Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
(٦٢) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ بَعْثِ الْهَدْىٍ إِلَى الْحَرَمِ لِمَنْ لَا يُرِيدُ الذَّهَابَ ... إلخ - حديث رقم (٣٢٠٦)
أراد بالسماء الغيث، وبالضمير الراجع إليه من ((رَعَيناه)) النبت، والسماء
يُطلق عليهما .
والثاني: كقوله [من الكامل]:
فَسَقَى الْغَضَى وَالسَّاكِنِيهِ وَإِنْ هُمُ شبّوه بَيْنَ جَوَانِحِي وَضُلُوعِي
أراد بأحد الضميرين الراجعين إلى ((الْغَضَى)) وهو المجرور في ((الساكنيه))
المكان، وبالآخر، وهو المنصوب في ((شبّوه)) النار، أي أوقدوا بين جوانحي
نارَ الغضى، يعني نار الهوى التي تُشبه نار الغضى، قاله الجرجانيّ(١).
ومعنى الاستخدام في هذا الحديث أن قولها: ((حلال)) خبر قولها:
((ورسولُ اللهِ وَّ))، فهو بمعنى غير محرم بالحجّ، أو العمرة، والضمير في
قولها: ((منه)) راجع إلى ((حلال)) بمعنى ضدّ الحرام، تعني أنه وَّو لم يحرم عليه
بسبب إرسال الشاء شيء مما هو حلال له قبل ذلك، والله تعالى أعلم.
ووقع في رواية النسائيّ بلفظ: ((كنا نقلّد الشاة، فيُرسل بها رسول الله وَّل
حلالاً، لم يُحرم من شيء))، فـ((لم يُحرِم)) بضمّ حرف المضارعة، أي لم
يصر و 18 محرماً من شيء كان حلالا له.
والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٢٠٦] ( ... ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنٍ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ ابْنَ زِیَادٍ
كَتَبَ إِلَى عَائِشَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَنْ أَهْدَى هَذْياً حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ
عَلَى الْحَاجِّ، حَتَّى يُنْحَرَ الْهَدْيُ، وَقَدْ بَعَنْتُ بِهَدْبِي، فَاكْتُبِي إِلَيَّ بِأَمْرِكِ، قَالَتْ
عَمْرَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: لَيْسَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَا فَلْتُ قَلَائِدَ هَدْي رَسُولِ اللهِ وَهـ
بِيَدَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى
رَسُولِ اللهِ وَ﴿ِ شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللهُ لَهُ، حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ).
(١) (تعريفات السيد الجرجانيّ)) ص١٧، ١٨.

٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مَالِك) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قبل باب.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) بن محمد بن عمرو بن حَزْم الأنصاريّ المدنيّ
القاضي، ثقةٌ [٥] (ت١٣٥) وهو ابن (٧٠) سنةً (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٧/ ٩١٦.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ◌َخَذّلهُ.
٢ - (ومنها): أن رواته رواة الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو
داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخه أيضاً، فنيسابوريّ، وقد
دخل المدينة .
٤ - (ومنها) أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّة هي خالته، فعمرة خالة عبد الله
الراوي عنها، كما قاله في ((الفتح))(١).
شرح الحديث:
(عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الأنصاريّة (أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ) أي عبد الله بن أبي
بكر (أَنَّ ابْنَ زِيَادٍ) قال النوويّ تَُّ: هكذا وقع في جميع نسخ ((صحيح
مسلم)): ((أن ابن زياد))، قال أبو عليّ الغسانيّ(٢)، والمازريّ، والقاضي
عياض، وجميع المتكلمين على ((صحيح مسلم)): هذا غلطً، وصوابه: ((أن
زياد بن أبي سفيان)»، وهو المعروف بزياد ابن أبيه، وهكذا وقع على الصواب
في ((صحيح البخاريّ))، و((الموطأ))، و((سنن أبي داود))، وغيرها من الكتب
المعتمدة، ولأن ابن زياد لم يدرك عائشة، والله أعلم. انتهى.
ولفظ البخاريّ: ((عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها أخبرته أن زياد بن أبي
سُفيان))، قال في ((الفتح)): قوله: ((أن زياد بن أبي سفيان)) كذا وقع في
(١) راجع: ((الفتح)) ٦٥١/٤.
(٢) راجع: ((تقييد المهمل)) ٨٤٢/٣، ٨٤٣.

