Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١
(١٨) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ◌ِ﴿ّ الطَّوِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠)
المجموعتين، ولا خلاف في هذا، لكن اختلفوا، هل هو شرط للجمع أم لا؟
والصحيح عندنا أنه ليس بشرط، بل هو سنة مستحبة، وقال بعض أصحابنا :
هو شرط، أما إذا جمع بينهما في وقت الأولى فالموالاة شرط بلا خلاف.
انتھی(١).
(ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ وَّ﴾ أي: للنوم؛ تقويةً للبدن، ورحمة للأمة؛
لأن في نهاره عبادات كثيرة يحتاج إلى النشاط فيها (حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ) قال ابن
القيّم ◌َّثُ: ولم يحي ◌َّي تلك الليلة، ولا صحّ عنه في إحياء ليلتي العيد
شيء. انتھی.
وقال في ((المواهب))، و((شرحه)): وترك ◌ّ ﴾ قيام الليل تلك الليلة، ونام
حتى أصبح؛ لما تقدّم له من الأعمال بعرفة من الوقوف من الزوال إلى ما بعد
المغرب، واجتهاده في الدعاء، وسيره بعد المغرب إلى المزدلفة، واقتصر فيها
على صلاة المغرب والعشاء قصراً لها وجمعاً لهما جمع تأخير، ورَقَد بقيّة ليلته
مع كونه * كان يقوم الليل حتى تورّمت قدماه، ولكنه أراح نفسه الشريفة؛ لما
تقدّم في عرفة من التعب، وقد قال: ((إن لجسدك عليك حقّاً))، ولما هو بصدد
يوم النحر من كونه نحر بيده الشريفة ثلاثاً وستّين بدنةً، وباقي المائة نحره
عليّ، ثم ذهب إلى مكة لطواف الإفاضة، ورجع إلى منى. انتهى(٢).
(تنبيه): اختلف العلماء في حكم المبيت بالمزدلفة ليلة النحر:
فذهب أبو حنيفة، وأصحابه، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور،
والشافعيّ في أحد قوليه، إلى وجوب المبيت بها، وهو قول عطاء، والزهريّ،
وقتادة، ومجاهد، وعن الشافعيّ: سنة، وهو قول مالك رحمهم الله تعالى،
أفاده العينيّ.
وقال النوويّ: المشهور من مذهب الشافعيّ أنه ليس بركن، فلو تركه
صحّ حجه، قال القاضي أبو الطيب، وأصحابنا: وبهذا قال جماهير العلماء من
السلف والخلف.
وقال خمسة من أئمة التابعين: هو ركن، لا يصحّ الحجّ إلا به، كالوقوف
(١) ((شرح النوويّ)) ١٨٨/٨.
(٢) راجع: ((المرعاة)) ٣٤/٩.
٨٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
بعرفات. هذا قول علقمة، والأسود، والشعبيّ، والنخعيّ، والحسن البصريّ،
وبه قال من الشافعيّة ابن بنت الشافعيّ، وأبو بكر بن خزيمة، واحتجّ لهم بقوله
تعالى: ﴿فَأَذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَاءِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وبالحديث
المرويّ عن النبيّ وَّر، أنه قال: ((من فاته المبيت بالمزدلفة، فقد فاته الحجّ)).
وأجيب بأن الأمر في الآية إنما هو الذكر، وليس هو بركن بالإجماع،
وأما الحديث فليس بثابت، ولا معروف، ولو صحّ لحمل على فوات كمال
الحجّ، لا فوات أصله.
قال: واحتجّ أصحابنا بحديث عروة بن مضرّس نظراته، قال: أتيت
رسول الله * بالمزدلفة حين خرج للصلاة، فقلت: يا رسول الله، إني جئت
من جبل طيّء، أكللت مطيّتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا
وقفت عليه، فهل لي من حجّ؟ فقال رسول الله وَلاير: ((من شهِد صلاتنا هذه،
فوقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً، أو نهاراً، فقد تمّ
حجه، وقضى تفثه))، رواه أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه،
وغيرهم بأسانيد صحيحة، قال الترمذيّ: هو حديث حسنٌ صحيح. انتهى كلام
النوويّ بتصرّف(١).
