Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
(٣٠) - بَابُ جَوَازِ التَّقْصِيرِ لِلْمُعْتمِرِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَلْقُ - حديث رقم (٣٠٢٢)
من كون معاوية إنما أسلم يوم الفتح صحيح من حيث السند، لكن يمكن
الجمع بأنه كان أسلم خُفْية، وكان يكتم إسلامه، ولم يتمكن من إظهاره إلا يوم
الفتح.
وقد أخرج ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) من ترجمة معاوية تصريح معاوية
بأنه أسلم بين الحديبية والقضيّة، وأنه كان يُخفي إسلامه خوفاً من أبويه، وكان
النبيّ وَّ لما دخل في عمرة القضيّة مكة خرج أكثر أهلها عنها حتى لا ينظروه
وأصحابه يطوفون بالبيت، فلعلّ معاوية كان ممن تخلّف بمكة لسبب اقتضاه،
ولا يعارضه أيضاً قول سعد بن أبي وقّاص فيما أخرجه مسلم وغيره: ((فعلناها
- يعني العمرة - في أشهر الحجّ، وهذا يومئذ كافر بالعُرُش)) - بضمّتين - يعني
بيوت مكة، يشير إلى معاوية؛ لأنه يُحْمَل على أنه أخبر بما استصحبه من
حاله، ولم يطلع على إسلامه؛ لكونه كان يُخفيه.
ويَعْكُر على ما جوّزوه أن تقصيره كان في عمرة الجعرانة أن النبيّ وَؤه
ركب من الجعرانة بعد أن أحرم بعمرة، ولم يستصحب أحداً معه إلا بعض
أصحابه المهاجرين، فقدم مكة، فطاف، وسعى، وحلق، ورجع إلى الجعرانة،
فأصبح بها كبائت، فخفيت عمرته على كثير من الناس.
وكذا أخرجه الترمذيّ وغيره، ولم يعدّ معاوية فيمن صحبه حينئذ، ولا
كان معاوية فيمن تخلّف عنه بمكة في غزوة حنين، حتى يقال: لعله وجده
بمكة، بل كان مع القوم، وأعطاه مثل ما أعطى أباه من الغنيمة، مع جملة
المؤلّفة.
وأخرج الحاكم في ((الإكليل)) في آخر قصّة غزوة حنين أن الذي حلق
رأسه وّل في عمرته التي اعتمرها من الجعرانة أبو هند عبد بني بياضة.
فإن ثبت هذا، وثبت أن معاوية كان حينئذ معه، أو كان بمكة فقصّر عنه
بالمروة أمكن الجمع بأن يكون معاوية قصّر عنه أوّلاً، وكان الحلّاق غائباً في
بعض حاجته، ثم حضر، فأمره أن يكمل إزالة الشعر بالحلق؛ لأنه أفضل،
ففعل .

٣٦٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وإن ثبت أن ذلك كان في عمرة القضيّة، وثبت أنه وَّ حلق فيها جاء هذا
الاحتمال بعينه، وحصل التوفيق بين الأخبار كلها .
قال الحافظ: وهذا مما فتح الله عليّ به في هذا الفتح، ولله الحمد، ثم لله
الحمد أبداً .
قال صاحب ((الهدي)): الأحاديث الصحيحة المستفيضة تدلّ على أنه وَله
لم يحلّ من إحرامه إلى يوم النحر، كما أخبر عن نفسه بقوله: «فلا أحلّ حتى
أنحر))، وهو خبر لا يدخله الوهم بخلاف خبر غيره، ثم قال: ولعلّ معاوية
قصّر عنه في عمرة الجعرانة، فنسي بعد ذلك، وظنّ أنه كان في حجته. انتهى.
قال الحافظ: ولا يعكر على هذا إلا رواية قيس بن سعد المتقدّمة
لتصريحه فيها بكون ذلك في أيام العشر، إلا أنها شاذّة، وقد قال قيس بن سعد
عقبها: والناس ينكرون ذلك. انتهى.
ويعكر عليه قوله في رواية أحمد: ((قصّرت عن رسول الله وَلقد عند
المروة))، أخرجه من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن ابن عباس رضيًا.
وقال ابن حزم: يَحْتَمِل أن يكون معاوية قصّر عن رأس رسول الله
بقية شعر لم يكن الحلّاق استوفاه يوم النحر.
وَسَيّلم
وتعقّبه صاحب ((الهدي)) بأن الحالق لا يبقي شعراً يقصر منه، ولا سيما
وقد قسم ◌َّ شعره بين الصحابة الشعرة والشعرتين، وأيضاً فهو وَّ﴿ لم يسعَ
بين الصفا والمروة إلا سعياً واحداً في أول ما قَدِمَ، فماذا يصنع عند المروة في
العشر؟.
قال الحافظ: وفي رواية العشر نظر كما تقدّم، وقد أشار النوويّ إلى
ترجيح كونه في الجعرانة، وصوّبه المحبّ الطبريّ، وابن القيّم.
وفيه نظر؛ لأنه جاء أنه حلق في الجعرانة، واستبعاد بعضهم أن معاوية
قصّر عنه في عمرة الحديبية لكونه لم يكن أسلم ليس ببعيد. انتهى كلام
الحافظ تَخَذْتُهُ(١).
(١) ((الفتح)) ٤ / ٦٨٤ - ٦٨٦.

