Indexed OCR Text
Pages 121-140
(١٨) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رهـ الطويل ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠) ١٢١ عند الصخرات، فإن عجز فليقرب منه بحسب الإمكان، قاله النوويّ دَّلُ. ٥٠ - (ومنها): استحباب استقبال الكعبة في الوقوف. ٥١ - (ومنها): أنه ينبغي أن يبقى في الوقوف حتى تغرب الشمس، ويتحقق كمال غروبها، ثم يفيض إلى مزدلفة، فلو أفاض قبل غروب الشمس صحّ وقوفه وحجه، ولكنه أساء. ٥٢ - (ومنها): جواز الإرداف إذا كانت الدابّة مطيقةً، وقد تظاهرت به الأحاديث الصحيحة. ٥٣ - (ومنها): استحباب لزوم السكينة والوقار في الدفع من عرفات، فإذا وجد فرجة يسرع، كما ثبت في الحديث الآخر. ٥٤ - (ومنها): بيان أن السنة للدافع من عرفات أن يؤخر المغرب إلى وقت العشاء، ويكون هذا التأخير بنيّة الجمع، ثم يجمع بينهما في المزدلفة في وقت العشاء، وقد تقدّم أن الراجح أن الجمع بسبب النسك، كما قال به طائفة من العلماء. قال النوويّ تَخْلَثُ: ولو جمع بينهما في وقت المغرب في أرض عرفات، أو في الطريق، أو في موضع آخر، وصلى كل واحدة في وقتها جاز جميع ذلك، لكنه خلاف الأفضل، هذا مذهبنا، وبه قال جماعات من الصحابة والتابعين، وقاله الأوزاعيّ، وأبو يوسف، وأشهب، وفقهاء أصحاب الحديث. وقال أبو حنيفة وغيره من الكوفيين: يشترط أن يصليهما بالمزدلفة، ولا يجوز قبلها، وقال مالك: لا يجوز أن يصليهما قبل المزدلفة إلا من به أو بدابته عذر، فله أن يصليهما قبل المزدلفة بشرط كونه بعد مغيب الشفق. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد سبق أن قول من قال: لا يصلي قبل المزدلفة هو الحقّ؛ لقوله وَله: ((الصلاة أمامك))، فلا يجوز تقديمها قبل مكانها المحدّد شرعاً، فتبصّر. ٥٥ - (ومنها): بيان أنه يصلي الصلاتين في وقت الثانية بأذان للأولى، وإقامتين لكل واحدة منهما، وهذا هو الصحيح عند المحقّقين، وقال مالك: يؤذن ويقيم للأولى، ويؤذن ويقيم أيضاً للثانية، وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: أذان واحد وإقامة واحدة، والقول الأول هو الحقّ، لهذا الحديث. ١٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج ٥٦ - (ومنها): بيان أنه يوالي بين الصلاتين المجموعتين، ولا خلاف في هذا، لكن اختلفوا هل هو شرط للجمع أم لا؟ والصحيح عند الشافعيّة أنه ليس بشرط، بل هو سنة مستحبة، وقال بعضهم: هو شرط، أما إذا جمع بينهما في وقت الأولى فالموالاة شرط بلا خلاف، قاله النوويّ. ٥٧ - (ومنها): بيان أن المبيت بمزدلفة ليلة النحر بعد الدفع من عرفات نُسك، قال النوويّ: وهذا مجمع عليه، لكن اختلف العلماء هل هو واجب، أم ركن، أم سنة؟ والصحيح من قولي الشافعيّ أنه واجب، لو تركه أثم، وصحّ حجه، ولزمه دم، والثاني أنه سنةٌ، لا إثم في تركه، ولا يجب فيه دم، ولكن يستحبّ، وقال جماعة من أصحابنا: هو ركن لا يصح الحج إلا به، كالوقوف بعرفات، قاله من أصحابنا: ابن بنت الشافعيّ، وأبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، وقاله خمسة من أئمة التابعين، وهم: علقمة، والأسود، والشعبيّ، والنخعيّ، والحسن البصريّ. انتهى. تقدّم أن الأرجح أن المبيت في المزدلفة سنة، وأما صلاة الصبح، والوقوف بالمشعر الحرام، فواجب إلا لأصحاب الأعذار كالمريض، والعجزة؛ لحديث عروة بن مُضرّس ◌َظُهُ الماضي، ولقوله تُعَالَ: ﴿فَاذْكُرُواْ اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَاءِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، والأمر للوجوب، فتبصّر، والله تعالى أعلم. ٥٨ - (ومنها): أن السنة أن يبقى بالمزدلفة حتى يصلي بها الصبح إلا الضعفة، فالسنة لهم الدفع قبل الفجر، كما سيأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى -. ٥٩ - (ومنها): أن السنة أن يبالغ بتقديم صلاة الصبح في هذا الموضع، ويتأكد التبكير بها، في هذا اليوم أكثر من تأكده في سائر السنة؛ للاقتداء برسول الله ﴿﴿، ولأن وظائف هذا اليوم كثيرة، فيسنّ المبالغة بالتبكير بالصبح؛ ليتسع الوقت للوظائف. ٦٠ - (ومنها): بيان أنه يسنّ الأذان والإقامة لصلاة الصبح في المزدلفة، وكذلك غيرها من صلوات المسافر، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالأذان لرسول الله وَّ في السفر كما في الحضر. ١٢٣ (١٨) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﴿هَّ الطَّوِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠) ٦١ - (ومنها): بيان أن الركوب أفضل من المشي في الإتيان إلى المشعر الحرام. ٦٢ - (ومنها): بيان أن الوقوف على قُزَح من مناسك الحج، قال النوويّ كَّلُهُ: وهذا لا خلاف فيه، لكن اختلفوا في وقت الدفع منه، فقال ابن مسعود، وابن عمر، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وجماهير العلماء: لا يزال واقفاً فيه، يدعو، ويذكر الله، حتى يُسْفِرَ الصبح جِدّاً، كما في هذا الحديث، وقال مالك: يدفع منه قبل الإسفار، والحديث يردّ عليه. ٦٣ - (ومنها): أن فيه الحثّ على غَضّ البصر عن الأجنبيّات، وغضّهنّ عن الرجال الأجانب، وهذا معنى قوله: ((وكان أبيض وسيماً حسن الشعر))، يعني أنه بصفة مَن تُفْتَتن النساء به؛ لحسنه، وفي رواية الترمذيّ وغيره في هذا الحديث: أن النبيّ وَلّ لَوَى عنق الفضل، فقال له العباس: لويت عنق ابن عمك؟ قال: ((رأيت شابّاً وشابّةً، فلم آمن الشيطان عليهما))، فهذا يدلّ على أن وضعه وي يده على وجه الفضل كان لدفع الفتنة عنه وعنها . ٦٤ - (ومنها): بيان أن من رأى منكراً، وأمكنه إزالته بيده لزمه إزالته، فإن قال بلسانه، ولم ينكفّ المقول له، وأمكنه بيده أَثِمَ ما دام مقتصراً على اللسان، فقد تقدّم للمصنّف حديث أبي سعيد الخدريّ رَظُبه مرفوعاً: ((من رأى منكم منكراً، فليُغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع، فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)). ٦٥ - (ومنها): بيان أن تحريك الراحلة حتى تُسرع في وادي محسّر سنّة من سُنَن السير في ذلك الموضع. ٦٦ - (ومنها): أن في قوله: ((ثم سلك الطريق الوسطى)) بيان أن سلوك هذا الطريق في الرجوع من عرفات سنّة، وهو غير الطريق الذي ذهب فيه إلى عرفات. ٦٧ - (ومنها): بيان أن السنّة للحاجّ إذا دفع من مزدلفة، فوصل منى أن يبدأ بجمرة العقبة، ولا يفعل شيئاً قبل رميها، ويكون ذلك قبل نزوله. ٦٨ - (ومنها): بيان أن الرمي بسبع حصيات، وأن قدرهنّ بقدر حصى الْخَذْف، وهو نحو حبة الباقلاء. ١٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج ٦٩ - (ومنها): بيان أنه يسن التكبير مع كل حصاة. ٧٠ - (ومنها): بيان أنه يجب التفريق بين الحصيات، فيرميهنّ واحدةً واحدةً، كما فعل النبيّ وَّهِ، فإن رمى السبعة رَمْيَةً واحدةً حُسِب ذلك كله حصاة واحدة على الصحيح من أقوال العلماء. ٧١ - (ومنها): بيان أن السنة أن يقف للرمي في بطن الوادي، بحيث تكون منى وعرفات والمزدلفة عن يمينه، ومكة عن يساره، وهذا هو الصحيح الذي جاءت به الأحاديث الصحيحة، وقيل: يقف مستقبل الكعبة، والأول هو الحقّ. ٧٢ - (ومنها): بيان أن الرمي المشروع يوم النحر هو رمي جمرة العقبة لا غير بإجماع المسلمين، وهو نُسك بإجماعهم. ٧٣ - (ومنها): بيان استحباب تكثير الهدي، وكان هدي النبيّ وَّ في تلك السنة مائة بدنة. ٧٤ - (ومنها): بيان استحباب ذبح المهدي هديه بنفسه، وجواز الاستنابة فيه، قال النوويّ كَّلهُ: وذلك جائز بالإجماع. ٧٥ _ (ومنها): بيان استحباب تعجيل ذبح الهدايا، وإن كانت كثيرة في يوم النحر، ولا يؤخر بعضها إلى أيام التشريق. ٧٦ - (ومنها): بيان استحباب الأكل من هدي التطوع، وأضحيته. ٧٧ - (ومنها): بيان استحباب الركوب في الذهاب من منى إلى مكة، ومن مكة إلى منى، ونحو ذلك من مناسك الحجّ. ٧٨ - (ومنها): بيان فضيلة العمل في هذا الاستقاء، واستحباب شرب ماء زمزم، وفيه بقاء هذه التكرمة لبني العبّاس، كبقاء الحجابة لبني شيبة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في ذكر بعض النصائح للحجاج، مما ذكره الشيخ الألبانيّ تَظُّهُ في ((حجة الوداع)): ١ - (فمنها): أن كثيراً من الحجاج إذا أحرموا بالحج لا يشعرون أنهم تلبّسوا بعبادة تَفْرِض عليهم الابتعاد عما حرّم الله تعالى من المحرّمات عليهم خاصّة، وعلى كل مسلم عامّة، وكذا تراهم يحجون، ويفرغون منه، ولم يتغير ١٢٥ (١٨) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ◌َّ الطَّوِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠) شيء من سلوكهم المنحرف قبل الحج، وذلك دليل عملي منهم على أن حجهم ليس كاملاً، إن لم نَقُلْ: ليس مقبولاً، ولذلك فإن على كل حاج أن يتذكر هذا، وأن يحرص جهد طاقته أن لا يقع فيما حرّم الله عليه من الفسق والمعاصي، فإن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَضَ فِيهِنَ اَّْ فَلَ رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِ الْحَجُّ﴾ الآية [البقرة: ١٩٧]، وقال رسول الله وَله: ((من حج، فلم يرفُث، ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه))، متّفق عليه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية تَّتُهُ: وليس في المحظورات ما يفسد الحج إلا جنس الرفث فلهذا ميّز بينه وبين الفسوق، وأما سائر المحظورات، كاللباس، والطيب، فإنه وإن كان يأثم بها فلا تُفْسِد الحج عند أحد من الأئمة المشهورين، وهو يشير في آخر كلامه إلى أن هناك من العلماء من يقول بفساد الحج بأي معصية يرتكبها الحاجّ، فمن هؤلاء الإمام ابن حزم رَّتُهُ، فإنه يقول: (وكلّ من تعمّد معصية أيّ معصية كانت، وهو ذاكر لحجه مذ أن يتم طوافه بالبيت للإفاضة، ويرمي الجمرة فقد بطل حجه ... ). واحتج بالآية السابقة، فراجعه في كتابه (المحلى) (١٨٦/٧) فإنه مهمّ. ومما سبق يتبيّن أن المعصية من الحاجّ إما أن تُفسد عليه حجه على قول ابن حزم، وإما أن يأثم بها، ولكن هذا الإثم ليس كما لو صدر من غير الحاجّ، بل هو أخطر بكثير، فإن من آثاره أن لا يرجع من ذنوبه كما ولدته أمه كما صرح بذلك الحديث المتقدم. فبذلك يكون كما لو خَسِرَ حجته؛ لأنه لم يحصل على الثمرة منها، وهي مغفرة الله تعالى، فالله المستعان. قال: وإذا تبيّن هذا، فلا بدّ لي من أن أحذّر من بعض المعاصي التي يكثر ابتلاء الناس بها، ويُحرمون بالحج، ولا يشعرون بأن عليهم الإقلاع عنها، وذلك لجهلهم، وغلبة الغفلة عليهم، وتقليدهم لآبائهم. ٢ - (فمنها): الشرك بالله ريك، فإن من أكبر المصائب التي أصيب بها بعض المسلمين جهلهم بحقيقة الشرك الذي هو من أكبر الكبائر، ومن صفته أنه يُحبط الأعمال، قال الله تعالى: ﴿لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، فقد ١٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج رأينا كثيراً من الحجاج يقعون في الشرك، وهم في بيت الله الحرام، وفي مسجد النبيّ ◌َ و يتركون دعاء الله، والاستغاثة به إلى الاستعانة بالأنبياء وبالصالحين، ويحلفون بهم، ويدعونهم من دون الله رَّت، والله رَّ يقول: ﴿إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُواْ دُعَءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا أُسْتَجَابُوْ لَكُمْ وَيَوْمَ اُلْقِيَمَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾﴾ [فاطر: ١٤]، والآيات في هذا المعنى كثيرة جدّاً، وفي هذه كفاية لمن فتح قلبه للهداية؛ إذ ليس الغرض الآن البحث العلمي في هذه المسألة، وإنما هو التذكير فقط. قال: فليت شعري ماذا يستفيد هؤلاء من حجهم إلى بيت الله الحرام إذا كانوا يصرّون على مثل هذا الشرك، ويغيّرون اسمه فيسمونه توسلاً وتشفعاً وواسطةً، أليست هذه الواسطة هي التي