Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
(٧٧) - بَابُ نُزُولِ الْحَاجِّ بِمَكَّةَ، وَتَوْرِيثِ دُورِهَا - حديث رقم (٣٢٩٥)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٢٩٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ سَيَّارٍ، عَنْ
أَبِي حَازِمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هُشَيْمُ) بن بشير الواسطيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (سَيَّارٌ) أبو الحكم الْعَنَزيّ الواسطيّ، ويقال: البصريّ، واسم أبيه وَرْدان،
وقيل: ورد، وقيل غير ذلك، ثقةٌ [٦] (ت١٢٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٠٩/٢٥.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية سيّار، عن أبي حازم ساقها البخاريّ تَّتُهُ، فقال:
(١٤٤٩) - حدّثنا آدَمُ، حدّثنا شُعْبَةُ، حدّثنا سَيَّارٌ أبو الْحَكَم، قال:
سمعت أَبَا حَازِم، قال: سمعت أَبَا هُرَيْرَةَ رَ﴿به قال: سمعت النبيّ ◌َِّ يقول:
(من حَجَّ للهِ، فَلَّم يَرْفُتْ، ولم يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمٍ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ)). انتهى، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ .
(٧٧) - (بَابُ نُزُولِ الْحَاجِّ بِمَكَّةَ، وَتَوْرِيثِ دُورِهَا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٢٩٥] (١٣٥١) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا
ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ حُسَيْنٍ أَخْبَرَهُ،
أَنَّ عَمْرَو بْنَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّنَ أَخْبَرَهُ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، أَنَّهُ قَالَ: بَا
رَسُولَ اللهِ أَتْزِلُ فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ: ((وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ، أَوْ دُورٍ؟)).
وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ، هُوَ وَطَالِبٌ، وَلَمْ يَرِثُهُ جَعْفَرٌ، وَلَا عَلِيٍّ شَيْئاً؛ لِأَنَّهُمَا
كَانَا مُسْلِمَيْنٍ، وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبُ كَافِرَیْنٍ).

٤٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن السرح المصريّ، تقدّم
قريباً .
٢ - (عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ) بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ، زين العابدين
المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيةٌ عابدٌ فاضلٌ مشهور [٣] (ت٩٣) وقيل غير ذلك (ع) تقدم
في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٨١٨/٣٠.
٣ - (عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّنَ) بن العاص الأمويّ، أبو عثمان المدنيّ،
ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في ((الجنائز)) ٢١٤٩/٩.
٤ - (أُسَامَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ) بن شَرَاحيل الكلبيّ الأمير، أبو محمد،
وأبو زيد الصحابيّ ابن الصحابيّ ◌ًا، مات بالمدينة سنة (٥٤) وهو ابن (٧٥)
سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٤/٤٣.
والباقون تقدّموا قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ◌َذَتُهُ، وله فيه شيخان قرن بينهما
لما مرّ غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من ابن شهاب، والباقون مصريّون.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض.
٥ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار، سوى موضع واحد.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه من مشاهير الصحابة ﴿ه، حبّ رسول الله وَله
وابن حبّه.
شرح الحديث:
(عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ) ◌ِّهَا (أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَتَنْزِلُ فِي
دَارَِكَ بِمَكَّةَ؟) وفي الرواية التالية: ((أين تَنْزِل غَداً؟ وذلك في حجته حين دنونا

٤٠٣
(٧٧) - بَابُ نُزُولِ الْحَاجِّ بِمَكَّةَ، وَتَوْرِيثِ دُورِهَا - حديث رقم (٣٢٩٥)
من مكة))، قال في ((الفتح)): ظاهر هذه القصة أن ذلك كان حين أراد دخول
مكة، ويزيده وضوحاً رواية زَمْعة بن صالح، عن الزهريّ، بلفظ: ((لما كان
يومُ الفتح قبل أن يدخل النبيّ وَله مكة قيل: أين تنزل؟ أفي بيوتكم؟ .. ))
الحديث، وروى عليّ ابن المدينيّ، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار،
عن محمد بن عليّ بن حسين، قال: قيل للنبيّ وَّ حين قدم مكة: أين تنزل؟
قال: ((وهل ترك لنا عقيل من طَلّ؟))، قال علي ابن المدينيّ: ما أشكّ أن
محمد بن عليّ بن الحسين أخذ هذا الحديث عن أبيه، لكن في حديث أبي
هريرة حظه أنه و * قال ذلك حين أراد أن ينفر من منى، فَيُحْمَل على تعدد
القصة. انتهى(١).
وقوله: (فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟) قال القاضي عياض رَّتُهُ: لعله أضاف الدار
إليه ◌َّ؛ لسكناه إياها مع أن أصله كان لأبي طالب؛ لأنه الذي كفله، ولأنه
أكبر ولد عبد المطلب، فاحتوى على أملاك عبد المطلب، وحازها وحده؛
لسنّه على عادة الجاهلية، قال: ويَحْتَمِل أن يكون عَقِيل باع جميعها، وأخرجها
عن أملاكهم، كما فعل أبو سفيان وغيره بدور من هاجر من المؤمنين، قال
الداوديّ: فباع عَقيل جميع ما كان للنبيّ وَّ، ولمن هاجر من بني
عبد المطلب. انتهى(٢) .
(فَقَالَ) ◌َ ((وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ) بفتح، فكسر، هو عَقِيل بن أبي طالب بن
عبد المطلب بن هاشم الهاشميّ، أبو يزيد، وقيل: أبو عيسى، أسلم قبل
الحديبية، وشَهِد غزوة مؤتة، وكان أسنّ من جعفر بعشر سنين، وكان جعفر
أسنّ من عليّ بعشر سنين، وكان عَقِيل من أنسب قريش وأعلمهم بأيامها، روى
عن النبيّ وَّرَ، وعنه ابنه محمد، وحفيده عبد الله بن محمد بن عَقِيل، وعطاء،
وأبو صالح السمان، وموسى بن طلحة، والحسن البصريّ ومالك بن أبي عامر
الأصبحيّ.
(١) ((الفتح)) ٤ / ٥٠٢.
(٢) راجع: ((شرح النوويّ)) ١٢٠/٩.