٨٣
(٦٢) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ بَعْثِ الْهَدْىِ إِلَى الْحَرَمِ لِمَنْ لَا يُرِيدُ اللَّهَابَ ... إلخ - حديث رقم (٣٢٠٦)
((الموطأ))، وكأنّ شيخ مالك حدَّث به كذلك في زمن بني أمية، وأما بعدهم فما
کان یقال له: إلا زیاد ابن أبيه، وقبل استلحاق معاوية له كان يقال له: زياد بن
عُبيد، وكانت أمه سُمَيّة مولاة الحارث بن كَلَدَة الثَّقَفيّ تحت عبيد المذكور،
فولدت زياداً على فراشه، فكان يُنسب إليه، فلما كان في خلافة معاوية شَهِدَ
جماعة على إقرار أبي سفيان بأن زياداً ولده، فاستلحقه معاوية لذلك، وزوّج
ابنه ابنته، وأَمَّر زياداً على العراقين: البصرة والكوفة جمعهما له، ومات في
خلافة معاوية سنة ثلاث وخمسين. انتهى(١).
[تنبيه]: ((ابن زياد)) الذي وقع غلطاً عند مسلم هو: عبيد الله بن زياد،
ولد زياد بن أبيه هذا، وهو الذي قتل الحسين بن عليّ ﴿هَا، قاله الأبيّ تَذَهُ(٢).
(كَتَبَ إِلَى عَائِشَةَ) ◌َ﴿ّا (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ) ﴿ّه (قَالَ: مَنْ أَهْدَى هَذْياً
حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَاجِّ، حَتَّى يُنْحَرَ الْهَدْيُ) ببناء الفعل للمفعول، ولفظ
البخاريّ: ((حتى يُنحر هديه)) (وَقَدْ بَعَثْتُ بِهَدْبِي، فَاكْتُبِي إِلَيَّ بِأَمْرِكِ) زاد
الطحاويّ من رواية بن وهب، عن مالك: ((أو مُرِي صاحب الهدي)) أي الذي
معه الهدي، أي بما يصنع (قَالَتْ عَمْرَةُ) هو موصول بالسند المذكور، وقد رَوَى
الحديث المرفوع عن عائشة: القاسم، وعروة، ومسروق، كما أورد مسلم
رواياتهم في هذا الباب، وقد ساق البخاريّ في ((الضحايا)) رواية مسروق
مطولةً، ولفظه: عن مسروق أنه قال: ((يا أم المؤمنين إن رجلاً يبعث بالهدي
إلى الكعبة، ويجلس في المصر، فيوصي أن تُقَلَّد بدنته، فلا يزال من ذلك
اليوم محرماً حتى يُحِلّ الناس))، فذكر الحديث.
ولفظ الطحاويّ في حديث مسروق: قال: قلت لعائشة: إن رجالاً ها هنا
يبعثون بالهدي إلى البيت، ويأمرون الذي يبعثون معه بِمَعْلَم لهم يقلّدها في ذلك
اليوم، فلا يزالون محرمين حتى يحلّ الناس ... الحديث.
وقال سعيد بن منصور: حدثنا هشيم، حدّثنا يحيى بن سعيد، حدّثنا
محدِّث عن عائشة، وقيل لها: إن زياداً إذا بعث بالهدي أمسك عما يمسك عنه
المحرم، حتى ينحر هديه، فقالت عائشة: أَوَ له كعبة يطوف بها؟.
(١) ((الفتح)) ٤/ ٦٥١.
(٢) راجع: ((شرح الأبيّ)) ٤١٣/٣.

٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
قال: وحدّثنا يعقوب، حدّثنا هشام، عن أبيه بلغ عائشة، أن زياداً بعث
بالهدي، وتجرد، فقالت: إن كنت لأفتل قلائد هدي النبيّ وَّر، ثم يبعث بها،
وهو مقيم عندنا، ما يجتنب شيئاً.
وروى مالك في ((الموطأ)) عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم
التيميّ، عن ربيعة بن عبد الله بن الْهُدير، أنه رأى رجلاً متجرداً بالعراق، فسأل
عنه، فقالوا: إنه أمر بهديه أن يُقَلَّد، قال ربيعة: فلقيت عبد الله بن الزبير،
فذكرت له ذلك، فقال: بدعة ورب الكعبة.
ورواه ابن أبي شيبة عن الثقفيّ، عن يحيى بن سعيد، أخبرني محمد بن
إبراهيم، أن ربيعة أخبره، أنه رأى ابن عباس، وهو أمير على البصرة في زمان
عليّ متجرداً على منبر البصرة، فذكره، فعُرف بهذا اسمُ المبهم في رواية
مالك(١) .
(قَالَتْ عَائِشَةُ) ◌َّا (لَيْسَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﴿ًّا، فيه تعقُّب بعض
العلماء على بعض، وردّ الاجتهاد بالنصّ (أَنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْي رَسُولِ اللهِ وَّهُ
بِيَدَيَّ) بصيغة التثنية، ويَحْتَمِل أن يكون بصيغة الإفراد؛ لأنه مفرد مضاف،
فيعمّ، وفيه رفع مجاز أن تكون أرادت أنها فتلت بأمرها .
(ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللهِ وَلِ﴿) أي جعل تلك القلادة في عنقها، وإنما أنّث
الضمير؛ لكون الهدي اسم جنس، واحده هدية بالتاء، كما سبق، واسم
الجنس يجوز تذكيره وتأنيثه، كما هو مقرّر في محلّه من كتب النحو (٢)، تقول:
قام القوم، وقامت القوم، وجاء الرهط، وجاءت الرهط، والله تعالى أعلم.
وقولها: (بِيَدِهِ) بالإفراد، وهو مفرد مضاف، فيعمّ اليدين، وفي رواية
البخاريّ: (بيديه)) بالتثنية، قال ابن التين رَّتُ: يَحْتَمِل أن يكون قول
عائشة ويًا: «ثم قلَّدها بيده)) بياناً لحفظها للأمر، ومعرفتها به، ويَحْتَمِل أن
تكون أرادت أنه ﴿ ﴿ تناول ذلك بنفسه، وعَلِمَ وقت التقليد، ومع ذلك فلم
(١) راجع: ((الفتح)) ٦٥٢/٤.
(٢) راجع: ((حاشية الخضريّ على شرح ابن عقيل على الخلاصة)) ٢٤١/١.

٨٥
(٦٢) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ بَعْثِ الْهَدْىِ إِلَى الْحَرَمِ لِمَنْ لَا يُرِيدُ الذَّهَابَ ... إلخ - حديث رقم (٣٢٠٦)
يمتنع من شيء يمتنع منه المحرم؛ لئلا يظنّ أحد أنه استباح ذلك قبل أن يعلم
بتقليد الهدي. انتهى.
(ثُمَّ بَعَثَ بِهَا) أي بتلك الهدي المقلَّدة (مَعَ أَبِي) بفتح الهمزة، وكسر
الموحّدة الخفيفة، والإضافة إلى ياء المتكلم، تريد أباها أبا بكر الصدّيق هپًا،
واستفيد من ذلك وقت البعث، وأنه كان في سنة تسع، عام حجّ أبو بكر
بالناس.
قال ابن التين تَخّْتُهُ: أرادت عائشة ◌ّا بذلك علمها بجميع القصّة،
ويَحْتَمِل أن تريد أنه آخر فعل النبيّ وَّ لأنه حج في العام الذي يليه حجة
الوداع؛ لئلا يَظُنّ ظانّ أن ذلك كان في أول الإسلام، ثم نسخ، فأرادت إزالة
هذا اللبس، وأكملت ذلك بقولها :
(فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَِّ شَيْءٍ أَحَلَّهُ اللهُ لَهُ حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ) أي
وانقضى أمره ولم يُحرِمِ وََّ، وتَركُ إحرامه بعد ذلك أحرى، وأولى؛ لأنه إذا
انتفى في وقت الشبهة، فلأن ينتفي عند انتفاء الشبهة أولى.
وقولها: (حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ) ببناء الفعل للمفعول، ويَحْتَمِل أن يكون
بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير أبيها .
قال في ((الفتح)): وحاصل اعتراض عائشة على ابن عباس أنه ذهب إلى
ما أفتى به قياساً للتولية في أمر الهدي على المباشرة له، فبيّنت عائشة أن هذا
القياس لا اعتبار له في مقابلة هذه السنة الظاهرة.
وفي الحديث من الفوائد تناول الكبير الشيءَ بنفسه، وإن كان له مَن
يكفيه، إذا كان مما يُهْتَمّ به، ولا سيما ما كان من إقامة الشرائع، وأمور
الديانة.
وفيه تعقب بعض العلماء على بعض، وردّ الاجتهاد بالنصّ، وأن الأصل
في أفعاله ◌َلّ التأسي به، حتى تثبت الخصوصية. انتهى(١)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((الفتح)) ٦٥٤/٤.

٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلَثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٢٠٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا
إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ، وَهِيَ مِنْ
وَرَاءِ الْحِجَابِ تُصَفِّقُ، وَتَقُولُ: كُنْتُ أَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدٍْ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ِ بِيَدََّ، ثُمَّ
يَبْعَثُ بِهَا، وَمَا يُمْسِكُ عَنْ شَيْءٍ، مِمَّا يُمْسِكُ عَنْهُ الْمُحْرِمُ، حَتَّى يُنْحَرَ هَدْيُهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هُشَيْمُ) بن بشير، تقدّم قبل باب.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ) البجليّ الأحمسيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ
ثبتٌ [٤] (ت١٤٦) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٩.
٣ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل، أبو عمر الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه فاضلٌ
مشهور [٣] مات بعد المائة، وله نحو من ثمانين سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦.
٤ - (مَسْرُوقُ) بن الأجدع بن مالكِ الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ،
مخضرٌ ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٢] (ت٢ أو٦٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٧/٢٧.
والباقيان ذُكرا في الباب.
وقوله: (سَمِعْتُ عَائِشَةَ، وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ) هذا الحديث مختصر
عند المصنّف، وقد ساقه البخاريّ مطوّلاً في كتاب ((الأضاحي))، فقال:
(٥٥٦٦) - حدّثنا أحمد بن محمد، أخبرنا عبد الله(١)، أخبرنا إسماعيل،
عن الشعبيّ، عن مسروق، أنه أتى عائشة، فقال لها: يا أم المؤمنين إن رجلاً
يبعث بالهدي إلى الكعبة، ويجلس في المصر، فيوصي أن تُقَلَّد بدنته، فلا يزال
من ذلك اليوم مُحْرِماً حتى يَحِلَّ الناسُ، قال: فسمعت تصفيقها من وراء
الحجاب، فقالت: لقد كنت أفتل قلائد هدي رسول الله وَلتر، فيبعث هديه إلى
الكعبة، فما يَحْرُم عليه مما حَلَّ للرجال من أهله، حتى يرجع الناس. انتهى.
(١) هو ابن المبارك.

٨٧
(٦٢) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ بَعْثِ الْهَدْيِ إِلَى الْحَرَمِ لِمَنْ لَا يُرِيدُ الذَّهَابَ ... إلخ - حديث رقم (٣٢٠٨)
وقوله: (تُصَفِّقُ) بضمّ أوله، وتشديد الفاء، مبنيّاً للمفعول: أي تضرب
إحدى يديها على الأخرى تعجّباً، أو تأسّفاً على وقوع ذلك.
وقولها: (حَتَّى يُنْحَرَ هَدْيُهُ) ببناء الفعل للمفعول.
[تنبيه]: استَدَلّ الداوديّ بحديث عائشة ◌ّ هذا على أن الحديث الذي
روته أم سلمة (١) يؤثّ مرفوعاً: ((إذا دخل العشر، وأراد أحدكم أن يضحي، فلا
يمس من شعره، ولا بشره شيئاً))، يكون منسوخاً بحديث عائشة مؤقتًا، أو
ناسخاً.
وتعقّبه ابن التين بأنه لا يُحتاج إلى ذلك؛ لأن عائشة ثها إنما أنكرت أن
يصير من يبعث هديه مُخْرماً بمجرد بعثه، ولم تعترض على ما يُستحب في
العشر خاصةً، من اجتناب إزالة الشعر والظفر، ثم قال: لكن عموم الحديث
يدلّ على ما قال الداوديّ، وقد استدلّ به الشافعيّ على إباحة ذلك في عشر ذي
الحجة، قال: والحديث المذكور أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذيّ،
والنسائيّ.
وتعقّبه الحافظ، فقال: وفي الاحتجاج نظرٌ، فإنه لا يلزم من دلالته على
عدم اشتراط ما يجتنبه المحرم على المضحي، أنه لا يستحب فعل ما ورد به
الخبر المذكور لغير المحرم. انتهى، وهو تعقّبٌ جيّدٌ.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدم تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث
المذكور أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٢٠٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا
دَاوُدُ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، كِلَاهُمَا عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ
مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ بِمِثْلِهِ، عَنِ النَّيِّ ◌َِّ).
(١) وقع في كلام الداوديّ ((ميمونة)) بدل ((أم سلمة))، وهو غلطٌ، وقد نبّه عليه الحافظ
في ((الفتح)) ٥٧٥/١٢، ٠٥٧٦

٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد بن الصَّلْت الثقفيّ، أبو محمد البصريّ،
ثقةٌ [٨] (ت١٩٤) عن نحو (٨٠) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧٣/١٧.
٢ - (دَاوُدُ) بن أبي هند دينار القشيريّ مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد
البصريّ، ثقةٌ متقنٌ [٥] (ت١٤٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٢٧/
٢٢١.
٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد الله بن محمد بن نمير، تقدّم قريباً.
٤ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نمير، تقدّم أيضاً قريباً .
٥ - (زَكَرِيَّاءُ) بن أبي زائدة خالد، أو هُبيرة بن ميمون بن فيروز الْهَمْدانيّ
الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ يدلّس [٦] (ت٧ أو٨ أو ١٤٩) (ع) تقدم في
«الإیمان)) ٤٤٩/٨٣.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: رواية داود بن أبي هند، عن الشعبيّ، ساقها أبو يعلى تَخّْتُهُ في
(مسنده)) ٨/ ١٢٠ فقال:
(٤٦٥٨) - حدّثنا عبد الأعلى، حدّثنا يزيد بن هارون، حدّثنا داود بن أبي
هند، عن الشعبيّ، عن مسروق، عن عائشة، قالت: كنت أفتل قلائد هدي
رسول الله وَهلة، فيبعث بها، ويقيم، فيأتي ما يأتي الحلال قبل أن يبلغ الهدي
مكة. انتهى.
ورواية زكرياء، عن الشعبيّ، ساقها إسحاق ابن راهويه تَظّثُ في ((مسنده))
١٠١٦/٣ فقال:
(١٧٦٠) - أخبرنا محمد بن عُبيد، نا زكريا، عن الشعبيّ، حدّثني
مسروق، عن عائشة ﴿ّا قالت: فَتَلْتُ قلائد هدي رسول الله وَله،
فأهداها، ثم لم يُحْرِم. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَثُ وَإِلَيْهِ أُنِيبٌ﴾ .

٨٩
(٦٣) - بَابُ جَوَازِ رُكُوبِ الْبَدَنَةِ الْمُهْدَاةِ لِمَن احْتَاجَ إِلَيْهَا - حديث رقم (٣٢٠٩)
(٦٣) - (بَابُ جَوَازِ رُكُوبِ الْبَدَنَةِ الْمُهْدَاةِ لِمَنِ احْتَاجَ إِلَيْهَا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلَثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٢٠٩] (١٣٢٢) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ
أَبِي الزِّنَادِ، عن الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ رَأَى رَجُلاً يَسُوقُ
بَدَنَةً، فَقَالَ: ((ارْكَبْهَا))، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهَا بَدَنَةٌ، فَقَالَ: ((ارْكَبْهَا وَيْلَك))، فِي
الثَّانِيَةِ، أَوْ فِي الثَّالِئَةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان، تقدّم قريباً.
٢ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َبه، تقدّم أيضاً قريباً.
والباقيان تقدّما قبل حدیثین.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف تَّلُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو
داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مما قيل فيه: إنه أصح أسانيد أبي هريرة نظرائه.
٤ - (ومنها): أنه مُسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فنیسابوريّ، وقد دخل
المدينة للأخذ عن مالك وغيره.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
٦ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ظله رأس المكثرين السبعة، روى
(٥٣٧٤) حديثاً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ الْأَعْرَج) قال في ((الفتح)): لم تختلف الرواة عن مالك، عن أبي

٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
الزناد فيه، ورواه ابن عيينة، عن أبي الزناد، فقال: ((عن الأعرج، عن أبي
هريرة، أو عن أبي الزناد، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبيه، عن أبي
هريرة))، أخرجه سعيد بن منصور، عنه، وقد رواه الثوريّ، عن أبي الزناد
بالإسنادین، مفرّقاً. انتهى.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبَهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ، رَأَى رَجُلاً) قال الحافظ تَذْتُ:
لم أقف على اسمه بعد طول البحث (يَسُوقُ بَدَنَةً) كذا في معظم الأحاديث،
ووقع في الرواية الآتية من طريق بكير بن الأخنس، عن أنس: ((مرّ ببدنة، أو
هديّة))، ولأبي عوانة من هذا الوجه: ((أو هدي))، وهو مما يوضّح أنه ليس
المراد بالبدنة مجرّد مدلولها اللغويّ، وفي الرواية التالية من طريق المغيرة بن
عبد الرحمن الحزاميّ، عن أبي الزناد: ((بينا رجل يسوق بدنة مقلّدةً))، وكذا في
طريق همّام بن منبه، عن أبي هريرة، وللبخاريّ من طريق عكرمة، عن أبي
هريرة أنها كانت مُقَلَّدَةً نعلاً، وزاد النسائيّ من رواية ثابت، عن أنس: ((وقد
جَهَدَه المشي))، ولأبي يعلى من طريق الحسن، عن أنس: ((حافياً))، لكنها رواية
ضعيفة(١).
(فَقَالَ) وَِّ («ارْكَبْهَا))) أي اركب بدنتك التي تسوقها؛ لتستريح من تعبك
الذي لحقك من مشقّة المشي (قَالَ) الرجل (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا بَدَنَةٌ) هذا ظنٍّ
من الرجل أن البدنة لا تُركب.
قال وليّ الدين كَخَّتُهُ: المراد بالبدنة هنا، الواحدة من الإبل المهداة إلى
البيت الحرام، ويقع هذا اللفظ على الذكر والأنثى بالاتفاق، كما نقله النوويّ
وغيره، ونقل ابن عبد البرّ قولاً: إنها تختصّ بالأنثى، وردّه، وهل تختصّ في
أصل وضعها بالإبل، أم تستعمل فيها، وفي البقر، أم فيها، وفي الغنم؟ فيه
خلاف .
ولو استعملت البدنة هنا في أصل مدلولها لم يحصل الجواب بقوله:
((إنها بدنة))، لأن كونها من الإبل مشاهد معلوم، والذي ظنّ أنه خفي من أمرها
-
(١) راجع: ((الفتح)) ٤/ ٦٣٧، ٦٣٨.