٣٦٣
(٣٠) - بَابُ جَوَازِ التَّقْصِيرِ لِلْمُعْتمِرِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَلْقُ - حديث رقم (٣٠٢٢)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي ظهر لي مما سبق كله أن الأرجح
هو الذي رجحه النوويّ، والمحبّ الطبريّ، وابن القيم من أنه محمول على أنه
قصر معاوية عنه ◌َ ﴿ في الجعرانة، ولا يبعد أن يكون في عمرة القضيّة، ولا
يعكُر على ذلك ما مرّ عن الحاكم أنه وَّ حلق فيها؛ لما تقدم في كلام الحافظ
من الجمع، وأما الرواية التي تدلّ على أن ذلك كان في حجة الوداع فهي غلط
من بعض الرواة، أو أن معاوية به نفسه ظن ذلك؛ حيث نسي، كما قاله ابن
القيّم ◌َّثُ، والله تعالى أعلم بالصواب.
(فَقُلْتُ لَهُ) أي لمعاوية ◌َّهِ (لَا أَعْلَمُ هَذَا) أي
قال ابن عبّاس
الذي ذكرته من تقصيرك عنه رأسه وَّةِ (إِلَّ حُجَّةً عَلَيْكَ) أي حيث تنهى عن
المتعة، وهذا من ابن عبّاس ◌ًَّا إنكارٌ على معاوية رَوْلُه في نهيه عن ذلك مع
أنه أخبره أنه قصّر عنه وَ له، وهذا محمول على أن ابن عبّاس ◌ِّ حمل ذلك
على حجة الوداع، ولكن الصواب ما تقدّم من أنه وَّي لم يتحلّل في حجة
الوداع إلا يوم النحر بمنى، وأما هذا فمحمول على عمرة الجعرانة، أو عمرة
القضيّة، فتفطّن.
وفي رواية النسائيّ: ((قال: لا، يقول ابن عبّاس: هذا معاوية ينهى الناس
عن المتعة، وقد تمتّع النبيّ وَّ))، وغرضه أيضاً الإنكارُ عليه في نهيه عن التمتع
حيث خالف ما ثبت عن النبيّ وَ﴿ أنه تمتّع، وقد عرفت أن المراد بتمتّعه وَل
أنه أمر أصحابه به، فتحلّلوا بالعمرة، وأما هو فكان قارناً لم يتحلّل إلا يوم
النحر، فتنبّه لهذا فإنه مهمّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث معاوية
صُله هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠٢٢/٣٠ و٣٠٢٣] (١٢٤٦)، و(البخاريّ)
في ((الحجّ)) (١٧٣٠)، و(أبو داود) في ((المناسك)) (١٨٠٢ و١٨٠٣)،

٣٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
و(الترمذيّ) في ((الحجّ)) (٨٢٢)، و(النسائيّ) في ((المناسك)) (٢٧٣٧ و٢٩٨٧
و٢٩٨٨ و٢٩٨٩) وفي ((الكبرى)) (٣٧١٧ و٣٩٨١ و٣٩٨٢ و٣٩٨٣)،
و(الحميديّ) في («مسنده)) (٢٧٥/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٩٥/٤ و٩٦
و٩٨ و١٠٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣٤٥/٣)، و(الطبرانيّ) في
((الكبير)) (٣٠٨/١٩ - ٣٠٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٠٢/٥)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): مشروعيّة التقصير في العمرة.
٢ - (ومنها): بيان مشروعيّة التمتّع.
٣ - (ومنها): جواز الاقتصار على التقصير، وإن كان الحلق أفضل،
وسواء في ذلك الحاجّ، والمعتمر، إلا أنه يستحب للمتمتع أن يقصر في
العمرة، ويحلق في الحج؛ ليقع الحلق في أكمل العبادتين، قاله
النوويّ دَّثُ .
٤ - (ومنها): بيان أنه يستحب أن يكون تقصير المعتمر، أو حلقه، عند
المروة؛ لأنها موضع تحلّله، كما يستحب للحاجّ أن يكون حلقه، أو تقصيره
في منى؛ لأنها موضع تحلله، وحيث حَلَقا أو قصرا من الحرم كله جاز، قاله
النوويّ تَخْذُ أيضاً(١) .
٥ - (ومنها): الإنكار على من خالف السنة، وإن كان كبير القوم؛ إذ
الحقّ أكبر منه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٠٢٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَن
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٣١/٨.

٣٦٥
(٣١) - بَابُ جَوَازِ التَّمَتُّعِ فِي الْحَجِّ، وَالْقِرَانِ - حديث رقم (٣٠٢٤)
ابْنِ جُرَيْج، حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاؤُسٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ
أَبِي سُفْيَانَ أَخْبَرَهُ، قَالَ: قَصَّرْتُ عَنَّ رَسُولِ اللهِ نَّهِ بِمِشْقَصٍ، وَهُوَ عَلَى الْمَرْوَةِ،
أَوْ رَأَيْتُهُ يُقَصَّرُ عَنْهُ بِمِشْقَصٍ، وَهُوَ عَلَى الْمَرْوَةِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون، تقدّم قبل باب.
٢ - (يَحْبَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم قريباً.
٣ - (ابْنُ جُرَيْج) تقدّم قبل حديث.
٤ - (الْحَسَنُ بَّنُ مُسْلِم) بن يَنّاق المكيّ، ثقةٌ [٥] مات بعد المائة بقليل
(خ م د س ق) تقدم في ((صلاة العيدين)) ٢٠٤٤/١.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (أَوْ رَأَيْتُهُ) ((أو)) للشكّ من الراوي، وفي رواية أبي نعيم في
((المستخرج)): ((أو قال: رأيت رسول الله ﴿ ﴿ قُصِّر عنه بمشقص)).
وقوله: (يُقَصَّرُ عَنْه إلخ) بالبناء للمفعول.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ .
(٣١) - (بَابُ جَوَازِ التَّمَتُّع فِي الْحَجِّ، وَالْقِرَانِ)
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَّثهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٠٢٤] (١٢٤٧) - (حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا
عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ (١)، قَالَ:
خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ نَصْرُغُ بِالْحَجِّ صُرَاخاً، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ، أَمَرَنَا أَنْ
(١) وفي نسخة: ((عن أبي سعيد الخدريّ)).

