Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ (٦٧) - بَابُ نَقْضِ الْكَعْبَةِ، وَبِنَائِهَا - حديث رقم (٣٢٤٣) بنائها، وكان رَضْماً فوق القامة، فأرادت قريش رفعها، وتسقيفها، وذلك أن نفراً سرقوا كنز الكعبة))، فذكر القصّة مطوّلاً في بنائهم الكعبة، وفي اختلافهم فيمن يضع الحجر الأسود حتى رَضُوا بأول داخل، فدخل النبيّ وَّ، فحكّموه في ذلك، فوضعه بيده، قال: ((وكانت الكعبة على عهد النبيّ وَّ ثمانية عشر ذراعاً)). ووقع عند الطبرانيّ من طريق أخرى عن ابن خُثيم، عن أبي الطفيل أن اسم النجّار المذكور: باقوم، وللفاكهيّ من طريق ابن جريج مثله، قال: ((وكان يتّجر إلى بندر وراء ساحل عدن، فانكسرت سفينته بالشُّعَيبة، فقال لقريش: إن أجريتم عيري مع عيركم إلى الشام أعطيتكم الخشب، ففعلوا))، وروى سفيان بن عيينة في ((جامعه)) عن عمرو بن دينار؛ أنه سمع عبيد بن عمير يقول: اسم الذي بنى الكعبة لقريش: باقوم، وكان روميّاً، وقال الأزرقيّ: كان طولها سبعة وعشرين ذراعاً، فاقتصرت قريش منها على ثمانية عشر، ونقصوا من عرضها أذرعاً أدخلوها في الحجر، ذكره في ((الفتح))(١). (اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ)) عَ*، وذلك لقصور النفقة التي أخرجوها لذلك، فقد ذكر ابن إسحاق في ((السيرة)) عن عبد الله بن أبي نَجِيح أنه أخبره عن عبد الله بن صفوان بن أميّة: أن أبا وهب بن عابد بن عمران بن مخزوم - وهو جدّ جعدة بن هُبيرة بن أبي وهب المخزوميّ - قال لقريش: لا تُدخلوا فيه من كسبكم إلا الطيّب، ولا تدخلوا فيه مهر بَغِيّ، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس. وروى سفيان بن عيينة في ((جامعه)) عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن أبيه، أنه شَهِد عمر بن الخطاب أرسل إلى شيخ من بني زُهْرة، أدرك ذلك، فسأله عمر عن بناء الكعبة؟ فقال: إن قريشاً تقرّبت لبناء الكعبة - أي: بالنفقة الطيبة - فعجزت، فتركوا بعض البيت في الْحِجْر، فقال عمر: صدقت. [تنبيه]: قال العلماء: بُنِي البيت خمس مرات، بَنَتْه الملائكة، ثم إبراهيم 185، ثم قريش في الجاهلية، وحضر النبيّ وَل و هذا البناء، وله خمس وثلاثون سنة، وقيل: خمس وعشرون، وفيه سقط على الأرض حين وقع (١) ((الفتح)) ٤٨٥/٤ - ٤٨٧. ٢٠٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج إزاره، ثم بناه ابن الزبير، ثم الحجاج بن يوسف، واستمَرّ إلى الآن على بناء الحجاج، وقيل: بُني مرتين آخريين، أو ثلاثاً، قالوا: ولا يُغَيَّر عن هذا البناء، وقد ذَكَروا أن هارون الرشيد سأل مالك بن أنس عن هدمها، وردّها إلى بناء ابن الزبير؛ للأحاديث المذكورة في الباب، فقال مالك: ناشدتك الله يا أمير المؤمنين، أن لا تجعل هذا البيت لعبة للملوك، لا يشاء أحد إلا نقضه وبناه، فتذهب هيبته من صدور الناس، وبالله التوفيق. ذكره النوويّ دَخَذْتُهُ(١). قالت عائشة ◌َّا (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدٍ إِبْرَاهِيمَ؟) عَلَّا (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ) - بكسر الحاء المهملة، وسكون الدال المهملة، وقيل: يجوز بالفتحتين، بعدها مثلثة - بمعنى الحدوث؛ أي: لولا قُرب عهد قريش (بِالْكُفْرٍ) يريد أن الإسلام لم يتمكّن في قلوبهم، فلو هُدمت لربما نفروا منه؛ لأنهم يرون تغييره عظيماً. فقوله: ((حِدْثَانُ)) مبتدأ، وخبره محذوفٌ، كما قال ابن مالك في ((الخلاصة)) : وَبَعْدَ لَوْلَا غَالِباً حَذْفُ الْخَبَرْ حَتْمٌ وَفِي نَصِّ يَمِينٍ ذَا اسْتَقَرْ أي: موجودٌ، وجواب (لولا)) قوله: (لَفَعَلْتُ))) أي: لهدمتها، وفي الرواية الآتية: ((لولا حدثان قومك بالكفر، لنقضت البيت، وأدخلت فيه من الحجر))، وفي رواية: (لولا أن قومك حديثٌ عهدُهم في الجاهلية، فأخاف أن تنكر قلوبهم، لنظرت أن أُدخل الْجَدْر في البيت، وأن أُلزق بابه بالأرض)). وفي رواية: (لولا حداثة عهدهم بالشرك، أعدت ما تركوا منه، فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه، فهلُمّي لأريك ما تركوا منه، فأراها قريباً من سبعة أذرع)). (قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) ضَّا لَمّا سمع حديث عائشة ◌َّهَا هذا (لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ) هُوَّنَا، وهذا من ابن عمر ◌ًّا ليس شكّاً في صدق عائشة رضيوثقا، لكن يقع في كلام العرب كثيراً صورة التشكيك، والمراد: التقرير واليقين، قاله في ((الفتح))(٢). (١) ((شرح النوويّ)) ٨٩/٩. (٢) ((الفتح)) ٤٨٨/٤. ٢٠٣ (٦٧) - بَابُ نَقْضِ الْكَعْبَةِ، وَبِنَائِهَا - حديث رقم (٣٢٤٣) وقال القاضي عياض ◌َخُّْهُ: ليس هذا اللفظ من ابن عمر ها على سبيل التضعيف لروايتها، والتشكيك في صدقها وحفظها، فقد كانت من الحفظ والضبط بحيث لا يُستراب في حديثها، ولا فيما تنقله، ولكن كثيراً ما يقع في كلام العرب صورة التشكيك والتقرير، والمراد به اليقين، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَنَحُ إِلَى حِينٍ ﴾ [الأنبياء: ١١١]، وقوله تعالى: ﴿قُلّ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَى نَفْسِىٌّ وَإِنِ أَهْتَدَيْتُ﴾ الآية [سبأ: ٥٠](١). وقال القرطبيّ تَُّ: قول ابن عمر طيها هذا ليس شكّاً منه في سماعها، ولا في سماع الراوي عنها، وإنما هذا على طريقة وضع الشَّرطي المتصل الذي يوضع شرطه تقديراً ليتبيّن مشروطه تحقيقاً، وله في كلام الله تعالى، وكلام رسوله ول* نظائر، منها: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَبِدِينَ ﴾ [الزخرف: ٨١]، وقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِهِمَآ ءَاِهَةُ إِلَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَأْ﴾ [الأنبياء: ٢٢]، ومثله كثير، ولِبسط هذا وتحقيقه علمٌ آخر، وقد يأتي هذا النحو في الكلام على طريق تبيين الحال على وجهٍ يأنس به المخاطب، وإظهار التناصف في الكلام، كقوله تعالى: ﴿قُلّ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِىِّ وَإِنِ ﴾ [سبأ: ٥٠]، وعلى الجملة: ٥٠ أَهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوجِىّ إِلَّ رَّتِّ ◌ِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ فالشرط يأتي في الكلام على غير وجه الشكِّ، وهو كثير. انتهى(٢). (سَمِعَتْ، هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، مَا أُرَى) بضم الهمزة؛ أي: ما أظنّ (تَرَْكَ اسْتِلَامِ الرُّكْتَيْنِ) أي: مسحهما، والسين فيه أصليّة، وهو افتعال من السِّلام، وهي الحجارة، يقال: استلم؛ أي: أصاب السِّلَام، وهي الحجارة، كذا ذكره السيوطيّ كَذَلُهُ . والمراد هنا مسح الركنين باليد؛ إذ لا يشرع التقبيل بالفم إلا للحجر الأسود (اللَّذَيْنِ يَلِيَانٍ) أي: يقربان (الْحِجْرَ) بكسر الحاء المهملة، وسكون الجيم، وهو معروف على صفة نصف الدائرة، وقدرها تسع وثلاثون ذراعاً، والقدر الذي أُخرج من الكعبة سيأتي بيان مقداره قريباً - إن شاء الله تعالى - (إِلَّا أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ) بالبناء للمفعول، من التتميم، ووقع عند النسائيّ في (١) ((إكمال المعلم)) ٤٢٨/٤ - ٤٢٩. (٢) ((المفهم)) ٤٣٥/٣ - ٤٣٦. ٢٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج ((الكبرى)) بلفظ: ((لم يتم)) مبنيّاً للفاعل، من التمام، أو مبنيّاً للمفعول من الإتمام (عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ) عَلَّا؛ أي: القواعد الأصلية التي بنى إبراهيم البيت عليها . يعني أن الركنين اللذين يليان الحجر ليسا بركنين، وإنما هما بعض الجدار الذي بنته قريش، فلذلك لم يستلمهما النبيّ وَل﴾، حيث لم يتمّما على الأساس الذي بنى عليه إبراهيم عليّلا البيت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﴿ّا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٣٢٤١/٦٧ و٣٢٤٢ و ٣٢٤٣ و٣٢٤٤ و٣٢٤٥ و٣٢٤٦ و٣٢٤٧ و٣٢٤٨ و٣٢٤٩ و٣٢٥٠ و٣٢٥١] (١٣٣٣)، و(البخاريّ) في ((العلم)) (١٢٦) و((الحجّ)) (١٥٨٣ و١٥٨٤ و١٥٨٥ و١٥٨٦) و((أحاديث الأنبياء)) (٣٣٦٨) و((التفسير)) (٤٤٨٤) و((التمنّي)) (٧٢٤٣)، و(أبو داود) في ((المناسك)) (٢٠٢٨)، و(الترمذيّ) في ((الحجّ)) (٨٧٥)، و(النسائيّ) في ((مناسك الحجّ)) (٢٩٠١ و٢٩٠٢ و٢٩٠٣ و٢٩٠٤ و٢٩١١ و٢٩١٢ و٢٩١٣) وفي ((الكبرى)) (٣٨٨٣ و٣٨٨٤ و٣٨٨٥ و٣٨٩٣ و٣٨٩٤ و٣٨٩٥)، و(ابن ماجه) في ((المناسك)) (٢٩٥٥)، و(مالك) في ((الموطإ)) (٨١٣)، و(عبد الرزّاق) في (مصنّفه)) (١٢٨/٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١١٣/٦ و١٧٦ و١٧٩ و١٨٠ و٢٥٣ و٢٦٢)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (١٧٠/٢)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٨٦٨ و١٨٦٩)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (٢٧٢٦ و٢٧٤١ و٣٠٢٢ و٣٠٢٣)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (١٧/٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٦/٤ - ٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٨٩/٥) و((المعرفة)) (٧٣/٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان بناء الكعبة الشريفة. ٢٠٥ (٦٧) - بَابُ نَقْضِ الْكَعْبَةِ، وَبِنَائِهَا - حديث رقم (٣٢٤٣) ٢ - (ومنها): ما ترجم عليه البخاريّ في ((كتاب العلم)) من ((صحيحه))، حيث قال: ((باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه، فيقعوا في أشدّ منه)). والمراد بالاختيار في عبارته: المستحبّ، وذلك لأن قريشاً كانت تعظّم أمر الكعبة جدّاً، فخَشِي وَلّ أن يظنوا لأجل قرب عهدهم بالإسلام أنه غَيَّر بناءها؛ لينفرد بالفخر عليهم في ذلك. قاله في )) (١) ((الفتح)(١). ٣ - (ومنها): ترك المصلحة؛ لأمن الوقوع في المفسدة. ٤ - (ومنها): ومنه ترك إنكار المنكر؛ خشيةَ الوقوع في أنكر منه. ٥ - (ومنها): أن فيه اجتناب وليّ الأمر ما يتسرّع الناس إلى إنكاره، وما يُخشى منه تولّد الضرر عليهم في دين، أو دنيا، إلا الأمور الشرعيّة؛ كأخذ الزكاة، وإقامة الحدود، ونحو ذلك. ٦ - (ومنها): تألّف قلوب الرعية، وحسن حياطتهم، وأن لا يُنَفَّروا، ولا يتعرض لما يُخاف تنفيرهم بسببه، ما لم يكن فيه ترك أمر شرعيّ. ٧ - (ومنها): أن الإمام يسوس رعيته بما فيه إصلاحهم، ولو كان مفضولاً، ما لم يكن محرَّماً. ٨ - (ومنها): تقديم الأهمّ، فالأهمّ، من دفع المفسدة، وجلب المصلحة، وأنهما إذا تعارضا بُدىء بدفع المفسدة. قال النوويّ كَُّ: وفي هذا الحديث دليل لقواعد من الأحكام، منها: إذا تعارضت المصالح، أو تعارضت مصلحة ومفسدة، وتعذّر الجمع بين فعل المصلحة، وترك المفسدة، بدئ بالأهم؛ لأن النبيّ ◌َ﴿ أخبر أن نقض الكعبة وردّها إلى ما كانت عليه من قواعد إبراهيم وَلفي مصلحة، ولكن تُعارضه مفسدةٌ أعظم منه، وهي خوف فتنة بعض من أسلم قريباً، وذلك لِمَا كانوا يعتقدونه من فضل الكعبة، فيرون تغييرها عظيماً، فتركها وٍَّ. انتهى(٢). ٩ - (ومنها): أن المفسدة إذا أُمن وقوعها عاد استحباب عمل المصلحة. ١٠ - (ومنها): حديث الرجل مع أهله في الأمور العامة. (١) ((الفتح)) ٣٩٠/١ و٤ / ٤٩٧. (٢) ((شرح النوويّ)) ٨٩/٩. ٢٠٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج على امتثال أوامر النبيّ وَّر، والله ١١ - (ومنها): حرص الصحابة تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٤٤] ( ... ) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعاً مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ، يُحَدِّثُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِّ ◌َ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((لَوْلًا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، - أَوْ قَالَ: بِكُفْرٍ - لَأَنْفَقْتُ كَثْزَ الْكَعْبَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلَجَعَلْتُ بَابَهَا بِالْأَرْضِ، وَلَأَدْخَلْتُ فِيهَا مِنَ الْحِجْرِ))). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٥٠) (م د س ق) ((تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقة حافظ فقيه عابد [٩] (ت١٩٧) (ع) ((تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣. ٣ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٥٣) (م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩. ٤ - (مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ) بن عبد الله بن الأشجّ، أبو الْمِسْوَر المدنيّ، صدوقٌ، وروايته عن أبيه وجادة من كتابه، قاله أحمد، وابن معين، وغيرهما، وقال ابن المدينيّ: سمع من أبيه قليلاً [٧] (ت١٥٩) (بخ م د س) ((تقدم في (الطهارة)) ٥٥٤/٤. ٥ - (أَبُوهُ) بكير بن عبد الله بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت١٢٠) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٤/٤. [فإن قلت]: كيف أخرج مسلم تَظُّ رواية مخرمة، عن أبيه، مع أن الأئمة قالوا: إنها وجادة من كتاب أبيه؟ ٢٠٧ (٦٧) - بَابُ نَقْضِ الْكَعْبَةِ، وَبِنَائِهَا - حديث رقم (٣٢٤٤) [قلت]: إنما أخرج له في المتابعات، لا في الأصول، والمتابعات يُغتفر فيها ما لا يُغتفر في الأصول، فتنبّه، والله تعالى أعلم. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: وقع في هذا السند: ((عبد الله بن أبي بكر بن أبي قُحافة))، وهو عبد الله بن محمد بن أبي بكر الصدّيق الذي في السند الماضي، نُسب في هذا السند إلى جدّه. وإنما نبّهت عليه؛ لئلا يلتبس بعبد الله بن أبي بكر الصدّيق، وَلَدُ أبي بكر من صلبه، شقيق أسماء بنت أبي بكر، وهو صحابيّ ظُه، وقد ثبت ذكره في ((صحيح البخاريّ)) في قصّة الهجرة عن عائشة ﴿يا، قالت: وكان عبد الله بن أبي بكر يأتيهما بأخبار قريش، وهو غلام شابٌ فَطِنٌ، فكان يبيت عندهما، ويخرج من السَّحر، فيُصبح مع قريش، قال أبو عمر بن عبد البرّ تَُّهُ: لم أسمع له بمشهد إلا في الفتح، وحُنين، والطائف، فإن أصحاب المغازي ذكروا أنه رُمي بسهم، فجُرح، ثم اندمل، ثم انتقض، فمات في خلافة أبيه في شوّال سنة إحدى عشرة. انتهى(١) . قوله: ((لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّة ... إلخ) قال القرطبيّ تَكْتُ: فيه حجة لمالك في سد الذرائع على القول بسدِّ الذرائع. وقوله: (لَأَنْفَقْتُ كَثْزَ الْكَعْبَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ) قال القرطبيّ ◌َخَُّهُ: هذا الكنز هو المالُ الذي كان يجتمع مما كان يُهدى إلى الكعبة، وأقرّ النبيّ وَّ ذلك المال في الكعبة؛ للعلَّة التي ذَكَرَها، وهي: مخافة التنفير، وأقرّه أبو بكر تَظُته، ولم يَعْرِض له، ثم إن عمر رَُّه هَمَّ بقسمته، فخالفه في ذلك بعض الصحابة، واحتج عليه: بأن النبيّ وَّه وأبا بكر لم يفعلا ذلك، فتوقف. قال القرطبيّ: ولا يظن أن هذا الكنز الذي جرى فيه ما ذكرنا أنه يدخل فيه حُلِيُّ الكعبة الذي حُلِيت به من الذهب والفضة، كما قد ظنَّه بعضهم، فإن ذلك لیس بصحیح؛ لأن حلیتها محتبسة علیھا، کحصرها، وقنادیلها، وسائر ما يُحْبَس عليها لا يجوز صرفها في غيرها، ويكون حُكْمُ حليّها حكم حِلْيَة سيف (١) راجع: ((الإصابة)) ٢٤/٤. ٢٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج أو مصحف حُبسا في سبيل الله؛ فإنه لا يجوز تغييره عن الوجه الذي حُبس له، وإنما ذلك الكنز كما ذكرناه، وكأنه فضلةُ ما كان يُهدَى إليها عما كانت تحتاج إليه مما ينفق فيها، فلما افتتح النبيّ وَلفي مكة خاف من نفرة قلوب قريش إن هو أنفقه في سبيل الله، كما قال، وذلك: أنهم كانت عادتهم في ذلك: ألّا يتعرضوا له، فأقرّه النبيّ وَّ على ذلك؛ لِما ذكرناه، ثم إنه بقي على ذلك في إمارة أبي بكر وعمر، ولا أدري ما صنع به بعد ذلك، وينبغي أن يبحث عنه، قال: وسبيل الله هنا: الجهاد، وهو الظاهر من عُرف الشرع، كما قررناه في كتاب الزكاة. انتهى كلام القرطبيّ تَقْذِفُهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: إخراج القرطبيّ حلي الكعبة من حكم الكنز فيه نظر، لا يخفى، فتأمل، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال الحافظ تَّلُ: قوله: ((ولأنفقت كنز الكعبة)) لم أر هذه الزيادة إلا من هذا الوجه، ومن طريق آخر أخرجه أبو عوانة من طريق القاسم بن محمد، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة ﴿يا. انتهى(٢). وقوله: (وَلَجَعَلْتُ بَابَهَا بِالْأَرْضِ) أي: لاصقاً بالأرض، كما قال في الرواية التالية: ((لهدمت الكعبة، فألزقتها بالأرض)). وقوله: (وَلَأَدْخَلْتُ فِيهَا مِنَ الْحِجْرِ))) ((من)) هنا للتبعيض، بدليل قوله في الرواية الأخرى: ((أدخلت من الحجر خمسة أذرُع))(٣). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٣٢٤٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنِي ابْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّنَ، عَنْ سَعِيدٍ - يَعْنِ ابْنَ مِينَاءَ - قَالَّ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: حَدَّثَتْنِي خَالَتِي - يَعْنِي عَائِشَةَ - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِ: ((يَا عَائِشَةُ (١) «المفهم)) ٤٣٤/٣ - ٤٣٥. (٣) ((المفهم)) ٤٣٥/٣. (٢) ((الفتح)) ٤٨٧/٤ - ٤٨٨. ٢٠٩ (٦٧) - بَابُ نَقْضِ الْكَعْبَةِ، وَبِنَائِهَا - حديث رقم (٣٢٤٥) لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِشِرْكِ، لَهَدَمْتُ الْكَعْبَةَ، فَأَلْزَقْتُهَا بِالْأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ: بَاباً شَرْقِيّاً، وَبَاباً غَرْبِيّاً، وَزِدْتُ فِيهَا سِتَّةَ أَذْرُعِ مِنَ الْحِجْرِ، فَإِنَّ قُرَيْشاً اقْتَصَرَتْهَا حَيْثُ بَنَتِ الْكَعْبَةَ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون البغداديّ، مروزيّ الأصل، صدوقٌ فاضلٌ ربّما وَهِمَ [١٠] (ت٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٤. ٢ - (ابْنُ مَهْدِيٍّ) عبد الرحمن البصريّ الإمام الحجة الثبت الناقد [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٨. ٣ - (سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ) هو: ((سَلِيم)) - بفتح السين المهملة، وكسر اللام - ((ابن حيّان)) - بفتح الحاء المهملة، وتشديد التحتانيّة - الْهُذليّ البصريّ، ثقةٌ [٧] (خ م د ت سي ق) ٢١٩٩/٢١. ٤ - (سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ) مولى الْبَخْتَريّ بن أبي ذُباب، أبو الوليد الحجازيّ المكيّ، أو المدنيّ، ثقةٌ [٣] (خ م د ت ق) تقدم في ((الجنائز)) ٢٢٠٧/٢١. ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن الْعَوّام القرشيّ الأسديّ، أبو بكر، وأبو ◌ُبيب، كان أول من وُلد في الإسلام بالمدينة من المهاجرين، وولي الخلافة تسع في ذي الحجة سنة (٧٣) (ع) ((تقدم في ((الطهارة)) ٦١٠/١٦. سنین، قتل و«عائشة ێ)) ذُكرت قبله. وقوله: (فَأَلْزَقْتُهَا بِالْأَرْضِ) أي: جعلتها لاصقة بها، بحيث يكون على وجهها، غير مرتفع عنه، وكان مرتفعاً بحيث لا يُصعَد إليه إلا بالسلّم، كما يأتي التصريح بذلك. وقوله: (وَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ: بَاباً شَرْقِيّاً، وَبَاباً غَرْبِيّاً) هذا يفسّره ما يأتي من قوله: ((باباً يدخل الناس منه، وباباً يخرجون منه))، فالباب الشرقيّ هو الباب الذي لها الآن، وهو الباب القديم، والباب الغربيّ هو الذي أراد النبيّ وَّ إحداثه، ويكون من خلفه، مقابل الباب الموجود. وقوله: (سِتَّةَ أَذْرُع مِنَ الْحِجْرِ) هكذا وقع في هذه الرواية: ((ستة أذرع)) بالهاء، وفي الرواية التالية: ((خمس أذرع)) بحذفها، وفي الرواية التالية: ((فأراها ٢١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج قريباً من سبعة أذرع)) بالهاء، وكلاهما صحيح، ففي الذراع لغتان مشهورتان: التأنيث، والتذكير، والتأنيث أفصح، قاله النوويّ كَُّهُ(١). وقوله: (حَيْثُ بَنَتِ الْكَعْبَةَ) ((حيث)) هنا بمعنى ((حين)) كما في الروايات الأخرى، وقد ذكر ابن هشام الأنصاريّ تَُّ في ((مغنيه)) أن ((حيث)) ترد ظرف زمان عند الأخفش(٢). والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه يأتي في الحديث التالي - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَذُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٤٦] ( .. ) - (حَدَّثَنَا هَنَّهُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: لَمَّا احْتَرَقَ الْبَيْتُ زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، حِينَ غَزَاهَا أَهْلُ الشَّامِ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ، تَرَكَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، حَتَّى قَدِمَ النَّاسُ الْمَوْسِمَ، يُرِيدُ أَنْ يُجَرِّتَهُمْ، أَوْ يُحَرِّبَهُمْ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ، فَلَمَّا صَدَرَ النَّاسُ، قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي الْكَعْبَةِ، أَنْقُضُهَا (٣)، ثُمَّ أَبْنِي بِنَاءَهَا، أَوْ أُصْلِحُ مَا وَهَى مِنْهَا؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَإِنِّي قَدْ فُرِقَ لِي رَأْيٌّ فِيهَا، أَرَى أَنْ تُصْلِحَ مَا وَهَى مِنْهَا، وَتَدَعَ بَيْتاً أَسْلَمَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَأَحْجَاراً أَسْلَمَ النَّاسُ عَلَيْهَا، وَبُعِثَ عَلَيْهَا الشَّبِيُّ ◌َهِ، فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: لَوْ كَانَ أَحَدُكُمْ احْتَرَقَ بَيْتُهُ، مَا رَضِيَ حَتَّى يُحِدَّهُ(٤)، فَكَيْفَ بَيْتُ رَبِّكُمْ؟ إِنِّي مُسْتَخِيرٌ رَبِّي ثَلَاثاً، ثُمَّ عَازِمٌ عَلَى أَمْرِي، فَلَمَّا مَضَى الثَّلَاثُ أَجْمَعَ رَأْيَّهُ عَلَى أَنْ يَنْقُضَهَا، فَتَحَامَاهُ النَّاسُ أَنْ يَنْزِلَ بِأَوَّلِ النَّاسِ بَصْعَدُ فِيهِ أَمْرٌ مِنَ السَّمَاءِ، حَتَّى صَعِدَهُ رَجُلٌ (٥) فَأَلْقَى مِنْهُ حِجَارَةً، فَلَمَّا لَمْ يَرَهُ النَّاسُ أَصَابَهُ شَيْءٌ تَتَابَعُوا، فَنَقَضُوهُ حَتَّى بَلَغُوا بِهِ الْأَرْضَ، فَجَعَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَعْمِدَةً، فَسَتَّرَ عَلَيْهَا السُُّورَ، حَتَّى ارْتَفَعَ بِنَاؤُهُ، وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إِنِّي سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: إِنَّ النَّبِيِّ نَلِ قَالَ: ((لَوْلَا أَنَّ النَّاسَ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِكُفْرٍ، وَلَيْسَ عِنْدِي مِنَ (١) ((شرح النوويّ)) ٩/ ٩١. (٣) وفي نسخة: ((أأنقضها)). (٥) وفي نسخة: ((حتى صَعِد رجلٌ)). (٢) راجع: ((مغني اللبيب)) ٢٥٨/١. (٤) وفي نسخة: ((حتى يجدّدہ)). ٢١١ (٦٧) - بَابُ نَقْضِ الْكَعْبَةِ، وَبِنَائِهَا - حديث رقم (٣٢٤٦) النَّفَقَةِ مَا يُقَوِّي عَلَى بِنَائِهِ، لَكُنْتُ أَدْخَلْتُ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ خَمْسَ أَذْرُع، وَلَجَعَلْتُ لَهَا بَاباً يَدْخُلُ النَّاسُ مِنْهُ، وَبَاباً يَخْرُجُونَ مِنْهُ))، قَالَ: فَأَنَا الْيَوْمَ أَجِّدُ مَا أُنْفِقُ، وَلَسْتُ أَخَافُ النَّاسَ، قَالَ: فَزَادَ فِيهِ خَمْسَ أَفْرُع مِنَ الْحِجْرِ، حَتَّى أَبْدَى أُسّأَ نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَبَنَى عَلَيْهِ الْبِنَاءَ، وَكَانَ طُولُ الْكَعْبَةِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ ذِرَاعاً، فَلَمَّا زَادَ فِيهِ اسْتَقْصَرَهُ، فَزَادَ فِي طُولِهِ عَشْرَ أَذْرُع، وَجَعَلَ لَهُ بَابَيْنٍ: أَحَدُهُمَا يُدْخَلُ مِنْهُ، وَالْآخَرُ يُخْرَجُ مِنْهُ، فَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيَّرِ، كَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ، وَيُخْبِرُهُ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ قَدْ وَضَعَ الْبِنَاءَ عَلَى أُسٍّ، نَظَرَ إِلَيْهِ الْعُدُولُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ: إِنَّا لَسْنَا مِنْ تَلْطِيخِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي شَيْءٍ، أَمَّا مَا زَادَ فِي طُولِهِ فَأَقِرَّهُ، وَأَمَّا مَا زَادَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ فَرُدَّهُ إِلَى بِنَائِهِ، وَسُدَّ الْبَابَ الَّذِي فَتَحَهُ، فَقَضَهُ، وَأَعَادَهُ إِلَى بِنَائِهِ). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (هَنَّدُ بْنُ السَّرِيِّ) بن مُصعب التميميّ، أبو السَّريّ الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٣) وله (٩١) سنةً (عخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٥/٦٤. ٢ - (ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) هو: يحيى بن زكريّا بن أبي زائدة الْهَمْدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت٣ أو ١٨٤) وله (٩٣) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢١/٥. ٣ - (ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ) هو: عبد الملك بن أبي سليمان ميسرة الْعَرْزميّ الكوفيّ، ثقةٌ [٥] (ت١٤٥) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٤٤٢/٨٣. ٤ - (عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيةٌ مشهور، لكنه كثير الإرسال [٣] (ت١١٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٤٢/٨٣. والباقيان ذُكرا قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رَّتُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاري في ((الصحيح)). ٢١٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالكوفيين، والثاني بالمدنيين، سوی عطاء، فمكيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وصحابيّ، عن صحابيّة هي خالته. شرح الحديث: (عَنْ عَطَاءِ) بن أبي رَبَاحِ تَُّ أنه (قَالَ: لَمَّا اخْتَرَقَ الْبَيْتُ) أي: البيت الحرام، أحرقه الحصين بن نُمير السكونيّ لَمّا حاصر عبد الله بن الزبير في مكة بعد وقعة الحرّة بالمدينة سنة ثلاث وستين من الهجرة بأمر يزيد بن معاوية، رموا البيت بالمنجنيق، ورموا مع الأحجار بالنار والنفط، ومُشاقات الكتان، وغير ذلك من المحرقات، فاحترق ثياب الكعبة، وأخشاب البيت، وأخذوا یرتجزون، ويقولون: خَطَارَةٌ مِثْلُ الْفَنِيقِ (١) الْمُزْبِدِ نَرْمِي بِهَا أَعْوَادَ هَذَا الْمَسْجِدِ والخطارة بتشديد الطاء: المنجنيق، وقيل في الحصين بن نمير هذا: ابْنُ نُمَيْرٍ بِئْسَمَا تَوَلَّى قَدْ أَحْرَقَ الْمَقَامَ وَالْمُصَلَّى (زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، حِينَ غَزَاهَا) أي: الكعبة بقرينة البيت (أَهْلُ الشَّامِ) أي: حين غزوا ابن الزبير بمكة، لا أن غزوهم كان لبيت الله الحرام. وسبب ذلك أن عبد الله بن الزبير رضيها حين مات معاوية ره امتنع من البيعة ليزيد بن معاوية، وأصرّ على ذلك، حتى أَغرى يزيد بن معاوية مسلمَ بنَ عقبة بالمدينة، فكانت وقعة الحرّة، ثم توجه الجيش إلى مكة، فمات أميرهم مسلم بن عقبة، وقام بأمر الجيش الشاميّ حُصَين بن نُمير، فحصر ابن الزبير بمكة، ورَمَوُا الكعبة بالمنجنيق، حتى احتَرَقَت، ففجأهم الخبر بموت يزيد بن معاوية، فرجعوا إلى الشام، وقام ابن الزبير في بناء الكعبة، ثم دعا إلى نفسه، فبويع بالخلافة، وأطاعه أهل الحجاز، ومصر، والعراق، وخراسان، وكثير من (١) ((الفَنِيق)): الفحلُ المكرم من الإبل الذي لا يُركب، ولا يُهان؛ لكرامته عليهم. اهـ. ((لسان العرب)) ٣١٣/١٠. ٢١٣ (٦٧) - بَابُ نَقْضِ الْكَعْبَةِ، وَبِنَائِهَا - حديث رقم (٣٢٤٦) أهل الشام، ثم غَلَب مروان على الشام، وقَتَلَ الضحاك بن قيس الأمير مِن قِبَل ابن الزبير بَمْرج راهط، ومضى مروان إلى مصر، وغلب عليها، وذلك كله في سنة أربع وستين، وكَمُل بناء الكعبة في سنة خمس، ثم مات مروان في سنة خمس وستين، وقام عبد الملك ابنه مقامه، وغَلَب المختار بن أبي عبيد على الكوفة، ففرّ منه من كان من قِبَل ابن الزبير، وكان محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية، وعبد الله بن عباس مقيمين بمكة منذ قُتِل الحسين، فدعاهما ابن الزبير إلى البيعة له، فامتنعا، وقالا: لا نبايع حتى يجتمع الناس على خليفة، وتبعهما جماعة على ذلك، فشَدَّد عليهم ابن الزبير، وحصرهم فبلغ المختارَ، فجهز إليهم جيشاً، فأخرجوهما، واستأذنوهما في قتال ابن الزبير، فامتنعا، وخرجا إلى الطائف، فأقاما