٤٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
قال ابن سعد: قالوا: مات في خلافة معاوية بعدما عَمِي، وفي تاريخ
البخاري الأصغر بسند صحيح أنه مات في أول خلافة يزيد بن معاوية قبل وَقْعة
الحرّة، وقال ابن سعد: خرج عَقِيل مهاجراً في أول سنة ثمان، فشَهِد مؤتة، ثم
رجع، فعَرَض له مرض، فلم يُسْمَع له بخبر، لا في فتح مكة، ولا حُنين، ولا
الطائف، وله عَقِب.
قال الحافظ: وفيما قال نظرٌ، فقد رَوَى الزبير بن بكار، من طريق
الحسين بن عليّ قال: كان ممن ثبت مع النبيّ وَل﴿ يوم حُنين: العباس، وعليّ،
وعَقِيل، وسَمَّى جماعةً. انتهى.
أخرج له النسائيّ، وابن ماجه، وليس له عند غيرهما إلا مجرّد الذكر.
(مِنْ رِبَاعٍ) بكسر الراء: جمع رَبْع، بفتح الراء، وسكون الموحدة، وهو
المنزل المشتمِّل على أبيات، وقيل: هو الدار، فعلى هذا فقوله: (أَوْ دُورٍ؟)))
إما للتأكيد، أو من شك الراوي، وفي رواية محمد بن أبي حفصة: ((من
منزل))، وأخرج هذا الحديث الفاكهيّ من طريق محمد بن أبي حفصة، وقال في
آخره: ((ويقال: إن الدار التي أشار إليها كانت دار هاشم بن عبد مناف، ثم
صارت لعبد المطلب ابنه، فقسمها بين ولده حين عُمِّر، فمن ثَمّ صار للنبيّ وَله
حَقُّ أبيه عبد الله، وفيها وُلد النبيّ ◌َِ))(١).
وقوله: (وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ) قال في ((العمدة): إدراج من بعض
الرواة، ولعله من أسامة، كذا قال الكرمانيّ(٢)، وقوله: (هُوَ) أُتي؛ ليعطف
قوله: ((وطالبٌ)) على الضمير المتّصل في ((وَرِثَ))، وإن كان الفصل حصل
بالمفعول، قال في ((الخلاصة)):
عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرٍ رَفْعِ مُتَّصِلْ
فِي النَّظْمِ فَاشِياً وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ
أَوْ فَاصِلٍ مَّا وَبِلَا فَضْلٍ يَرِدْ
(١) ((الفتح)) ٤ / ٥٠٣.
(٢) ((عمدة القاري)) ٢٢٧/٩.

٤٠٥
(٧٧) - بَابُ نُزُولِ الْحَاجِّ بِمَكَّةَ، وَتَوْرِيثِ دُورِهَا - حديث رقم (٣٢٩٥)
(وَطَالِبٌ، وَلَمْ يَرِثْهُ جَعْفَرٌ، وَلَا عَلِيٌّ شَيْئاً؛ لِأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنٍ، وَكَانَ
عَقِيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَيْنٍ) مُحَصَّل هذه القصّة أن النبيّ وَّ لما هاجر استولى عَقِيل
وطالب على الدار كلها، باعتبار ما ورثاه من أبيهما؛ لكونهما كانا لم يُسلما،
وباعتبار ترك النبيّ وَ﴿ لحقّه منها بالهجرة، وفُقِد طالب ببدر، فباع عَقِيل الدار
كلها .
وحَكَى الفاكهيّ أن الدار لم تَزَل بأولاد عَقيل إلى أن باعوها لمحمد بن
يوسف أخي الحجاج بمائة ألف دينار، وزاد في روايته من طريق محمد بن أبي
حفصة: فكان عليّ بن الحسين يقول: من أجل ذلك تركنا نصيبنا من الشِّعْب؛
أي: حصة جدّهم عليّ من أبيه أبي طالب.
وقال الداوديّ وغيره: كان من هاجر من المؤمنين باع قريبه الكافر داره،
وأمضى النبيّ ◌َّه تصرفات الجاهلية؛ تأليفاً لقلوب من أسلم منهم.
وقال الخطابيّ: وعندي أن تلك الدار إن كانت قائمة على ملك عَقِيل،
فإنما لم ينزلها رسول الله وَله؛ لأنها دُور هجروها في الله تعالى، فلم يرجعوا
فيما تركوه.
وتُعُقّب بأن سياق الحديث يقتضي أن عَقيلاً باعها، ومفهومه أنه لو تركها
لنزلها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أسامة بن زيد ها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢٩٥/٧٧ و٣٢٩٦ و٣٢٩٧] (١٣٥١)،
و(البخاريّ) في ((الحجّ)) (١٥٨٨ و٣٠٥٨ و٤٢٨٢)، و(أبو داود) في ((سننه))
(٢٠١٠ و٢٩٠٩ و٢٩١٠)، و(الترمذيّ) في ((جامعه)) (٢١٠٧)، و(النسائيّ) في
((الكبرى)) (٤٨٠/٢)، و(ابن ماجه) (٢٧٢٩ و٢٧٣٠ و٢٩٤٢)، و(عبد الرزّاق)
في «مصنّفه)) (١٤/٦)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢٠٠/٥ و٢٠١ و٢٠٢)، و(ابن
خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٩٨٥)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٤٣٦/٣)، و(أبو

