححه المتولي من الشافعية، وأجابوا بأن القياس المذكور في مقابلة النصّ
فلا يعتبر به، حتى ولو لم يرد النصّ على تحريم الشوك لكان في تحريم قطع
الشجر - كما في حديث أبي شُريح ظ ◌ُّ الآتي - دليل على تحريم قطع الشوك؛
لأن غالب شجر الحرم كذلك، ولقيام الفارق أيضاً، فإن الفواسق المذكورة
تَقْصِد بالأذى، بخلاف الشجر.
وقال ابن قدامة: ولا بأس بالانتفاع بما انكسر من الأغصان، وانقطع من
الشجر، بغير صنع آدميّ، ولا بما يسقط من الورق، نَصّ عليه أحمد، ولا نعلم
فيه خلافاً . انتهى.
(وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ) بضم أوله، وتشديد الفاء المفتوحة، مبنيّاً للمفعول؛
أي: لا يصاح عليه، فينفر، وقال سفيان بن عيينة: معناه أن يكون في ظلّ
الشجرة، فلا ينفّر ليجلس مكانه، ويستظلّ.
قال الطبريّ: لا خلاف أنه لو نفّره، وسَلِم فلا جزاء عليه، لكنه يأثم
بارتكابه النهي، فلو أتلفه، أو تلف بتنفيره وجب جزاؤه.
وقال النوويّ: يحرم التنفير، وهو الإزعاج عن موضعه، فإن نفّره عصى،
سواء تلف، أو لا، فإن تلف في نفاره قبل سكونه ضمن، وإلا فلا.

٤٣٣
(٧٩) - بَابُ تَحْرِيمِ مَكَّةَ، وَصَيْدِهَا، وَخَلَاهَا، وَشَجَرِهَا ... إلخ - حديث رقم (٣٣٠٣)
قال العلماء: يستفاد من النهي عن التنفير تحريم الإتلاف بالأولى. انتهى.
وقال الحافظ: قيل: تنفير الصيد كناية عن الاصطياد. وقيل: هو على
ظاهره، وفي ((صحيح البخاريّ)) عن خالد الحذّاء، عن عكرمة، قال: هل تدري
((ما لا ينفّر صيدها؟)) هو أن ينخّيه من الظلّ ينزل مكانه، قيل: نبّه عكرمة بذلك
على المنع من الإتلاف، وسائر أنواع الأذى، تنبيهاً بالأدنى على الأعلى.
وقد خالف عكرمةَ عطاءٌ، ومجاهد، فقالا: لا بأس بطرده ما لم يُفض
إلى قتله، أخرجه ابن أبي شيبة، وروى ابن أبي شيبة أيضاً من طريق الحكم،
عن شيخ من أهل مكة أن حماماً كان على البيت، فذرق على يد عمر، فأشار
عمر بيده، فطار، فوقع على بعض بيوت مكة، فجاءت حيّة، فأكلته، فحكم
عمر على نفسه بشاة، وروي من طريق أخرى عن عثمان نحوه.
(وَلَا يَلْتَقِطُ) بالبناء للفاعل (إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا) هكذا في هذه الرواية لم يذكر
المفعول، وهو ((لقطته))، وقد ذُكر في رواية البخاريّ وغيره، ولفظه: ((ولا يلتَقِط
لُقَطَته إلا من عرّفها))، فقوله: ((لُقَطَتَهُ)) بالنصب على أنه مفعول مقدّم على
الفاعل، وهو قوله: ((إلا من عرّفها)).
و((اللقطة)): الشيء الذي يُلتقط، وهو بضم اللام، وفتح القاف على
المشهور، عند أهل اللغة، والمحدّثين، وقال عياض: لا يجوز غيره، وقال
الزمخشريّ في ((الفائق)): اللقطة بفتح القاف، والعامة تسكّنها، كذا قال، وقد
جزم الخليل بأنها بالسكون، قال: وأما بالفتح فهو اللاقط، وقال الأزهريّ:
هذا الذي قاله هو القياس، ولكن الذي سُمع من العرب، وأجمع عليه أهل
اللغة، والحديث الفتح، وقال ابن برّيّ: التحريك للمفعول نادر، فاقتضى أن
الذي قاله الخليل هو القياس، وفيها لغتان أيضاً: لُقَاطة بضم اللام، ولَقطة
بفتحها، وقد نظم الأربعة ابن مالك حيث قال:
لُقَاطَةٌ وَلَقْطَةٌ وَلُقَطَهْ وَلُقْطَةٌ مَا لَاقِطٌ قَدْ لَقَطَهْ
ووجّه بعض المتأخّرين فتح القاف في المأخوذ أنه للمبالغة، وذلك لمعنى
فيها اختصّت به، وهو أن كلّ من يراها يميل لأخذها، فسميت باسم الفاعل
لذلك. قاله في ((الفتح)).
(إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا) بتشديد الراء، من التعريف؛ أي: من أراد تعريفها،

٤٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وإشهارها، ثم يحفظها لمالكها، ولا يتملّكها، بخلاف لقطة غير الحرم، فإنه
يلتقطها ليتصرّف فيها بعد التعريف سنة.
وقال السنديّ تَخْذَثُهُ: قيل: أي: إلا من عرّفها على الدوام؛ ليحصل به
الفرق بين الحرم وغيره، وإلا لا يحسن ذكره ههنا في محل ذكر الأحكام
المخصوصة بالحرم الثابتة له بمقتضى التحريم، ومن لا يقول بوجوب التعريف
على الدوام يرى أن تخصيصه كتخصيص الإحرام بالنهي عن الفسوق في قوله
تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَ رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى الْحَيْ﴾ [البقرة:
١٩٧] مع أن النهي عامّ.
وحاصله زيادة الاهتمام بأمر الإحرام، وبيان أن الاجتناب عن الفسوق
في الإحرام آكد، فكذا التخصيص ههنا لزيادة الاهتمام بأمر الحرم، وأن
التعريف في لقطته متأكد.
وقال في ((الفتح)): والمعنى: لا تحلّ لقطتها إلا لمن يريد أن يعرّفها
فقط، فأما من أراد أن يعرّفها، ثم يتملّكها فلا، وهذا يدلّ على أنَّ الاستثناء
في حديث الباب لم يُرد به العباس أن يستثني هو، وإنما أراد أن يلقّن النبيّ وَلـ
الاستثناء، أفاده في ((الفتح)).
(وَلَا يُخْتَلَى) بضم الياء، وسكون الخاء المعجمة، وفتح الفوقية واللام؛
أي: لا يُجَزّ، ولا يقطع (خَلَاهَا))) - بفتح المعجمة، مقصوراً: الرَّطْب من
الکلا، فإذا یبس فهو خَشِیش، وهَشِیم.
وقال الفيوميّ: والخلا بالقصر: الرطب من النبات، الواحدة خَلاة، مثل
حصّى وحصاة. قال في ((الكفاية)): الخلا: الرَّطْب، وهو ما كان غَضّاً من
الكلأ، وأما الحشيش فهو اليابس. واختليتُ الخلاَ اختلاءً: قطعته، وخليته
خَلْياً، من باب رمى مثله، والفاعل مُخْتَلٍ، وخالٍ، وفي الحديث: ((لا يُختلى
خلاها))؛ أي: لا يُجَزُّ. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): الخلا هو الرَّطْب من النبات، واختلاؤه قطعه،
واحتشاشه، واستدل به على تحريم رعيه؛ لكونه أشد من الاحتشاش، وبه قال
(١) ((المصباح المنير)) ١/ ١٨١.

٤٣٥
(٧٩) - بَابُ تَحْرِيمِ مَكَّةَ، وَصَيْدِهَا، وَخَلَاهَا، وَشَجَرِهَا ... إلخ - حديث رقم (٣٣٠٣)
مالك، والكوفيون، واختاره الطبريّ، وقال الشافعيّ: لا بأس بالرعي؛
لمصلحة البهائم، وهو عمل الناس، بخلاف الاحتشاش، فإنه المنهيّ عنه، فلا
يُتَعَدَّی ذلك إلى غيره. انتهى.
وفي ((المدونة)): قال مالك: لا بأس بالرعي في حرم مكة، وحرم المدينة
في الحشيش، والشجر، وفي آخر ((جامع الحج)) من ((الموطأ)): سئل مالك:
هل يَحتشّ الرجل لدابته من الحرم؟ فقال: لا، قال الباجيّ: وهذا كما قال أن
لا يَحتش أحد في الحرم لدابته، ولا لغير ذلك، إلا الإذخر الذي أباحه
النبيّ وَّ، ومن احتَشّ في الحرم فلا جزاء عليه، ولا بأس أن يرعى الإبل في
الحرم.