٣٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
نَجْعَلَهَا عُمْرَةً، إِلَّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، وَرُحْنَا إِلَى مِنَّى، أَهْلَلْنَا
بِالْحَجِّ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِبِرِيُّ) أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ
ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٥) على الأصحّ، وله (٨٥) سنةً (خ م د س) تقدم في
((المقدمة)) ٦/ ٧٥.
٢ - (عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨]
(ت١٨٩) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٧/٥.
٣ - (دَاوُدُ) بن أبي هند القشيريّ مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد
البصريّ، ثقةٌ متقنٌ [٥] (ت١٤٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان))
٢٢١/٢٧.
٤ - (أَبُو نَضْرَةَ) المنذر بن مالك بن قُطَعة الْعَبْدِيّ الْعَوَقيّ البصريّ، ثقة
مشهور بكنيته [٣] (ت٨ أو ١٠٩) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٧/٦.
٥ - (أَبُو سَعِيدٍ) سعد بن مالك بن سنان بن عُبيد الأنصاريّ الصحابيّ ابن
الصحابيّ ﴿ها، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل: (٧٤) (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف تَُّهُ.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى الصحابيّ، فمدنيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ ﴿ه، وهو أحد المكثرين السبعة،
روى (١١٧٠) حديثاً .
شرح الحديث :
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) ◌َُّهُ زاد في نسخة: ((الخدريّ))، أنه (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ
رَسُولِ اللهِ وَِّ نَصْرُخُ بِالْحَجِّ صُرَاخاً) أي نرفع أصواتنا لتلبية الحجّ، يقال:
صرخ يصرُخ، من باب نصر صُرَاخاً، بالضمّ: إذا صاح.

٣٦٧
(٣١) - بَابُ جَوَازِ التَّمَتُّعِ فِي الْحَجِّ، وَالْقِرَانِ - حديث رقم (٣٠٢٤)
وهذا الحديث يدلّ على أنهم كانوا مفردين بالحجّ، وقد سبقت أحاديث
تدلّ على أن بعضهم كانوا متمتّعين، وبعضهم كانوا قارنين، وبعضهم كانوا
مفردین، وقد تقدّم التوفيق بينها .
وقال السنديّ كَّثُهُ في ((شرح سنن ابن ماجه)) عند قوله: ((فكان من القوم
من أهل بعمرة إلخ)) ما نصّه: هذا الحديث يدلّ على أن بعضهم كانوا متمتعين،
وبعضهم مفردين بالحجّ، وحديث أبي سعيد عند مسلم: ((خرجنا مع
رسول الله وَ﴿ نَصْرُخ بالحج صُراخاً)) يدلّ على أنهم كانوا مفردین بالحجّ،
وحديث أنس عند البخاريّ: «كنت رَدِيف أبي طلحة، وإنهم ليصرخون بهما
جميعاً: الحج والعمرة))، وحديث الشيخين عن عائشة يدلّ على أن بعضهم
كانوا متمتعين، وبعضهم كانوا قارنين، وبعضهم كانوا مفردین.
ووجه الجمع أن الفعل يُنسب إلى الآمر، كقولك: ضرب الأمير فلاناً،
أي أمر بضربه، وكان أصحاب النبيّ وَّ منهم المفرد، ومنهم القارن، ومنهم
المتمتع، وكل ذلك منهم بأمره وَّ، وتعليمه، فجاز أن يضاف كلُّ ذلك إليه،
وكذلك اختَلَفت الأخبار في فعله وَ لّ هل كان قارناً، وفيه أحاديث كثيرة مروية
عن سبعة عشر من عظام الصحابة ﴿ه، أو كان مفرداً بالحج، وفيه أيضاً
أحاديث كثيرة، وجاء في التمتع أيضاً أحاديث صحيحةٌ، وذكروا في توفيقها،
وترجيح كونه قارناً وجوهاً متعددةً، منها ما قال النوويّ: والصحيح أنه كان
مفرداً أولاً، ثم أحرم بالعمرة بعد ذلك، فصار قارناً، فمن روى القران اعتبر
آخر الأمر، ومن روى التمتع أراد التمتع اللغويّ، وهو الانتفاع والارتفاق، وقد
ارتَفَقَ بالقران کارتفاق التمتع، وزيادةً، وهي الاقتصار على فعل واحد.
(١) .
.
انتھی
قال الجامع عفا الله عنه: ما صحّحه النوويّ من كونه ◌َّر أولاً مفرداً، ثم
كان قارناً، فيه نظر لا يخفى، يردّه حديث عمر ظُه عند البخاريّ في إتيان
الملك إليه و 9، وأمره له بالقران، وهذا من أول الأمر، فالأرجح أنه وَلّ كان
قارناً من أول الأمر؛ لما ذُكر، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(١) ((شرح السنديّ على سنن ابن ماجه)) ٢١٥/١.