٤٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٩/٤ -٣٠)، و(الدارقطني) في ((سننه)) (٦٢/٣)،
و(الحاكم) في ((مستدركه)) (٦٥٨/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٦٠/٥ و٦/
٢١٨) و((المعرفة)) (٤٢٧/٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن دور مكة تورّث لأهلها.
٢ - (ومنها): بيان جواز بيع دور مكة وإجارتها، وبهذا احتجّ
الشافعيّ تَّثُ على ذلك.
٣ - (ومنها): بيان أن المسلم لا يرث الكافر، وعلى ذلك كافّة فقهاء
الأمصار، إلَّا ما حُكي عن معاوية، ومعاذ، والحسن البصريّ، وإبراهيم
النخعيّ، وإسحاق؛ أن المسلم يرث الكافر، وأجمعوا على أن الكافر لا يرث
المسلم، قاله في ((العمدة)) (١). وسيأتي تحقيق ذلك مستوفّى في محلّه من كتاب
الفرائض - إن شاء الله تعالى -.
٤ - (ومنها): بيان أن مكة فُتحت صلحاً، فدُورها مِلْكٌ لأهلها، وفي
ذلك خلاف سيأتي في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم دُور مكة:
قال الإمام البخاريّ تَخْتُ في ((صحيحه)): ((باب توريث دُور مكة،
وبيعها، وشرائها، وأن الناس في المسجد الحرام سواءٌ خاصّةً؛ لقوله
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِى جَعَلْتَهُ
لِلنَّاسِ سَوَآءَ الْعَكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَامٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ
أَلِيمٍ ﴾﴾ [الحج: ٢٥]»، ثم أخرج حديث أسامة به المذكور هنا، محتجّاً
على ما ترجم به.
قال في ((الفتح)): أشار بهذه الترجمة إلى تضعيف حديث علقمة بن نَضْلة
قال: توفي رسول الله وَله، وأبو بكر، وعمر، وما تُدْعَى رباع مكة إلا
السوائب، من احتاج سكن. أخرجه ابن ماجه، وفي إسناده انقطاع، وإرسال.
(١) ((عمدة القاري)) ٢٢٨/٩.

٤٠٧
(٧٧) - بَابُ نُزُولِ الْحَاجِّ بِمَكَّةَ، وَتَوْرِيثِ دُورِهَا - حديث رقم (٣٢٩٥)
وقال بظاهره: ابن عمر، ومجاهد، وعطاء، قال عبد الرزاق عن ابن
جريج: كان عطاء يَنْهَى عن الكراء في الحرم، فأخبرني أن عمر نَهَى أن تُبَوَّب
دُور مكة؛ لأنها ينزل الحاج في عرصاتها، فكان أول من بَوَّب داره سهيل بن
عمرو، واعتَذَر عن ذلك لعمر.
وروى الطحاويّ من طريق إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، أنه قال: مكة
مباح لا يحل بيع رباعها، ولا إجارة بيوتها .
وروى عبد الرزاق، من طريق إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن
عمر: لا يحل بيع بيوت مكة، ولا إجارتها .
وبه قال الثوريّ، وأبو حنيفة، وخالفه صاحبه أبو يوسف، واختُلِف عن
محمد، وبالجواز قال الجمهور، واختاره الطحاويّ.
ويجاب عن حديث علقمة على تقدير صحته بِحمله على ما سيُجمع به ما
اختلف عن عمر في ذلك.
واحتَجّ الشافعيّ بحديث أسامة المذكور في هذا الباب، قال الشافعيّ:
فأضاف الملك إليه، وإلى من ابتاعها منه، وبقوله ومدير عام الفتح: ((من دخل
دار أبي سفيان، فهو آمن))، فأضاف الدار إليه.
واحتَجّ ابنُ خزيمة بقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِمْ
وَأَمْوَلِهِمْ﴾ الآية [الحشر: ٨]، فتَسب الله الديار إليهم، كما نسب الأموال إليهم،
ولو كانت الديار ليست بملك لهم لما كانوا مظلومين في الإخراج من دُور
ليست بملك لهم، قال: ولو كانت الدور التي باعها عَقِيل لا تُملك لكان جعفر
وعليّ أولى بها؛ إذ کانا مسلمین دونه.
وثبت أن عمر اشترى داراً للسجن بمكة، ولا يعارض ما جاء عن نافع،
عن ابن عمر، عن عمر أنه كان ينهى أن تُغْلَق دُور مكة في زمن الحج، أخرجه
عبد بن حميد، وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن منصور، عن مجاهد: أن
عمر قال: يا أهل مكة لا تتخذوا لدُوركم أبواباً؛ لينزل البادي حيث شاء.
ويُجمع بينهما بكراهة الكراء رفقاً بالوفود، ولا يلزم من ذلك منع البيع
والشراء، وإلى هذا جنح الإمام أحمد، وآخرون، واختلف عن مالك في ذلك،