وقال العينيّ: وقال الشافعيّ: يحصل المبيت بساعة في النصف الثاني من
الليل، دون الأول، وعن مالك: النزول بالمزدلفة واجب، والمبيت بها سنة،
وكذا الوقوف مع الإمام سنة. وقال أهل الظاهر: من لم يدرك مع الإمام صلاة
الصبح بالمزدلفة بطل حجه، بخلاف النساء والصبيان، والضعفاء. وقال
الحنفية: لو ترك الوقوف بها بعد الصبح من غير عذر فعليه دم، وإن كان بعذر
الزحام، فتعجل السير إلى منى، فلا شيء عليه، والمأمور في الآية الكريمة
الذكر، دون الوقوف، ووقت الوقوف بالمشعر الحرام.
بعد طلوع الفجر من يوم النحر إلى أن يسفر جدّاً. وعن مالك: لا يقف
أحد إلى الإسفار، بل تدفعون قبل ذلك. انتهى كلام العينيّ تَخْذ ◌ُهُ(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي أن المبيت بالمزدلفة سنة؛
(١) ((المجموع)) ١٢٦/٥.
(٢) ((عمدة القاري)) ١٧٨/٨.
٨٣
(١٨) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رِ﴿هَّ الطَّوِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠)
لأنه وَ ل﴿ بات بها، وأما شهود صلاة الصبح، والوقوف بعدها إلى أن يدفع
الإمام، فواجب إلا لأهل الأعذار؛ لحديث عروة بن مضرّس ظُه المذكور
آنفاً، فإنه وَر ذكره لصحة الحج، وتمامه، فقال: ((من شهِد صلاتنا هذه،
فوقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً، أو نهاراً، فقد تمّ
حجه، وقضى تفثه))، فما ذكر المبيت بها لتمام الحجّ، وإنما ذكر الوقوف
بعرفة، وشهود صلاة الصبح بالمزدلفة، والدفع معه، وقد أوجبت الآية
المذكورة الذكر عند المشعر الحرام، فأفادت أن الوقوف به من واجبات الحجّ،
فتأمل بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب.
(وَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ) أي: ظهر (لَهُ الصُّبْحُ) قال النوويّ كَّتُ: فيه
أن السنّة أن يبالغ بتقديم صلاة الصبح في هذا الموضع، ويتأكّد التبكير بها في
هذا اليوم أكثر من تأكّده في سائر السّنَة؛ للاقتداء برسول الله وَلته، ولأن
وظائف هذا اليوم كثيرةٌ، فسُنّ المبالغة في التبكير للصبح ليتّسع الوقت
للوظائف. انتهى.
وقال القرطبيّ تَّتُهُ: فيه سُنَّة المبيت بالمزدلفة، وصلاة الصبح بها
بغلس، وسيأتي أنه وسلّ أرخص لبعض نسائه في النَّفْر منها إلى منى قبل طلوع
الفجر، وفيه: الأذان في السفر؛ خلافاً لمن قال: يقتصر المسافر على الإقامة.
(١)
انتھی
.
(بِأَذَانٍ) واحد (وَإِقَامَةٍ) واحدة، وهذا لا خلاف فيه، قال النوويّ نَّتُ:
يُسَنّ الأذان والإقامة لهذه الصلاة، وكذلك غيرها من صلوات المسافر، وقد
تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالأذان لرسول الله 18 في السفر كما في
الحضر، والله أعلم. انتهى.
(ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ) أي: ناقته ◌ََّ، وففيه أن السنة الركوب، وأنه أفضل
من المشي، وقد سبق بيانه مرات، وبيان الخلاف فيه.
(حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ) زاد في رواية أبي داود، وابن ماجه، وابن
الجارود، والبيهقيّ: ((فَرَقِي عليه))، و((المشعر)) بفتح الميم، والعين المهملة،
(١) ((المفهم)) ٣٣٩/٣.
٨٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وقيل: بكسر الميم: موضع خاصّ من المزدلفة، سُمّي بالمشعر؛ لأنه مَعْلِمٌ
للعبادة، وسُمِّي الحرام؛ لأنه من الحرم، أو لحرمته.