ادّعاها المشركون من قبل يبررون بها شركهم، وعبادتهم لغيره تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ أَّخَذُواْ مِنْ دُونِ: أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَ إِلَى اللَّهِ زُلْفَ﴾ [الزمر: ٣]. فيا أيها الحاج قبل أن تعزم على الحج يجب عليك وجوباً عينياً أن تبادر إلى معرفة التوحيد الخالص، وما ينافيه من الشرك، وذلك بدراسة كتاب الله وسنّة نبيه وَ ﴿، فإن من تمسك بهما نجا، ومن حاد عنهما ضلّ، والله المستعان . ٣ - (ومنها): التزين بحلق اللحية، وهذه المعصية من أكثر المعاصي شيوعاً بين المسلمين في هذا العصر بسبب استيلاء الكفار على أكثر بلادهم، ونقلهم هذه المعصية إليها، وتقليد المسلمين لهم فيها، مع نهيه وَّ﴿ إياهم عن ذلك صراحة في قوله : ((خالفوا المشركين، احفوا الشوارب، وأوفوا اللحى))، متّفقٌ عليه، وفي حديث آخر: ((وخالفوا أهل الكتاب))، وفي هذه القبيحة عدة مخالفات : الأولى: مخالفة أمره صدر الصريح بالإعفاء. الثانية: التشبه بالكفار. الثالثة: تغيير خلق الله الذي فيه طاعة الشيطان في قوله - كما حكى الله تعالى ذلك عنه -: ﴿وَلَّمُهَهُمْ فَلَيُغَيُِّنَ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩]. الرابعة: التشبه بالنساء، وقد لعن رسول الله وَيه من فعل ذلك. ١٢٧ (١٨) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ◌ِ﴿ّ الطَّوِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠) قال: وإن من المشاهدات التي يراها الحريص على دينه أن جماهير من الحجاج يكونون قد وفّروا لحاهم بسبب إحرامهم، فإذا تحللوا منه، فبدل أن يحلقوا رؤوسهم كما ندب إليه رسول الله وير حلقوا لحاهم التي أمرهم صَلىالله وَسِم بإعفائها، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ٤ - (ومنها): تختم الرجال بالذهب، قال: لقد رأينا كثيراً من الحجاج قد تزينوا بخاتم الذهب، ولدى البحث معهم في ذلك تبيّن أنهم على ثلاثة أنواع: بعضهم لا يعلم تحريمه، ولذلك كان يسارع إلى نزعه بعد أن نذكر له شيئاً من النصوص المحرِّمة، كحديث: ((نهى وَّ عن خاتم الذهب))، مُتّفقٌ عليه، وقوله وَلجر: ((يعمد أحدكم إلى جمرة من نار، فيجعلها في يده؟))، رواه مسلم . وبعضهم على علم بالتحريم، ولكنه متبع لهواه، فهذا لا حيلة لنا فيه إلا أن يهديه الله . وبعضهم يعترف بالتحريم، ولكن يعتذر هو - كما يقال: عذر أقبح من ذنب - فيقول: إنه خاتم الخطبة، ولا يدري المسكين أنه بذلك يجمع بين معصيتين: مخالفة نهيه وق الصريح كما تقدم، وتشبهه بالكفار؛ لأن خاتم الخطبة لم يكن معروفاً عند المسلمين إلى ما قبل هذا العصر، ثم سرت هذه العادة إليهم من تقاليد النصارى(١). ٥ - (ومنها): التحذير من أن يدع الحاجّ البيات في منى ليلة عرفة، وكذا البيات في المزدلفة ليلة النحر، فذلك من هدي نبيك وَلّر، لا سيما في البيات في المزدلفة حتى الصبح، فهو ركن من أركان الحجّ على الراجح من أقوال (١) ذكر الشيخ الألبانيّ كثُّ هنا مسألة فسخ الحج بعمل العمرة، لكني تركتها؛ لأنه تقدّم لي البحث عنها في المسألة الرابعة من مسائل حديث جابر كَذُّ الماضي برقم (٢٩٤٣/١٧)، والشيخ رأيه إيجاب الفسخ، وكنت رجّحت هذا في ((شرح النسائيّ))، ثم ظهر لي هنا ترجيح الاستحباب، كما مذهب الإمام أحمد، وطائفة، وهو رأي شيخ الإسلام ابن تيميّة، فتنبّه. ١٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج أهل العلم، ولا تغتر بما يزخرف لك من القول بعض من يسمون بـ((المطوفين))، فإنهم لا هَمّ لهم إلا قبض الفلوس، وتقليل العمل الذي أخذوا عليه الأجر كافياً وافياً على أدائه بتمامه، وسواء عليهم بعد ذلك أتمّ حجك أم نقص؟ اتبعت سنة نبيك أم خالفت؟ ٦ - (ومنها): الحذر من أن تمر بين يدي أحد من المصلين في المسجد الحرام، وفي غيره من المساجد؛ لقوله وَله: «لو يعلم المارّ بين يدي المصلي ماذا عليه، لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه))، قال الراوي: لا أدري قال: أربعين يوماً أو شهراً أو سنة، متّفق عليه. قال: وكما لا يجوز لك هذا، فلا يجوز لك أيضاً أن تصلي إلى غير سترة، بل عليك أن تصلي إلى أيّ شيء يمنع الناس من المرور بين يديك، فإن أراد أحد أن يجتاز بينك وبين سترتك فعليك أن تمنعه، وفي ذلك أحاديث وآثار أذكر بعضها : ١ - منها: حديث: ((إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرجل فليصلّ، ولا يبالي من مر من وراء ذلك))، متّفقٌ عليه. ٢ - وحديث: ((إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفع في نحره، وليدرأ ما استطاع، فإن أبى فليقاتل، فإنما هو شيطان))، متفقٌ عليه. ٣ - قال يحيى بن كثير: ((رأيت أنس بن مالك دخل المسجد الحرام، فركز شيئاً أو هيأ شيئاً يصلي إليه))، رواه ابن سعد في ((الطبقات)) (١٨/٧) بسند صحيح. ٤ - عن صالح بن كيسان قال: ((رأيت ابن عمر يصلي في الكعبة، ولا يَدَع أحداً يمر بين يديه))، رواه أبو زرعة الرازيّ في ((تاريخ دمشق)) (١/٩١) (٢)، وكذا ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢/١٠٦/٨) بسند صحيح. قال: ففي الحديث الأول إيجاب اتخاذ السترة، وأنه إذا فعل ذلك فلا يضره من مر وراءها . وفي الحديث الثاني: إيجاب دفع المارّ بين يدي المصلي إذا كان يصلي إلى السترة، وتحريم المرور عمداً، وأن فاعل ذلك شيطان. ١٢٩ (١٨) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﴿ه الطَِّيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠) قال: وليت شعري ما هو الكسب الذي يعود به الحاج إذا رجع، وقد استحقّ هذا الاسم (الشيطان)؟ والحديثان، وما في معناهما مطلقان، لا يختصان بمسجد دون مسجد، ولا بمكان دون مكان، فهما يشملان المسجد الحرام، والمسجد النبويّ من باب أولى؛ لأن هذه الأحاديث إنما قالها 8 في مسجده، فهو المراد بها أصالةً، والمساجد الأخرى تبعاً. والأثران المذكوران نصّان صريحان على أن المسجد الحرام داخل في تلك الأحاديث، فما يقال من بعض المطوفين وغيرهم: إن المسجد المكيّ والمسجد النبويّ مستثنيان من النهي لا أصل له في السنة، ولا عن أحد من الصحابة، اللهم سوی حدیث واحد، رُوي في المسجد المكيّ لا يصح إسناده، ولا دلالة فيه على الدعوى، كما سيأتي بيانه في بيان بدع الحج - إن شاء الله تعالى. ٧ - (ومنها): أن على أهل العلم والفضل أن يغتنموا فرصة التقائهم بالحجاج في المسجد الحرام وغيره من المواطن المقدسة، فيعلّموهم ما يلزم من مناسك الحج، وأحكامه على وفق الكتاب والسنّة، وأن لا يشغلهم ذلك عن الدعوة إلى أصل الإسلام الذي من أجله بعثت الرسل، وأنزلت الكتب، ألا وهو التوحيد، فإن أكثر من لقيناهم حتى ممن ينتمي إلى العلم وجدناهم في جهل بالغ بحقيقة التوحيد، وما ينافيه من الشركيات والوثنيات، كما أنهم في غفلة تامة عن ضرورة رجوع المسلمين على اختلاف مذاهبهم، وكثرة أحزابهم إلى العمل الثابت في الكتاب والسنة في العقائد والأحكام والمعاملات والأخلاق والسياسة والاقتصاد وغير ذلك من شؤون الحياة، وأن أيّ صوت يرتفع، وأيّ إصلاح يُزْعَم على غير هذا الأصل القويم، والصراط المستقيم، فسوف لا يجني المسلمون منه إلا ذُلّاً وضُعفاً، والواقع أكبر شاهد على ذلك، والله المستعان. وقد تتطلب الدعوة إلى ما سبق شيئاً قليلاً أو كثيراً من الجدال بالتي هي أحسن، كما قال الله رَك: ﴿اَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَّةِ وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾ [النحل: ١٢٥]، فلا يصدنّك عن ذلك معارضة الجهلة ١٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج بقوله تعالى: ﴿فَلَ رَفَثَ وَلَا فُوقََ وَلَا جِدَالَ فِىِ الْحَجْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فإن الجدال المنهيّ عنه في الحج هو كالفسق المنهيّ عنه في غير الحج أيضاً، وهو الجدال بالباطل، وهو غير الجدال المأمور به في آية الدعوة، قال ابن حزم تَخْتُ (١٩٦/٧) : والجدال قسمان: قسم في واجب وحقّ، وقسم في باطل، فالذي في الحقّ واجب في الإحرام وغير الإحرام، قال تعالى: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٢٥]، ومن جادل في طلب حقّ له، فقد دعا إلى سبيل ربه تعالى، وسعى في إظهار الحقّ والمنع من الباطل، وهكذا كل من جادل في حقّ لغيره، أو الله تعالى، والجدال بالباطل، وفي الباطل عمداً ذاكراً لإحرامه مبطل للإحرام وللحج؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَ رَفَثَ وَلَا فُوقَ وَلَا جِدَالَ فِىِ الْحَجْ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وهذا كله على أن (الجدال) في الآية بمعنى المخاصمة والملاحاة، حتى تغضب صاحبك. وقد ذهب إلى هذا المعنى جماعة من السلف، وعزاه ابن قدامة في ((المغني)) (٢٩٦/٣) إلى الجمهور، ورجحه. وهناك في تفسيره قول آخر: وهو المجادلة في وقت الحج، ومناسكه، واختاره ابن جرير، ثم ابن تيمية في ((مجموعة الرسائل الكبرى)) (٣٦١/٢)، وعلى هذا فالآية غير واردة فيما نحن فيه أصلاً، والله أعلم. ومع ذلك فإنه ينبغي أن يلاحظ الداعية أنه إذا تبيّن له أنه لا جدوى من المجادلة مع المخالفة له لتعصبه لرأيه، وأنه إذا صابره على الجدل فلربما ترتّب عليه ما لا يجوز، فمن الخير له حينئذ أن يدع الجدال معه؛ لقوله وله: ((أنا زعيم ببيت في رَبَض الجنة لمن ترك المراء، وإن كان مُحِقّاً))، رواه أبو داود بسند حسن، عن أبي أمامة ربه، وللترمذي نحوه من حديث أنس . وحسّنه، وفّقنا الله والمسلمين لمعرفة سنّة نبيه مَّ، واتّباع هديه. (المسألة الخامسة): في بيان أمور يتحرّج منها بعض الحجاج، وهي جائزة : (اعلم): أن الشيخ الألبانيّ تَخْتُ ذكر في ((حجة النبيّ ◌َّ)) أموراً لا حرج على من فعلها من الحجّاج، أحببت إيرادها هنا؛ تتميماً للفائدة، ونشراً للعائدة : ١٣١ (١٨) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﴿هَّ الطَّوِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠) ١٠ - (فمنها): الاغتسال لغير احتلام ودلك الرأس ففي ((الصحيحين، وغيرهما عن عبد الله بن حُنين، أن أبا أيوب الأنصاريّ ◌َّه أراه كيف كان النبيّ ◌َّ، يغتسل، وهو محرم، وقد تقدّم الحديث هنا برقم (٢٨٨٩/١٣). وروى البيهقي بسند صحيح عن ابن عباس قال: ربما قال لي عمر بن الخطاب رُه: تعال أباقيك في الماء، أيّنا أطول نفساً، ونحن محرمون. وعن عبد الله بن عمر: أن عاصم بن عمر، وعبد الرحمن بن زيد وقعا في البحر يتمالقان - يتغاطسان - يغيّب أحدهما رأس صاحبه، وعمر ينظر إليهما، فلم ينكر ذلك عليهما . ٢ - (ومنها): حكّ الرأس، ولو سقط بعض الشعر، وحديث أبي أيوب المتقدّم آنفاً دليل عليه. وروى مالك في ((الموطأ)) (٩٢/٣٥٨/١) عن أم علقمة بن أبي علقمة أنها قالت: سمعت عائشة زوج النبيّ وَل ◌ّ تُسأل عن المحرم: أيحك جسده؟ فقالت: نعم فليحكه وليشدد، ولو ربطت يداي ولم أجد إلا رجلي لحككت، قال: وسنده حسنٌ في الشواهد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية كَثْتُ في (المجموعة الكبرى) (٣٦٨/٢): وله أن يحك بدنه إذا حكه، وكذلك إذا اغتسل وسقط شيء من شعره بذلك لم يضره. ٣ - (ومنها): الاحتجام، ولو بحلق الشعر مكان الحجم؛ لحديث ابن بحينة رظُه قال: ((احتجم النبيّ ◌َّر، وهو محرم، بلحي جمل)) - موضع بطريق مكة - ((في وسط رأسه))، مُتَّفقٌ عليه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (مناسكه) (٣٣٨/٢): وله أن يحك بدنه إذا حكه، ويحتجم في رأسه، وغير رأسه، وإن احتاج أن يحلق شعراً لذلك جاز، فإنه قد ثبت في ((الصحيح))، ثم ساق هذا الحديث، ثم قال: ولا يمكن ذلك إلا مع حلق بعض الشعر، وكذلك إذا اغتسل، وسقط شيء من شعره بذلك لم يضرّه، وإن تيقن أنه انقطع