Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
(٢١) - بَابُ جَوَازِ التَّمَتُّعِ - حديث رقم (٢٩٨١)
مات هو وثابت، ومالك بن دينار، سنة ثلاث وعشرين ومائة، وقال خليفة:
مات سنة سبع.
له في (م) حديث واحد عن عمران بن حصين في متعة الحج متابعة.
قلت: أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وليس له
في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وهو متابعة.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية محمد بن واسع، عن مطرّف هذه ساقها أبو نعيم تَظُّ في
(مستخرجه)) (٣٢٦/٣) مع بعض اختلاف، فقال:
(٢٨٤٨) - ثنا عبد الله بن جعفر، ثنا إسماعيل بن عبد الله، ثنا مسلم بن
إبراهيم، نا إسماعيل بن مسلم، عن محمد بن واسع (ح) وثنا أبو أحمد، ثنا
أبو أحمد بن محمد بن عبد الكريم الجرجاني الوزان، ثنا نصر بن عليّ، ثنا
مسلم بن إبراهيم، ثنا إسماعيل بن مسلم، حدّثني محمد بن واسع، عن
مُطّرِّف، قال: قال عمران بن حصين: تمتعنا مع رسول الله وَلقول، فقال فيها
رجل برأيه ما شاء. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٩٨١] ( ... ) - (حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ
الْمُقَدَّمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ،
قَالَ: قَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: نَزَلَتْ آيَةُ الْمُتْعَةِ فِي كِتَابِ اللهِ، يُّعْنِي مُتْعَةَ الْحَجِّ،
وَأَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللهِ وَهِ، ثُمَّ لَمْ تَنْزِلْ آيَةٌ تَنْسَخُ آيَةَ مُتْعَةِ الْحَجِّ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا
رَسُولُ اللهِ نَّهِ حَتَى مَاتَ، قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ بَعْدُ مَا شَاءَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ) هو: حامد بن عمر بن حفص بن عمر بن
عبيد الله بن أبي بكرة الثقفيّ البكراويّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، قاضي
كرمان، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٣) (خ م) تقدم في ((الطهارة)) ٦٤٩/٢٦.

٢٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
[تنبيه]: قوله: ((البكراوي)) نسبة إلى جدّ جدّ أبيه أبي بكر الصحابيّ
كُنَّه .
الشهير
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ الْمُقَدَّمِيُّ) أبو عبد الله الثقفيّ مولاهم البصريّ،
ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م س) تقدم في ((الإيمان) ١٤٥/١٠.
٣ - (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) بن لاحق الرّقَاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ عابدٌ [٨] (ت٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٥/١٠.
٤ - (عِمْرَانُ بْنُ مُسْلِم) الْمِنقريّ، أبو بكر القصير البصريّ، صدوقٌ، ربّما
وَهِمَ [٦] (خ م ت س) تقدَّم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ٢٨/ ١٨١٠.
٥ - (أَبُو رَجَاءٍ) عمران بن مِلْحان، ويقال: ابن تيم الْعُطارديّ البصريّ، ثقةٌ
مخضرم معَمَّرٌ [٢] (ت١٠٥) وله (١٢٠) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٤٥/٦٢.
والصحابيّ غُبه ذُكر قبله.
[تنبيه]: وقع في هذا السند اتّفاق اسم الراوي، وشیخه، وشیخ شیخه،
فقد روى عمران بن مسلم القصير، عن عمران بن مِلْحَان العُطارديّ، عن
عمران بن حصين الصحابيّ ته، وإلى هذا أشار السيوطيّ في ((ألفيّة الحديث))
حیث قال:
أَوْ شَيْخُهُ وَشَيْخُهُ قَدْ بَانَا عِمْرَانُ عَنْ عِمْرَانَ عَنْ عِمْرَانَا
وقوله: (نَزَلَتْ آيَةُ الْمُتْعَةِ فِي كِتَابِ اللهِ) يعني قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَنَ
تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَّ ◌َا أُسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَذِيَّ﴾ الآية، والفاء في قوله: ﴿فَنَ تَمَنَّعَ﴾ واقعة
في جواب ((إذا))، والفاء في قوله: ﴿فَا أَسْتَيْسَرَ﴾ واقعة في جواب ((من))، أي:
فإذا أمنتم الإحصار من عدوّ، أو مرض، بأن زال، أو لم يكن، فمن تمتّع
بالعمرة إلى وقت الحجّ، فعليه ما استيسر من الهدي، ومعنى التمتّع بالعمرة:
الاستمتاع والانتفاع بالتقرّب إلى الله تعالى بالعمرة إلى وقت الحج، ثم الانتفاع
به في وقته إن كان قارناً، ويُسمّى القران أيضاً تمتّعاً بهذا المعنى، أو معناه:
الاستمتاع بسبب العمرة بالتحلّل منها إلى أن يُحرم بالحجّ إن كان متمتّعاً،
وعلى كلا التقديرين يلزمه هدي شكراً لنعمة الجمع بين النسكين يُذبح يوم
النحر، وهو معنى قوله: ﴿فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ﴾، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.

٢٢٣
(٢٢) - بَابُ وُجُوبِ اللَّهِ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ، وَأَنَّهُ إِذَا عَدِمَهُ لَزِمَهُ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ... إلخ
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذَلُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٨٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ
عِمْرَانَ الْقَصِيرِ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِّ حُصَيْنٍ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ:
وَفَعَلْنَاهَا مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، وَلَمْ يَقُلْ: وَأَمَرَنَا بِهَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة
وكلّهم ذُكروا في الباب، و((يحيى بن سعيد)) هو القطّان.
[تنبيه]: رواية يحيى بن سعيد، عن عمران القصير هذه ساقها
البخاريّ تَظْتُ في ((التفسير))، فقال:
(٤٥١٨) - حدّثنا مسدّد، حدّثنا يحيى، عن عمران أبي بكر، حدّثنا أبو
رجاء، عن عمران بن حصين قال: أنزلت آية المتعة في كتاب الله، ففعلناها مع
رسول الله وَ﴾، ولم ينزل قرآن يُحَرِّمه، ولم يَنْهَ عنها حتى مات، قال رجل برأيه
ما شاء. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٢٢) - (بَابُ وُجُوبِ الدَّم عَلَى الْمُتَمَثِّع، وَأَنَّهُ إِذَا عَدِمَهُ لَزِمَهُ
صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((التمتّع)): مصدر تمتّع، قال القاري ◌َُّهُ:
التمتّع في اللغة بمعنى التلذّذ، والانتفاع بالشيء، قال: وإنما سمّي متمتّعاً
لانتفاعه بالتقرّب إلى الله تعالى بالعبادتين، أو لتمتّعه بمحظورات الإحرام بعد
التحلّل من العمرة، أو لانتفاعه بسقوط العودة إلى الميقات، ولا يبعُدُ أن يقال:
لتمتعه بالحياة حتى أدرك إحرام الحجّ. انتهى.
وقال الفيّوميّ تَّلُهُ: وتمتّعت به: انتفعت، ومنه تمتّع بالعمرة إلى الحجّ:
إذا أحرم بالعمرة في أشهر الحجّ، وبعد تمامها يُحرم بالحجّ، فإنه بالفراغ من
أعمالها يَحلُّ له ما كان حرُم عليه، فمن ثمّ يسمّى متمتّعاً. انتهى.
والتمتّع شرعاً: أن يهلّ بعمرة مفردة من الميقات في أشهر الحجّ، فإذا
فرغ منها أحرم بالحجّ من عامه.