وقال النوويّ كَّثُهُ: ((المشعر)): بفتح الميم، هذا هو الصحيح، وبه جاء
القرآن، وتظاهرت به روايات الحديث، ويقال أيضاً: بكسر الميم، والمراد به
هنا قُزَحُ، بضم القاف، وفتح الزاي، وبحاء مهملة، وهو جبل معروف في
المزدلفة، وهذا الحديث حجة الفقهاء في أن المشعر الحرام هو قُزَحُ، وقال
جماهير المفسرين، وأهل السير، والحديث: المشعر الحرام جميع المزدلفة.
(١)
انتھی
.
وقال المحبّ الطبريّ تَخْفُهُ: المشعر الحرام: هو الجبل الصغير المعروف
بالمزدلفة، يقال له: قُزَح، والأفصح فتح الميم، وأكثر كلام العرب بكسرها،
ولا نعرف الكسر في القراءة إلا شاذاً. انتهى.
وقد روى الشيخان من حديث جابر به أن النبيّ وَّ وقف بالمزدلفة،
وقال: ((وقفت ههنا، ومزدلفة كلها موقفٌ))، وروى أبو داود، والترمذيّ،
وصححه من حديث عليّ رَظُّهُ أن النبيّ وَّ﴿ لَمّا أصبح بجمع أتى قُزَح، فوقف
عليه، وقال: هذا قُزَح، وهو الموقف، ((وجمعٌ كلها موقفٌ))، وروى سعيد بن
منصور من حديث ابن عمر ظها أنه رأى ناساً يزدحمون على الجبل الذي يقف
عليه الإمام، فقال: يا أيها الناس لا تشُقّوا على أنفسكم، ألا إن ما ههنا مشعرٌ
كلّه، وعنه قال: المشعر الحرام المزدلفة كلها، أخرجه أبو ذرّ، ذكر هذا
الأحاديث الطبريّ، ثم قال: حديث ابن عمر هذا مصرّح بأن المشعر الحرام
هو المزدلفة، وكذلك تضمّنه كثير من كتب التفسير في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا
أَفَضْتُم ◌ِنْ عَرَفَتٍ فَأَذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَاءِ﴾ الآية [البقرة: ١٩٨]،
وحديث عليّ وجابر ﴿ه يدلّان على أن قُزَح هو المشعر الحرام، وهو
المعروف في كتب الفقه، فتعيّن أن يكون في أحدهما حقيقةً، وفي الآخر
مجازاً؛ دفعاً للاشتراك؛ إذ المجاز خير منه، فترجّح احتماله عند التعارض،
فيجوز أن يكون حقيقةً في قُزَح، فيكوز إطلاقه على الكلّ؛ لتضمّنه إياه، وهو
(١) ((شرح النوويّ)) ١٨٩/٨.
٨٥
(١٨) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رِ﴿ّ الطَِّيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠)
أظهر الاحتمالين في الآية، فإن قوله تعالى: ﴿عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَّامِ﴾ يقتضي
أن يكون الوقوف في غيره، وتكون المزدلفة كلّها عنده لما كانت كالحريم له،
ولو أريد بالمشعر الحرام المزدلفة لقال: في المشعر الحرام، ويجوز أن يكون
حقيقةً في المزدلفة كلها، وأُطلق على قُزَح وحده تجوّزاً؛ لاشتمالها عليه،
وكلاهما وجهان من وجوه المجاز، أعني إطلاق اسم الكلّ على البعض،
والعكس، وهذا القائل يقول: حروف المعاني يقوم بعضها مقام بعض، فقامت
((عند)) مقام ((في))، ومنه ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾؛ أي: عليهم، وفي الحديث والأثر ما
يُصدّق كلّ واحد من الاحتمالين.
وقُزَح موضع من المزدلفة، وهو موقف قريش في الجاهليّة؛ إذ كانت لا
تقف بعرفة.
وقال الجوهريّ: قُزَح اسم جبل بالمزدلفة، قال الطبريّ: وقد بُنِي عليه
بناءٌ، فمن تمكّن من الرقيّ عليه رَقِيَ، وإلا وقف عنده مستقبل القبلة، فيدعو،
ويُكبّر، ويُهّل، ويوحّد الله، ويُكثر من التلبية إلى الإسفار، ولا ينبغي أن يفعل
ما تطابق عليه الناس اليوم من النزول بعد الوقوف من درج في وسطه ضيّقة
يزدحم الناس على ذلك حتى يكاد يُهلك بعضهم بعضاً، وهو بدعة شنيعة، بل
يكون نزوله من حيثُ رُقِيُّه من الدرج الظاهرة الواسعة.
وقد ذكر ابن الصلاح في ((منسكه)) أن قُزح جبل صغير آخر المزدلفة، ثم
قال بعد ذلك: وقد استبدل الناس بالوقوف على الموضع الذي ذكرناه الوقوفَ
على بناء مستحدث في وسط المزدلفة، ولا تتأدّى به هذه السنّة. انتهى كلام
ابن الصلاح.
قال الطبريّ: والظاهر أن البناء إنما هو على الجبل كما تقدّم ذكره، ولم
أر ما ذكره لغيره. انتهى كلام الطبريّ(١).
وقال القرطبيّ تَكْتُ: قوله: ((ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام)) فيه: أن
الوقوف بالمشعر الحرام إلى الإسفار من المناسك، وقد ذكره الله تعالى في
قوله: ﴿فَأَذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ اَلْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨].
(١) راجع: ((المرعاة)) ٣٥/٩ - ٣٦.
٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وقد اختُلِف في وجوب الوقوف فيه، فذهب أبو عبيد القاسم بن سلَّام:
إلى وجوبه، والجمهور على أنه مُستحب. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله أبو عبيد تَّقُ من الوجوب هو الأظهر؛
لظاهر الآية، فتأمّل، والله تعالى أعلم.
(فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَدَعَاهُ) وفي رواية أبي داود وابن ماجه: ((فحمد الله)).
[تنبيه]: لا يتعيّن شيء من الدعاء في هذا الموقف، ولا في موقف عرفة،
ولا غيرها من المشاعر؛ إذ لم يصحّ في ذلك شيء، إلا آية ﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى
الذُّنْيَا حَسَنَةً﴾ الآية [البقرة: ٢٠١]، وأما ما يُذكر في كتب المناسك من
الدعوات الكثيرة، فلا يثبت شيء منها، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.
(وَكَبَّرَهُ) أي: قال: الله أكبر (وَهَلَّلَهُ) أي: قال: لا إله إلا الله (وَوَخَّدَهُ)
أي: قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له ... إلخ؛ عملاً بقوله ريك:
﴿فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَاءِ وَأَذْكُرُوهُ كَمَا هَدَنَكُمْ﴾ الآية [البقرة:
١٩٨] (فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفاً) فيه أن الوقوف عند المشعر الحرام من مناسك الحجّ،
وهذا لا خلاف فيه.
قال الشاه وليّ الله الدهلويّ تَخْذّثُهُ: إنما شُرع الوقوف بالمشعر الحرام؛
لأنه كان أهل الجاهليّة يتفاخرون، ويتراءون، فأبدل من ذلك إكثار ذكر الله
تعالى؛ ليكون كابحاً عن عادتهم، ويكون التنويه بالتوحيد في ذلك الموطن
كالمنافسة، كأنه قيل: هل يكون ذكركم الله أكثر، أو ذكر أهل الجاهليّة
مفاخرهم أكثر؟ انتهى (٢).
(حَتَّى أَسْفَرَ) أي: أضاء الفجر إضاءة تامّةً، فالضمير في ((أسفر)) يعود إلى
الفجر المذكور أوّلاً، وقوله: (جِدّاً) بكسر الجيم؛ أي: إسفاراً بليغاً.
قال المحبّ الطبريّ تَخْتُ: هذا كمال السنّة في المبيت بالمزدلفة، وعليه
اعتمد من أوجب ذلك، وقال أبو حنيفة: إذا لم يكن بها بعد طلوع الفجر لزمه
دم إلا لعذر من ضعف أو غيره، فإن كان بها أجزأه، وإن لم يكن قبله، وهو
ظاهر ما نقله البغويّ عن مالك، وأحمد، وفي وجوب المبيت عندنا - يعني
(١) ((المفهم)) ٣٣٩/٣.