٩١
(٦٣) - بَابُ جَوَازِ رُكُوبِ الْبَدَنَةِ الْمُهْدَاةِ لِمَن احْتَاجَ إِلَيْهَا - حديث رقم (٣٢٠٩)
كونها هدياً، فدلّ بقوله: ((إنها بدنة))، على أنها مهداة. انتهى كلام وليّ
الدين تَخْذَهُ(١).
(فَقَالَ) بَِ ((ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ))) هذه الكلمة أصلها أنها تقال لمن وقع في
هَلَكة، فقيل: لأنه كان محتاجاً، قد وقع في تعب وجهد، وقيل: هي كلمة
تجري على اللسان، وتُستعمل من غير قصد إلى ما وُضعت له أوّلاً، بل تدعّم
بها العرب كلامها، كقولهم: لا أُمّ له، ولا أب له، وتربت يداه، وقاتله الله ما
أشجعه، وعَقْرَى، وحَلْقَى، وما أشبه ذلك، قاله النوويّ رَذَتُهُ(٢).
وقال في ((الفتح)): قال القرطبيّ: قالها له تأديباً؛ لأجل مراجعته له مع
عدم خفاء الحال عليه. وبهذا جزم ابن عبد البرّ، وابن العربيّ، وبالغ حتى
قال: الويل لمن راجع في ذلك بعد هذا، قال: ولولا أنه وَ﴿ اشترط على ربه
ما اشترط لهلك ذلك الرجل، لا محالة، قال القرطبيّ: ويَحْتَمِل أن يكون فَهِم
عنه أنه يترك ركوبها على عادة الجاهلية في السائبة، وغيرها، فزجره عن ذلك،
فعلى الحالتين هي إنشاء، ورجحه عياض، وغيره، قالوا: والأمر هنا، وإن
قلنا: إنه للإرشاد، لكنه استحقّ الذمّ بتوقفه على امتثال الأمر، والذي يظهر أنه
ما ترك الامتثال عناداً.
ويَحْتَمِل أن يكون ظنّ أنه يلزمه غُرْمٌ بركوبها، أو إثم، وأن الإذن الصادر
له بركوبها إنما هو للشفقة عليه، فتوقّف، فلما أغلظ له بادر إلى الامتثال.
وقيل: لأنه كان أشرف على هَلَكَة من الجهد، و((ويل)) كلمة تقال لمن
وقع في هلكة، فالمعنى: أشرفت على الهلكة، فاركب، فعلى هذا هي إخبار،
وقيل: هي كلمة تُدَعِّم بها العرب كلامها، ولا تقصد معناها، كقوله: لا أم
لك، ويقوّيه ما في بعض الروايات بلفظ: ((ويحك)) بدل («ويلك))، قال الهرويّ:
((ويل)) يقال لمن وقع في هلكة يستحقّها، و((ويح)) لمن وقع في هلكة لا
يستحقّها. انتھی(٣).
(فِي الثَّانِبَةِ) أي في المرّة الثانية (أَوْ فِي الثَّالِئَةِ) أي أو قال في المرّة
(١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ١٤٤/٥.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٩/ ٧٤.
(٣) ((الفتح)) ٤/ ٦٤٠.

٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
الثالثة، وهذا شكّ من الراوي، قال القاري: ((في الثانية، أو في الثالثة)) أي في
إحدى المرّتين، متعلّق بـ((قال)).
ووقع في رواية همام الثالثة: ((ويلك اركبها، ويلك اركبها)). ولأحمد من
رواية عبد الرحمن بن إسحاق، والثوريّ، كلاهما عن أبي الزناد، ومن طريق
عجلان، عن أبي هريرة، قال: ((اركبها ويحك))، قال: إنها بدنة، قال: ((اركبها
ويحك)). زاد أبو يعلى من رواية الحسن: ((فركبها))، إلا أنها ضعيفة، وللبخاريّ
من طريق عكرمة، عن أبي هريرة ربه: ((فلقد رأيته راكبها، يساير النبيّ وَل،
والنعل في عنقها)).
قال الحافظ: وتبيّن بهذه الطرق أنه أطلق البدنة على الواحدة من الإبل
المهداة إلى البيت الحرام، ولو كان المراد مدلولها اللغويّ لم يحصل الجواب
بقوله: إنها بدنة؛ لأن كونها من الإبل معلوم، فالظاهر أن الرجل ظنّ أنه خَفِي
كونها هدياً، فلذلك قال: إنها بدنة، والحقّ أنه لم يَخْفَ ذلك على النبيّ وَّ؛
لكونها كانت مقلّدةً، ولهذا قال له لما زاد في مراجعته: ((ويلك)). انتهى (١)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رائه هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢٠٩/٦٣ و٣٢١٠ و٣٢١١] (١٣٢٢)،
و(البخاريّ) في ((الحج)) (١٦٨٩ و١٧٠٦) و((الوصايا)) (٢٧٥٥) و((الأدب))
(٦١٦٠)، و(أبو داود) في ((المناسك)) (١٧٦٠)، و(النسائيّ) في ((مناسك الحجّ)»
(١٧٦/٥) و((الكبرى)) (٣٦٤/٢ - ٣٤٥)، و(ابن ماجه) في ((المناسك))
(٣١٠٣)، و(مالك) في ((الموطًإ)) (٣٧٧/١)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده))
(٢٥٩٦)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢٥٤/٢ و٤٨١ و٤٨٧)، و(أبو نعيم) في
((مستخرجه)) (٣٩٩/٣)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (١١٣/١)، و(ابن
(١) ((الفتح)) ٦٤٠/٤.

٩٣
(٦٣) - بَابُ جَوَازِ رُكُوبِ الْبَدَنَةِ الْمُهْدَاةِ لِمَن احْتَاجَ إِلَيْهَا - حديث رقم (٣٢٠٩)
خزيمة) في ((صحيحه)) (١٨٨/٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٠١٤)، و(أبو
يعلى) في ((مسنده)) (٢٥٠/٥ و٢٥٢ و٢٦٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٥٪
٢٣٦)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٩٥٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعية ركوب البدنة، مطلقاً، سواء كان واجباً، أو
متطوّعاً به؛ لكونه وَّي لم يستفصل صاحب الهدي عن ذلك، فدلّ على أن ذلك
لا يختلف بذلك، وأصرح من هذا ما أخرجه أحمد من حديث عليّ نظافه: ((أنه
سئل: هل يَركب الرجل هديه؟ فقال: لا بأس، قد كان النبيّ وَلٌ يمرّ بالرجال
يمشون، فيأمرهم يركبون هديه))، أي هدي النبيّ وَّر، وإسناده صالح، قاله
الحافظ ◌َخَذْتُهُ(١).
٢ - (ومنها): تكرير الفتوى، والندب إلى المبادرة إلى الامتثال الأمر،
وزجر من لم یبادر إلى ذلك، وتوبيخه.
٣ - (ومنها): جواز مسايرة الكبار في السفر.
٤ - (ومنها): أن الكبير إذا رأى مصلحة للصغير، لا يَأْنَفُ عن إرشاده
إليها .
٥ - (ومنها): أن البخاريّ تَغُّْ استَنْبَط من هذا الحديث جواز انتفاع
الواقف بوقفه، حيث بوّب بقوله: ((باب هل يَنتفع الواقف بوقفه))، قال: وقد
اشترط عُمر ◌َُّه: لا جُناح على من وليه أن يأكل، وقد يلي الواقف وغيره،
قال: وكذلك من جعل بدنة، أو شيئاً لله، فله أن ينتفع بها كما ينتفع غيره، وإن
لم يشترط. انتهى.
قال وليّ الدين كَخْلَتُهُ: وقد قال أصحابنا: يجوز أن ينتفع الواقف بأوقافه
العامة كآحاد الناس كالصلاة في بقعة جعلها مسجداً، أو الشرب من بئر وقفها،
والمطالعة في كتاب وقفه على المسلمين، والشرب من كيزان سبّلها على
العموم، والطبخ في قدر وقفها على العموم أيضاً، والمشهور عندهم منع وقف
الإنسان على نفسه، وهو المنصوص للشافعيّ، ومع ذلك، فاختلفوا فيما لو
(١) ((الفتح)) ٦٣٨/٤.

٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
شرط الواقف النظر لنفسه، وشرط أجرة، هل يصحّ هذا الشرط؟ وقال النوويّ:
الأرجح هنا جوازه، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: ويتقيد ذلك بأجرة
المثل. انتهى.
٦ - (ومنها): أن فيه جواز ركوب الهدي ما لم يضرّ به الركوب؛ لحديث
جابر ظُه الآتي: ((اركبها بالمعروف))، وهذا متّفق عليه بين العلماء، قال وليّ
الدين: قال الشافعية، والحنفية: ومتى نقصت بالركوب ضمن النقصان،
ومقتضى نقل ابن عبد البرّ عن مالك أنه لا يضمن. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا يخفى أن ما نُقِل عن مالك هو ظاهر
الحديث، فتأمّل، والله تعالى أعلم.
٧ - (ومنها): أنه قال الشافعية، والحنفية: كما يجوز ركوبها، يجوز
الحمل عليها، ورواه ابن أبي شيبة، عن عطاء، وطاوس، ومنع مالك الحمل
عليها، وقال: لا يركبها بالْمِحْمَلَ، حكاه ابن المنذر، وظاهر إطلاق الحديث
أن له أن يركبها كيف شاء، ما لم يضرّ بها، والحمل مقيس على الركوب.
أفاده وليّ الدين نَُّهُ.
٨ - (ومنها): ما قيل: إنه كما يجوز له الركوب بنفسه يجوز له إقامة غيره
في ذلك مقامه بالعارية، وحَكَى ابن المنذر عن الشافعيّ أنه قال: له أن يحمل
الْمُعْيي، والمضطرّ على هديه، ونقل القاضي عياض الإجماع على منع
إجارتها؛ لأنها بيع للمنافع.
٩ - (ومنها): أن بعضهم ألحق بالهدايا في ذلك الضحايا، فله أن يركبها
إذا احتاج إلى ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم ركوب الهدايا :
(اعلم): أنهم اختلفوا في هذا على مذاهب:
(أحدها): الجواز مطلقاً، حكاه ابن المنذر عن عروة بن الزبير، وأحمد،
وإسحاق، وكذا حكاه النوويّ في ((شرحي مسلم، والمهذب)) عنهم، وعن مالك
في رواية، وعن أهل الظاهر، وحكاه الخطابيّ عن أحمد، وإسحاق، وصرّح
عنهما بأنهما لم يشترطا منه حاجة إليه. وهذا هو الذي جزم به الرافعيّ،