٤٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
قال القاضي إسماعيل: ظاهر القران يدلّ على أن المراد به المسجد الذي يكون
فيه النسك والصلاة، لا سائر دور مكة، وقال الأبهريّ: لم يَختلف قول مالك
وأصحابه في أن مكة فُتحت عنوةً، واختلفوا هل مَنّ بها على أهلها؛ لعظم
حرمتها، أو أُقِرّت للمسلمين؟ ومن ثم جاء الاختلاف في بيع دورها، والكراء،
والراجح عند من قال: إنها فُتحت عنوةً أن النبيَّ وََّ مَنّ بها على أهلها،
فخالفت حكم غيرها من البلاد في ذلك. ذكره السهيليّ وغيره.
وليس الاختلاف في ذلك ناشئاً عن هذه المسألة، فقد اختَلَف أهل
التأويل في المراد بقوله هنا: ﴿اُلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ هل هو الحرم كله، أو مكان
الصلاة فقط؟ واختلفوا أيضاً هل المراد بقوله: ﴿سُوّوٍ﴾ في الأمن والاحترام،
أو فيما هو أعمّ من ذلك؟ وبواسطة ذلك نشأ الاختلاف المذكور أيضاً.
قال ابن خزيمة: لو كان المراد بقوله تعالى: ﴿سَوَآءَ الْعَكِّفُ فِيهِ وَآلْبَارِّ﴾
جميع الحرم، وأن اسم المسجد الحرام واقع على جميع الحرم، لما جاز حفر
بئر، ولا قبر، ولا التغوط، ولا البول، ولا إلقاء الجيف والنتن، قال: ولا
نعلم عالماً مَنَع من ذلك، ولا كَرِهِ لحائض، ولا لجُنب دخول الحرم، ولا
الجماع فيه، ولو كان كذلك لجاز الاعتكاف في دور مكة، وحوانيتها، ولا
يقول بذلك أحدٌ، والله أعلم.
قال الحافظ: والقول بأن المراد بالمسجد الحرام: الحرم كله وَرَدَ عن
ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، أخرجه ابن أبي حاتم وغيره عنهم، والأسانيد
بذلك كلها إليهم ضعيفة. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من ذكر أقوال أهل العلم في
هذه المسألة، وبيان أدلّتهم أن أرجح الأقوال قول الشافعيّ، ومن تبعه، وهو
قول البخاريّ أن دور مكة مِلْكٌ لأهلها، يجوز توريثها، وبيعها، وإجارتها؛
لوضوح علّته، كما علمته آنفاً، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(١) ((الفتح)) ٤ / ٥٠٠ - ٥٠٢.

٤٠٩
(٧٧) - بَابُ تُزُولِ الْحَاجٌ بِمَكَّةَ، وَتَوْرِيثِ دُورِهَا - حديث رقم (٣٢٩٦ - ٣٢٩٧)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٢٩٦] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ،
وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعاً عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ ابْنُ مِهْرَانَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ
مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنٍ
زَيْدٍ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيْنَ تَنْزِلُ غَداً؟ وَذَلِكَ فِي حَجَّتِهِ، حِينَ دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ،
فَقَالَ: ((وَهَلْ تَرَ لَنَا عَقِيلٌ مَنْزِلاً؟»).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ) أبو جعفر الجمّال، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٣٩) أو قبلها (خ م د) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٢/٢٦.
٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، تقدّم قبل ثلاثة
أبواب.
٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، تقدّم قريباً.
٤ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم أيضاً قريباً.
٥ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن،
ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٢٩٧] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَقْصَةَ، وَزَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَا: خَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ
حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَأَمَةَ بْنِ زَيْدٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيْنَ
تَنْزِلُ غَداً إِنْ شَاءَ اللهُ؟ وَذَلِكَ زَمَنَ الْفَتْحِ، قَالَ: ((وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ مَنْزِلٍ؟)).

٤١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) تقدّم قريباً.
٢ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) القيسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، له تصانيف
[٩] (ت٥ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩٠/ ٤٧٦.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ) ميسرة، أبو سلمة البصريّ، صدوقٌ يُخطىء
[٧] (تخ م مد سي) تقدم في ((الجنائز)) ١٦/ ٢١٨٧.
٤ - (زَمْعَةُ بْنُ صَالِح) الْجَنَديّ بفتح الجيم، والنون، أبو وهب اليمانيّ،
نزيل مكة، ضعيف، وحديثَّه عند مسلم مقرون [٦].
رَوَى عن سلمة بن وَهْرام، وابن طاوس، وعمرو بن دينار، والزهريّ،
وغيرهم.
وروى عنه ابنه وهب، وابن جريج، وهو من أقرانه، والسفيانان، وابن
وهب، وابن مهديّ، وعبد الرزاق، ووكيعٌ، وروح بن عبادة، وأبو عاصم،
وأبو نعيم، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ضعيفٌ، وقال الدُّوريّ عن ابن معين:
ضعيفٌ، وهو أصلح حديثاً من صالح بن أبي الأخضر، وقال مرة أخرى: زمعة
صويلح الحديث، وقال الآجريّ عن أبي داود: ضعيفٌ، قال: وسألت يحيى:
صالح بن أبي الأخضر أكبر عندك، أو زمعة؟ فقال: لا هو، ولا زمعة، قال
ابن عيينة: ربّما سمعت هشام بن حُجير يقول لزمعة: إنما أنت جَدْيٌّ، ما لك
وللحديث؟ قال أبو داود: صالح أحب إليّ من زمعة، أنا لا أخرج حديث
زمعة، وقال البخاريّ: يخالف في حديثه، تركه ابن مهديّ أخيراً، وقال
عمرو بن عليّ: فيه ضَعْفٌ، وقد روى عنه الثوريّ، وابن مهديّ، وما سمعت
يحيى ذكره قطّ، وهو جائز الحديث مع الضعف الذي فيه، وقال الْجُوزَجانيّ:
متماسكٌ، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، ووهيب أوثق منه، وقال النسائيّ:
ليس بالقويّ، كثير الغلط عن الزهريّ، وقال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة
عنه، فقال: لَيِّن، واهي الحديث، حديثه عن الزهري كأنه يقول مناكير، وقال
ابن عديّ: ربما يَهِم في بعض ما يرويه، وأرجو أن حديثه صالح، لا بأس به،
وقال ابن حبان: كان رجلاً صالِحاً يَهِمُ، ولا يَعلَم، ويُخطىء ولا يَفهم، حتى