٢٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
قال الحافظ تَُّ: أما التمتّع، فالمعروف أنه الاعتمار في أشهر الحجّ،
ثمّ التحلّل من تلك العمرة، والإهلالُ بالحجّ في تلك السنة، ويُطلق التمتّع في
عُرف السلف على القران أيضاً. قال ابن عبد البرّ ◌َخّتُهُ: لا خلاف بين العلماء
أن التمتّع المراد بقوله تعالى: ﴿فَنَ تَمَنَّعَ بِلْعُمْرَةِ إِلَى الْ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦] أنه
الاعتمار في أشهر الحجّ قبل الحجّ، قال: ومن التمتّع أيضاً القران؛ لأنه تمتّع
بسقوط سفر للنسك الآخر من بلده، ومن التمتّع أيضاً فسخ الحجّ إلى العمرة.
انتھی .
وقال ابن قُدامة ◌َُّ في ((المغني)): قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم
على أن من أهلّ بعمرة في أشهر الحجّ من أهل الآفاق من الميقات، وقدم
مكة، ففرغ منها، وأقام بها، وحجّ من عامه أنه متمتّع، وقال أيضاً: لا نعلم
بين أهل العلم خلافاً في أن من اعتمر في غير أشهر الحجّ عمرة، وحلّ منها
قبل أشهر الحجّ أنه لا يكون متمتّعاً، إلا قولين شاذّين: أحدهما عن طاوس أنه
قال: إذا اعتمرت في غير أشهر الحج، ثم أقمت حتى الحجّ، فأنت متمتّع.
والثاني: عن الحسن أنه قال: من اعتمر بعد النحر فهي متعة. قال ابن المنذر:
لا نعلم أحداً قال بواحد من هذين القولين. انتهى(١). والله تعالى أعلم
بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٩٨٣] (١٢٢٧) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي
أَبِي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ،
أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﴿ّ قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى
الْحَجِّ، وَأَهْدَى، فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَبَدَأَ رَسُولُ اللهِ وَهِ، فَأَهَلَّ
بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَتَمَثَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﴿رَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ،
فَكَانَ مِن النَّاسِ مَنْ أَهْدَى، فَسَاقَ الْهَدْيَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ
(١) راجع: ((المرعاة)) ٤٥٨/٨، ٤٥٩.

٢٢٥
(٢٢) - بَابُ وُجُوبٍ الدَِّ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ، وَأَنَّهُ إِذَا عَدِمَهُ لَزِمَهُ صَوْمُ ثَلَاثَةٍ أَيَّامٍ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٨٣)
رَسُولُ اللهِ مَّةَ، قَالَ لِلنَّاسِ: ((مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ
حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَبَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى، فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا
وَالْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ، وَلْيَحْلِلْ، ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ، وَلْيُهْدِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْياً، فَلْيَصُمْ
ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ))، وَطَافَ رَسُولُ اللهِ وَرَّ حِينَ قَدِمَ
مََّةَ، فَاسَّتَلَمَ الزُّكْنَ أَوَّلَ شَيْءٍ، ثُمَّ خَبَّ ثَلَاثَةَ أَطْوَانٍ مِنَ السَّبْعِ، وَمَشَى أَرْبَعَةَ
أَطْوَافٍ، ثُمَّ رَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ، عِنْدَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ سَلَّمَ،
فَانْصَرَفَ، فَأَتَى الصَّفَا، فَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَانٍ، ثُمَّ لَمْ يَحْلِلْ مِنْ
شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، حَتَّى قَضَى حَجَّهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَفَاضَ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ،
ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ مَنْ أَهْدَى،
وَسَاقَ الْهَدْيَ مِنَ النَّاسِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ) أبو عبد الله المصريّ، ثقةٌ [١١]
(ت٢٤٨) (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢١١/٢٦.
٢ - (أَبُوهُ) شعيب بن الليث بن سعد الفهميّ مولاهم، أبو عبد الملك
المصريّ، ثقةٌ نبيلٌ فقيه، من كبار [١٠] (ت١٩٩) (م د س) تقدم في ((الإيمان))
٢١١/٢٦.
٣ - (جَدُّهُ) الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي مولاهم، أبو الحارث
المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ [٧] (ت١٧٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة))
جـ٢ ص٤١٢.
٤ - (عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ) الأيليّ، أبو خالد الأمويّ مولاهم، سكن المدينة،
ثم الشام، ثم مصر، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت١٤٤) (ع) تقدم في (الإيمان)) ١٣٣/٨.
٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام الحجة الثبت المشهور،
من رؤوس [٤] (ت١٢٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٤٨.
٦ - (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمر العدويّ، أبو عمر، أو أبو عبد الله، ثقةٌ
ثبتٌ فقيهٌ فاضلٌ، من كبار [٣] (ت١٠٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦٢.