بها حتى مات ابن عباس سنة ثمان وستين، ورحل ابن الحنفية بعده إلى جهة رَضْوَى جبل بِيَنْبُع، فأقام هناك، ثم أراد دخول الشام، فتوجه إلى نحو أيلة، فمات في آخر سنة ثلاث، أو أول سنة أربع وسبعين، وذلك عقب قتل ابن الزبير على الصحيح، وقيل: عاش إلى سنة ثمانين، أو بعد ذلك، وعند الواقديّ أنه مات بالمدينة سنة إحدى وثمانین، وزعمت الكيسانية أنه حيّ لم يمت، وأنه المهديّ، وأنه لا يموت حتى يملك الأرض في خرافات لهم كثيرة، ليس هذا موضعها، ذكر هذا كله الحافظ في ((الفتح)) ملخّصَاً من طبقات ابن سعد، وتاريخ الطبريّ، وغيره(١). (فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ) وللفاكهيّ في ((كتاب مكة)) من طريق أبي أويس، عن يزيد بن رومان وغيره قالوا: ((لَمَّا أحرق أهل الشام الكعبةَ، ورَمَوْها بالمنجنيق، وَهَتِ الكعبة)). ولابن سعد في ((الطبقات)) من طريق أبي الحارث بن زمعة قال: ((ارتَحَلَ الحصين بن نُمير - يعني الأمير الذي كان يقاتل ابن الزبير من قِبل يزيد بن معاوية - لما أتاهم موت يزيد بن معاوية في ربيع الآخر سنة أربع وستين، قال: فأمر ابن الزبير بالْخِصَاص(٢) التي كانت حول الكعبة، فهُدِمت، فإذا الكعبة (١) راجع: ((الفتح)) ١٧٩/١٠ ((كتاب التفسير)) رقم (٤٦٦٦) تفسير ((سورة براءة)). (٢) قال في ((القاموس)): الْخُصّ بالضمّ: البيت من القصب، أو البيت يُسقّف بخشبة، = ٢١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج تنفض - أي: تتحرك - مُتَوَهِّنةً، ترتج من أعلاها إلى أسفلها، فيها أمثال جيوب النساء من حجارة المنجنيق)). وللفاكهيّ من طريق عثمان بن ساج: ((بلغني أنه لَمّا قَدِمَ جيش الحصين بن نُمير، أحرق بعض أهل الشام على باب بني جُمَح، وفي المسجد يومئذ خيام، فمشى الحريق حتى أخذ في البيت، فظنّ الفريقان أنهم هالكون، وضعف بناء البيت، حتى إن الطير ليقع عليه، فتتناثر حجارته)). ولعبد الرزاق، عن أبيه، عن مرثد بن شُرَحبيل: أنه حَضَر ذلك، قال: ((كانت الكعبة قد وَهَتْ من حريق أهل الشام، قال: فهدمها ابن الزبير، فتركه ابن الزبير حتى قَدِمَ الناس الموسم، يريد أن يُحَزِّبهم على أهل الشام، فلما صدر الناس، قال: أشيروا عليّ في الكعبة ... )) الحديث. ولابن سعد من طريق ابن أبي مليكة قال: ((لم يَبْنِ ابن الزبير الكعبة حتى حج الناس سنة أربع وستين، ثم بناها حين استَقْبَلَ سنة خمس وستين)). وحَكَى عن الواقدي أنه رَدَّ ذلك، وقال: الأثبت عندي أنه ابتدأ بناءها بعد رحيل الجيش بسبعين يوماً، وجزم الأزرقيّ بأن ذلك كان في نصف جمادى الآخرة، سنة أربع وستين. قال الحافظ تَخْلَتُهُ: ويمكن الجمع بين الروايتين بأن يكون ابتداء البناء في ذلك الوقت، وامتدّ أمده إلى الموسم؛ ليراه أهل الآفاق؛ ليشنّع بذلك على بني أمية، ويؤيده أن في ((تاريخ المسبحي)): أن الفراغ من بناء الكعبة كان في سنة خمس وستين، وزاد المحبّ الطبريّ أنه كان في شهر رجب، والله أعلم. قال: وإن لم يكن هذا الجمع مقبولاً، فالذي في ((الصحيح)) مُقَدَّم على غيره. انتهى(١). (تَرَكَهُ) أي: البيت؛ أي: ترك بناءه (ابْنُ الزُّبَيْرِ، حَتَّى قَدِمَ) بكسر الدال (النَّاسُ الْمَوْسِمَ) بفتح الميم، وسكون الواو، وكسر السين: جمعه: مواسم، = جمعه خِصَاصٌ، وخُصُوصٌ. انتهى. (١) ((الفتح)) ٤/ ٤٩٢ - ٤٩٣. ٢١٥ (٦٧) - بَابُ نَقْضِ الْكَعْبَةِ، وَبِنَائِهَا - حديث رقم (٣٢٤٦) وهو الوقت الذي يجتمع فيه الحجاج كلَّ سنة، كأنه وُسِم بذلك الوسم، وهو مَفْعِلٌ منه، اسم للزمان؛ لأنه مَعْلَمٌ لهم، يقال: وَسَمَه يَسِمُهُ سِمَةً، ووَسْماً: إذا أثّر فيه بِكَيّ، قاله ابن الأثير تَذَهُ(١). وقال الأبيّ كَّتُهُ: كان احتراق البيت لثلاث خلون من شهر ربيع الأول، والموسم هي أيام الحجّ، والتأخير إنما هو فيما بين الزمانين. انتهى. (يُرِيدُ أَنْ يُجَرِّئَهُمْ، أَوْ يُحَرِّبَهُمْ عَلَى أَهْلِ الشَّام) ((أو)) للشكّ من الراوي، قال النوويّ كَّتُهُ: أما الحرف الأول فهو ((يُجَرِّثُهُمْ)) - بالجيم، والراء، بعدها همزة - من الجراءة؛ أي: يُشَجِّعهم على قتالهم بإظهار قبح فِعالهم، هذا هو المشهور في ضبطه، قال القاضي عياض تَغّْثُ: ورواه العذريّ: ((يُجَرِّبُهُمْ)) - بالجيم، والباء الموحدة - ومعناه: يختبرهم، وينظر ما عندهم في ذلك من حَمِيَّة، وغضب الله تعالى ولبيته. وأما الثاني، وهو قوله: ((أو يُحَرِّبُهُمْ)) فهو بالحاء المهملة، والراء، والباء الموحدة، وأوله مضموم، ومعناه: يُغيظهم بما يرونه قد فُعل بالبيت، من قولهم: حَرَّبتُ الأسدَ: إذا أغضبته. قال القاضي: وقد يكون معناه: يَحْمِلهم على الحرب، ويُحَرِّضهم عليها، ويؤكد عزائمهم لذلك، قال: ورواه آخرون: ((يُحَزِّبُهم)) بالحاء والزاي: يَشُدّ قوتهم، ويُميلهم إليه، ويجعلهم حِزباً له، وناصرين له على مخالفيه، وحِزْبُ الرجل من مال إليه، وتحازب القوم: تمالئوا. انتهى (٢). وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: الأول من الجرأة، وهي الشجاعة، والثاني من التحزيب، وهو التجميع، هكذا لابن سعيد، والفارسيّ، وغيرهما، ومعنى ذلك أنه أراد أن يُشجّعهم، أو يُجمّعهم على أهل الشام بإظهار قبح أفعالهم في الكعبة، وروى الْعذريّ الحرف الأول ((يُجَرّبهم)) - بالباء الموحّدة - من التجربة؛ أي: يختبر ما عندهم من الغضب لله تعالى، ولبيته، وقيّد كافّتهم الحرف الثاني ((يُحرّبهم)) _ (٣) بالحاء، والراء المهملتين، والباء الموحّدة - من التحريب، وهو (١) ((النهاية)) ١٨٦/٥. (٣) ((شرح الأبيّ)) ٤٢٧/٣. (٢) ((شرح النوويّ)) ٩/ ٩٢. ٢١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج التغضيب، يقال: حَرّبتُ الأسدَ، وأسدٌ مُحَرَّبٌ؛ أي: أغضبته، فهو مُغْضَبٌ. انتھی(١). (فَلَمَّا صَدَرَ النَّاسُ) أي: رجعوا من الحجّ إلى بلدانهم، وقال الأبيّ: قوله: ((فلما صدر الناس)) يعني انصرفوا عن الموسم، قال ذلك لأهل مكة، ويَحْتَمِل أن يعني: انصرف رعاع الناس، وبقي خواصّ أهل الموسك. انتهى. (قَالَ) ابن الزبير ◌َظُه (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي الْكَعْبَةِ) يقال: أشار عليّ بكذا: إذا أراه ما عنده فيه من المصلحة (٢). (أَنْقُضُهَا) وفي بعض النسخ: ((أأنقضها)) بهمزتين، الأولى للاستفهام (ثُمَّ أَبْنِي بِنَاءَهَا) أي: أبنيها بناء جديداً (أَوْ أُصْلِحُ مَا وَهَى مِنْهَا؟) أي: ضعُف، يقال: وَهَى الحائط وَهْياً، من باب وَعَدَ: ضَعُفَ، واستَرْخَى، وكذلك الثوب، والْقِرْبةُ، والْحَبْلُ، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أوهيته، ووَهَى الشيءُ: إذا ضَعُفَ، أو سقط، قاله الفيّومِيّ كَذَهُ(٣). وفيه دليل الاستحباب مشاورة الإمام أهل الفضل والمعرفة في الأمور المهمة . (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ◌َّهَا (فَإِنِّي قَدْ فُرِقَ لِي رَأْيٌّ فِيهَا) - بضم الفاء، وكسر الراء -؛ أي: انكشَفَ، واتّضَح لي، قال الله تعالى: ﴿وَقُرْءَنًا فَقْتَهُ لِنَقْرَمُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ الآية [الإسراء: ١٠٦]؛ أي: أوضحناه، وبَيّناه، وكشفنا معانيه، قال النوويّ تَخْلَتُهُ: هذا هو الصواب في ضبط هذه اللفظة، ومعناها، وهكذا ضبطه القاضي عياض، والمحققون، وقد جعله الحميديّ صاحب ((الجمع بين الصحيحين)) في كتابه ((غريب الصحيحين)): فَرِقَ بفتح الفاء: بمعنى خاف، وأنكروه عليه، وغَلَّطوا الحميديّ في ضبطه، وتفسيره. انتهى(٤). (أَرَى أَنْ تُصْلِحَ مَا وَهَى مِنْهَا، وَتَدَعَ) أي: تترك (بَيْتاً أَسْلَمَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَأَحْجَاراً أَسْلَمَ النَّاسُ عَلَيْهَا، وَبُعِثَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ نَّهِ، فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ) عظ﴿يَا (لَوْ كَانَ أَحَدُكُمْ احْتَرَقَ بَيْتُهُ، مَا رَضِيَ حَتَّى يُجِدَّهُ) هكذا هو في أكثر النسخ: ((يُجِدَّه)) (١) «المفهم)) ٤٣٦/٣. (٣) ((المصباح المنير)) ٦٧٤/٢. (٢) راجع: ((المصباح)) ٣٢٧/٢. (٤) ((شرح النوويّ)) ٩/ ٩٢. ٢١٧ (٦٧) - بَابُ نَقْضِ الْكَعْبَةِ، وَبِنَائِهَا - حديث رقم (٣٢٤٦) - بضم الياء، وبدال واحدة - وفي كثير منها: ((يُجَدِّده)) بدالين، وهما بمعنى(١). قال الأبيّ كَُّهُ: قوله: ((لو كان أحدكم احترق بيته ... إلخ)) لا تتم هذه الحجة بذاتها؛ لأنه يردّه ما ذكر ابن عبّاس، وما ذكر مالك للرشيد، وإنما تتمّ بانضمامها إلى حديث عائشة رضيها. انتهى(٢). (فَكَيْفَ بَيْتُ رَبِّكُمْ؟ إِنِّي مُسْتَخِيرٌ رَبِّي ثَلَاثاً) أي: طالب، وداع ربّي ◌َّ أن يختار لي ما هو خير في هذا الأمر ثلاث مرّات (ثُمَّ عَازِمٌ عَلَى أَمْرِي) يقال: عزم على الشيء، وعَزَمه عَزْماً، من باب ضرب: عَقَدَ ضميره على فعله(٣). (فَلَمَّا مَضَى الثَّلَاثُ) أي: الليالي الثلاث (أَجْمَعَ رَأْيَهُ) أي: عزمه، يقال: أجمعتُ المسيرَ والأمرَ، وأجمعتُ عليه، يتعدّى بنفسه، وبالحرف: إذا عزم عليه (٤)، وقال القرطبيّ: ((أجمع رأيه)) رباعيّاً: عزم، وأمضى، فأما جَمَعَ ثلاثيّاً: فضدّ التفريق. انتهى(٥). (عَلَى أَنْ يَنْقُضَهَا) من باب نصر (فَتَحَامَاهُ النَّاسُ) أي: امتنعوا من نقض البيت خوفاً وهيبةً (أَنْ يَنْزِلَ) أي: مخافة النزول (بِأَوَّلِ النَّاسِ يَصْعَدُ فِيهِ) أي: البيت (أَمْرٌ) مرفوع على الفاعليّة لـ((ينزل)) (مِنَ السَّمَاءِ) المراد به العذاب (حَتَّى صَعِدَهُ رَجُلٌ) وفي نسخة: ((حتى صَعِدَ رجلٌ)) (فَأَلْقَى مِنْهُ حِجَارَةً، فَلَمَّا لَمْ يَرَهُ النَّاسُ أَصَابَهُ شَيْءٌ تَتَابَعُوا) قال النوويّ ◌َُّ: هكذا ضبطناه: ((تتابعوا)) - بياء موحدة قبل العين - وهكذا هو في جميع نسخ بلادنا، وكذا ذكره القاضي عن رواية الأكثرين، وعن أبي بحر: ((تتايعوا)) بمثنّاة تحتانيّة بدل الموحّدة، وهو بمعناه، إلا أن أكثر ما يُستعمل بالمثناة في الشرّ خاصّةً، وليس هذا موضعه. انتهى. وقال ابن عيينة في ((جامعه)) عن داود بن سابور، عن مجاهد، قال: ((خرجنا إلى منى، فأقمنا بها ثلاثاً، ننتظر العذاب، وارتقى ابن الزبير على جدار الكعبة هو بنفسه، فهدم))، وفي رواية أبي أويس: ((ثم عَزَل ما كان يصلح أن يعاد في البيت، فبنوا به، فنظروا إلى ما كان لا يصلح منها أن يُبنَى به، (١) ((شرح النوويّ)) ٩٣/٩. (٣) ((المصباح المنير)) ٤٠٨/٢. (٥) («المفهم)» ٤٣٧/٣. (٢) ((شرح الأبيّ)) ٣/ ٤٢٧. (٤) ((المصباح المنير)) ١٠٩/١. ٢١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج فأمر به أن يحفر له في جوف الكعبة، فيدفن، واتبعوا قواعد إبراهيم من نحو الحجر، فلم يصيبوا شيئاً حتى شَقَّ على ابن الزبير، ثم أدركوها بعدما أمعنوا، فنزل عبد الله بن الزبير، فكشفوا له عن قواعد إبراهيم، وهي صخر أمثال الْخَلِف(١) من الإبل، فأنفضوا له؛ أي: حركوا تلك القواعد بالْعُثُلّ، فنفضت قواعد البيت، ورأوه بنياناً مربوطاً بعضه ببعض، فحمد الله، وكبّره، ثم أحضر الناس، فأمر بوجوههم وأشرافهم، فنزلوا حتى شاهدوا ما شاهدوه، ورأوا بنياناً متصلاً، فأشهدهم على ذلك. وروى عبد الرزاق، من طريق ابن سابط، عن زيد: ((أنهم كشفوا عن القواعد، فإذا الحجر مثل الْخَلِفة، والحجارة مشبكة بعضها ببعض)). وللفاكهي من وجه آخر، عن عطاء: ((قال: كنت في الأمناء الذين جُمِعوا على حفره، فحفروا قامة ونصفاً، فهجموا على حجارة لها عروق تتصل بزرد عرق