والفرق بينه وبين الاحتشاش: أن الاحتشاش تناول قطع الحشيش،
وإرسال البهائم للرعي ليس بتناول لذلك، وهذا لا يمكن الاحتراز منه، ولو مُنع
منه لامتنع السفر في الحرم، والمقام فيه؛ لتعذر الامتناع منه والتحرز. انتهى.
قال الحافظ: وفي تخصيص التحريم بالرَّطْب إشارة إلى جواز رعي
اليابس واختلائه، وهو أصح الوجهين للشافعية؛ لأن النبت اليابس كالصيد
الميت.
قال ابن قدامة: لكن في استثناء الإذخر إشارةٌ إلى تحريم اليابس من
الحشيش، ويدل عليه أن في بعض طرق حديث أبي هريرة: ((ولا يُحتَشّ
حشيشُها))، قال: وأجمعوا على إباحة أخذ ما استنبته الناس في الحرم، من
بقل، وزرع، ومشموم، فلا بأس برعيه واختلائه. انتهى.
(فَقَالَ الْعَبَّاسُ) بن عبد المطلب، عمّ رسول الله وَِّ المتوفّى سنة (٣٢) أو
بعدها، تقدّمت ترجمته في ((الإيمان)) ١٥٩/١٣، زاد في رواية النسائيّ: ((وكان
رجلاً مجرّباً)).
(يَا رَسُولَ اللهِ إِلَّ الْإِذْخِرَ) يجوز فيه الرفع، على أنه بدلٌ مما قبله،
والنصب؛ لكونه مستثنّى بعد النفي، واختار ابن مالك النصب؛ لكون الاستثناء
وقع متراخياً عن المستثنى منه.
و((الإذخر)) - بكسر الهمزة، والخاء المعجمة، بينهما ذال معجمة ساكنة -:
نبت معروف عند أهل مكة، طَيِّب الريح، له أصل مُندفن؛ أي: ماضٍ في

٤٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
الأرض، وقضبان دقاق ينبت في السهل والحزن، وبالمغرب صنف منه فيما
قاله ابن البيطار، قال: والذي بمكة أجوده، وأهل مكة يُسَقِّفون به البيوت بين
الخشب، يعني يجعلونه تحت الطين، وفوق الخشب؛ ليسد الخلل، فلا يسقط
الطين، وكذا يجعلونه في القبور، يعني يسُدُّون به الخلل بين اللبنات في
القبور، وكانوا يستعملونه بدلاً من الحلفاء في الوقود، ولهذا قال العباس:
((فإنه لقينهم))، ووقع عند عُمَر بن شَبّة: ((فقال العباس: يا رسول الله إن أهل
مكة لا صبر لهم عن الإذخر لقينهم وبيوتهم))، وهذا يدل على أن الاستثناء
في حديث الباب لم يرد به أن يستثنى هو، وإنما أراد به أن يلقن النبيّ
الاستثناء.
(فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ) و((القين)) بفتح القاف، وسكون التحتانيّة، بعدها نون:
الحدّاد، وحاجته إليه أنه يوقد به النار، وقال الطبريّ: القين عند العرب كلّ
ذي صناعة يُعالجها بنفسه. ووقع في رواية للبخاريّ في ((المغازي)): ((فإنه لا بدّ
منه للقين، والبيوت))، وفي رواية له: ((فإنه لصاغتنا، وقبورنا))، ووقع في مرسل
مجاهد عند عمر بن شبّة الجمع بين الثلاثة، ووقع عنده أيضاً: ((فقال العباس:
يا رسول الله إن أهل مكة لا صبر لهم عن الإذخر، لقينهم، وبيوتهم)).
(وَلِبُيُوتِهِمْ) أي: لسقفها (فَقَالَ: ((إِلَّا الْإِذْخِرَ))) هو استثناء بعض من كلّ؛
لدخول الإذخر في عموم ما يُختلى.