٤١١
(٧٨) - بَابُ جَوَازِ الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ لِلْمُهَاجِرِ مِنْهَا بَعْدَ فَرَاغِ الْحَجّ ... إلخ - حديث رقم (٣٢٩٨)
غلب في حديثه المناكير التي يرويها عن المشاهير، وقال الحاكم أبو أحمد:
أبو وهب زمعة بن صالح ليس بالقويّ عندهم، وقال ابن خزيمة: في قلبي منه
شيء، وقال في موضع آخر: أنا بريء من عهدته، وقال النسائيّ في ((الجرح
والتعديل)): ضعيف، وقال الساجيّ: ليس بحجة في الأحكام.
أخرج له المصنّف، وأبو داود في ((المراسيل))، والترمذيّ، والنسائيّ،
وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث مقروناً.
والباقون ذكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٧٨) - (بَابُ جَوَازِ الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ لِلْمُهَاجِرِ مِنْهَا بَعْدَ فَرَاغِ الْحَجّ
وَالْعُمْرَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَا زِيَادَة)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٢٩٨] (١٣٥٢) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ،
يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، يَسْأَلُ
السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ، يَقُولُ: هَلْ سَمِعْتَ فِي الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ شَيْئاً؟ فَقَالَ السَّائِبُ:
سَمِعْتُ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((لِلْمُهَاجِرٍ
إِقَامَةُ ثَلَاثٍ بَعْدَ الصَّدَرِ بِمَكَّةَ))، كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) القعنبيّ الحارثيّ، أبو عبد الرحمن
البصريّ، مدنيّ، وقد سكنها مدّةً، ثقةٌ عَابدٌ، من صغار [٩] (ت٢٢١) بمكة (خ
م د ت س) تقدم في ((الطهارة)) ١٧ / ٦١٧.

٤١٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب
المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت١٧٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٠/١٤.
٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُمَيْدٍ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ،
ثقة [٥].
رَوَى عن أبيه، والسائب بن يزيد، وسعيد بن المسيِّب، وغيرهم.
ورَوَى عنه صالح بن كيسان، وسليمان بن بلال، وحاتم بن إسماعيل،
وغيرهم.
قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ليس به بأس، وقال أبو حاتم،
وأبو داود: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث، وقال العجليّ: مدنيّ
ثقة، وقال النسائيّ في ((الجرح والتعديل)): ثقة.
قال ابن حبان في ((الثقات)): مات بالعراق في أول خلافة أبي جعفر سنة
(١٣٧).
روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث بالمكرّر، برقم
(١٣٥٢) وأعاده بعده مرّتين، و(١٤٦٠) و(١٩٧٧) وأعاده بعده، و(٢٥١١).
سنة (٩١)
٤ - (السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ) الْكِندي الصحابيّ الصغير، مات
وقيل: قبل ذلك، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة
وتقدم في
،
((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٧/ ١٧١٢.
٥ - (الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ) حليف بني أُميّة، واسم الحضرميّ عبد الله بن
عِمَادُ(١) بن أكبر بن ربيعة بن مالك بن عُوَيف، وله عدة إخوة، يقال: إنهم أحد
عشر، وأخوه عمرو بن الحضرميّ أول قتيل من المشركين، قتله المسلمون،
وكان ماله أوّلَ مال خُمّس في الإسلام، وبسببه كانت وقعة بدر.
روى عن النبيّ ◌َّ﴿ في مُكث المهاجر، وعنه السائب بن يزيد، وأبو
هريرة، وحيان الأعرج، وسَهْم بن مِنجاب، وزياد بن حُدَير.
وكان يقال: إنه مُجاب الدعوة، وولّاه رسول الله وَله البحرين، وأقرّه أبو
بكر، وعمر، ثم ولّاه عمر البصرة، فمات قبل أن يَصِلَ إليها سنة (١٤).
(١) بالدال المهملة، ووقع في بعض النسخ عمّار بالراء، والأول هو الصواب.

٤١٣
(٧٨) - بَابُ جَوَازِ الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ لِلْمُهَاجِرٍ مِنْهَا بَعْدَ فَرَاغِ الْحَجّ ... إلخ - حديث رقم (٣٢٩٨)
وقال ابن سيرين، عن ابن العلاء بن الحضرمي: إن أباه كتب إلى
النبيّ ◌َل﴿، فبدأ باسمه. وقال أبو حسان الزياديّ: مات سنة (٢١) وله مناقب،
وفضائل كثيرة.
أخرج له الجماعة الحديث المتقدم، وليس له في هذا الكتاب، وكذا عند
البخاريّ إلا هذا الحديث، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف تَّلُهُ .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له ابن
ما جه .
٣ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ.
٤ - (ومنها): أن السائب بن يزيد نظره آخر من مات بالمدينة من
الصحابة ، كما أسلفته آنفاً .
٥ - (ومنها): أن صحابيه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب
الستة، إلا ثلاثة أحاديث: حديث الباب عنهم جميعاً، وحديث: ((أنه كتب إلى
النبيّ ◌َ ﴿، فبدأ باسمه)) عند أبي داود رقم (٥١٣٥)، وأخرجه أحمد أيضاً (٤/
٣٣٩)، وحديث: ((بعثني رسول الله وَله إلى البحرين، أو إلى هَجَر، فكنت آتي
الحائط يكون بين الإخوة، يُسْلِم أحدهم، فآخذ من المسلم العشر، ومن
المشرك الخراج)) عند ابن ماجه رقم (١٨٣١)، وأخرجه أحمد أيضاً (٥٢/٥)،
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث :
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْد) بن عبد الرحمن بن عوف (أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ
عَبْدِ الْعَزِيزِ) الأمويّ الخليفة الراشد، مات تَّتُهُ في رجب سنة (١٠١)،
وله أربعون سنةً، ومدّة خلافته سنتان ونصف، وتقدّمت ترجمته في ((المقدّمة))
٤٦/٦. وقوله: (يَسْأَلُ) جملة حاليّة من المفعول (السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ) بن سعيد بن
تُمامة الْكِنديّ المعروف بابن أخت النمر الصحابيّ الصغير، حُجّ به في عام
حجة الوداع، وهو ابن سبع سنين، وولّاه عمر ظُه سوق المدينة، وسبق آنفاً