٢٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
٧ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ◌ِ﴿هَا، مات سنة (٧٣) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١/ ١٠٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ◌َّلهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوی شیخه، وشیخ شيخه، كما
أسلفته آنفاً .
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمصريين إلى عُقيل، وما بعده بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه، عن جدّه.
٥ - (ومنها): أن سالِماً أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﴿هَا قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللهِنَِ)
قال القاضي عياض كَظُّهُ: قوله: ((تمتّع)) هو محمول على التمتّع اللغويّ، وهو
القران، ومعناه أنه والفر أحرم أوّلاً بالحجّ مفرداً، ثم أحرم بالعمرة، فصار قارناً
في آخر أمره، والقارن هو متمتّع من حيث اللغة، ومن حيث المعنى؛ لأنه ترفّهَ
باتحاد الميقات، والإحرام، والفعل، ويتعيّن هذا التأويل هنا؛ لما قدّمناه في
الأبواب السابقة من الجمع بين الأحاديث في ذلك، وممن روى إفراد النبيّ وَلـ
ابن عمر الراوي هنا، وقد ذكره مسلم بعد هذا. انتهى (١).
وقال القرطبيّ تَخَّهُ: هذا الذي رُوي هنا عن ابن عمر من أنه وَّ تمتّع
مخالف لما جاء عنه في الرواية الأخرى من أنه أفرد بالحجّ، واضطراب قوليه يدلّ
على أنه لم يكن عنده من تحقيق الأمر ما كان عند من جزم بالأمر، كما فعل أنسٌ
على ما تقدّم، حيث قال: سمعت رسول الله وَله يقول: ((لبيك بحجة وعمرة)).
ثم اعلم أن كلّ الرواة الذين رووا إحرام النبيّ وَّ ليس منهم من قال:
إنه ◌َ﴿ حلّ من إحرامه ذلك حتى فرغ من عمل الحجّ، وإن كان قد أطلق عليه
(١) ((شرح مسلم للنوويّ)) ٤٣٤/٨.

٢٢٧
(٢٢) - بَابُ وُجُوبِ الدَِّ عَلَى الْمُتَمَتِعِ، وَأَنَّهُ إِذَا عَدِمَهُ لَزِمَهُ صَوْمُ ثَلَاثَةٍ أَيَّامٍ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٨٣)
لفظ التمتع، بل قد قال ابن عمر في هذا الحديث: إنه وَل و بدأ بالعمرة، ثم
أهلّ بالحجّ، ولم يقل: إنه حلَّ من عمرته، بل قال في آخر الحديث بعد أن
فرغ من طواف القدوم، أنه وَّه لم يَحلُل من شيء حَرُمَ عليه حتى قضى حجّه،
وهذا نصّ في أنه لم يكن متمتّعاً، فتعيّن تأويل قوله: تمتّع رسول الله وَلي،
فَيَحْتَمِل أن يكون معناه: قَرَنَ؛ لأن القارن يترفّه بإسقاط أحد العملين، وهذا
الذي يدلّ عليه قوله بعد هذا، فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحجّ.
ويَحْتَمِل أن يكون معناه أنه وَيِّ لَمّا أَذِن في التمتّع أضافه إليه، وفيه بُعدٌ.
انتهى كلام القرطبيّ ◌َذفهُ(١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((تمتّع رسول الله وَلّ إلخ)). قال المهلّب: معناه
أمر بذلك؛ لأنه كان ينكر على أنس قوله: إنه قرن، ويقول: بل كان مفرداً،
وأما قوله: ((وبدأ فأهلّ بالعمرة))، فمعناه أمرهم بالتمتع، وهو أن يُهلّوا بالعمرة
أوّلاً، ويقدّموها قبل الحجّ، قال: ولا بدّ من هذا التأويل؛ لدفع التناقض عن
.
ابن عمر
قال الحافظ: لم يتعيّن هذا التأويل المتعسّف، وقد قال ابن المنيّر في
((الحاشية): إنّ حَمْلَ قوله: ((تمتع)) على معنى أَمَرَ من أبعد التأويلات،
والاستشهاد عليه بقوله: ((رجم))، وإنما أمر بالرجم من أوهن الاستشهادات؛ لأن
الرجم من وظيفة الإمام، والذي يتولّاه إنما يتولّاه نيابة عنه، وأما أعمال الحجّ،
من إفراد، وقران، وتمتّع، فإنه وظيفة كلّ أحد عن نفسه، ثم أجاز تأويلاً آخر،
وهو أن الراوي عَهِد أنّ الناس لا يفعلون إلا كفعله، لا سيما مع قوله: ((خذوا
عني مناسككم))، فلما تحقّق أن الناس تمتّعوا ظنّ أنه وَله تمتّع، فأطلق ذلك.
قال الحافظ: ولم يتعيّن هذا أيضاً، بل يَحْتَمِل أن يكون معنى قوله:
((تمتع)) محمولاً على مدلوله اللغويّ، وهو الانتفاع بإسقاط عمل العمرة،
والخروج إلى ميقاتها، وغيرها، بل قال النوويّ: إن هذا هو المتعيّن، قال:
وقوله: ((بالعمرة إلى الحجّ))، أي بإدخال العمرة على الحجّ، وقد قدّمنا في
((باب التمتّع والقران)) تقرير هذا التأويل.
(١) ((المفهم)) ٣٥٢/٣.

٢٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وإنما المشكل هنا قوله: ((بدأ، فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحجّ))؛ لأن
الجمع بين الأحاديث الكثيرة في هذا الباب استقرّ كما تقدّم على أنه بدأ أوّلاً
بالحجّ، ثم أدخل عليه العمرة، وهذا بالعكس.
وأجيب عنه بأن المراد به صورة الإهلال، أي: لما أدخل العمرة على
الحجّ لبّى بهما، فقال: ((لبيك بعمرة، وحجة معاً)).
وهذا مطابق لحديث أنس به المتقدّم، لكن قد أنكر ابن عمر بذلك
على أنس، فَيَحْتَمِل أن يُحْمَل إنكار ابن عمر عليه كونه أطلق أنه وَّ جمع
بينهما، أي في ابتداء الأمر، ويُعيّن هذا التأويل قوله في نفس الحديث: ((وتمتّع
الناس إلخ))، فإن الذين تمتّعوا إنما بدؤوا بالحجّ، لكن فسخوا حجهم إلى
العمرة حتى حلّوا بعد ذلك بمكة، ثم حجّوا من عامهم. انتهى كلام
الحافظ ◌َّلهُ(١).
وقال السنديّ ◌َُّهُ: اعلم: أن التمتّع عند الصحابة كان شاملاً للقران
أيضاً، وإطلاقه على ما يقابل القران اصطلاح حادث، وقد جاء أن النبيّ وَليه
كان قارناً، فالوجه أن يراد بالتمتع ههنا في شأنه و * القران؛ توفيقاً بين
الأحاديث، والمعنى: انتفع بالعمرة إلى أن حجّ، مع الجمع بينهما في
الإحرام، ومعنى قوله: ((بدأ بالعمرة)) أنه قدّم العمرة ذكراً في التلبية، فقال:
((لبيك عمرةً وحجًا)). انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله السنديّ نَّتُهُ تحقيق نفيس
جدّاً، وهو خلاصة ما تقدّم في كلام العلماء الذين ذكرنا قولهم آنفاً، والله
تعالى أعلم.
(فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) أي بإدخال العمرة على الحجّ،
حيث بدأ بالحجّ، ثم أَدخل عليه العمرة، فصار قارناً، فـ((إلى)) بمعنى ((على))
(وَأَهْدَى، فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ) من عطف البيان على المبيّن (مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ) وفيه
الندب إلى سوق الهدي من المواقيت، ومن الأماكن البعيدة. قال الحافظ تَّلهُ:
وهي من السنن التي أغفلها كثير من الناس. انتهى.
(١) ((الفتح)) ٣٥٨/٤، ٣٥٩.