قال في ((الفتح)): اختلفوا هل كان قوله وَالله: ((إلا الإذخر)) باجتهاد، أو
وحي؟ وقيل: كَأَنَّ الله تعالى فوّض له الحكم في هذه المسألة مطلقاً، وقيل:
أوحي إليه قبل ذلك أنه إن طلب أحد استثناء شيء من ذلك، فأجب سؤاله.
وقال الطبريّ: ساغ للعباس أن يستثني الإذخر؛ لأنه احْتَمَل عنده أن
يكون المراد بتحريم مكة تحريم القتال، دون ما ذُكر من تحريم الاختلاء، فإنه
من تحريم الرسول وله باجتهاده، فساغ له أن يسأله استثناء الإذخر، وهذا مبنيّ
على أن الرسول * كان له اجتهاد في الأحكام، وليس ما قاله بلازم، بل في
تقريره ويله للعباس على ذلك دليل على جواز تخصيص العامّ.
وحَكَى ابن بطال عن المهلّب أن الاستثناء هنا للضرورة؛ كتحليل أكل
الميتة عند الضرورة، وقد بيّن العباس ذلك بأن الإذخر لا غنى لأهل مكة عنه.

٤٣٧
(٧٩) - بَابُ تَحْرِيمِ مَكَّةَ، وَصَيْدِهَا، وَخَلَاهَا، وَشَجَرِهَا ... إلخ - حديث رقم (٣٣٠٣)
وتعقّبه ابن المنيّر بأن الذي يباح للضرورة يشترط حصولها فيه، فلو كان
الإذخر مثل الميتة لامتنع استعماله إلا فيمن تحقّقت ضرورته إليه، والإجماع
على أنه مباح مطلقاً بغير قيد الضرورة. انتهى.
قال الحافظ: ويَحْتَمِل أن يكون مراد المهلّب بأن أصل إباحته كانت
للضرورة، وسببها، لا أنه يريد أنه مقيّد بها .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي أجاب به الحافظ عن المهلّب
فيه نظر؛ إذ يردّه ظاهر تشبيهه بأكل الميتة عند الضرورة، فتأمل، والله تعالى
أعلم.
وقال ابن المنيّر تَخْتُ: الحقّ أن سؤال العباس كان على معنى الضراعة،
وترخيص النبيّ وَ﴿ كان تبليغاً عن الله تعالى، إما بطريق الإلهام، أو بطريق
الوحي، ومن ادّعى أن نزول الوحي يحتاج إلى أمد متّسع فقد وهم. انتهى،
وهو تحقيقٌ وجيهٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عباس ظها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٣٠٣/٧٩ و٣٣٠٤] (١٣٥٣)، وسيأتي أيضاً في
((الجهاد))، و(البخاريّ) في ((الجنائز)) (١٣٤٩)، وفي ((الحجّ)) (١٥٨٧ و١٨٣٣
و١٨٣٤)، و((البيوع)) (٢٠٩٠)، و((الجهاد)) (٢٧٨٣ و٢٨٢٥ و٣٠٧٧)، و((الجزية
والموادعة)) (٣١٨٩)، و((المغازي)) (٤٣١٣)، و(أبو داود) في ((المناسك))
(٢٠١٧)، و((الجهاد)) (٢٤٨٠)، و(الترمذيّ) في ((السير)) (١٥٩٠)، و(النسائيّ)
في ((مناسك الحجّ)) (٢٠٣/٥ - ٢٠٤ و١٤٦/٧)، و((الكبرى)) في ((السير)) (٢/
٣٨٤)، و(ابن ماجه) في ((الجهاد)) (٢٧٧٣)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه))
(٩١٩٣ و٩٧١١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٢٦/١ و٢٥٥ و٣١٥ و٣١٦ و٣٥٥
و٣٥٩)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٥١٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٣٧٢٠)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٠٩٤٣ و١٠٩٤٤)، و((الأوسط)) (١٥٩/١

٤٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
و١٤٠/٨)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٦٣/١٠)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه))
(٩٦/٣ و٩٧ و٢٣٥/٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٣٤/٢ و١٨٨/٤)،
و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣٣/٤ و٣٤)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى))
(٥٠٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٩٥/٥ و١٩٩/٦ و١٦/٩)، و((المعرفة))
(٢٠٢/٢ و٢٠٩)، و(الطبريّ) في ((تهذيب الآثار)) (٩/١ و١٣)، و(البغويّ) في
((شرح السنّة)) (٢٠٠٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان حرمة مكّة - حرسها الله تعالى -.