٣٦٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
(فَلَمَّا قَدِمْنَا) بكسر الدال (مَكَّةَ، أَمَرَنَا) ◌َِّ (أَنْ نَجْعَلَهَا) أي الحجة التي
كانوا صرخوا بها من الميقات (عُمْرَةً) يعني أنهم يتحلّلون بأفعال العمرة، من
الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والحلق، أو التقصير (إِلَّ مَنْ
سَاقَ الْهَدْيَ) أي فإنه لا يجوز أن يتحلّل حتى يبلغ الهدي محلّه، كما أمر الله
تعالى بذلك، حيث قال: ﴿وَلَا تَخْلِقُواْ رُءُوسَكُمٍ حَّ بَعَ الْهَدْىُّ ◌َحِلَّمْ﴾، وهو أن يُنحر
يوم النحر في منى، أو غيره، من فجاج مكة (فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ) ((كان)» هنا
تامّة، ولذا اكتفت بمرفوعها، وهو ((يوم))، أي فلما جاء يوم التروية، وهو اليوم
الثامن من ذي الحجة، وقد تقدّم سبب تسميته، فلا تنس. (وَرُحْنَا) بضمّ الراء،
من باب قال، رَواحاً: المراد: أردنا الذهاب، قال الفيّوميّ تَظُّهُ: رَاحَ يَرُوحُ
رَوَاحاً، وتَرَوَّحَ مثله، يكون بمعنى الغُدُوّ، وبمعنى الرجوع، وقد طابق بينهما
في قوله تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾، أي ذهابها، ورجوعها، وقد
يَتَوَهَّم بعض الناس أن الرواح لا يكون إلا في آخر النهار، وليس كذلك، بل
الرواح، والغُدُوّ عند العرب يستعملان في المسير، أي وقت كان، من ليل أو
نهار، قاله الأزهريّ وغیره. انتھی(١).
وقوله: (إِلَى مِنَّى) متعلّق بـ((رُحْنا)) (أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ) أي رفعنا أصواتنا بتلبية
الحجّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ◌ُه هذا من أفراد
المصنّف تَّلهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠٢٤/٣١] (١٢٤٧)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٥/٣ و٧١ و٧٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٣٣/٢)، و(أبو نعيم) في
(مستخرجه)) (٣٤٥/٣ - ٣٤٦)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٣٥٤/٣)، و(ابن
(١) ((المصباح المنير)) ٢٤٢/١، ٢٤٣.

٣٦٩
(٣١) - بَابُ جَوَازِ التَّمَتُّعِ فِي الْحَجِّ، وَالْقِرَانِ - حديث رقم (٣٠٢٥)
حبّان) في (صحيحه)) (٣٧٩٣)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١٩٣/٢
و١٩٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣١/٥ و٤٠) و((المعرفة)) (٥٥٥/٣)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب رفع الصوت بالتلبية، وهو مُتّفق عليه، بشرط
أن يكون رفعاً مقتصداً، بحيث لا يؤذي نفسه، قال النوويّ كَّتُهُ: والمرأة لا
ترفع، بل تسمع نفسها؛ لأن صوتها محل فتنة.
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أنه يُستحبّ للمرأة أيضاً رفع الصوت
بالتلبية؛ لعموم الأدلة، فتنبّه.
قال: ورفع الرجل مندوب عند العلماء كافّةً، وقال أهل الظاهر: هو
واجب، ويرفع الرجل صوته بها في غير المساجد، وفي مسجد مكة، ومنى،
وعرفات، وأما سائر المساجد ففي رفعه فيها خلاف للعلماء، وهما قولان
للشافعيّ، ومالك، أصحهما استحباب الرفع كالمساجد الثلاثة، والثاني لا
يرفع؛ لئلا يهوش على الناس، بخلاف المساجد الثلاثة؛ لأنها محل المناسك.
٢ - (ومنها): بيان جواز العمرة في أشهر الحجّ، وهو مجمع عليه.
٣ - (ومنها): أن فيه حجةً للشافعيّ، وموافقيه أن المستحب للمتمتع أن
يكون إحرامه بالحجّ يوم التروية، وهو الثامن من ذى الحجة عند إرادته التوجّه
إلى منى، وقد سبقت المسألة غير مرّةً (١)، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٠٢٥] (١٢٤٨) - (وَحَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ،
حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرٍ، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ
﴿َّا قَالَا: قَدِمْنَا مَعَ النَّبِّ ◌َّهِ، وَنَحْنُ نَصْرُغُ بِالْحَجِّ صُرَاخاً).
الْخُذِيِّ
(١) راجع: ((شرح النوويّ)) ٢٣٢/٨، ٢٣٣.