٢٢٩
(٢٢) - بَابُ وُجُوبِ الدَِّ عَلَى الْمُتَمَِّّحِ، وَأَنَّهُ إِذَا عَدِمَهُ لَزِمَهُ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٨٣)
(وَبَدَأَ رَسُولُ اللهِ وَِّ، فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ) قد تقدّم قريباً أن
معناه أنه وَ ر في أثناء تلبيته بدأ بالعمرة، ثم أتبعها الحجّ، فقال: ((لبيك عمرة،
وحجاً))، لا أنه أول ما أحرم أحرم بالعمرة، ثم أدخل عليها الحج، فإن هذا
خلاف الأحاديث الصحيحة الكثيرة، كما تقدّم، فيتعيّن تأويله هكذا.
قال النوويّ تَخْذَلُ: هو محمول على التلبية في أثناء الإحرام، وليس المراد
أنه أحرم في أول أمره بعمرة، ثم أحرم بحجّ؛ لأنه يفضي إلى مخالفة
الأحاديث السابقة، وقد سبق بيان الجمع بين الروايات، فوجب تأويل هذا على
موافقتها، ويؤيّد هذا التأويل قوله: ((وتمتع الناس مع رسول الله وَل بالعمرة إلى
الحجّ))، ومعلوم أن كثيراً منهم، أو أكثرهم أحرموا بالحجّ أوّلاً مفرداً، وإنما
فسخوه إلى العمرة آخراً، فصاروا متمتعين، فقوله: ((وتمتع الناس)) يعني في آخر
الأمر. انتهى كلام النوويّ تَخَذَّهُ(١).
(وَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَهِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) معنى تمتّع الناس كما
سبق قريباً: أنهم بدءوا بالحجّ، ثم فسخوه بعمل العمرة، فتحلّلوا (فَكَانَ مِنَ
النَّاسِ مَنْ أَهْدَى، فَسَاقَ الْهَدْيَ) من عطف التفسير على المفسَّر (وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ
يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ مََّةَ) أي قارب دخولها؛ لأنه قد جاء أنه قال لهم
ذلك بِسَرِف (قَالَ لِلنَّاسِ: ((مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى) أي ساق الهدي، سواء كان
قارناً، أو معتمراً، وبهذا أخذ الحنفيّة، والحنبلية، فإن عندهم أن من اعتمر،
وأهدى لا يتحلل حتى ينحر هديه يوم النحر، وهو المذهب الصحيح المختار؛
لظواهر الأحاديث.
قال في ((الفتح)): واستُدِلّ به على أنّ من اعتمر، فساق هدياً، لا يتحلّل
من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر، وقد تقدم حديث حفصة، نحوه، ويأتي
حديث عائشة من طريق عُقيل، عن الزهريّ، عن عروة، عنها بلفظ: ((من أحرم
بعمرة، فأهدى، فلا يحلّ حتی ینحر)).
وتأوّل ذلك المالكيّة، والشافعيّة على أن معناه: ومن أحرم بعمرة،
وأهدى، فليُهلّ بالحجّ، ولا يحلّ حتى ينحر هديه، ولا يخفى ما فيه، فإنه
(١) (شرح مسلم)) ٤٣٥/٨.

٢٣٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
خلاف ظاهر الأحاديث المذكورة. انتهى ما في ((الفتح))(١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ.
(فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ) تقدم ضبطه بضم أوله، من الإحلال، وفتحه، من الحِلِّ
(مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ) أي مُنِع منه لأجل الإحرام (حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ) أي حتى
ينتهي من عمل الحجّ بذبح الهدي يوم النحر (وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى،
فَلْيَطُفْ) للعمرة (بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أي لِيَسْعَ بينهما (وَلْيُقَصِّرْ) شعر
رأسه، قال النوويّ كَّلُهُ: معناه أنه يفعل الطواف، والسعي، والتقصير، ويصير
حلالاً، وهذا دليل على أن الحلق، أو التقصير نسك من مناسك الحجّ، وهذا
هو الصحيح في مذهب الشافعيّ، وجماهير العلماء. وقيل: استباحة محظور،
ولیس بنسك، وهذا ضعيف. انتهى.
(وَلْيَحْلِلْ) أمرٌ بمعنى الخبر، أي يصير بالتقصير حلالاً من العمرة، فله
فعل ما كان محظوراً عليه في الإحرام، من الطيب، واللباس، وإتيان الحلائل،
والصيد، وغير ذلك.
وإنما أمر النبيّ ◌َر بالتقصير دون الحلق، مع أنه أفضل؛ ليبقى للمتمتع
شعر يحلقه في الحجّ، فإن الحلق في تحلل الحجّ أفضل منه في تحلّل العمرة،
وقيل: إن قوله: ((وليحلل)) أمر باق على حاله، وهو أمر إباحة.
(ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ) أي يحرم بالحجّ في وقت الخروج إلى عرفات، لا أنه
يُهلّ به عقب تحلله من العمرة، ولهذا قال: ((ثم ليُهلّ))، فأتى بـ(ثمّ)) التي هي
للتراخي والمهلة، قاله النوويّ تَخْذَّتُهُ.
(ثُمَّ لِيُهْدِ) بضمّ حرف المضارعة، من الإهداء رباعيّاً، وهذا معنى قوله
تعالى: ﴿فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦]. قال القرطبيّ تَظْتُ: ذهب
جماعة من السلف إلى أنه شاة، وهو قول مالك، وقال جماعة أخرى: هو بقرة
دون بقرة، وبدنة دون بدنة، وقيل: المراد بدنة، أو بقرة، أو شاة، أو شِرك في
دم. انتهى(٢).
وقال النوويّ تَخّْلهُ: المراد به هدي التمتع، فهو واجب بشروط، اتفق
أصحابنا على أربعة منها، واختلفوا في ثلاثة، أحد الأربعة: أن يُحْرِم بالعمرة
(١) ((الفتح)) ٢٢٠/٤.
(٢) ((المفهم)) ٣٥٣/٣.