٢ - (ومنها): أن فيه بشارةً بأن مكة تبقى دار إسلام أبداً، لا يُتصور منها
الهجرة.
٣ - (ومنها): أن فيه وجوب تعيين الخروج في الغزو على من عيّنه
الإمام، وأن الأعمال تُعتبر بالنيات، وقال الخطابيّ نَّتُهُ: في الحديث إيجاب
النفير، والخروج إلى العدو إذا وقعت الدعوة، وهذا إذا كان فيمن بإزاء العدو
كفايةٌ، فإن لم يكن فيهم كفاية فهو فرض على المطيقين للجهاد، والاختيار
للمطيق له مع وقوع الكفاية بغيره أن لا يقعد عن الجهاد، قال الله تعالى: ﴿لَّا
يَسْتَوِى الْقَهِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ
اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَقْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَعِدِينَ دَرَجَةٌ وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْمُسْنَىَّ﴾ الآية [النساء:
٩٥]، وقد ترجم البخاريّ لهذا الحديث: ((باب وجوب النفير، وما يجب من
الجهاد والنية))، وقوله: ﴿أَنفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَهِدُواْ بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِ سَبِيلٍ
ج
[التوبة: ٤٢].
الله ﴾
قال الحافظ تَخّْتُهُ: قوله: ((وما يجب من الجهاد والنية)) أي: وبيان القدر
الواجب من الجهاد، ومشروعية النية في ذلك، وللناس في الجهاد حالان:
إحداهما: في زمن النبيّ وَلتر، والأخرى بعده، فأما الأولى: فأول ما
شُرع الجهاد بعد الهجرة النبوية إلى المدينة اتفاقاً، ثم بعد أن شُرع هل كان
فرض عين، أو كفاية؟ قولان مشهوران للعلماء، وهما في مذهب الشافعيّ.
وقال الماورديّ: كان عيناً على المهاجرين دون غيرهم، ويؤيده وجوب
الهجرة قبل الفتح في حق كل من أسلم إلى المدينة؛ لنصر الإسلام.

٤٣٩
(٧٩) - بَابُ تَحْرِيمِ مَكَّةَ، وَصَيْدِهَا، وَخَلَاهَا، وَشَجَرِهَا ... إلخ - حديث رقم (٣٣٠٣)
وقال السهيليّ نَّقُهُ: كان عيناً على الأنصار دون غيرهم، ويؤيده مبايعتهم
النبيّ وَّ ليلة العقبة على أن يؤووا رسول الله وَّيه وينصروه، فيخرج من قولهما
أنه كان عيناً على الطائفتين، كفاية في حق غيرهم، ومع ذلك فليس في حق
الطائفين على التعميم، بل في حقّ الأنصار إذا طرق المدينة طارق، وفي حق
المهاجرين إذا أريد قتال أحد من الكفار ابتداء، ويؤيد هذا ما وقع في قصّة بدر
فيما ذكره ابن إسحاق، فإنه كالصريح في ذلك، وقيل: كان عيناً في الغزوة التي
يخرج فيها النبيّ ◌َّر دون غيرها .
والتحقيق أنه كان عيناً على من عيّنه النبيّ وَّر في حقه، ولو لم يخرج.
الحال الثاني: بعده وَ﴿ فهو فرض كفاية على المشهور، إلا أن تدعو
الحاجة إليه، كأن يَذْهَمَ العدوّ، ويتعين على من عيّنه الإمام، ويتأدی فرض
الكفاية بفعله في السنّةِ مرةً عند الجمهور.
ومن حجتهم أن الجزية تجب بدلاً عنه، ولا تجب في السنة أكثر من مرة
اتفاقاً، فليكن بدلها كذلك، وقيل: يجب كلما أمكن، وهو قويّ، والذي يظهر
أنه استمرّ على ما كان عليه في زمن النبيّ و 18 إلى أن تكاملت فتوح معظم
البلاد، وانتشر الإسلام في أقطار الأرض، ثم صار إلى ما تقدم ذكره.