(٢) ((المرعاة)) ٣٦/٩.
٨٧
(١٨) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﴿ّ الطَّوِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠)
الشافعيّة - قولان: الأصحّ وجوبه، والمعتمد فيه أدنى جزء بعد نصف الليل إلى
طلوع الفجر، هذا المشهور، وللشافعيّ قول آخر إلى طلوع الشمس، فمن كان
بها فيه فلا شيء عليه، وإن لم يكن قبله، ومن دفع قبله فعليه دم على الأصحّ.
انتھی .
وقال ابن عابدين من الحنفيّة: الوقوف عند المشعر الحرم واجب عندنا
لا سنّة، والبيتوتة بمزدلفة سنّة مؤكّدة إلى الفجر، لا واجبة، خلافاً للشافعيّ
فيهما، كما في ((اللباب)). انتهى(١).
(فَدَفَعَ) أي: ذهب النبيّ وََّ إلى منى (قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ) هذا صريحٌ
في أنه ◌ّر ذهب إلى منى قبل طلوع الشمس، وبه أخذ الجمهور، قال
النوويّ ◌َخْثُ: اختلفوا في وقت الدفع من المشعر الحرام، فقال ابن مسعود،
وابن عمر، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وجماهير العلماء: لا يزال واقفاً فيه،
يدعو، ويذكر حتى يُسْفِر الصبح جدّاً، كما في هذا الحديث، وقال مالك:
يَدْفَع منه قبل الإسفار. انتهى(٢).
وقال الطبريّ كَّلهُ: قال أهل العلم: وهذه سنّة الإسلام أن يدفع من
المزدلفة عند الإسفار قبل طلوع الشمس، قال طاوس كَّتُهُ: كان أهل
الجاهليّة: يدفعون من عرفة قبل أن تغيب الشمس، ومن المزدلفة بعد أن تطلع
الشمس، ويقولون: أَشْرِق ثَبِير كيما نُغِير، فأخّر الله هذه، وقدّم هذه، قال
الشافعيّ ◌َظُّهُ: يعني قدّم المزدلفة قبل طلوع الشمس، وأخّر عرفة إلى أن تغيب
الشمس. انتهى.
وقوله: (وَأَرْدَفَ) يحتمل أنه معطوف على ((دَفَع))، أو حال من فاعل
((فَعَ))، بتقدير ((قد))؛ أي: وقد أردف (الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ) بن عبد المطّلب ◌ًِّا؛
أي: أركبه خلفه بدل أُسامة بن زيد ◌ِّ (وَكَانَ) أيّ: الفضل (رَجُلاً حَسَنَ
الشَّعْرِ، أَبْيَضَ) اللون (وَسِيماً) بفتح الواو، وكسر السين المهملة؛ أي: حسناً،
يقال: وَسُمَ بالضمّ وَسَامةً: حَسُن وجهه، وهو وَسِيمٌ(٣). (فَلَمَّا دَفَعَ رَسُولُ اللهِ وَلـ
(١) ((المرعاة)) ٣٦/٩ - ٣٧.
(٣) ((المصباح المنير)) ٦٦٠/٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٨٩/٨.
٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
مَرَّتْ بِهِ ظُعُنَّ) قال النوويّ تَخْلَتُهُ: الظّعُنُ بضمّ الظاء، والعين، ويجوز إسكان
العين: جميع ظَعِينة، كسَفِينة وسُفُن، وأصل الّعِينة البعير الذي عليه امرأة، ثم
تُسَمَّى به المرأة مجازاً؛ لملابستها البعير، كما أن الراوية أصلها الجمل الذي
يَحْمِل الماء، ثم تُسَمَّ به القِرْبة؛ لما ذكرناه. انتهى(١).