٢٣١
(٢٢) - بَابُ وُجُوبِ اللَِّ عَلَى الْمُتَمَِّعِ، وَأَنَّهُ إِذَا عَدِمَهُ لَزِمَهُ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٨٣)
في أشهر الحجّ، الثاني: أن يحجّ من عامه، الثالث: أن يكون أفقيّاً، لا من
حاضري المسجد الحرام، وحاضروه: أهل الحرم، ومن كان منه على مسافة،
لا تقصر فيها الصلاة، الرابع: أن لا يعود إلى الميقات الإحرام الحجّ.
وأما الثلاثة، فأحدها: نيّة التمتع، والثاني: كون الحجّ والعمرة في سنة
في شهر واحد، والأصحّ أن هذه الثلاثة(١)، لا تشترط. والله أعلم. انتهى(٢).
(وَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَذْياً) المراد لم يجده هناك، إما لعدم الهدي، وإما لعدم
ثمنه، وإما لكونه يباع بأكثر من ثَمن المثل، وإما لكونه موجوداً، لكنه لا يبيعه
صاحبه، ففي كلّ هذه الصور يكون عادماً للهدي، فينتقل إلى الصوم، سواء
كان واجداً لثمنه في بلده، أم لا .
(فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّام فِي الْحَجِّ) أي بعد إحرامه بالحجّ، قال النوويّ: هذا
هو الأفضل، فإن صامهًا قبل الإهلال بالحجّ أجزأه على الصحيح، وأما قبل
التحلّل من العمرة فلا، على الصحيح، قاله مالك، وجوّزه الثوريّ، وأصحاب
الرأي، وعلى الأول، فمن استحبّ صيام عرفة بعرفة قال: يُحْرِم يوم السابع
ليصوم السابع، والثامن، والتاسع، وإلا فيُحرم يوم السادس؛ ليفطر بعرفة، فإن
فاته الصوم قضاه، وقيل: يسقط، ويستقرّ الهدي في ذمته، وهو قول الحنفية،
وفي صوم أيام التشريق لهذا قولان للشافعية، أظهرهما: لا يجوز، قال
النوويّ: وأصحهما من حيث الدليل: الجواز. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: والقول بالجواز هو الحقّ؛ لما أخرجه
البخاريّ من حديث عائشة، وابن عمر
أيام
يُرخص في
، قالا: ((لم يُرّ
التشريق أن يُصَمْنَ إلا لمن لم يجد الهدي)).
وأخرج عن ابن عمر هما أيضاً، قال: ((الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى
(١) لم يذكر الثالث في شرح مسلم، ولعله سقط سهواً، وقد ذكره في ((شرح
المهذّب))، وهو وقوع النسكين عن شخص واحد، فقيل: يشترط، وقيل: لا
يشترط، وذكر له صوراً، منها: أن يستأجره شخص لحجّ، وآخر لعمرة. راجع:
((المجموع)) ١٧٦/٧.
(٢) ((شرح مسلم)) ٤٣٥/٨.

٢٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
الحجّ إلى يوم عرفة، فإن لم يجد هدياً، ولم يصم صام أيام منّى))، وعن
عائشة رضيثقا مثله، والراجح أن مثل هذا له حكم الرفع، كما هو مقرّر في محله،
والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ: قوله: ((فليصم ثلاثة أيام في الحجّ)): ذهب مالك،
والشافعيّ إلى أن ذلك لا يكون إلا بعد الإحرام بالحجّ، وهو مقتضى الآية
والحديث، وقال أبو حنيفة، والثوريّ: يصحّ صوم الثلاثة الأيام بعد الإحرام
بالعمرة، وقبل الإحرام بالحجّ، ولا يصومها بعد أيام الحجّ، وهو مخالف لنصّ
الكتاب والسنّة، والاختيار عندنا تقديم صومها في أول أيام الإحرام، وآخر
وقتها آخر أيام التشريق عندنا، وعند الشافعيّ، فمن فاته صومها في هذه الأيام
صامها عندنا بعدُ، وقال أبو حنيفة: آخر وقتها يوم عرفة، فمن لم يصمها إلى
يوم عرفة، فلا صيام عليه، ووجب عليه الهدي، وقال مثله الثوريّ، إذا ترك
صيامها أيام الحجّ، وللشافعيّ قولٌ كقول أبي حنيفة. انتهى كلام
القرطبيّ تَذَتُهُ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه مالك، والشافعيّ رحمهما الله
تعالى أرجح عندي لموافقته لظاهر النصّ الصريح. والله تعالى أعلم.
(وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ))) هذا موافق لقوله تعالى: ﴿فَ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ
تَكَةِ أَيَّامٍ فِي ◌َلْتَجّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦].
قال النوويّ تَخْتُ: وفي المراد بالرجوع خلاف، والصحيح في مذهب
الشافعيّ أنه إذا رجع إلى أهله، وهذا هو الصواب؛ لهذا الحديث الصحيح
الصريح، والثاني: إذا فرغ من الحجّ، ورجع إلى مكة من منى، وهذان القولان
للشافعيّ، ومالك، وبالثاني قال أبو حنيفة.
قال السنديّ تَخْثُهُ: ((إذا رجع إلى أهله)) تفسير لقوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا
رَجَعْتُمْ﴾، وفيه أنه ليس المراد: إذا فرغتم من النسك، كما قاله علماؤنا، ولا
يخفى أن هذا مرفوع، لا من قول ابن عمر ظًا. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا إنصاف من السنديّ كَّتُهُ، حيث ترك
(١) ((المفهم)) ٣٥٣/٣.