٤١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
أنه آخر من مات بالمدينة من الصحابة ﴿ه، وقوله: (يَقُولُ) هذه الجملة تفصيل
وبيان لكيفيّة السؤال (هَلْ سَمِعْتَ فِي الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ) أي: في مقدار الوقت الذي
يجوز للمهاجر أن يقيمه فيها إذا عاد إليها لحجّ، أو عمرة، أو نحو ذلك
(شَيْئاً؟) وفي الرواية التالية: ((عن حميد بن عبد الرحمن، قال: سمعت عمر بن
عبد العزيز يقول لجلسائه: ما سمعتم في سُكنى مكة؟))، وفي رواية البخاريّ من
طريق حاتم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن حميد الزهريّ، قال: ((سمعت
عمر بن عبد العزيز، يسأل السائب بن يزيد ابن أخت نَمِر، قال: ما سمعتَ في
سُکنی مكةً؟ .. )).
(فَقَالَ السَّائِبُ: سَمِعْتُ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهـ
يَقُولُ: (لِلْمُهَاجِرِ إِقَامَةُ ثَلَاثٍ) من إضافة المصدر إلى الظرف؛ أي: له أن يقيم
مدة ثلاث ليال، ذكّر الضمير لكون التمييز محذوفاً، فيجوز الوجهان، كما سبق
غير مرّة (بَعْدَ الصَّدَرِ) بفتح المهملتين؛ أي: بعد الرجوع من منى، وانتهاء نسكه
(بِمَكَّةَ))) متعلّق بـ((إقامة))، وقوله: (كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا) الظاهر أنه مدرج
من بعض الرواة، وفي الرواية التالية: ((يُقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه
ثلاثاً))، وفي الرواية الثالثة: ((ثلاث ليالٍ يمكثهنّ المهاجر بعد الصدر))، وفي
الرواية الرابعة: ((مَكْثُ الْمُهَاجِرِ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثٌ)).
قال النوويّ كَُّهُ: معنى هذا الحديث أن الذين هاجروا يَحْرُم عليهم
استيطان مكة، وحَكَى عياض أنه قول الجمهور، قال: وأجازه لهم جماعة -
يعني بعد الفتح - فحملوا هذا القول على الزمن الذي كانت الهجرة المذكورة
واجبة فيه.
قال: واتفق الجميع على أن الهجرة قبل الفتح كانت واجبة عليهم، وأن
سُكنى المدينة كان واجباً لنصرة النبيّ وَلّ ر، ومواساته بالنفس، وأما غير
المهاجرين، فيجوز له سُكنى أيّ بلد أراد، سواء مكة وغيرها بالاتفاق. انتهى
كلام القاضي(١).
ويستثنى من ذلك مَن أَذِنَ له النبيّ وَّهِ بالإقامة في غير المدينة.
(١) راجع: ((شرح النوويّ)) ١٢٢/٩.

٤١٥
(٧٨) - بَابُ جَوَازِ الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ لِلْمُهَاجِرٍ مِنْهَا بَعْدَ فَرَاغِ الْحَجِّ ... إلخ - حديث رقم (٣٢٩٨)
وقال القرطبيّ تَظُّهُ: المراد بهذا الحديث من هاجر من مكة إلى المدينة
لنصرة النبيّ وَّ، ولا يُعنى به من هاجر من غيرها؛ لأنه خرج جواباً عن
سؤالهم لمّا تحرّجوا من الإقامة بمكة؛ إذ كانوا قد تركوها لله تعالى، فأجابهم
بذلك، وأعلمهم أن إقامة الثلاث ليس بإقامة.
قال: والخلاف الذي أشار إليه عياض كان فيمن مضى، وهل ينبني عليه
خلاف فيمن فرّ بدينه من موضع يَخاف أن يُفتن فيه في دينه، فهل له أن يرجع
إليه بعد انقضاء تلك الفتنة؟ يمكن أن يقال: إن كان تركها لله كما فعله
المهاجرون، فليس له أن يرجع لشيء من ذلك، وإن كان تركها فراراً بدينه،
ليَسلَم له، ولم يقصد إلى تركها لذاتها، فله الرجوع إلى ذلك. انتهى.
قال الحافظ: وهو متجه، إلا أنه خَصّ ذلك بمن ترك رباعاً أو دوراً،
ولا حاجة إلى تخصيص المسألة، والله تعالى أعلم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي فيما قاله القرطبي نظران:
أما أوّلاً: ففي تعميمه المنع لكل من فرّ بدينه؛ لأن ذلك يَحتاج إلى
دليل، من نصّ أو إجماع.
وأما ثانياً: ففي تفريقه بين مَن فَرّ بدينه، ومن ترك بلده لله، فإنه لا فرق
بينهما في الحقيقة، كما هو ظاهر، فتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: حديث العلاء بن الحضرمي ظُه هذا مُتّفقٌ عليه.
المسألة الثانية: في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢٩٨/٧٨ و٣٢٩٩ و٣٣٠٠ و٣٣٠١ ٣٣٠٢]
(١٣٥٢)، و(البخاريّ) في ((مناقب الأنصار)) (٣٩٣٣)، و(أبو داود) في
((المناسك)) (٢٠٢٢)، و(الترمذيّ) في ((الحجّ)) (٩٤٩)، و(النسائيّ) في ((تقصير
الصلاة في السفر)) (١٢٢/٣) و((الكبرى)) (٥٨٨/١ و٤٦٩/٢)، و(ابن ماجه) في
(١) ((الفتح)) ٧٢٧/٨ ((كتاب مناقب الأنصار)) رقم (٣٩٣٣).