٩٥
(٦٣) - بَابُ جَوَازِ رُكُوبِ الْبَدَنَةِ الْمُهْدَاةِ لِمَن احْتَاجَ إِلَيْهَا - حديث رقم (٣٢٠٩)
والنوويّ في ((الروضة)) في ((كتاب الضحايا)). وحكاه النوويّ في ((شرح
المهذّب)) عن الماورديّ، والقفال.
(الثاني): الجواز بشرط الاحتياج لذلك، ولا يركبها من غير حاجة، قال
النوويّ في ((شرح مسلم)): إنه مذهب الشافعيّ، ونقله في ((شرح المهذّب)) عن
تصريح الشيخ أبي حامد، والبندنيجيّ، والمتولّي، وصاحب ((البيان))، وآخرين،
قال: وهو ظاهر نصّ الشافعيّ، فإنه قال: يركب الهدي إذا اضطرّ إليه.
وتقييد الجواز بشرط الحاجة هو المشهور من مذهب مالك، وأحمد،
وجزم المجد ابن تيمية في ((المحرّر)) بجواز ركوبها مع الحاجة ما لم يضر بها،
وبهذا قال ابن المنذر، وجماعة، ورواه ابن أبي شيبة عن الحسن البصريّ،
وعروة بن الزبير، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، وحكاه الترمذيّ عن
الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق.
(الثالث): الجواز بشرط الاضطرار لذلك، نقله ابن المنذر عن الشافعيّ،
فقال: وقال الشافعيّ: يركبها إذا اضطرّ ركوباً، غير قادح، ولا يركبها إلا من
ضرورة، وكذا حكى الخطابيّ عن الشافعيّ، ورواه مالك في ((الموطإِ)) عن
عروة بن الزبير، وقال ابن المنذر في ((الإشراف)): وقال أصحاب الرأي: لا
يركبها، وإن احتاج، ولم يجد منه بدّاً حمل عليه، وركبه، وروى ابن أبي شيبة
عن الشعبيّ، قال: لا يركب البدنة، ولا يحمل عليها إلا مِنْ أُمْرٍ لا يجد منه
بدّاً، وحكاه الخطابيّ عن الثوريّ، وقال ابن عبد البرّ: الذي ذهب إليه مالك،
وأبو حنيفة، والشافعيّ، وأصحابهم، وأكثر الفقهاء كراهية ركوب الهدي من
غير ضرورة. انتهى.
(الرابع): منع ركوبها مطلقاً، قال ابن المنذر: وقال الثوريّ في قوله:
﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ قال: الولد، واللبن، والركوب، فإذا سُمِّيت بُدناً ذهبت
المنافع، وروى ابن أبي شيبة عن مجاهد: ﴿لَكُرُّ فِيهَا مَنَفِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى﴾
قال: في ألبانها، وظهورها، وأوبارها حتى تسمّى بُدناً، فإذا سميت بُدناً
فمحلها إلى البيت العتيق.
(الخامس): وجوب ركوبها، حكاه القاضي عياض، وابن عبد البرّ عن

٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
بعض أهل الظاهر؛ تمسكاً بظاهر الأمر، ولمخالفة ما كانوا عليه في الجاهلية
من البَحيرة، والسائبة.
قال الحافظ وليّ الدين: فمن قال بالجواز مطلقاً تمسّك بظاهر هذا
الحديث، فإنه وَّيّ أمر بذلك، والأمر هنا للإباحة، ولم يقيّد ذلك بشيء، ومن
قيّد الجواز بالحاجة، أو الضرورة قال: هذه واقعة مُحْتَمِلة، وقد دلّت رواية
أخرى على أن هذا الرجل كان محتاجاً للركوب، أو مضطرّاً له.
روى النسائيّ عن أنس الله أن النبيّ ◌َل﴿ رأى رجلاً يسوق بدنة، وقد
جَهَدَه المشي قال: ((اركبها ... )) الحديث، وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي الزبير،
قال: سمعت جابر بن عبد الله سئل عن ركوب الهدي، فقال: سمعت النبيّ وَله
يقول: ((اركبها بالمعروف، إذا أُلْجِئت إليها حتى تجد ظهراً))، ورواه مسلم أيضاً
من هذا الوجه بدون قوله: ((إذا ألجئت إليها)).
ومن منع مطلقاً، فهذا الحديث حجة عليه، ولعله لم يبلغه، ولعل أحداً
لم يقل بهذا المذهب، ويكون معنى قول الثوريّ: ذهبت المنافع، أي بالملك،
وإن بقيت بالارتفاق.
ومن أوجب فإنه حمل الأمر على الوجوب، ووجْهه أيضاً مخالفة ما
كانت الجاهليّة عليه من إكرام البَحِيرة، والسائبة، والوصيلة، والحامي،
وإهمالها بلا ركوب.
ودليل الجمهور أنه سير أهدى، ولم يركب هديه، ولم يأمر الناس بركوب
الهدايا. انتهى كلام وليّ الدين ببعض تصرّف(١).
وتعقّبه الحافظ تَُّ في قوله: ((ولم يأمر الناس إلخ))، فقال: وفيه نظر؛
لِما تقدم من حديث عليّ رَظ ◌ُه، وله شاهد مرسل عند سعيد بن منصور بإسناد
صحيح، ورواه أبو داود في ((المراسيل)) عن عطاء: ((كان النبيّ ◌َّو يأمر بالبدنة
إذا احتاج إليها سيدها أن يَحْمِل عليها، ويركبها غير مُنْهِكها، قلت: ماذا؟
قال: الرجل الراجل، والمتبع السير، فإن نُتجت حمل عليها ولدها)).
قال: ولا يمتنع القول بوجوبه إذا تعيّن طريقاً إلى إنقاذ مهجة إنسان من
(١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ١٤٤/٥ - ١٤٦.

٩٧
(٦٣) - بَابُ جَوَازِ رُكُوبِ الْبَدَنَةِ الْمُهْدَاةِ لِمَنْ احْتَاجَ إِلَيْهَا - حديث رقم (٣٢١٠)
الهلاك. انتهى كلام الحافظ تَّهُ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ تَُّهُ من وجوب
الركوب عند شدة الحاجة حسنٌ جدّاً.
والحاصل أن ركوب الهدي بالمعروف جائز عند الاضطرار حتى تزول
الضرورة، والدليل على اعتبار هذه القيود حديث جابر ربه الآتي في الباب:
((اركبها بالمعروف إذ أُلجئت إليها حتى تجد ظهراً))، فإن مفهومه أنه يركبها بلا
إلحاق ضرر بها، إذا كان هو مضطرّاً لركوبها، وأنه إذا وجد غيرها تركها، ثم
إنه إذا كان يخاف على نفسه إن لم يركب كان ركوبها واجباً عليه، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): واختلف المجيزون، هل يَحْمِل عليها متاعه؟
فمنعه مالك، وأجازه الجمهور، وهل يَحْمِل عليها غيره؟ أجازه الجمهور أيضاً
على التفصيل المتقدّم، ونقل القاضي عياض الإجماع على أنه لا يؤجرها،
وقال الطحاويّ في ((اختلاف العلماء)): قال أصحابنا، والشافعيّ: إن احتلب
منها شيئاً تصدّق به، فإن أكله تصدّق بثمنه، ويركب إذا احتاج، فإن نقصه ذلك
ضمن، وقال مالك: لا يشرب من لبنه، فإن شرب لم يَغرَم، ولا يركب إلا عند
الحاجة، فإن ركب لم يغرم، وقال الثوريّ: لا يركب إلا إذا اضطرّ. انتهى(٢)،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢١٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
الْحِزَامِيُّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَج، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ بَسُوقُ
بَدَنَةً مُقَلَّدَةً).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ) المدنيّ، لقبه قُصيّ، ثقةٌ له
غرائب [٧] (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٥٣/٢٦.
(١) ((الفتح)) ٦٣٩/٤.
(٢) ((الفتح)) ٦٣٩/٤، ٦٤٠.

٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية المغيرة بن عبد الرحمن الحزاميّ، عن أبي الزناد لم أجد
من ساقها بتمامها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٢١١] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا
مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنٍ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ
رَسُولِ اللهِ وَلِّ، فَذَّكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ: بَيْئَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَدَنَةً مُقَلَّدَةً،
قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَاخِ: ((وَيْلَكَ ارْكَبْهَا))، فَقَالَ: بَدَنَةٌ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ:
((وَيْلَكَ ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ ارْكَبْهَا))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم قريباً .
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهِ) بن كامل، أبو عُقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤] (ت١٣٢) (ع)
تقدم في ((الإيمان)» ٢١٣/٢٦.
و ((أبو هريرة)) رُهُ ذُكر قبله.
وقوله: (وَيْلَكَ ارْكَبْهَا) قال وليّ الدين العراقيّ ◌َّتُهُ: ((ويلك)) كلمة
تُستعمل في التغليظ على المخاطب، وأصلها لمن وقع في هلكة، وهو
يستحقها، فهي كلمة عذاب، بخلاف ((ويح)) فهي كلمة رحمة، وفيها هنا
وجهان:
[أحدهما]: أنها على بابها الأصليّ، ثم يَحْتَمِل أن يكون ذلك الأمر
دنيويّ، وهو أن هذا الرجل كان محتاجاً إلى الركوب، فقد وقع في تَعَبٍ
وجَهْد، ويدل لذلك قوله في رواية النسائيّ من حديث أنس نظُه: وقد جَهده
المشي.

٩٩
(٦٣) - بَابُ جَوَازِ رُكُوبِ الْبَدَنَةِ الْمُهْدَاةِ لِمَن احْتَاجَ إِلَيْهَا - حديث رقم (٣٢١١)
ويَحْتَمِل أن يكون لأمر دينيّ، وهو مراجعته للنبيّ بَّ، وتأخر امتثاله
أمره.
[فإن قلت]: هذا الأمر إنما هو للإباحة عند الجمهور، فكيف استَحْقّ
الذم بترك المباح الذي لا حرج فيه؟
[قلت]: لَمّا فَهِمَ منه من توقفه في الإباحة، حيث صار يعارض أمر
النبيّ وَّ له بالركوب بقوله: ((إنها بدنة)) يشير بذلك إلى أنه لا يباح ركوبها؛
لكونها ھدیاً .
[فإن قلت]: معارضته النبيّ ◌َ﴿ في الإباحة شديدة، تؤدي إلى الكفر،
فكيف مَخْلَص هذا الرجل منها؟.
[قلت]: ما عارض عناداً، بل ظَنّ أن النبيّ وَّ لم يعلم أنها هديٌّ، فلما
عَلِم النبي وَّر ذلك، وقال له: ((اركبها، وإن كانت بدنة)) بادر لامتثال أمره،
وركب، وقال أبو هريرة تظنه: ((فلقد رأيته راكبها، يساير النبيّ بَّر، والنعل في
عنقها))، رواه البخاريّ من رواية عكرمة، عن أبي هريرة رقپئه.
[فإن قلت]: في الرواية الأولى أنه وَ لقول بدأه بقوله: ((ويلك))، ثم قاله له
في المرة الثانية، والثالثة، وفي الرواية الثانية أنه قال له ذلك في الثانية، أو
الثالثة، فكيف الجمع بينهما؟.
[قلت]: يَحْتَمِل أنه قال له ذلك في الأولى لأمر دنيويّ، وهو ما حَصَل
له من الْجَهْد والمشقة بالمشي، وقال له ذلك في الثانية، أو الثالثة لأمر دينيّ،
وهو مراجعته له، وتأخر امتثال أمره.
[الوجه الثاني]: أنه لم يُرد بهذه اللفظة موضوعها الأصليّ، بل هي مما
يجري على لسان العرب في المخاطبة، من غير قصد لمدلوله، كما قيل في
قوله {وَلجي: (تَرِبت يداك))، وقوله: ((أفلح وأبيه، عَقْرَى حَلْقَى))، وكما تقول
العرب: ((لا أمّ له، لا أب له))، و((قاتله الله ما أشجعه))، ونظائر ذلك معروفة،
وفي رواية ابن ماجه: ((ويحك)). انتهى(١).
(١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ١٤٨/٥، ١٤٩.

١٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٢١٢] (١٣٢٣) - (وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَسُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، قَالَا:
حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: وَأَظُنُّنِي قَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ
أَنَسٍ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ
ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: مَزَّ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِرَجُلِ يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ:
((ارْكَبْهَا))، فَقَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ، قَالَ: ((ارْكَبْهَا)) مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثاً).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم قبل ثلاثة
أبواب.
٢ - (سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ) بن إبراهيم أبو الحارث البغداديّ، مروزيّ
الأصل، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت٢٣٥) (خ م س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٠٩/٢٥.
٣ - (حُمَيْدٌ) الطويل، تقدّم قريباً.
٤ - (َابِتُ) بن أسلم الْبُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات
سنة بضع و(١٢٠) وله (٨٦) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠.
٥ - (أَنَسُ) بن مالك ظُبه، تقدّم قريباً.
و(يحيى))، و((هُشيم)) ذُكرا في الباب وفيما قبله.
شرح الحديث:
(وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَسُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، قَالَا: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا
حُمَيْدٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: وَأَظُنُِّي قَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ أَنَسٍٍ).
قال النوويّ تَخْتُ: القائل: ((وأظنني قد سمعته من أنس)) هو حميد، ووقع