٢٣٣
(٢٢) - بَابُ وُجُوبِ الدَّمِ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ، وَأَنَّهُ إِذَا عَدِمَهُ لَزِمَهُ صَوْمُ ثَلَاثَةٍ أَيَّامٍ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٨٣)
ما عليه أهل مذهبه؛ لمخالفته النصّ الصريح، وجزاه الله تعالى عن السنة خيراً،
ويا ليت كل أهل مذهب كانوا مثله، فإن السنة هي القاضية على كل رأي،
ومذهب، وليس لأحد من الناس أن يحكم عليها بما يراه هو، ولا غيره من
ذي الرأي، قال تعالى: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾، وقال: ﴿وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَكُمْ
تَهْتَدُونَ﴾، جعلنا الله تعالى ممن ينصر السنة، ويذبّ عنها، بمنّه وكرمه، إنه
أرحم الراحمين، وأكرم المسؤولين.
قال النوويّ تَخْلُ: ولو لم يصم الثلاثة، ولا السبعة حتى عاد إلى وطنه
لزمه صوم عشرة أيام، وفي اشتراط التفريق بين الثلاثة والسبعة، إذا أراد
صومها خلاف، قيل: لا يجب، والصحيح أنه يجب التفريق الواقع في الأداء،
وهو بأربعة أيام، ومسافة الطريق بين مكة ووطنه، والله أعلم. انتهى(١).
(وَطَافَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي طواف القدوم (حِينَ قَدِمَ
مَكَّةَ، فَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ) أي ركن الحجر الأسود (أَوَّلَ شَيْءٍ) منصوب على الظرفية،
متعلّق بما قبله، أي في ابتداء طوافه (ثُمَّ خَبَّ) أي أسرع، يقال: خبّ في
الأمر خَبَباً، من باب طلب: أسرع الأخذ فيه، ومنه الخببُ لضرب من الْعَدْو،
وهو خطوٌ فسيح، دون العَنَقَ(٢)، قاله الفيّومِيّ رَُّهُ. (ثَلَاثَةَ أَطْوَاٍ) أي ثلاثة
أشواط (مِنَ السَّبْعِ، وَمَشَى) على هِيْنته بسكينة ووقار (أَرْبَعَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ رَكَعَ
حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ) أي فرغ منه (فَصَلَّى عِنْدَ الْمَقَامِ) أي مقام إبراهيم عَلا،
وهو حجر كان يقوم عليه إبراهيم ظلّ وقت بناء الكعبة، ففي حديث ابن
عبّاس ◌ًُّا في قصّة إبراهيم وإسماعيل - عليهما الصلاة والسلام -: ((قال - يعني
إبراهيم -: يا إسماعيل، إن الله أمرني أن أبني ههنا بيتاً، وأشار إلى أَكَمَة
مرتفعة على ما حولها، فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي
بالحجارة، وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر، فوضعه له،
فقام عليه، وهو يبني ... )) الحديث. أخرجه البخاريّ(٣).
(١) ((شرح مسلم)) ٤٣٦/٨.
(٢) العنق - بفتحتين - : ضرب من السير فسيح سريع. اهـ. المصباح.
(٣) انظر: ((الفتح)) في كتاب أحاديث الأنبياء ٦/ ٢٥٥.

٢٣٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
(رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ) وهما واجبتان عند الحنفية، وهو قول لمالك
والشافعيّ؛ للأمر بهما في قوله تعالى: ﴿وَّخِذُواْ مِن ◌َّقَامِ إِبْرَهَِ مُصَلٌّ﴾ الآية
[البقرة: ١٢٥]، ولمواظبته ◌َليل عليهما، وقال أحمد: صلاة الطواف سنة، وهو
الأصحّ عند الشافعيّة، حملوا الأمر في الآية على الاستحباب.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بالاستحباب هو المختار؛ لحديث:
((خمس صلوات كتبهنّ الله على عباده ... )) الحديث.
ويستحبّ أن يقرأ في الركعة الأولى: ﴿قُلٌّ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ ﴾﴾، وفي
﴾؛ لما سبق في حديث جابر الطويل: ((ثم نفذ
الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ
إلى مقام إبراهيم علّا، فقرأ: ﴿وَأَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلّى﴾ الآية [البقرة:
١٢٥]، فجعل المقام بينه وبين البيت، فكان أبي(١) يقول: ولا أعلمه ذكره إلا
عن النبيّ وَّهِ: كان يقرأ في الركعتين: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ ﴾﴾، و﴿قُلْ يَكَأَيُهَاً
اَلْكَفِرُونَ ﴾﴾، وأخرج النسائيّ بسند صحيح، عن جعفر بن محمد، عن أبيه،
عن جابر بن عبد الله رضيها: أن رسول الله وَيولما انتهى إلى مقام إبراهيم، قرأ:
﴿وَأَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلَّى﴾، فصلى ركعتين، فقرأ فاتحة الكتاب، و﴿قُلّ
يَأَيُّهَ اُلْكَفِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾، ثم عاد إلى الركن، فاستلمه، ثم
خرج إلى الصفا)).
(فَانْصَرَفَ فَأَتَّى الصَّفَا) ظاهره أنه ◌َِّ توجّه إلى الصفا عقب ركعتي
الطواف قبل أن يستلم الحجر، وأنه لم يستلمه حال الطواف، لكن ثبت في
حديث جابر ظُّه الماضي في صفة حجة النبيّ وُّلقول: ((ثم رجع إلى البيت،
فاستلم الركن، ثم خرج من الباب إلى الصفا))، وللنسائيّ من حديث ابن
عمر ◌ًا: ((أن النبيّ وَّ كان يستلم الركن اليماني، والحجر في كلّ طواف))،
ولأبي داود: ((كان رسول الله وٍَّ لا يَدَعُ أن يستلم الركن اليماني، والحجر
الأسود في كلّ طوفة)) (فَطَافَ) أي سعى (بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أي بينهما (سَبْعَةَ
أَطْوَافٍ) أي سبعة أشواط، رمل فيها بين الميلين الأخضرين (ثُمَّ لَمْ يَحِلَّ، مِنْ
(١) القائل هو جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين المعروف بالصادق. وأبوه هو
المعروف بالباقر.