والتحقيق أيضاً أن جنس جهاد الكفار متعيّن على كل مسلم، إما بيده،
وإما بلسانه، وإما بماله، وإما بقلبه. انتهى كلام الحافظ تَّتُهُ، وهو تحقيقٌ
نفيسٌ، وبحثٌ أنيسٌ.
وسيأتي مزيد الكلام في هذا، وبسط الكلام في أحكام الجهاد في ((كتاب
الجهاد» - إن شاء الله تعالى -.
٤ - (ومنها): تحريم قطع شجر الحرم، وشوكه، قال القرطبيّ كَُّهُ:
خصّ الفقهاء الشجر المنهيّ عن قطعه بما يُنبته الله تعالى من غير صنع آدميّ،
فأما ما ينبت بمعالجة آدميّ، فاختلف فيه، فالجمهور على الجواز، وقال
الشافعيّ: في الجميع الجزاء، ورجحه ابن قدامة. واختلفوا في جزاء ما قُطع
من النوع الأول، فقال مالك: لا جزاء فيه، بل يأثم، وقال عطاء: يستغفر،
وقال أبو حنيفة: يؤخذ بقيمته هدي، وقال الشافعيّ: في العظيمة بقرة، وفيما
دونها شاة، واحتجّ الطبريّ بالقياس على جزاء الصيد، وتعقّبه ابن القصّار بأنه

٤٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
كان يلزمه أن يجعل الجزاء على المحرم إذا قطع شيئاً من شجر الحلّ، ولا
قائل به، وقال ابن العربيّ: اتفقوا على تحريم قطع شجر الحرم، إلا أن
الشافعي أجاز قطع السواك من فروع الشجرة، كذا نقله أبو ثور عنه، وأجاز
أيضاً أخذ الورق والثمر إذا كان لا يضرّها، ولا يهلكها، وبهذا قال عطاء،
ومجاهد، وغيرهما، وأجازوا قطع الشوك لكونه يؤذي بطبعه، فأشبه الفواسق،
ومنعه الجمهور، لهذا الحديث، وصححه المتولي من الشافعيّة، وأجابوا بأن
القياس المذكور في مقابلة النصّ، فلا يعتبر به، حتى ولو لم يرد النصّ على
تحريم الشوك، لكان في تحريم قطع الشجر دليل على تحريم قطع الشوك؛ لأن
غالب شجر الحرم كذلك، ولقيام الفارق أيضاً، فإن الفواسق المذكورة تقصد
بالأذى، بخلاف الشجر، قال ابن قدامة: ولا بأس بالانتفاع بما انكسر من
الأغصان، وانقطع من الشجر بغير صنع آدميّ، ولا بما يسقط من الورق. نصّ
عليه أحمد، ولا نعلم فيه خلافاً .
٥ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن لقطة مكة لا تلتقط للتملّك، بل
للتعريف خاصّة، وهو قول الجمهور، وإنما اختصَّ بذلك عندهم لإمكان
إيصالها إلى ربّها؛ لأنها إن كانت للمكيّ فظاهر، وإن كانت للآفاقيّ، فلا يخلو
أفق غالباً من وارد إليها، فإذا عرّفها واجدها في كلّ عام سهل التوصّل إلى
معرفة صاحبها، قاله ابن بطال. وقال أكثر المالكية، وبعض الشافعية: هي
كغيرها من البلاد، وإنما تختصّ مكة بالمبالغة في التعريف لأن الحاج يرجع
إلى بلده، وقد لا يعود، فاحتاج الملتقط بها إلى المبالغة في التعريف.
٦ - (ومنها): أن بعضهم استدلّ بهذا الحديث على اشتراط الإحرام على
من دخل الحرم. قال القرطبيّ: معنى قوله: ((حرّمه الله)) أي: يحرم على غير
المحرم دخوله حتى يُحرم، ويَجري هذا مجرى قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ
أُمَّهَتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] أي: وطؤهنّ، وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ﴾ [المائدة: ٣]
أي: أكلها، فعُرف الاستعمال يدلّ على تعيين المحذوف، قال: وقد دلّ على
صحة هذا المعنى اعتذاره 18 عن دخوله مكة غير محرم، مقاتلاً بقوله: ((لم
تحلّ لي إلا ساعة من نهار)) الحديث.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وهذا الاستدلال بعيد، وسيأتي بعد باب