وقال الفيّوميّ ◌َّتُهُ: ظَعَنَ ظَعْناً، من باب نَفَعَ: ارتحَلَ، والاسم ظَعَنٌ
بفتحتين، ويتعدّى بالهمزة، وبالحرف، فيقال: أظعنته، وظَعَنْتُ به، والفاعل
ظاعنٌ، والمفعول مظعونٌ، والأصل مظعون به، ولكن حُذِفت الصلة؛ لكثرة
الاستعمال، وباسم المفعول سُمّي الرجل، ويقال للمرأة: ظَعِينةٌ، فَعِيلةٌ بمعنى
مفعولة؛ لأن زوجها يَظْعَن بها - أي: يَرْحَل بها - ويقال: الطّعِينة: الْهَوْدَجُ،
وسواء كان فيه امرأة أم لا، ويقال: الطّعِينة في الأصل وصفٌ للمرأة في
هَوْدجها، ثمّ سُمّيت بهذا الاسم، وإن كانت في بيتها؛ لأنها تصير مظعونةً.
(٢)
انتھی(٢).
(يَجْرِينَ) بضمّ حرف المضارعة، من الإجراء؛ أي: يُجرين رواحلهنّ، أو
بفتحها، من الجري؛ أي: يُسرعن في سيرهنّ (فَطَفِقَ) من بابِي فَرِحَ، وضَرَبَ،
طَفْقاً وطُفُوقاً؛ أي: شرع، وأخذ (الْفَضْلُ) ◌َبهِ (يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ) أي: إلى التُّعُن
(فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ) أي: ليمنعه من النظر إليهنّ، قال
النوويّ كَّلُهُ: فيه الحثّ على غضّ البصر عن الأجنبيات، وغضهنّ عن الرجال
الأجانب، وهذا معنى قوله: ((وكان أبيضَ وَسِيماً حَسَنَ الشعر))، يعنى أنه بصفة
مَن تُفْتَتن النساء به؛ لحسنه، وفي رواية الترمذيّ وغيره في هذا الحديث: أن
النبيّ وَل﴿ لَوَى عنق الفضل، فقال له العباس: لَوَيتَ عنق ابن عمك؟ قال:
((رأيت شابّاً وشابّة، فلم آمن الشيطان عليهما))، فهذا يدلُّ على أن وضعه وَه
يده على وجه الفضل، كان لدفع الفتنة عنه وعنها، وفيه أن من رأى منكراً،
وأمكنه إزالته بيده لزمه إزالته، فإن قال بلسانه، ولم ينكَفّ المقول له، وأمكنه
بيده، أثم ما دام مقتصراً على اللسان، والله أعلم. انتهى(٣).
(١) (شرح النوويّ)) ١٨٩/٨ - ١٩٠.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٩٠/٨.
(٢) ((المصباح المنير)) ٣٨٥/٢.
٨٩
(١٨) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ﴿هُ الطَّوِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠)
وقال القرطبيّ تَخْتُ: ووضع رسول الله ◌َ و يده على وجه الفضل: إنما
كان خوفاً من الفتنة عليه، وكونه وَّ﴿ لم ينهه عن ذلك ولم يزجره؛ دليل: على
أنه لم يفعل محرماً، وقال بعض مشايخنا: ستر الوجه عن النساء سُنَّة، وكان
الحجاب على أزواج النبيّ وَل﴿ واجباً. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال القرطبيّ تَّثُهُ، والأوجه ما سبق عن
النوويّ ◌َُّهُ، فتأمّل، والله تعالى أعلم.
(فَحَوَّلَ الْفَضْلُ وَجْهَهُ إِلَى الشِّقِّ) بكسر الشين المعجمة؛ أي: الجانب
(الْآخَرِ) أي: غير الجانب الذي صرفه منه النبيّ وََّ، وقوله: (يَنْظُرُ) حال من
الفضل (فَحَوَّلَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ يَدَهُ مِنَ الشِّقِّ الْآخَرِ) أي: من جهة الجانب الذي
صرف منه وجه الفضل إلى الجهة الثانية التي ينظر منها مرّة أخرى (عَلَى وَجْهِ
الْفَضْلِ) متعلّق بـ((حوّل))، وقوله: (يَصْرِفُ وَجْهَهُ) حال من ((رسول الله))؛ أي:
حال كونه وَل﴿ صارفاً وجه الفضل (مِنَ الشِّقِّ الْآخَرِ) أي: من الجانب الثاني
الذي ينظر فيه إليهنّ، والمراد أنه وَ له منعه من النظر إليهنّ مرّة ثانية من الجانب
الثاني، وقوله: (يَنْظُرُ) حال أيضاً.