٢٣٥
(٢٢) - بَابُ وُجُوبِ اللَّمِ عَلَى الْمُتَمَتِّحِ، وَأَنَّهُ إِذَا عَدِمَهُ لَزِمَهُ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٨٣)
شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ) أي بقي على إحرامه لم يحلّ له شيء من محظورات الإحرام
(حَتَّى قَضَى حَجَّهُ) أي أدّى أكثر أعمال حجه من الوقوف بعرفة، والمبيت
بمزدلفة، ورمي جمرة العقبة يوم النحر، وحلقه رأسه (وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ،
وَأَفَاضَ) أي دفع، قال الفيّوميّ: أفاض الناس من عرفات: دفعوا منها، وكلّ
دفعة إفاضة، وأفاضوا من منى إلى مكة يوم النحر: رجعوا إليها، ومنه طواف
الإفاضة، أي طواف الرجوع من منى إلى مكة. انتهى.
(فَطَافَ بِالْبَيْتِ) طواف الإفاضة (ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ) أي مُنع
منه، ومنه إتيان الحلائل (وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَّ رَسُولُ اللهِ نَّهِ مَنْ أَهْدَى) ((مَنْ)) اسم
موصول في محلّ رفع فاعل ((فَعَلَ)) مؤخّر، و((مثلَ)) مفعول مقدّم، أي فعل الذين
ساقوا الهدي من الصحابة ﴿ مثل فعله وَ ال﴿ ﴿وَسَاقَ الْهَدْيَ) عطف تفسير
لـ«أهدى)) (مِنَ النَّاسِ) بيان لمن أهدى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر ضخًّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩٨٣/٢٢ و٢٩٨٤] (١٢٢٧)، و(البخاريّ) في
((الوضوء)) (١٦٦) و((الصلاة)) (٣٩٦ و٤٩٢) و((الحج)) (١٦٩١)، و(أبو داود) في
((المناسك)) (١٨٠٥)، و(النسائيّ) في ((المناسك)) (١٥١/٥) و((الكبرى)) (٢/
٣٤٧)، و(أحمد) في («مسنده)) (١٣٩/٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٩٩/٢
و٣٢٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣٢٧/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) ٥٪
١٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعية التمتع، وقد تقدّم أن التمتع يطلق على
القران، وحديث الباب يكون دليلاً على التمتعين، فبالنسبة للنبيّ وَلات،
والصحابة الذين ساقوا الهدي معه فهو قران، وبالنسبة للذين لم يسوقوا الهدي،
فتمتّعٌ بالمعنى المعروف عند الفقهاء.

٢٣٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
٢ - (ومنها): بيان استحباب سوق الهدي من الميقات لمن تيسّر له.
٣ - (ومنها): أن من تمتع، ولم يسق الهدي، تحلّل بعد الطواف
والسعي.
٤ - (ومنها): أن قوله: ((وليقصّر)) يدلّ على أن التقصير، أو الحلق نسك
من مناسك الحجّ، وبه قال الجمهور، وقيل: إنه يستباح به المحظور، وليس
بنسك، وهو ضعيف، كما قاله النوويّ كَُّهُ .
٥ - (ومنها): استحباب طواف القدوم، واستحباب الرمل في الأشواط
الثلاثة منه، والمشي على الهِينة في البواقي.
٦ - (ومنها): استحباب استلام الحجر الأسود في أول طوافه، وكذا كلما
مرّ علیه.
٧ - (ومنها): استحباب صلاة ركعتي الطواف، عند مقام إبراهيم ظلَّا.
٨ - (ومنها): مشروعية السعي بين الصفا والمروة.
٩ - (ومنها): مشروعية طواف الإفاضة يوم النحر، وأنه يَحِلّ به للمحرم
كل شيء حرم عليه، من محظورات الإحرام، مطلقاً.
١٠ - (ومنها): وجوب الهدي لمن تمتع، فإن لم يجد صام ثلاثة أيام في
الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله.
١١ - (ومنها): أن قوله: ((ثم لم يحلّ من شيء حرُم منه حتى قضى
حجه)) يردّ قول من قال: إنه ◌ّ﴾ كان متمتّعاً بالمعنى المصطلح عليه عند
الفقهاء، وهو الإحرام بالعمرة في أشهر الحجّ، والإحلال منها، وإردافها
بأعمال الحجّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٩٨٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ
جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ
النَّبِيِّ وَ أَخْبَرَتْهُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ نَّهِ فِي تَمَثُّعِهِ بِالْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ، وَتَمَتُّعِ النَّاسِ
مَعَهُ، بِمِثْلِ الَّذِي أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ رَبُهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ).

٢٣٧
(٢٣) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ الْقَارِنَ لَا يَتَحَلَّلُ إِلَّ فِي وَقْتِ تَحَلُّلِ الْحَاجُّ الْمُفْرِدِ - حديث رقم (٢٩٨٥)
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﴿ّا، تقدّمت أيضاً قبل بابين.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (بِمِثْلِ الَّذِي أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ إلخ) قال في ((الفتح)): قد
تعقّب المهلّب قول الزهريّ: ((بمثل الذي أخبرني سالم))، فقال: يعني مثله في
الوهم؛ لأن أحاديث عائشة ◌َّا كلّها شاهدة بأنه حجّ مفرداً.
فتعقّبه الحافظ، فقال: قلت: وليس وَهَماً؛ إذ لا مانع من الجمع بين
الروايتين بمثل ما جمعنا به بين المختلف عن ابن عمر يا، بأن يكون
المراد بالإفراد في حديثها البداءة بالحجّ، وبالتمتّع بالعمرة إدخالها على
الحجّ، وهو أولى من توهيم جبل من جبال الحفظ. انتهى كلام
الحافظ كَّتُهُ(١)، وهو تعقّب وجيهٌ، فتأمله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اُلْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٢٣) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ الْقَارِنَ لَا يَتَحَلَّلُ إِلَّ فِي وَقْتِ تَحَلُّلٍ
الْحَاجِّ الْمُفْرِدِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٩٨٥] (١٢٢٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ
نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ حَقْصَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ وَِّ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا
شَأْنُّ النَّاسِ حَلُّوا، وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ قَالَ: ((إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ
هَدْبِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ))).
(١) ((الفتح)) ٦٤٥/٤.

٢٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة، الإمام الحجة الفقيه المجتهد
الشهير [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٧٨.
٣ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر العدويّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةُ ثبتٌ فقيه
مشهور [٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب، تقدّم في الباب الماضي.
٥ - (حَفْصَةُ) بنت عمر بن الخطّاب أم المؤمنين ﴿ها، تزوّجها النبيّ وَّهـ
بعد خُنيس بن حُذافة سنة ثلاث من الهجرة، وماتت سنة (٤٥) (ع) تقدم في
((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٥/ ١٦٧٦.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ◌َّتُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو
داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل
المدينة .
٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّة، هي أخته.
شرح الحديث:
:(أَنَّ حَفْصَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ◌ِ قَالَتْ:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطاب ◌َ﴾
يَا رَسُولَ اللهِ).
[تنبيه]: ظاهر هذه الرواية أن هذا الحديث من مسند ابن عمر، لا من
مسند حفصة ها؛ لأنه قال: ((أنّ حفصة إلخ))، ولم يقل: ((عن حفصة))، لكن
تبيّن في الرواية الآتية بأن ابن عمر رواه عنها، وأصرح رواية هي رواية ابن
.((
جريج الأخيرة، ففيها: ((عن ابن عمر قال: حدّثتني حفصة
هذا على قول من يرى الفرق بين ((أنّ) و((عَنْ))، فَيَحْمِل ((أنّ)) على الانقطاع،
و((عن)) على الاتصال، وأما على قول من يجعلهما للاتّصال، فالأمر واضح.