٣٧٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) تقدّم قريباً.
٢ - (مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) الْعَمّيّ، أبو الهيثم البصريّ، أخو بَهْز، ثقةٌ ثبتٌ، من
كبار [١٠] (ت٢١٨) على الصحيح (خ م قد ت س ق) تقدم في ((الطهارة))
٦٨٤/٣٤.
٣ - (وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ) تقدّم قبل بابين.
٤ - (جَابِرُ) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ
ابن الصحابيّ ﴿ٌّ، مات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم
في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث من أفراد المصنّف ◌َذَتُهُ، أخرجه هنا [٣٠٢٥/٣١] (١٢٤٨)،
و(أحمد) في ((مسنده)) ١٥/٣، و(أبو نعيم) في ((المستخرج)) ٣٤٦/٣،
و(البيهقي) في ((الكبرى)) ٤٠/٥، و(الطبراني) في ((الأوسط)) ٣٥٤/٣، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٢٦] (١٢٤٩) - (حَدَّثَنِي حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ
الْوَاحِدِ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، فَأَتَاهُ آتٍ،
فَقَالَ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍَّ، وَابْنَ الزُّبَيْرِ اخْتَلَفَا فِي الْمُتْعَتَيْنِ، فَقَالَ جَابِرٌ: فَعَلْنَاهُمَا مَعَ
رَسُولِ اللهِ وَِّ، ثُمَّ نَهَانَا عَنْهُمَا عُمَرُ، فَلَمْ نَعُدْ لَهُمَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ) تقدّم قريباً .
٢ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ) بن زياد الْعَبْديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت١٧٦)
أو بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ١١/ ٥٨٤.
٣ - (عَاصِمُ) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ [٤]
مات بعد (١٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٧/٥.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (فِي الْمُتْعَتَيْنِ) أي متعة الحجّ، ومتعة النساء، وأراد بمتعة الحجّ
فسخ الحجّ إلى العمرة.

٣٧١
(٣١) - بَابُ جَوَازِ التَّمَنُّعِ فِي الْحَجِّ، وَالْقِرَانِ - حديث رقم (٣٠٢٧)
والحديث من أفراد المصنّف نَظُّهُ، وقد أخرجه هنا [٣٠٢٦/٣١]
(١٢٤٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) ٣٢٥/٣، و(أبو نعيم) في ((المستخرج)) ٣/
٣٤٦، و(البيهقي) في ((الكبرى)) ٢٠٦/٧، وقد تقدّم بأتمّ من هذا برقم [١٧ ]
٢٩٤٧٠] (١٢١٧) وتقدّم شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٠٢٧] (١٢٥٠) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنِي
سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ، عَنْ مَرْوَانَ الْأَصْفَرِ، عَنْ أَنَسِ نَظَه: أَنَّ عَلِيّاً قَدِمَ مِنَ الْيَمَنِ،
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ وَِّ: ((بِمَ (١) أَهْلَلْتَ؟)) فَقَالَ: أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالِ النَّبِيِّ ◌َِّ، قَالَ: (لَوْلًا
أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ لَأَخْلَلْتُ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (ابْنُ مَهْدِيٌّ) هوَّ: عبد الرحمن، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ) ((سليم)) بفتح السين المهملة، وكسر اللام مكبّراً،
و((حيّان) بفتح الحاء المهملة، وتشديد الياء التحتانيّة الْهُذليّ البصريّ، ثقةٌ [٧]
(خ م د ت سي ق) تقدم في ((صلاة الجنائز)) ٢٢٠٧/٢١.
[تنبيه]: ذكر الحافظ أبو عليّ الجيّاني تَظّفُ أنه وقع عند العلاء بن ماهان
في إسناده ((سليمان بن حيّان)) بضمّ السين، وزيادة نون، وهذا وهَمٌ، وصوابه
((سليم)) كما رواه أبو أحمد. انتهى(٢).
٤ - (مَرْوَانُ الْأَصْفَرُ(٣) أبو خَلَف البصريّ، يقال: هو مروان بن خاقان،
ويقال: ابن سالم، ثقةٌ [٤].
(١) وفي نسخة: ((بما)).
(٢) ((تقييد المهمل)) ٣/ ٨٤٠.
(٣) ((الأصفر)) بالفاء في جميع النسخ، وهو الصواب، ووقع في ((خلاصة الخزرجيّ)):
((الأغر)) بالغين المعجمة، وهو تصحيف، فتنبّه.

٣٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
رَوَى عن ابن عمر، وأبي هريرة، وأنس، وأبي وائل، والشعبيّ،
وجماعة.
وروى عنه خالد الحذاء، وعوف الأعرابيّ، وسَلِيم بن حبان، وشعبة،
وغيرهم.
قال الآجريّ: قلت لأبي داود: مروان الأصفر؟ قال: مروان بن خاقان،
ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وليس له في هذا
الكتاب إلا هذا الحديث.
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): ليس لمروان الأصفر في البخاريّ عن أنس
سوى هذا الحديث، وهو من أفراد الصحيح، قال الترمذيّ: حسن غريبٌ،
وقال الدارقطنيّ في ((الأفراد)): لا أعلم رواه عن سَلِيم بن حيّان غير
عبد الصمد بن عبد الوارث. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((غير عبد الصمد)) فيه نظر لا يخفى، فقد
رواه عنه عبد الرحمن بن مهديّ، وبهز بن أسد، عند مسلم هنا، فتنبّه، والله
تعالى أعلم.
و «أنس)) رقڅله ذُكر قبل حديث.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ رَظُهُ: أَنَّ عَلِيّاً قَدِمَ مِنَ الْيَمَنِ) حيث بعثه النبيّ وَّه إليها قبل
حجة الوداع (فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ وَلِ: ((بِمَ أَهْلَلْتَ؟)) بحذف الألف من ((ما))
الاستفهاميّة؛ لكونها مجرورةً، كما قال في ((الخلاصة)):
وَ((مَا)) فِي الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ أَلِفُهَا وَأَوْلِهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ
ووقع في بعض النسخ: ((بما أهللت)) بإثبات الألف، وهو قليل.
(أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالِ النَّبِيِّ بَِّ) أي قلت: لبيك بمثل ما أهلٌ
(فَقَالَ) علىّ
به النبيّ وَ﴾، ففيه جواز تعليق التلبية بتلبية غيره، وقد تقدّم البحث فيه مستوفّى
لَّه بالبقاء
(قَالَ) وَِّ ((لَوْلَا أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ) هذا إشارة إلى أمر عليّ
(١) ((الفتح)) ٤٤٨/٤.