(حَتَّى أَتَّى) غاية لدفعه وَّهِ؛ أي: إلى أن أتى (بَطْنَ مُحَسِّرٍ) بضم الميم،
وفتح الحاء، وكسر السين المشددة المهملتين، اختلفوا فيه، فقيل: هو واد بين
مزدلفة ومنى، قال ابن القيّم تَخْتُ: ومُحَسِّرٌ بَرْزخ بين منى ومزدلفة، لا من هذه
ولا من هذه، وقيل: ما صبّ منه في المزدلفة فهو منها، وما صبّ منه في منى
فهو منها، وصوّبه بعضهم، وقد جاء في الحديث: ((والمزدلفة كلها موقف، إلا
بطن محسّر)) (٢)، فيكون على هذا قد أطلق بطن محسّر، والمراد منه ما خرج
من مزدلفة، وإطلاق اسم الكلّ على البعض جائزٌ مجازاً شائعاً.
وقال الطحاويّ: ليس وادي محسّر من منى، ولا من المزدلفة، فالاستثناء
في قوله: ((إلا بطن محسّر)) منقطع.
(١) «المفهم)) ٣٣٩/٣.
(٢) أخرجه مالك في ((الموطًا)) مرفوعاً بلاغاً، ثم أخرجه موصولاً موقوفاً على ابن
الزبير، وهو حديث صحيح، كما قال الشيخ الألبانيّ كَّفُ .
٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وسُمِّي بذلك؛ لأن فِيل أصحاب الفيل حُصِر فيه؛ أي: أعيا فيه، وَكَلَّ
ومنه قوله تعالى: ﴿يَقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُّ خَاسِتًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤]، قاله
النوويّ ركآتُ .
وقيل: لأنه يحسّر سالكينه، ويُتعبهم، يقال: حسّرت الناقة: أتعبتها،
وأهل مكة يسمّون هذا الوادي وادي النار، يقال: إن رجلاً اصطاد فيه، فنزلت
نار، فأحرقته(١).
(فَحَرََّكَ قَلِيلاً) أي: حرّك ◌َّهِ ناقته تحريكاً قليلاً، أو زماناً قليلاً، أو
مكاناً قليلاً؛ أي: يسيراً، وصح أنه وَلّ لما أتى محسراً أسرع ناقته حتى جاوز
الوادي، قال النوويّ: قدر رمية حجر، قال القاري: وأما ما صحّ عن ابن
وَّ أنه وَ* تركه من عرفة إلى منى، فمحمول على أنه تركه عند
عباس وأسامة
الزحمة؛ لأن الإثبات مقدم، لا سيما وهو أكثر رواةً، وأصح إسناداً، وقد
يُحْمَل على أنه أسرع في بعضه، وترك الإسراع في كلّه، مع أن القياس استبقاؤه
خشية المزاحمة الموجبة للوحشة، مع وجود الكثرة.
قال: ويُسَنّ أن يقول المارّ به ما جاء عن ابن عمر طوليًا،(٢) وروى
الطبرانيّ بعضه مرفوعاً :
مُعْتَرِضاً فِي بَظْنِهَا جَنِينُهَا
إِلَيْكَ تَعْدُو قَلِقاً وَضِيئُهَا
مُخَالِفاً دِينَ النَّصَارَى دِينُهَا قَدْ ذَهَبَ الشَّحْمُ الَّذِي يَزِينُهَا
((الوضين)): بِطَانٌ عَريضٌ يُنسَج من سُيُور، أو شَعَر، أو لا يكون إلا من
(١) راجع: ((المرعاة)) ٣٧/٩، والحكاية الأخيرة تحتاج إلى النظر في سندها، فأين
هو؟ والله تعالى أعلم.
(٢) جعله أبو بكر بن أبي شيبة كثّفُ لعمر ظُه، دون الشطر الأخير، لا لابن عمر رضي﴾
فقال في «مصنفه)) ٤٢٧/٣ :
(١٥٦٤٥) - حدّثنا علي بن هاشم، عن هشام، عن أبيه، قال: كان عمر يوضع،
يقول :
معترض في بطنها جنينها
إليك تعدو قلقاً وٍضِينها
مخالف دين النصارى دينها
وهذا الإسناد رجاله رجال الحسن، فإن علي بن هاشم صدوقٌ.