٢٣٩
(٢٣) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ الْقَارِنَ لَا يَتَخَلَّلُ إِلَّ فِي وَقْتِ تَحَلُّلِ الْحَاجِّ الْمُفْرِدِ - حديث رقم (٢٩٨٥)
وحاصل الخلاف في المسألة هو ما قاله النوويّ كَّلُهُ في ((التقريب)): إذا
قال الراوي: حدّثنا الزهريّ أن ابن المسيِّب حدّثه بكذا، فقال أحمد بن حنبل
وجماعة: لا تلتحق ((أنّ)) بـ((عَنْ)) في الاتّصال، بل يكون منقطعاً حتى يتبيّن
السماع في ذلك الخبر بعينه من جهة أخرى، وقال الجمهور: ((أنّ)) كـ(عَنْ))،
ومطلقه محمول على السماع بشرط البراءة عن التدليس، وبشرط اللقاء والسماع
عند من يشترطه. انتهى باختصار(١).
وإلى هذا أشار السيوطيّ دَّثُ في ((ألفيّة الحديث)) حيث قال:
بِوَصْلِهِ إِنِ اللِّقَاءُ يُعْلَم
وَمَنْ رَوَى بـ«عَنْ)) و((أَنَّ) فَاحْكُم
وَقِيلَ ((أَنَّ) اقْطَعْ وَأَمَّا ((عَنْ)) صِلَاَ
وَلَمْ يَكُنْ مُدَلِّساً وَقِيلَ لَاَ
(مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلَّوا) زاد في رواية النسائيّ: ((بعمرة))، أي بجعل نسكهم
عمرة بأمره له لهم بذلك، كما سبق بيانه.
وحكى الحافظ أبو عمر تَخُّْ عن ابن وهب أنه رواه عن مالك بهذه
الزيادة، وأنه رواه بدونها القعنبيّ، ويحيى بن بكير، وأبو مصعب، وعبد الله
ابن يوسف، ويحيى بن يحيى، وغيرهم.
قال: والمعنى واحد عند أهل العلم، قال: ولم يختلف الرواة عن مالك
في قوله: ((ولم تحلّ أنت من عمرتك))، قال: وزعم بعض الناس أنه لم يقل
أحدٌ في هذا الحديث عن نافع: ((ولم تحلّ أنت من عمرتك)) إلا مالك وحده.
قال: وقد رواها غير مالك: عبيد الله بن عمر، وأيوب السختيانيّ،
وهؤلاء هم حفّاظ أصحاب نافع، والحجة فيه على من خالفهم.
ورواه ابن جريج، عن نافع، فلم يقل: ((من عمرتك»، وزيادة مالك
مقبولة؛ لحفظه، وإتقانه، لو انفرد بها، فكيف وقد تابعه من ذكرنا .
قال: وما أعلم أحداً في قديم الدهر، ولا حديثه ردّ حديث حفصة هذا
بأن مالكاً انفرد بقوله: ((من عمرتك)) إلا هذا الرجل. انتهى كلام ابن عبد البرّ
بمعناه .
قال الحافظ وليّ الدين: وذكر بعضهم أن هذا الذي أشار إليه ابن عبد البرّ
(١) ((تقريب النواوي مع شرحه تدريب الراوي)) ١/ ٢١٧.

٢٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
هو الأصيليّ، ورواية عبيد الله بن عمر هذه رواها مسلم، وابن ماجه، وفيها :
((من عمرتك))، ورواها البخاريّ بدون قولها: ((من عمرتك))، ولفظ الشيخين
فيها: ((فلا أحلّ حتى أحلّ من الحجّ))، وفي لفظ لمسلم: ((حتى أنحر))، كرواية
مالك، وكذا في رواية ابن ماجه.
وروايةُ ابن جريج أخرجها مسلم، وأخرج البخاريّ مثلها من طريق
موسى بن عقبة، عن نافع. وذكر البيهقيّ رواية موسى بن عقبة، ثم قال:
وكذلك رواه شعيب بن أبي حمزة، عن نافع، لم يذكر فيه العمرة، والله أعلم.
وفيه إشارة إلى الاختلاف في ذكر هذه اللفظة، ففيه ميلٌ لما تقدّم عن
الأصيليّ، وفي رواية مسلم عن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن نافع، عن
عبد الله بن عمر أن حفصة قالت ... فجعله من مسند ابن عمر، وكذا في
((صحيح مسلم)) من طريق عبيد الله بن عمر، وفي حديث الباقين عن ابن عمر،
عن حفصة، وفي رواية موسى بن عقبة، وابن جريج حدثتني حفصة. انتهى
کلام وليّ الدين(١).
وقال في ((الفتح)): ولم يقع في رواية مسلم قوله: ((بعمرة))، وذكر ابن
عبد البرّ أن أصحاب مالك ذكرها بعضهم، وحذفها بعضهم.
واستُشكل كيف حلّوا بعمرة مع قولها: ((ولم تحلّ من عمرتك))؟.
والجواب أن المراد بقولها: ((بعمرة)) أي إن إحرامهم بعمرة كان سبباً
لسرعة حلّهم. انتهى(٢).
وقال وليّ الدين: [إن قلت]: ما معنى قوله: ((بعمرة))، وكيف يلتئم هذا
مع قوله بعده: ((من عمرتك))، كيف يحلّ بعمرة، ويحلّ منها؟.
[قلت]: الصحابة ﴿ حلّوا بعمرة، فإنهم فسخوا الحجّ إليها، فأتوا
بأعمالها، وتحلّلوا منها، ولولا ذلك لاستمرّوا على الإحرام، حتى يأتوا بأعمال
الحجّ، فكان إحرامهم بعمرة سبباً لسرعة حلّهم، وأما هو رَّ، فإنه أدخل
العمرة على الحجّ، فلم يُفده الإحرام بالعمرة سرعةَ الإحلال؛ لبقائه على الحجّ،
فشارك الصحابة في الإحرام بالعمرة، وفارقهم ببقائه على الحجّ، وفسخهم له.
(١) ((طرح التثريب)) ٣٦/٥، ٣٧.
(٢) ((الفتح)) ٢١٤/٤.