بالغسل، وهذا مذهب الحنابلة كما في ((المغني)) (٣٠٦/٣) ولكنه قال: (وعليه الفدية)، وبه قال مالك وغيره، وردّه ابن حزم في ((المحلّى)) (٢٥٧/٧) بقوله عقب هذا الحديث: لم يخبر ◌ّ أن ١٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج في ذلك غرامة ولا فدية، ولو وجبت لما أغفل ذلك، وكانظلّ كثير الشعر أفرع(١)، وإنما نُهينا عن حلق الرأس في الإحرام. ٤ - (ومنها): شم الريحان، وطرح الظفر إذا انكسر، قال ابن عباس رضيها: المحرم يدخل الحمام، وينزع ضِرسه، ويشم الريحان، وإذا انكسر ظفره طرحه، ويقول: أميطوا عنكم الأذى، فإن الله ◌َ لا يصنع بأذاكم شيئاً، رواه البيهقيّ في ((السنن الكبرى)) (٦٢/٥ - ٦٣) بسند صحيح، وإلى هذا ذهب ابن حزم في ((المحلّى)) (٢٤٦/٧)، وروى مالك، عن محمد بن عبد الله بن أبي مريم أنه سأل سعيد بن المسيب عن ظفر له انكسر، وهو محرم؟ فقال سعيد: اقطعه . ٥ - (ومنها): الاستظلال بالخيمة أو المظلة (الشمسية) وفي السيارة، ورفع سقفها من بعض الطوائف تشدد، وتنطع في الدين، ولم يأذن به رب العالمين، فقد صح أن النبيّ وَ ﴿ أمر بنصب القبة له بنمرة، ثم نزل بها، كما تقدّم في حديث الباب. وعن أم الحصين ثنا قالت: حججت مع رسول الله وَليل حجة الوداع، فرأيت أسامة وبلالاً، وأحدهما آخذ بخطام ناقته، والآخر رافع ثوبه يستره من الحرّ، حتى رمى جمرة العقبة. وأما ما روى البيهقيّ عن نافع قال: أبصر ابنُ عمر طُّ رجلاً على بعيره، وهو محرم قد استظَلَّ بينه وبين الشمس، فقال له: ضحِّ لمن أحرمت له، وفي رواية من طريق أخرى أنه رأى عبد الله بن أبي ربيعة جَعَلَ على وسط راحلته عوداً، وجعل ثوباً يستظلّ به من الشمس، وهو محرم، فلقيه ابن عمر، فنهاه . فلعل ابن عمر رضيّها لم يبلغه حديث أم الحصين المذكور، وإلا فما أنكره هو عين ما فعله رسول الله وَّه، ولذلك قال البيهقي: هذا موقوف، وحديث أم الحصين صحيح، يعني فهو أولى بالأخذ به، وترجم له بقوله : (١) ((الأفرع)): التامّ الشعر. ١٣٣ (١٨) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ◌ِ﴿هُ الطَّوِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠) (باب المحرم يستظلّ بما شاء ما لم يمس رأسه))(١). ٦ - (ومنها): أن له أن يشُدّ الْمِنْطَقة والْحِزام على إزاره وله أن يعقده عند الحاجة، وأن يتختم، وأن يلبس ساعة اليد، ويضع النظارة؛ لعدم النهي عن ذلك، وورد بعض الآثار بجواز شيء من ذلك، فعن عائشة نيّا أنها سئلت عن الْهِيْمَان للمحرم؟ فقالت: وما بأس؟ ليستوثق من نفقته، وسنده صحيح، وعن عطاء: يتختم - يعني المحرم - ويلبس الهيمان، رواه البخاري تعليقاً. قال: ولا يخفى أن الساعة والنظارة في معنى الخاتم والمنطقة، مع عدم ورود ما ينهى عنهما، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اُلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَّكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. انتهى كلام الشيخ الألبانيّ تَظَُّ ببعض اختصار(٢). [تنبيه]: قد أجاد الشيخ الألبانيّ كَّثُ في آخر ((حجة النبيّ ◌َّ)) حيث ذكر أنواعاً من بدع الحج والزيارة، فعلى كلّ من يشح بدينه، ويحرص على اتباع السنّة أن يطالع ما كتبه دَّثُ؛ ليكون على بصيرة من أمره، والله تُعَلَّ وليّ التوفيق. [خاتمة] : - نسأل الله تعالى حسنها - في ذكر قصيدة العلامة محمد بن إسماعيل الأمير الصنعانيّ، صاحب ((سبل السلام)) المتوفّى سنة (١١٨٢هـ) رحمه الله تعالی في ذکر الحجّ، وبركاته: بسم الله الرحمن الرحيم رَعَى اللهُ عَيْشاً فِي رُبَاكِ قَطَعْنَاهُ أَيَا عَذَبَاتِ الْبَانِ مِنْ أَيْمَنِ الْحِمَى فَلَمَّا سَرَقْنَا الصَّفْوَ مِنْهُ سُرِقْنَاهُ سَرَقْنَاهُ مِنْ شَرْخِ الشَّبَابِ وَرَوْقِهِ فَبَدَّدَ شَمْلاً بِالْحِجَازِ نَظَمْنَاهُ وَجَاءَتْ جُيُوشُ الْبَيْنِ يَقْدُمُهَا الْقَضَا (١) قال الشيخ الألبانيّ تقذفُهُ: فقول شيخ الإسلام: والأفضل أن يضحي لمن أحرم له، كما كان النبيّ وَله وأصحابه يحجّون، فيه نظر بيّن لا يخفى على القارىء. انتهى. (٢) راجع: ((حجة النبيّ وٌَّ)) ص٤ - ٣١. ١٣٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج حَرَامٌ بِذِي الدُّنْيَا دَوَامُ اجْتِمَاعِنَا فَيَا أَيْنَ أَيَّامٌ تَوَلَّتْ عَلَى الْحِمَى وَنَحْنُ لِجِيرَانِ الْمُحَصَّبِ جِيرَةٌ وَنَخْلُو بِمَنْ نَهْوَى إِذَا رَقَدَ الْوَرَى فَقُرْبٌ وَلَا بُعْدٌ وَشَمْلٌ مُجَمَّعٌ فَهَاتِيكَ أَيَّامُ الْحَيَاةِ وَغَيْرُهَا فَيَا مَا أَمَرَّ الْبَيْنَ مَا أَقْتَلَ الْهَوَى فَوَ اللهِ لَمْ يُبْقِ الْفِرَاقُ لَذَاذَةً فَكُمْ مِنْ قَتِيلٍ بَيْنَنَا بِسِهَامِهِ فَأَحْبَابُنَا بِالشَّوْقِ بِالْحُبِّ بِالْجَوَى لِحَقِّ هَوَانَا فِيكُمُ وَوِدَادُنَا أَعِيدُوا لَنَا أَعْيَادَنَا بِرُبُوعِكُمْ فَمَا الْعَيْشُ إِلَّا مَا قَضَيْنَا عَلَى الْحِمَى فَيَا لَيْتَ عَنَّا أَغْمَضَ الْبَيْنُ طَرْفَهُ وَتَرْجِعُ أَيَّامُ الْمُحَصَّبٍ مِنْ مِنَّى وَتَسْرَحُ فِيهِ الْعِيسُ بَيْنَ ثُمَامَةٍ وَنَشْكُو إِلَى أَحْبَابِنَا طُولَ شَوْقِنَا فَلَا كَانَتِ الدُّنْيَا إِذَا لَمْ يُعَايِنُوا عَلَيْكُمْ سَلَامُ اللهِ يَا سَاكِنِي الْحِمَى وَرَبِّكُمُ لَوْلَاكُمُ مَا نَوَدُّهُ أَسُكَّانَ وَادِي الْمُنْحَنَى زَادَ وَجْدُنَا نَحِنُّ إِلَى تِلْكَ الرُّبُوعِ تَشَوُّقاً وَرَبِّ بَرَانَا مَا سَلَوْنَا رُبُوعَكُمْ فَيَا هَلْ إِلَى رَبْعِ الأَعَارِيبِ عَوْدَةٌ قَضَيْنَا مَعَ الأَخْبَابِ فِیهِ مَآرِباً فَشُدُّوا مَطَايَانَا إِلَى الرَّبْعِ ثَانِياً فَكَمْ صَرَمَتْ لِلشَّمْلِ حَبْلاً وَصَلْنَاهُ وَلَيْلٌ مَعَ الْعُشَّاقِ فِيهِ سَهِرْنَاهُ نُوَفِّي لَهُمْ حُسْنَ الْوِدَادِ وَنَرْعَاهُ وَيَجْلُو عَلَيْنَا مَنْ نُحِبُّ مُحَيَّاهُ وَكَأُسُ وِصَالٍ بَيْنَنَا قَدْ أَدَرْنَاهُ مَمَاتٌ فَيَا لَيْتَ النَّوَى مَا شَهِدْنَاهُ أَمَا يَا الْهَوَى إِنَّ الْهَنَا قَدْ سُلِبْنَاهُ فَلَوْ مِنْ سَبِيلٍ لِلْفِرَاقِ فَرَقْنَاهُ فَلَوْ أَنَّنَا نُعْطَى الْقِصَاصَ قَتَلْنَاهُ لِحُرْمَةِ عَقْدٍ عِنْدَنَا مَا حَلَلْنَاهُ لِمِيثَاقِ عَهْدٍ صَادِقٍ مَا نَقَضْنَاهُ وَوَقْتَ سُرُورٍ فِي حِمَاكُمْ قَضَيْنَاهُ فَذَاكَ الَّذِي مِنْ عُمْرِنَا قَدْ عَدَدْنَاهُ وَيَا لَيْتَ وَقْتاً لِلْفِرَاقِ فَقَدْنَاهُ وَيَبْدُو ثَرَاهُ لِلْعُيُونِ وَحَصْبَاهُ وَتَسْتَنْشِقُ الأَرْوَاحُ نَشْرَ خُزَامَاهُ إِلَيْهِمْ وَمَا ذَا بِالْفِرَاقِ لَقِينَاهُ هُمُ الْقَصْدُ فِي أُولَى الْمَشُوقِ وَأُخْرَاهُ بِكُمْ طَابَ رَيَّاهُ بِكُمْ طَابَ سُكْنَاهُ وَلَا الْقَلْبَ مِنْ شَوْقٍ إِلَيْهِ أَذَبْنَاهُ بِمَغْنَى حِمَاكُمْ ذَاكَ مَغْنَى شَغَفْنَاهُ فَفِيهَا لَنَا عَهْدٌ وَعَقْدٌ عَقَدْنَاهُ وَمَا كَانَ مِنْ رَبْعِ سِوَاهُ سَلَوْنَاهُ فَذَاكَ وَحَقِّ اللهِ رَّبْعاً حَبَبْنَاهُ إِلَى الْحَشْرِ لَا تُنْسَى سَقَى اللهُ مَرْعَاهُ فَإِنَّ الْهَوَى عَنْ رَبْعِهِمْ مَا ثَنَيْنَاهُ ١٣٥ (١٨) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ﴿ّ الطَّوِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠) ذكرُ البيت والطواف فَفِي رَبْعِهِمْ اللهِ بَيْتُ مُبَارَكٌ يَطُوفُ بِهِ الْجَانِي فَيُغْفَرُ ذَنْبُهُ فَكَمْ لَذَّةٍ كَمْ فَرْحَةٍ لِطَوَافِهِ نَطُوفُ كَأَنَّا فِي الْجِنَانِ نَطُوفُهَا فَوَا شَوْقَنَا نَحْوَ الطَّوَافِ وَطِيبِهِ فَمَنْ لَمْ يَذُقْهُ لَمْ يَذُقْ قَظُ لَذَّةً فَوَ اللهِ مَا نَنْسَى الْحِمَى فَقُلُوبُنَا تَرَى رَجْعَةٌ هَلْ عَوْدَةٌ لِطَوَافِنَا وَوَاللهِ مَا نَنْسَى زَمَانَ مَسِيرٍنَا وَقَدْ نُسِيتْ أَوْلَادُنَا وَنِسَاؤُنَا تَرَاءَتْ لَنَا أَعْلَامُ وَصْلٍ عَلَى اللَّوَى جَعَلْنَا إِلَهَ الْعَرْشِ نُصْبَ عُيُونِنَا وَسِرْنَا نَشُقُّ الْبِيْدَ لِلْبَلَدِ الَّذِي رِجَالاً وَرُكْبَاناً عَلَى كُلِّ ضَامِرٍ نَخُوضُ إِلَيْهِ الْبَرَّ وَالْبَحْرَ وَالدُّجَى وَنَظْوِي الْفَلَا مِنْ شِدَّةِ الشَّوْقِ لِلِّقَا وَلَا صَدَّنَا عَنْ قَصْدِنَا فَقْدُ أَهْلِنَا وَأَمْوَالُنَا مَبْذُولَةٌ وَنُفُوسُنَا عَرَفْنَا الَّذِي نَبْغِي وَنَطْلُبُ فَضْلَهُ فَمَنْ عَرَفَ الْمَطْلُوبَ هَانَتْ شَدَائِدُ فَيَا لَوْ تَرَانَا كُنْتَ تَنْظُرُ عُصْبَةً فَلِلَّهِ كَمْ لَيْلٍ قَطَعْنَاهُ بِالسُّرَی وَكَمْ مِنْ طَرِيقٍ مُفْزِعٍ فِي مَسِيرِنَا وَلَوْ قِيلَ إِنَّ النَّارَ دُونَ مَزَارِكُمْ فَمَوْلَى الْمَوَالِي لِلزِّيَارَةِ قَدْ دَعَا إِلَيْهِ قُلُوبُ الْخَلْقِ تَهْوِي وَتَهْوَاهُ وَيَسْقُطُ عَنْهُ جُرْمُهُ وَخَطَايَاهُ فَلِلَّهِ مَا أَحْلَى الظَّوَافَ وَأَهْنَاهُ وَلَا هَمَّ لَا غَمٌّ فَذَاكَ نَفَيْنَاهُ فَذَلِكَ شَوْقٌ لَا يُعَبَّرُ مَعْنَاهُ فَذُقْهُ تَذُقْ يَا صَاحِ مَا قَدْ أُذِقْنَاهُ هُنَاكَ تَرَكْنَاهَا فَيَّا كَيْفَ نَنْسَاهُ وَذَاكَ الْحِمَى قَبْلَ الْمَنِيَّةِ نَخْشَاهُ إِلَيْهِ وَكُلُّ الرَّكْبِ قَدْ لَذَّ مَسْرَاهُ وَأَمْوَالُنَا فَالْقَلْبَ عَنْهُمْ شَغَلْنَاهُ فَمِنْ أَجْلِهَا فَالْقَلْبَ عَنْهُمْ لَوَيْنَاهُ وَمَنْ دُونَهُ خَلْفَ الظُهُورِ نَبَذْنَاهُ بِجُهْدٍ وَشِقٌّ لِلنُّفُوسِ بَلَغْنَاهُ وَمِنْ كُلِّ ذِي فَجِّ عَمِيقٍ أَتَيْنَاهُ وَلَا قَاطِعٌ إِلَّا وَعَنْهُ قَطَعْنَاهُ فَتُمْسِي الْفَلَا تَحْكِي سِجِلاً قَطَعْنَاهُ وَلَا هَجْرُ جَارٍ أَوْ حَبِيبٍ أَلِفْنَاهُ وَلَمْ نُبْقِ شَيْئاً مِنْهُمَا مَا بَذَلْنَاهُ فَهَانَ عَلَيْنَا كُلُّ شَيْءٍ بَذَلْنَاهُ عَلَيْهِ وَيَهْوَى كُلَّ مَا فِيهِ يَلْقَاهُ حَيَارَى سَكَارَى نَحْوَ مَكَّةَ وُلَّاهُ وَبَرِّ بِسَيْرِ الْيَعْمَلَاتِ بَرَيْنَاهُ سَلَكْنَا وَوَادٍ بِالْمَخَاوِفِ جُزْنَاهُ دُفِعْنَا إِلَيْهَا وَالْعَذُولَ دَفَعْنَاهُ أَنَقْعُدُ عَنْهَا وَالْمَزُورُ هُوَ اللهُ ١٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج فَمَنْ ذَا لَهُ صَبْرٌ وَتَضْرَمُ أَحْشَاهُ تَرَادَفَتِ الأَشْوَاقُ وَاضْطَرَمَ الْحَشَا وَوَلَّى الْكَرَى نَوْمَ الْجُفُونِ نَفَيْنَاهُ وَأَسْرَى بِنَا الْحَادِي فَأَمْعَنَ فِي السُّرَى الإحرام من الميقات وَلَمَّا بَدَا مِيقَاتُ إِحْرَام حَجِّنَا لِيَغْتَسِلَ الْحُجَّاجُ فِيهِ وَيُحْرِمُوا وَنَادَى مُنَادٍ لَلْحَجِيجِ لِيُحْرِمُوا وَجُرِّدَتِ الْقُمْصَانُ وَالْكُلُّ أَحْرَمُوا وَلَا لَهْوَ لَا صَيْدٌ وَلَا نَقْرَبُ النِّسَا وَصِرْنَا كَأَمْوَاتٍ لَفَفْنَا جُسُومَنَا لَعَلَّ يَرَى ذُلَّ الْعِبَادِ وَكَسْرَهُمْ يُنَادُونَهُ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ ذَا الْعُلَا فَلَوْ كُنْتَ يَا هَذَا تُشَاهِدُ حَالَهُمْ" وُجُوهُهُمُ غُبْرٌ وَشُعْتُ رُؤُوسُهُمْ لَبِسْنَا دُرُوعاً مِنْ خُضُوعٍ لِرَبِّنَا(١) وَذَاكَ قَلِيلٌ فِي كَثِيرٍ ذُنُوبِنَا إِلَى زَمْزَم زُمَّتْ رِكَابُ مَطِيِّنَا نَؤُمُّ مَقَامًاً لِلْخَلِيلِ مُعَظَّماً وَنَحْنُ نُلَبِّي فِي صُعُودٍ وَمَهْبَطٍ وَكَّمْ نَشَزِ عَالٍ عَلَتْهُ وُفُودُنَا نَحُجُّ لِبَيْتٍ حَجَّهُ الرُّسْلُ قَبْلَنَا دَعَانَا إِلَيْهِ اللهُ قَبْلَ بِنَائِهِ أَتَيْنَاكَ لَبَّيْنَاكَ جِئْنَاكَ رَبَّنَا وَوَجْهَكَ نَبْغِي أَنْتَ لِلْقَلْبِ قِبْلَةٌ فَمَا الْبَيْتُ مَا الأَرْكَانُ مَا الْحِجْرُ مَا الصَّفَا نَزَلْنَا بِهِ وَالْعِيسَ فِيهِ أَنَخْنَاهُ فَمِنْهُ نُلَبِّي رَبَّنَا لَا حُرِمْنَاهُ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّ مَنْ أَجَابَ وَلَبّاهُ وَلَا لُبْسَ لَا ◌ِيبٌ جَمِيعاً هَجَرْنَاهُ وَلَا رَفَثٌ لَا فِسْقَ كُلّ رَفَضْنَاهُ بِأَكْفَانِنَا كُلٌّ ذَلِيلٌ لِمَوْلَاهُ فَيَرْحَمَهُمْ رَبِّ يُرَجّونَ رُحْمَاهُ وَسَعْدَيْكَ كُلَّ الشِّرْكِ عَنْكَ نَفَيْنَاهُ لِأَبْكَاكَ ذَاكَ الْحَالُ فِي حَالٍ مَرْآهُ فَلَا رَأْسَ إِلَّا لِلإِلَهِ كَشَفْنَاهُ وَمَا كَانَ مِنْ دِرْعِ الْمَعَاصِي خَلَعْنَاهُ فَيَا طَالَمَا رَبُّ الْعِبَادِ عَصَيْنَاهُ وَنَحْوَ الصَّفَا عِيسَ الْوُفُودِ صَفَفْنَاهُ إِلَيْهِ اسْتَبَقْنَا وَالرِّكَابَ حَثَثْنَاهُ كَذَا حَالُنَا فِي كُلِّ مَرْقَى رَقِينَاهُ وَتَعْلُو بِهِ الأَصْوَاتُ حِينَ عَلَوْنَاهُ لِنَشْهَدَ نَفْعاً فِي الْكِتَابِ وُعِدْنَاهُ فَقُلْنَا لَهُ لَبَّيْكَ دَاعِ أَجَبْنَاهُ إِلَيْكَ هَرَبْنَا وَالأَنَامُّ تَرَكْنَاهُ إِذَا مَا حَجَجْنَا أَنْتَ لِلْحَجِّ رُمْنَاهُ وَمَا زَمْزَمٌ أَنْتَ الَّذِي قَدْ قَصَدْنَاهُ (١) وفي نسخة: ((مِنْ خُضُوعٍ ذُنُوبِنَا)). ١٣٧ (١٨) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رِ﴿مّ الطَّوِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠) وَأَنْتَ الَّذِي دُنْيَا وَأُخْرَى أَرَدْنَاهُ وَأَنْتَ مُنَانَا أَنْتَ غَايَةُ سُؤْلِنَا فَكَمْ سُدَّ سَدُّ فِي سَوَادٍ خَرَقْنَاهُ نَهَاراً وَلَيْلاً عِيسَنَا مَا أَرَحْنَاهُ وَهَبَّ نَسِيمٌ بِالْوِصَالِ نَشِقْنَاهُ(١) فَهَذَا الْحِمَى هَذَا ثَرَاهُ غَشِينَاهُ إِلَيْكَ شَدَدْنَا الرَّحْلَ نَخْتَرِقُ الْفَلَا كَذَلِكَ مَا زِلْنَا نُحَاوِلُ سَيْرَنَا إِلَى أَنْ بَدَا إِحْدَى الْمَعَالِم مِنْ مِنَى وَنَادَى بِنَا حَادِي الْبِشَارَةِ وَالْهَنَا رؤية البيت إِلَى أَنْ بَدَا الْبَيْتُ الْعَتِيقُ وَرُكْنَاهُ وَمَا زَالَ وَفْدُ اللهِ يَقْصِدُ مَكَّةً وَكَبَّرَتِ الْحُجَّاجُ حِينَ رَأَيْنَاهُ لِمَا نَحْنُ مِنْ عُظْم السُّرُورِ وَجَدْنَاهُ وَتَعْتَنِقُ الْمَاشِي إِذَا تَتَلَقَّاهُ فَضَجَّتْ ضُيُوفُ اللهِ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَا وَقَدْ كَادَتِ الأَرْوَاحُ تَزْهَقُ فَرْحَةً تُصَافِحُنَا الأَمْلَاكُ مَنْ كَانَ رَاكِباً طواف القدوم فَطُفْنَا بِهِ سَبْعاً رَمَلْنَا ثَلَاثَةً كَذَلِكَ طَافَ الْهَاشِمِيُّ مُحَمَّدٌ وَسَالَتْ دُمُوعٌ مِنْ غَمَامِ جُفُونِنَا وَنَحْنُ ضُيُوفُ اللهِ جِئْنًا لِبَيْتِهِ فَنَادَى بِنَا أَهْلاً ضُيُوفِي تَبَاشَرُوا غَداً تَنْظُرُونِي فِي جِنَانٍ خُلُودِكُمْ فَأَيُّ قِرَى يَعْلُو قِرَانَا لِضَيْفِنَا وَكُلُّ مُسِيءٍ قَدْ أَقَلْنَا عِثَارَهُ وَلَا نَصَبٌّ إِلَّا وِعِنْدِي جَزَاؤُهُ سَأُعْطِيكُمُ أَضْعَافَ أَضْعَافٍ مِثْلِهِ فَيَا مَرْحَباً بِالْقَادِمِينَ لِبَيْتِنَا عَلَيَّ الْجَزَا مِنِّ الْمَثُوبَةُ وَالرِّضَى وَأَرْبَعَةً مَشْياً كَمَا قَدْ أُمِرْنَاهُ طَوَافَ قُدُومٍ مِثْلَ مَا طَافَ ظُفْنَاهُ عَلَى مَا مَضَىَّ مِنْ إِثْمِ ذَنْبٍ كَسَبْنَاهُ نُرِيدُ الْقِرَى نَبْغِي مِنَ اللهِ حُسْنَاهُ وَقَرُّوا عُيُوناً فَالْحَجِيجَ قَبِلْنَاهُ وَذَاكَ قِرَاكُمْ مَعْ نَعِيمٍ ذَخَرْنَاهُ وَأَيُّ ثَوَابٍ مِثْلَ مَا قَدْ أَثَبْنَاهُ وَلَا وِزْرَ إِلَّا عَنْكُمُ قَدْ وَضَعْنَاهُ وَكُلَّ الَّذِي أَنْفَقْتُمُوهُ حَسَبْنَاهُ فَطِيبُوا نُفُوساً فَضْلَنَا قَدْ فَضِلْنَاهُ إِلَيَّ حَجَجْتُمْ لَا لِبَيْتٍ بَنَيْنَاهُ ثَوَابَكُمُ يَوْمَ الْجَزَا أَتَوَلَّاهُ (١) وقع في النسخة: ((نسقناه))، بالسين المهملة، والظاهر أن الصواب ((نَشِقناه)) بالشين المعجمة، من باب تعب بمعنى شممناه، فليُحرّر. ١٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج وَتِيهُوا وَهِيمُوا بَابُنَا قَدْ فَتَحْنَاهُ فَطِيبُوا سُرُوراً وَافْرَحُوا وَتَبَاشَرُوا وَمَا كَانَ مِنْ عَيْبٍ عَلَيْكُمْ سَتَرْنَاهُ وَأَوَّلَ ضِيقٍ لِلصُّدُورِ شَرَحْنَاهُ وَلَا ذَنْبَ إِلَّا قَدْ غَفَرْنَاهُ عَنْكُمُ فَهَذَا الَّذِي نِلْنَا بِيَوْمٍ قُدُومِنَا المبيت بمنى، والمسير إلى عرفات وَبِتْنَا بِأَقْطَارِ الْمُحَصَّبِ مِنْ مِنِّى وَفِي يَوْمِنَا سِرْنَا إِلَى الْجَبَلِ الَّذِي فَلَا حَجَّ إِلَّا أَنْ نَكُونَ بِأَرْضِهِ إِلَيْهِ ابْتَدَرْنَا قَاصِدِينَ إِلاهَنَا وَسِرْنَا إِلَيْهِ قَاصِدِينَ وُقُوفَنَا عَلَى عَلَمَيْهِ لِلْؤُقُوفِ جَلَالَةٌ وَبَيْنَهُمَا جُزْنَا إِلَيْهِ بِزَحْمَةٍ وَلَمَّا رَأَيْنَاهُ تَعَالَى عَجِيجُنَا وَفِيهِ نَزَلْنَا بُكْرَةً بِذُنُوبِنَا فَيَا طِيبَ لَيْلٍ بِالْمُحَصَّبِ بِتْنَاهُ مِنَ الْبُعْدِ جِثْنَاهُ لِمَا قَدْ وَجَدْنَاهُ وُقُوفاً وَهَذَا فِي الصَّحِيحِ رَوَيْنَاهُ فَلَوْلَاهُ مَا كُنَّا لِحَجِّ سَلَكْنَاهُ عَلَيْهِ وَمِنْ كُلِّ الْجِهَاتِ أَتَيْنَاهُ فَلَا زَالَتَا تَحْمَى وَتُحْرَسُ أَرْجَاهُ فَيَا ◌ِيبَهَا لَيْتَ الزِّحَامَ رَجَعْنَاهُ نُلَبِّي وَبِالتَّهْلِيلِ مِنَّا مَلْأَنَاهُ وَمَا كَانَ مِنْ ثِقْلِ الْمَعَاصِي حَمَلْنَاهُ الوقوف بعرفة وَبَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ كَانَ وُقُوقُنَا فَكَمْ حَامِدٍ كَمْ ذَاكِرٍ وَمُسَبِّحِ فَكَمْ خَاضِعٍ كَمْ خَاشِعٍ مُتَذَلِّلَ وَسَاوَى عَزِيزٌّ فِي الْوُقُوفِّ ذَلِيلَنَاً وَرَبُّ دَعَانَا نَاظِرٌ لِخُضُوعِنَا وَلَمَّا رَأَى تِلْكَ الدُّمُوعَ الَّتِي جَرَتْ تَجَلَّى عَلَيْنَا بِالْمَتَابِ وَبِالرِّضَى وَقَالَ انْظُرُوا شُعْئاً وَغُبَراً جُسُومُهُمْ وَقَدْ هَجَرُوا أَمْوَالَهُمْ وَدِيَارَهُمْ إِلَيَّ فَإِنِّي رَبُّهُمْ وَمَلِيكُهُمْ أَلَا فَاشْهَدُوا أَنِّي غَفَرْتُ ذُنُوبَهُمْ فَقَدْ بُدِّلَتْ تِلْكَ الْمَسَاوِي مَحَاسِناً إِلَى اللَّيْلِ نَبْكِي وَالدُّعَاءَ أَطَلْنَاهُ وَكَمْ مُذْنِبٍ يَشْكُو لِمَوْلَاهُ بَلْوَاهُ وَكَمْ سَائِلٍ مُدَّتْ إِلَى اللهِ كَفَّاهُ وَكَمْ ثَوْبٍ عِزِّ فِي الْوُقُوفِ لَبِسْنَاهُ خَبِيرٌ عَلِيمٌ بِالَّذِي قَدْ أَرَدْنَاهُ وَطُولَ خُشُوعٍ مَعْ خُضُوعٍ خَضَعْنَاهُ وَبَاهَى بِنَا الأَمْلَاكَ حِيَنَ وَقَفْنَاهُ أَجِرْنَا أَغِثْنَا يَا إِلَاهاً دَعَوْنَاهُ وَأَوْلَادَهُمْ وَالْكُلُّ يَرْفَعُ شَكْوَاهُ لِمَنْ يَشْتَكِي الْمَمْلُوكُ إِلَّا لِمَوْلَاهُ أَلَا فَانْسَخُوا مَا كَانَ عَنْهُمْ نَسَخْنَاهُ وَذَلِكَ وَعْدٌ مِنْ لَدُنَّا وَعَدْنَاهُ (١٨) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رِ﴿ّ الطَّوِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠) ١٣٩ فَيَا صَاحِبِي مَنْ مِثْلُنَا فِي مَقَامِنَا عَلَى عَرَفَاتٍ قَدْ وَقَفْنَا بِمَوْقِفٍ وَقَدْ أَقْبَلَ الْبَارِي عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ وَعَنْكُمْ ضَمِنَّا كُلَّ تَبِعَةٍ جَرَتْ أَقَلْنَاكُمُ مِنْ كُلِّ مَا قَدْ جَنَيْتُمُ فَيَا مَنْ أَسَا يَا مَنْ عَصَى لَوْ رَأَيْتَنَا وَدِدْتَ بِأَنْ لَوْ كُنْتَ بَيْنَ رِحَالِنَا وَقَفْنَا لَدَيْهِ تَائِبِينَ مِنَ الْخَطَّا أُمِرْنَا بِحُسْنِ الظَّنِّ وَاللهُ حَثَّنَا عَلَيْهِ اتَّكَلْنَا وَاْمَأَنَّتْ قُلُوبُنَا فَطُوبَى لِمَنْ ذَاكَ الْمُقَامُ مُقَامُهُ تَرَى مَوْقِفاً فِيهِ الْخَزَائِنُ فُتِّحَتْ فَصَالَحَ مَهْجُوراً وَأَقْرَبَ مُبْعَداً وَدَارَ عَلَيْنَا الْكَأُسُ بِالْفَضْلِ وَالرِّضَا فَإِنْ شِئْتَ تُسْقَى مَا سُقِينَا عَلَى الْحِمَى وَفِيهِ بَسَطْنَا لِلرَّحِيلِ كُفُوفَنَا وَأَعْتَقَنَا كُلَّّ وَأَهْدَرَ مَا مَضَى وَمَنْ ذَا الَّذِي قَدْ نَالَ مَا نَحْنُ نِلْنَاهُ بِهِ الذَّنْبُ مَغْفُورٌ وَفِيهِ مَحَوْنَاهُ وَقَالَ ابْشِرُوا(١) فَالْعَفْوَ فِيكُمْ نَشَرْنَاهُ عَلَيْكُمْ وَأَمَّا حَقُّنَا فَوَهَبْنَاهُ وَمَا كَانَ مِنْ عُذْرٍ لَدَيْنَا عَذَرْنَاهُ وَأَوْزَارُنَا تُرْمَى وَيَرْحَمُنَا اللهُ وَتَرْجُو رَحِيماً كُلُّنَا يَتَرَجَّاهُ وَغُفْرَانَنَا مِنْ رَبِّنَا قَدْ طَلَبْنَاهُ عَلَيْهِ وَهَذَا فِي الْحَدِيثِ رَوَيْنَاهُ لِمَا عِنْدَهُ مِنْ وُسْعِ عَفْوٍ عَرَفْنَاهُ وَبُشْرَاهُ فِي يَوْمِ التَّغَابُنِ بُشْرَاهُ وَأَوْلَى عَلَيْنَا اللهُ مِنْهُ عَطَايَاهُ وَذَاكَ مَقَامُ الصُّلْحِ لِلصُّلْحِ قُمْنَاهُ سُقِينَا شَرَاباً مِثَلَهُ مَا شَّقِينَاهُ فَخَلِّ الْوَنَى وَاقْصِدْ مَقَاماً قَصَدْنَاهُ فَقَالَ كُفِيتُمْ عَفْوُنَا قَدْ بَسَطْنَاهُ وَقَالَ لَنَا كُلُ الْعِتَابِ طَوَيْنَاهُ ذكرُ خِزْي إبليس اللعين فَإِبْلِيسُ مَغْمُومٌ لِكَثْرَةٍ مَا يَرَى عَلَى رَأْسِهِ يَحْثُو التُّرَابَ مُنَادِياً وَأَظْهَرَ مِنَّا حَسْرَةً وَنَدَامَةً تَرَكْنَاهُ يَبْكِي بَعْدَ مَا كَانَ ضَاحِكاً وَكَمْ أَمَلِ نِلْنَاهُ يَوْمَ وُقُوفِنَا وَكَمْ قَدْ رَفَعْنَا لِلإِلَاءِ مَطَالِباً مِنَ الْعِثْقِ مَحْفُوراً ذَلِيلاً دَحَرْنَاهُ بِأَعْوَانِهِ وَيْلَاهُ ذَا الْيَوْمَ وَيْلَاهُ وَكُلُ بِنَاءٍ قَدْ بَنَاهُ هَدَمْنَاهُ فَكَمْ مُذْنِبٍ مِنْ كَفِّهِ قَدْ سَلَلْنَاهُ وَكَمْ مِنْ أَسِيرٍ لِلْمَعَاصِي فَكَكْنَاهُ وَلَا أَحَداً مِمَّنْ نُحِبُّ نَسِينَاهُ (١) من بابي علم وضرب، كما في ((القاموس)). ١٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج وَكَمْ صَاحِبٍ دَانٍ وَنَاءٍ ذَكَرْنَاهُ وَخُصِّصَتِ الآبَاءُ وَالأَهْلُ بِالدُّعَا وَمَا فَعَلَ الْحُجَّاجُ فِيهِ فَعَلْنَاهُ وَقِيلَ ادْفَعُوا فَالْكُلَّ مِنْكُمْ قَبِلْنَاهُ كَذَا فَعَلَ الْحُجَّاجُ هَاتِيكَ عَادَةً وَظَلَّ إِلَى وَقْتِ الْغُرُوبِ وُقُوقُنَا الإفاضة، والمبيت بمزدلفة، وذكرُ الله عند المشعر الحرام إِلَى مَشْعَرٍ جَاءَ الْكِتَابُ بِذِكْرَاهُ أَفِيضُوا وَأَنْتُمْ حَامِدُونَ آلَا مَكُمْ فَسِرْنَا وَفِي وَقْتِ الْعِشَاءِ نَزَلْنَاهُ وَسِيرُوا إِلَيْهِ وَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَهُ وَفِيهِ جَمَعْنَا مَغْرِباً وَعِشَاءَهَا وَبِتْنَا بِهِ حَتَّى لَقَظْنَا حِمَارَنَا وَمِنْهُ أَفَضْنَا حَيْثُمَا النَّاسُ قَبْلَنَا تَرَى عَائِداً جَمْعاً لِجَمْعٍ جَمَعْنَاهُ وَرَبّاً شَكَرْنَاهُ عَلَى مَا هَدَانَاهُ أَفَاضُوا وَغُفْرَانَ الإِلَاءِ طَلَبْنَاهُ نزول منى، والرمي، والحلق، والنحر وَنَحْوَ مِنَّى مِلْنَا بِهَا كَانَ عِيدُنَا فَمَنْ مِنْكُمُ بِاللهِ عَيَّدَ عِيدَنَا وَفِيهِ رَمَيْنَا لِلْعِقَابِ(١) جِمَارَنَا وَبِالْجَمْرَةِ الْقُصْوَى بَدَأْنَا وَعِنْدَهَا وَلَّمَّا حَلَقْنَا حَلَّ لُبْسُ مَخِيطِنَا وَفِيهَا نَحَرْنَا الْهَدْيَ طَوْعاً لِرَبِّنَا وَمِنْ بَعْدِهَا يَوْمَانِ لِلرَّمْيِ عَاجِلاً وَإِيَّاهُ أَرْضَيْنَا بِرَمْي جِمَارِنَا وَبِالْخَيْفِ أَعْطَانَا الإِلَاهُ أَمَانَنَا وَنِلْنَا بِهَا مَا الْقَلْبُ كَانَ تَمَنَّاهُ فَعِيدُ مِنَّى رَبُّ الْبَرِيَّةَ أَعْلَاهُ وَلَا جُرْمَ إِلَّا مَعْ جِمَارٍ رَمَيْنَاهُ حَلَقْنَا وَقَصَّرْنَا لِشَعْرٍ حَضَرْنَاهُ فَيَا حِلْقَةً مِنْهَا الْمَخِيطَ لَبِسْنَاهُ وَإِبْلِيسَ لَمَّا أَنْ نَحَرْنَا نَحَرْنَاهُ فَفِيهَا رَمَيْنَا وَالإِلَاهَ دَعَوْنَاهُ وَشَيْطَانَنَا الْمَرْجُومَ ثَمَّ رَجَمْنَاهُ وَأَذْهَبَ عَنَّا كُلَّ مَا نَحْنُ نَخْشَاهُ النَّفْرُ مِن منی وَرُدَّتْ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ وُفُودُنَا وَطُفْنَا طَوَافَاً لِلإِفَاضَةِ حَوْلَهُ وَمِنْ بَعْدٍ مَا زُرْنَا دَخَلْنَاهُ دَخْلَةً نَحِنُّ لَهُ کَالظَّيْرِ حَنَّ لِمَأُوَاهُ وَفُزْنَا بِهِ بَعْدَ الْجِمَارِ وَزُرْنَاهُ كَأَنَّا دَخَلْنَا الْخُلْدَ حِينَ دَخَلْنَاهُ (١) بالكسر جمع عقبة.