٤١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
((إقامة الصلاة)) (١٠٧٣)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (٣٦٨/١)، و(الحميديّ) في
((مسنده)) (٨٤٤)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٠/٥ -٢١)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٣٣٩/٤ و٥٢/٥)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٥٢٠)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٣٩٠٦ و٣٩٠٧)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣١/٤)، و(ابن
الجارود) في ((المنتقى)) (٦٦/١)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٧١/١٨)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٤٧/٣)، والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
١ - (منها): بيان ما يجوز للمهاجر أن يقيمه بمكة بعد قضاء نسكه، وهو
مدة ثلاث ليال.
٢ - (ومنها): أن النسائيّ تَخْلُ ترجم في كتابه بقوله: ((باب المقام الذي
يُقصر بمثله الصلاة))، ثمَّ أورد الحديث احتجاجاً لما ترجم له، وهو أن مدة
الإقامة التي تُقصر فيها الصلاة ثلاثة أيام، وما زاد على ذلك يكون في حكم
الحضر، فيُتمّ فيه، وهذا هو مذهب الشافعيّ، ومالك ــ رحمهما الله تعالى -،
ووجه الدلالة منه أن الترخيص في الثلاث يدلّ على بقاء حكم السفر، بخلاف
الأربعة، فالأربع حدّ الإقامة، وما دونه حدّ السفر، فتقصر الصلاة فيه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد ذكرت في ((شرحي على النسائيّ)) أن
هذا الاستدلال عندي غير صحيح؛ لأنه يردّه ما فعله النبيّ وَلّ، مع
أصحابه
ـه، حيث أقاموا أربعة أيام بمكة، وقد عزموا قبل ذلك على إقامة
تلك المدة؛ لأنهم يعلمون أن أفعال الحج لا تنتهي إلا بهذا القدر من الزمن،
فدلّ على أن الأربعة لها حكم السفر.
والراجح ما ذهب إليه الإمام أحمد تَخّتُهُ، وهو أن كل من أقام مدة إقامة
النبيّ ◌َّه بمكة، وهي أربعة أيام قَصَر، ومن زاد أتم، والله تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): أن الإقامة بمكة كانت حراماً على من هاجر منها قبل
الفتح، لكن أبيح لمن قصدها منهم بحج أو عمرة أن يقيم بعد قضاء نسكه ثلاثة
أيام، لا يزيد عليها، وبهذا رَفَى النبيّ وَ له لسعد بن خولة ظلله أن مات بمكة.
وما ادعاه الداوديّ من اختصاص ذلك بالمهاجرين الأولين، فقد ردّه في
((الفتح)) بأنه لا معنى لتقييده بالأولين.

٤١٧
(٧٨) - بَابُ جَوَازِ الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ لِلْمُهَاجِرٍ مِنْهَا بَعْدَ فَرَاغِ الْحَجّ ... إلخ - حديث رقم (٣٢٩٩)
٤ - (ومنها): أنه استدلّ به على أن طواف الوداع عبادة مستقلة، ليست
من مناسك الحجّ، وهو أصح الوجهين في مذهب الشافعيّ؛ لقوله في هذا
الحديث: ((بعد قضاء نسكه))؛ لأن طواف الوداع لا إقامة بعده، ومتى أقام بعده
خرج عن كونه طواف الوداع، وقد سماه قبله قاضياً لمناسكه، فخرج طواف
الوداع عن أن يكون من مناسك الحج، قاله في ((الفتح)»(١)، وهو بحث مفيدٌ
جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٢٩٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، يَقُولُ لِجُلَسَائِهِ: مَا
سَمِعْتُمْ فِي سُكْنَى مَكَّةَ؟ فَقَالَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ: سَمِعْتُ الْعَلَاءَ، أَوْ قَالَ الْعَلَاءَ بْنَ
الْحَضْرَمِيِّ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((يُقِيمُ الْمُهَاجِرُ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثاً))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْبَى بْنُ بَحْبَى) تقدّم قبل باب.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ) تقدّم أيضاً قبل باب.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ) أي: بعد فراغه من أعمال الحجّ، وأصل
النُّسُك بضمتين: العبادة، والمراد هنا أفعال الحج، يقال: نسك الله ينسُك، من
باب قتل: تطوَّع بقُربة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ صَلَاتِ وَنُسُكِ﴾ [الأنعام: ١٦٢]،
ومناسك الحج: عباداته، وقيل: مواضع العبادات، أفاده الفيوميّ (٢).
وقوله: (ثَلَاثاً) أي: ثلاثة أيام بلياليها، وذَكَّر العدد؛ لكون التمييز
محذوفاً، كما تقدم.
(١) ((الفتح)) ٧٢٧/٨ ((كتاب مناقب الأنصار)) رقم (٣٩٣٣).
(٢) ((المصباح المنير)) ٦٠٣/٢ - ٦٠٤.