٣٧٣
(٣١) - بَابُ جَوَازِ التَّمَتُّعِ فِي الْحَجِّ، وَالْقِرَانِ - حديث رقم (٣٠٢٨)
على إحرامه؛ حيث إنه أهلّ بإهلال النبيّ بَّ، ومعه الهدي، والنبيّ لم يتحلّل
بسبب الهدي، فكان حکمه حکمه.
وأصرح من هذا ما أخرجه البخاريّ من طريق بكر المزنيّ أنه ذكر لابن
عمر أن أنساً حدّثهم: أن النبيّ ◌َّه أهلّ بعمرة وحجة، فقال: أهلّ النبيّ وَلّى
بالحجّ، وأهللنا به معه، فلما قَدِمنا مكة، قال: ((من لم يكن معه هدي،
فليجعلها عمرةً))، وكان مع النبيّ وَِّ هديٌّ، فقدِم علينا عليّ بن أبي طالب من
اليمن حاجّاً، فقال النبيّ وَله: ((بم أهللت؟، فإن معنا أهلك))، قال: أهللت
بما أهلّ به النبيّ وَّرِ قال: ((فأمسك، فإن معنا هدياً)).
فهذه الرواية أوضحت ما كان مختصراً في هذا الحديث، فتأمّل، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس عظته هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠٢٧/٣١ و٣٠٢٨] (١٢٥٠)، و(البخاريّ) في
((الحجّ)) (١٥٥٨) و((المغازي)) (٤٣٥٣)، و(الترمذيّ) في ((الحجّ)) (٩٥٦)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (١٨٥/٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٧٧٦)، و(أبو
عوانة) في ((مسنده)) (٣٤٧/٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣٤٦)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٥/٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٠٢٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ (ح)
وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّنَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ
مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ(١) فِي رِوَايَةٌ بَهْزِ: (لَحَلَلْتُ))).
(١) وفي نسخة: ((غير أنه)).

٣٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
رجال هذا هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث، تقدّم قريباً.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِم) بن حيّان الْعَبْديّ، أبو عبد الرحمن الُوسيّ،
سكن نيسابور، ثقةٌ صاحب حديث، من صغار [١٠] مات سنة بضع و(٢٥٠)
تقدم في ((الإيمان)) ١١٢/٣. وهو من أفراد المصنّف رَُّهُ.
٣ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمّي، أخو معلّى المذكور قبل حديثين، تقدّم قبل
بابین.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية عبد الصمد، عن سَلِيم بن حيّان هذه ساقها الترمذيّ ◌َّتُهُ
في ((جامعه)) (٢٩٠/٣) فقال:
(٩٥٦) - حدّثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، قال:
حدّثني أبي(١)، قال: حدّثنا سَلِيم بن حيّان، قال: سمعت مروان الأصفر، عن
أنس بن مالك، أن عليّاً قَدِم على رسول الله وسل ◌ّ من اليمن، فقال: ((بم
أهللت؟)) قال: أهللت بما أهلّ به رسول الله وَّل، قال: ((لولا أن معي هدياً
لأحللت)).
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. انتهى.
وأما رواية بهز بن أسد، عن سَلِيم، فقد ساقها الإمام أحمد نَّتُهُ في
((مسنده)) (١٨٥/٣) فقال:
(١٢٩٥٠) - حدّثنا عبد اللهِ(٢)، حدّثني أبي، ثنا بَهْزٌ، ثنا سَلِيمُ بن حَيَّانَ،
قال: سمعت مروان الأصفر يحدِّث عن أنس، أن عليّاً قَدِمَ من اليمن، فقال له
النبيّ ◌َّهِ: ((بم أهللت؟))، فقال: أهللت بما أهلّ به رسول الله وَليهِ، فقال:
((فإني لولا أن معي الهديَ لحللت)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(١) سقط قوله: ((حدّثني أبي)) من بعض النسخ، والاستدراك من ((تحفة الأشراف)) ١/
٦٨٠، ثم وجدت بعض النسخ على الصواب، والحمد لله.
(٢) ولدُ الإمام أحمد، راوي ((المسند)) عنه.

٣٧٥
(٣١) - بَابُ جَوَازِ التَّمَُّعِ فِي الْحَجِّ، وَالْقِرَانِ - حديث رقم (٣٠٢٩)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٠٢٩] (١٢٥١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ
أَبِي إِسْحَاقَ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، وَحُمَيْدٍ، أَنَّهُمْ سَمِعُوا أَنَساًّ ◌َظُهُ قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعاً: ((لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجّاً، لَبَّيْكَ عُمْرَةً
وَحَجّاً))).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (هُشَيْمُ) بن بَشِير، تقدّم قريباً.
٣ - (يَحْبَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ) الْحَضْرميّ مولاهم البصريّ النحويّ، صدوقٌ
ربما أخطأ [٥] (ت١٣٦) (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٥٨٦/٢.
٤ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) الْبُنَانيّ البصريّ، ثقةٌ [٤] (ت١٣٠) (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
٥ - (حُمَيْدٌ) الطويل، أبو عُبيدة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت٢ أو ١٤٣)
(ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٣٩/٢٣.
و((أنس)) رَظُبه ذُكر قبله، والحديث مرّ برواية بكر بن عبد الله المزنيّ، عن
أنس ◌َُّه برقم (٢٩٩٦/٢٥) وتقدّم شرحه هناك.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس به هذا من أفراد المصنّف تَّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠٢٩/٣١ و٣٠٣٠] (١٢٥١)، و(أبو داود) في
((المناسك)) (١٧٩٥)، و(الترمذيّ) في ((الحجّ)) (٨٢١)، و(النسائيّ) في
((المناسك)) (١٥٠/٥)، و(ابن ماجه) في ((المناسك)) (٢٩٦٨ و٢٩٦٩)،
و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢١٢١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٩٩/٣ و١١١
و١٨٢ و١٨٧ و٢٨٢)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٦١٩)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٢٤٠/٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣٤٧/٣)، و(الحاكم) في