المروة، فضربوه، فارتجت قواعد البيت، فكبّر الناس، فبنى عليه)). وفي رواية مرثد عند عبد الرزاق: ((فكشف عن ربض في الحجر، آخذ بعضه ببعض، فتركه مكشوفاً ثمانية أيام؛ ليشهدوا عليه، فرأيت ذلك الربض مثل خَلِف الإبل، وجهٌ حجر ووجه حجران، ورأيت الرجل يأخذ العتلة فيضرب بها من ناحية الركن، فيهتزّ الركن الآخر))(٢). (فَنَقَضُوهُ حَتَّى بَلَغُوا بِهِ الْأَرْضَ، فَجَعَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَعْمِدَةً، فَسَتَّرَ) هكذا النسخ بتشديد التاء، ولعله للمبالغة، يقال: سَتَرتُ الشيءَ سَتْراً، من باب قَتَلَ، ويقال لما ينصبه المصلّي قُدّامه علامةً لمصلّاه، من عصاً، وتسنيم تُراب وغيره: سُترةٌ؛ لأنه يستر المارّ من المرور؛ أي: يحجبه. (عَلَيْهَا) أي: على الكعبة، والمراد: المنقوض من بنائها (السُّتُورَ) بالضمّ: جمع سِتْر بالكسر، وهو ما يُستر به، والسُّترةُ بالضمّ مثله، قال ابن (١) ((الْخَلِفة)) بكسر اللام: هي الحامل من الإبل، اسم فاعل، يقال: خَلِفت خَلَفاً، من باب تعب: إذا حملت، وتُحذف الهاء، أيضاً، فيقال: خَلِفٌ، قاله في ((المصباح)) ١٧٨/١ - ١٧٩. (٢) راجع: ((الفتح)) ٤٩٣/٤ - ٤٩٤. ٢١٩ (٦٧) - بَابُ نَقْضِ الْكَعْبَةِ، وَبِنَائِهَا - حديث رقم (٣٢٤٦) فارس: السُّترةُ: ما استترت به كائناً ما كان، والسِّتارة بالكسر مثله، والسِّتار بحذف الهاء لغةٌ، قاله الفيّوميّ كَُّ(١). (حَتَّى ارْتَفَعَ بِنَاؤُهُ) قال القرطبيّ ◌َظُّهُ: إنما فَعَل ذلك ابن الزبير؛ لاستقبال المستقبلين، وطواف الطائفين، ولأنّ ابن عبّاس ﴿ّ قال: إن كنت هادمها فلا تدع الناسَ لا قبلة لهم، وهذا يدلّ على أن بقعة البيت ما كانت تتنزّل عندهما منزلة البيت، وقد خالفهما في ذلك جابر ﴿به، وقال: صلُّوا إلى موضعها. انتهى(٢). وقال النوويّ تَخُّْهُ: المقصود بهذه الأعمدة والستور أن يستقبلها المصلّون في تلك الأيام، ويَعْرِفوا موضع الكعبة، ولم تزل تلك الستور حتى ارتفع البناء، وصار مشاهداً للناس، فأزالها؛ لحصول المقصود بالبناء المرتفع من الكعبة، واستدلّ القاضي عياض بهذا لمذهب مالك في أن المقصود بالاستقبال البناء لا البقعة، قال: وقد كان ابن عباس أشار على ابن الزبير بنحو هذا، وقال له: إن كنت هادمها فلا تدع الناس بلا قبلة، فقال له جابر: صَلُّوا إلى موضعها، فهي القبلة، ومذهب الشافعي وغيره جواز الصلاة إلى أرض الكعبة، ويجزيه ذلك بلا خلاف عنده، سواء كان بقي منها شاخص أم لا، والله أعلم. (٣) انتھی(٣). (إِنِّي سَمِعْتُ عَائِشَةَ) ﴿ّا (تَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َّ (وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ) قَالَ) قال الأبيّ تَخْذَُّهُ: كان المناسب أن يكون هذا حين الاستشارة، وحين قال ابن عبّاس، ولكن العطف بالواو، والأظهر أن ابن عبّاس لا يخفى عليه ذلك، ولكن رأى أنه فرقٌ بين بناء رسول الله وَّيه إياها، وبناء غيره، وأنه لو بناها وَّ لكان بناؤه أوقع في النفوس من بناءٍ أسلم الناس عليه، ورأى ابن الزبير عكس العلّة، وهو قوله: ((فأنا اليوم أجد ما أنفق، ولست أخاف الناس))، ولكن يردّ عليه، أعني على قوله: ((أجد ما أنفق، ولا أخاف الناس)) ما ذكر ابن عبّاس، وما ذكر مالك للرشيد. انتهى (٤). ((لَوْلَا أَنَّ النَّاسَ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ) بالرفع على الفاعليّة لـ((حديثٌ))؛ لأنه (١) ((المصباح المنير)) ٢٦٦/١. (٣) ((شرح النوويّ)) ٩/ ٩٣ - ٩٤. (٢) ((المفهم)» ٤٣٧/٣. (٤) ((شرح الأبيّ)) ٤٢٨/٣. ٢٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج يعمل عَمَلَ فِعله، وقوله: (بِكُفْرٍ) متعلّق بـ((حديثٌ))، أو بـ((عهدهم))، وقوله: (وَلَيْسَ عِنْدِي مِنَ النَّفَقَةِ مَا يُقَوِّي عَلَى بِنَائِهِ) جملة حاليّة اعتَرضت بين (لولا))، وجوابها، و((يُقَوَّي)) من التقوية، وفي بعض النسخ: ((ما يُقَوِّيني))، ويَحْتَمِل أن يكون ((يَقْوَى)) بفتح أوله، وسكون ثانيه، وفتح ثالثه، من قَوَيَ ثلاثيّاً، من باب تَعِب . (لَكُنْتُ أَدْخَلْتُ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ خَمْسَ أَذْرُع) هكذا في هذه الرواية: ((خمسة أذرع))، وهي رواية شاذّة، والمحفوظ ما تقدَّم في رواية سعيد بن ميناء، عن عبد الله بن الزبير بلفظ: ((وزدت فيها ستة أذرع من الحجر). قال في ((الفتح)): وأما رواية عطاء عند مسلم عن عائشة عيها مرفوعاً: (لكنت أدخل فيها من الحجر خمسة أذرع)»، فهي شاذةٌ، والرواية السابقة - يعني: ((ستة أذرع)) - أرجح؛ لما فيها من الزيادة عن الثقات الحفاظ. قال: ثم ظهر لي لرواية عطاء وجه، وهو أنه أريدَ بها ما عدا الفرجة التي بين الركن والحجر، فتجتمع مع الروايات الأخرى، فإن الذي عدا الفرجة أربعة أذرع وشيء، ولهذا وقع عند الفاكهيّ من حديث أبي عمرو بن عديّ بن الحمراء؛ أن النبيّ وَلّ قال لعائشة في هذه القصة: ((ولأدخلت فيها من الحجر أربعة أذرع))، فيُحْمَل هذا على إلغاء الكسر، ورواية عطاء على جبره، ويجمع بين الروايات كلها بذلك، قال: ولم أر من سبقني إلى ذلك. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الجمع الأخير لا يخفى تكلّفه، فالظاهر أن رواية خمسة أذرع شاذّة، كما سبق، فتأمّل، والله تعالى أعلم. وقال النوويّ تَخُّْهُ: قال أصحابنا: ست أذرع من الحجر مما يلي البيت محسوبة من البيت بلا خلاف، وفي الزائد خلاف، فإن طاف في الحجر، وبينه وبين البيت أكثر من ستة أذرع، ففيه وجهان لأصحابنا : أحدهما يجوز؛ لظواهر هذه الأحاديث، وهذا هو الذي رجحه جماعات من أصحابنا الخراسانيين. والثاني: لا يصح طوافه في شيء من الحجر، ولا على جداره، ولا (١) ((الفتح)) ٤٨٩/٤.