٤١٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبله، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٣٠٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا حَسَنُّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ جَمِيعاً، عَنْ
يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
حُمَيْدٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، يَسْأَلُ السَّائِبَ بَّنَ يَزِيدَ، فَقَالَ السَّائِبُ:
سَمِعْتُ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((ثَلَاثُ لَيَالٍ
يَمْكُنُهُنَّ الْمُهَاجِرُ بِمَكَّةَ بَعْدَ الصَّدَرِ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (حَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ) هو: حسن بن عليّ بن محمد الخلال، نزيل مكة،
ثقةٌ حافظ، له تصانيف [١١] (ت٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل
بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت٢٠٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩/ ١٤١.
٤ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف
الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ [٨] (ت١٨٥) (ع) تقدم
في ((الإيمان)) ١٤١/٩.
٥ - (صَالِحُ) بن كيسان الغفاريّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو الحارث
المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٤] مات بعد (١٣٠ أو ١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (يَمْكُثُهُنّ الْمُهَاجِرُ) من باب قتل؛ أي: يُقيم، ويتلَبّثُ، ومَكُث
مُكثاً، فهو مَكيث، مثلُ قرُب قُرباً، فهو قريب لغةٌ، وقرأ بها السبعة قوله
تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل: ٢٢] باللغتين. قاله الفيّوميّ.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى القول فيه قبله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

٤١٩
(٧٨) - بَابُ جَوَازِ الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ لِلْمُهَاجِرٍ مِنْهَا بَعْدَ فَرَاغِ الْحَجّ ... إلخ - حديث رقم (٣٣٠١ -٣٣٠٢)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلَمُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٣٠١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
ابْنُ جُرَيْج، وَأَمْلَاهُ عَلَيْنَا إِمْلَاءً، أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ سَعْدٍ؛ أَنَّ
حُمَيْدَ بْنَ عُّبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ الْعَلَاءَ بْنَ
الْحَضْرَمِيِّ أَخْبَرَهُ، عَنْ رَسُولِ اللهِنَّهِ قَالَ: ((مَكْثُ الْمُهَاجِرٍ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ
ثَلَاثٌ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قريباً .
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ سَعْدٍ) بن أبي وقّاص الزهريّ، أبو محمد
المدنيّ، ثقةٌ حجة [٤] (ت١٣٤) (خ م د ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٣٨٨/٧٢.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (مَكْثُ الْمُهَاجِرٍ) مبتدأ خبره ((ثلاث))؛ أي: ثلاث ليال بأيّامهنّ،
قال المجد رَذَتُهُ: الْمِكْثُ مُثلّثاً، ويُحَرَّكُ، والْمِكِينَى، ويُمدّ، والْمُكُوثُ،
والْمُكْثَانُ بضمّهما: اللُّبْتُ، والفعل كنصَرَ، وكَرُّمَ. انتهى (١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٣٠٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا الضَّحَُّ بْنُ مَخْلٍَ،
أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
(١) ((القاموس المحيط)) ١٧٥/١.

٤٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
رجال هذا الإسناد: ثلاثة :
١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجّاج
الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٥٩) (مد) تقدم في ((المقدمة)) ٤٠/٦.
٢ - (الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ) أبو عاصم النبيل الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩]
(ت٢١٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦.
و ((ابنُ جریج)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية الضحّاك بن مخلد، عن ابن جريج هذه ساقها الدارميّ تَكْثُهُ
في ((سننه)) (٤٢٥/١) فقال:
(١٥١١) - أخبرنا أبو عَاصِم، عن ابن جُرَيْجِ، عن إسماعيل بن مُحَمَّدٍ،
عن حُمَيْدٍ بن عبد الرحمن بن عَّوْفٍ، عن السَّائِّبِ بن يَزِيدَ، عن الْعَلَاءِ بن
الْحَضْرَمِيِّ، قال: قال رسول اللهِ وَّ: ((مُكْتُ الْمُهَاجِرِ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثٌ)).
انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٧٩) - (بَابُ تَحْرِيمِ مَكَّةَ، وَصَيْدِهَا، وَخَلَاهَا، وَشَجَرِهَا،
وَلُقَطَتِهَا، إِلَّا لِمُنْشِدٍ عَلَى الدَّوَامِ)
[تنبيه]: (اعلم): أن مكة - حرسها الله تعالى - هي الاسم المشهور لتلك
البقعة المباركة، ولها أسماء أخرى كثيرة، وقد عُنِي الناس بجمعها، منهم
العلامة اللغويّ مجد الدين الشيرازيّ، والنوويّ، وقد ذكرها التقيّ الفاسيّ في
((شفاء الغرام)) مع بيان معاني بعض الأسماء، وقال المحبّ الطبريّ: سَمَّى الله
تعالى مكة بخمسة أسماء: مكة، وبكة، والبلد، والقرية، وأم القرى، فأما مكة
ففي قوله تعالى: ﴿بَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح: ٢٤]، وفي تسميتها بهذا الاسم أربعة
أقوال :
[أحدها]: لأنها يؤمُّها الناس من كل مكان، فكأنهم تجذبهم إليها من قول
العرب: امْتَكَّ الفصيلُ ما في ضرع الناقة إذا لم يُبْق فيه شيئاً.
[الثاني]: لأنها تَمُكّ من ظلم فيها؛ أي: تهلكه.