٣٧٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
((مستدركه)) (٤٧٢/١)، و(ابن الجارود) في (المنتقى)) (٤٣٠)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٩/٥ و٤٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٠٣٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِيهِ عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَحُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ أَنَساً يَقُولُ:
سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَهِ يَقُولُ: ((لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجّاً))، وَقَالَ حُمَيْدٌ: قَالَ أَنَسرٌ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: ((لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجٌّ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظ، من صغار [٩]
(ت٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عليّة، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا قبله، والحديث سبق البحث فيه قبله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٠٣١] (١٢٥٢) - (وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ
حَرْبٍ، جَمِيعاً عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنِي
الزُّهْرِيُّ، عَنْ حَنْظَلَةَ الْأَسْلَمِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَهَ يُحَدِّثُ، عَنِ النَِّيِّ ◌ِله
قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُهِلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ حَاجّاً، أَوْ مُعْتَمِراً، أَوْ
لَیَئِنَّهُمَا»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) الخراسانيّ، ثم المكيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بكير، تقدّم في الباب
الماضي.

٣٧٧
(٣١) - بَابُ جَوَازِ التَّمَتُّعِ فِي الْحَجّ، وَالْقِرَانِ - حديث رقم (٣٠٣١)
٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم قريباً.
٦ - (حَنْظَلَةُ الْأَسْلَمِيُّ) هو: حنظلة بن عليّ بن الأسقع الأسلميّ المدنيّ،
ثقةٌ [٣] (بخ م د س ق) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٥٥٧/٥٦.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَبه، المتوفّى سنة (٧ أو٨ أو ٥٩) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ
قرن بينهم؛ لاتحاد كيفية أخذه عنهم، ثم فصّل؛ لاختلافهم في ذلك.
٢ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ◌َّ ◌ُله أحفظ
من روى الحديث في دهره.
شرح الحديث:
(عَنْ حَنْظَلَةَ الْأَسْلَمِيِّ) أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَظُهُ يُحَدِّثُ، عَن
النَّبِيِّ ◌َ) أنه (قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُهِلَّنَّ) بضمّ حرف المضارعة، من
الإهلال، واللام هي الموّئة للقسم، أي: والله ليُهلنّ عيسى (ابْنُ مَرْيَمَ) ◌َِّهِ
(بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ) - بفتح الفاء، وتشديد الجيم - قال الحافظ أبو بكر الحارثيّ:
هو بين مكة والمدينة، قال: وكان طريق رسول الله وَله إلى بدر، والى مكة عام
الفتح، وعام حجة الوداع. انتهى، وقيل: الرَّوْحاء - بفتح أوله، وبالحاء
المهملة، ممدوداً - قرية جامعة لمزينة، على ليلتين من المدينة، بينهما أحد
وأربعون ميلاً، قاله البكريّ في ((معجمه)). انتهى(١).
(حَاجّاً، أَوْ مُعْتَمِراً) الظاهر أن ((أو)) في الموضعين للشكّ من الراوي، إما
من أبي هريرة، أو من دونه، كما أشار إليه ابن حزم تَّتُهُ(٢).
وقال الأبيّ تَذَتُهُ: العطف بـ((أو)) إن كان من الراوي، فهو شكّ منه، هل
(١) راجع: ((المصباح المنير)) ٨٩/٢.
(٢) راجع: ((المحلّى)) ١١٠/٧.

٣٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
سمع ((معتمراً))، أو مفرداً، أو قارناً، وإن كان من النبيّ وَّر فهو إبهام، وفائدة
الحديث الإخبار بالمغيّبات. انتهى(١).
(أَوْ لَيَثْنِيَنَّهُمَا))) بفتح الياء في أوله، ومعناه: يقرُن بينهما، وهذا يكون في
آخر الزمان بعد نزول عيسى ظلّا من السماء، قاله النوويّ ◌َخَّتُهُ (٢)، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضيبه هذا من أفراد المصنّف تَّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠٣١/٣١ و٣٠٣٢ و٣٠٣٣] (١٢٥٢)، و(عبد
الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٤٠٠/١١)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٠٠٥)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤٠/٢ و٢٧٢ و٥١٣ و٥٤٠)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٢٣٢/١٥)، و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (٤٢٢/١)، و(الطبريّ) في
((تفسيره)) (٧١٤٤)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٤١٩)، و(أبو عوانة) في
«مسنده)» (٤٢٢/٢)، و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (٣٤٧/٣)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٢/٥)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٤٢٧٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز التلبية بالحجّ والعمرة، وهو القران.
٢ - (ومنها): بيان أن الأنبياء يحجّون، ويعتمرون، أما بالنسبة
لعيسى علّه، فإنه حيّ في السماء، وسينزل إلى الأرض حاكماً بشريعة نبيّنا وََّ،
فحجه لا يُستغرب.
وأما بالنسبة لغيره من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - فإنه ثبتت
النصوص بذلك، فنثبته، ومعلوم أنهم أحياء في قبورهم حقيقة حياة برزخيّة،
ويتقربون إلى الله تعالى بالصلاة، والحج وغيرهما من الطاعات، وهم في
قبورهم، ففي (صحيح مسلم)) عن أنس تظله أنه ومَّ رأى موسى قائماً في قبره
(١) ((شرح الأبيّ)) ٣٧٨/٣.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢٣٤/٨.

٣٧٩
(٣١) - بَابُ جَوَازِ التَّمَتُّعِ فِي الْحَجِّ، وَالْقِرَانِ - حديث رقم (٣٠٣١)
يصلي، وفي رواية البخاريّ ذكر إبراهيم، وفي أخرى لمسلم ذكر يونس(١).
وقد ثبت في أحاديث كثيرة نزول عيسى ظلّه في آخر الزمان، وفي حديث
النَّوّاس بن سمعان ظُه عن النبيّ وَّو حين ذكر الدجال، وذكر مكثه في
الأرض، ثم قال: ((ينزل عيسى ظلّله عند المنارة البيضاء شرقيّ دمشق، فيطلبه،
فيدركه بباب لُدّ، فيقتله)). رواه مسلم.
وفي ((الصحيحين)) من حديث الزهريّ، عن سعيد بن المسيب، عن أبي
هريرة نظُه قال: قال رسول الله وَليقول: ((والذي نفسي بيده ليوشكنّ أن ينزل فيكم
ابن مريم حَكَماً عدلاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية))، ثم
يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ
مَوْنِهِ﴾ الآية(٢) .
وأخرج أبو داود، وصححه ابن حبّان عن أبي هريرة ظُّه أن رسول الله وَله
قال: ((الأنبياء كلهم إخوةٌ لعلات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد، وأنا أولى
الناس بعيسى ابن مريم، إنه ليس بيني وبينه نبيّ، وإنه نازل، إذا رأيتموه
فاعرفوه، رجل مربوعٌ، إلى الحمرة والبياض، بين ممصرين(٣) كأن رأسه يقطر،
وإن لم يصبه بللٌ، فيقاتل الناس على الإسلام، فيدُقّ الصليب، ويقتل الخنزير،
ويضع الجزية، ويُهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك المسيح
الدجال، وتقع الأَمَنَةُ في الأرض، حتى ترتع الأسد مع الإبل، والنمار مع
البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات، لا تضرهم، فيمكث في
الأرض أربعين سنة، ثم يُتَوَفَّى، فيصلي عليه المسلمون، صلوات الله عليه)).
انتھی (٤).
وروى عبد الله بن نافع الصائغ صاحب مالك، عن عثمان بن الضحاك بن
عثمان الأسديّ، عن محمد بن يوسف، عن عبد الله بن سلام، عن أبيه، عن
(١) راجع: ((مرقاة المفاتيح)) ٤٢٠/٥.
(٢) راجع: ((التمهيد لابن عبد البر)) ١٤/ ٢٠٢، ٢٠٣.
(٣) أي فيهما صفرة خفيفة.
(٤) اللفظ لابن حبّان في ((صحيحه)) ٢٣٣/١٥.

٣٨٠
البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
جدّه قال: يُدفَن عيسى لعلَّهُ مع النبيّ وَّهِ وصاحبيه، ثَمَّ موضع قبر رابع(١).
[تنبيه]: اختلف العلماء في قول الله رَك: ﴿يَعِيسَىَّ إِّ مُتَوَفِيكَ وَرَافِعُكَ
إِلَّ﴾ فقالت طائفة: أراد: إني رافعك، ومتوفيك، قالوا: وهذا جائز في الواو،
والمعنى عند هؤلاء أنه تَوَفِّي موت، إلا أنه لم يمت بعدُ.
وقال زيد بن أسلم وجماعة: ﴿مُتَوَفِيكَ﴾ قابضك من غير موت، مثل
تَوَقَّيت المال، واستوفیته، أي قبضته.
وقال الربيع بن أنس: يعني وفاة منام؛ لأن الله تعالى رفعه في منامه.
وروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿مُتَوَفِيكَ﴾ أي مميتك،
وقال وهب: توفاه الله ثلاث ساعات من النهار.
قال ابن عبد البرّ تَكْثُهُ: والصحيح عندي في ذلك قول من قال: متوفيك:
قابضك من الأرض؛ لما صح عن النبيّ وَ﴿ من نزوله، وإذا حُمِلت رواية
علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس على التقديم والتأخير: أي رافعك، ومميتك
لم يكن بخلاف لما ذكرناه. انتهى (٢).
وأما قوله رَ: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِثَبِ إِلَّا لَيُؤْمِثَنَّ بِ قَبْلَ مَوْقِْ﴾، فقال أبو
هريرة، وابن عباس: قبل موت عيسى ظلّلا، وهو قول الحسن، وعكرمة، وأبي
مالك، ومجاهد، هذه رواية سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وروى مجاهد،
عن ابن عباس: قبل موته: قبل موت صاحب الكتاب، فقيل لابن عباس: وإن
ضربت عنقه، فقال: وإن ضربت عنقه. انتهى(٣)، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخَذَثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٠٣٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ،
بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، قَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ).
(١) راجع: ((التمهيد لابن عبد البر)) ٢٠٢/١٤.
(٢) ((التمهيد لابن عبد البر)) ١٤/ ٢٠٣.
(٣) ((التمهيد لابن عبد البر ﴿ه)) ٢٠٤/١٤.