٩١
(١٨) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﴿هَ الطَّوِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠)
جلد، كذا في ((القاموس)) (١).
وذكر النوويّ كَّتُهُ في ((المجموع)) البيت الأول فقط، ونصّه:
قال أصحابنا: واستُحِبّ الإسراع فيه؛ للاقتداء بالنبيّ وَّ، ولأن وادي
محسِّرٍ كان موقف النصارى، فاستُحِب مخالفتهم، واستدلوا بما رواه البيهقيّ
ـُ كان يُوضِع،
بإسناده، عن الْمِسْوَر بن مَخْرَمة، أن عمر بن الخطاب
ويقول :
إِلَيْكَ تَعْدُو قَلِقاً وَضِينُهَا مُخَالِفاً دِينَ النَّصَارى دِينُهَا
قال البيهقيّ: يعني الإيضاع في وادي محسَّر، ومعنى هذا البيت: أن
ناقتي تَعْدُو إليك يا رب مسرعةً في طاعتك، قَلِقاً وَضِينُها، وهو الحبل الذي
كالْحِزَام، وإنما صار قَلِقاً من كثرة السير، والإقبال التامّ، والاجهاد البالغ في
طاعتك، والمراد صاحب الناقة، وقوله: ((مخالفاً دين النصارى دينها)) بنصب
(دينَ النصارى))، ورفع («دِينُها))؛ أي: إني لا أفعل فعل النصارى، ولا أعتقد
اعتقادهم، قال القاضي حسين في ((تعليقه)): يُستحب للمارّ بوادي محسر أن
يقول هذا الذي قاله عمر نظُّبه، والله تعالى أعلم(٢).
قال النوويّ ◌َّتُهُ: وأما قوله: ((فحَرَّك قليلاً)) فهي سنة من سنن السير في
ذلك الموضع، قال أصحابنا: يُسْرِع الماشي، ويُحَرِّك الراكب دابته في وادي
مُحَسِّر، ويكون ذلك قدر رَمْيَةِ حجر. انتهى.
وقال الشافعيّ تَخُّْ في ((الأُمّ)): وتحريكه وَلّه الراحلة فيه يجوز أن يكون
فعل ذلك لسعة الموضع، قال الطبريّ: وهكذا كلُّ من خرج من مضيق في
فضاء جرت العادة بتحريكه فيه، وقيل: يجوز أن يكون فعله؛ لأنه مأوى
الشياطين، وقيل: لأنه كان موقفاً للنصارى، فاستُحبّ الإسراع فيه.
وقال الإسنويّ تَخْثُ: وظهر لي معنى آخر في حكمة الإسراع، وهو أنه
مكان نزل فيه العذاب على أصحاب الفيل القاصدين هدم البيت، فاستُحبّ فيه
الإسراع؛ لما ثبت في ((الصحيح)) أمره وَّر المارّ على ديار ثمود ونحوهم
بذلك.
(١) ((القاموس المحيط)) ٢٧٦/٤.
(٢) ((المجموع)) ١٢٧/٨ - ١٢٨.
٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
قال ابن القيّم تَخّْثهُ: وهذه عادته وَله في المواضع التي نزل بها بأس الله
بأعدائه، وكذلك فعل في سلوكه الْحِجر، وديار ثمود تقنّع بثوبه، وأسرع السير.
انتھی .
وقال الشاه وليّ الله الدهلويّ رَّتُهُ: إنما أوضعِ وََّ بِالْمُحَسَّر لأنه محلّ
هلاك أصحاب الفيل، فمِن شأن من يخاف الله وسطوته أن يستشعر الخوف في
ذلك الموطن، ويهرُب من الغضب، ولَمّا كان استشعاره أمراً خفيّاً ضُبِطَ بفعل
ظاهر، مُذكِّر له، منبِّه للنفس عليه - أي: وهو الإسراع. انتهى.
قال الزرقانيّ كَّلُ: وهذا الجواب - أي: ما قاله الطبريّ، وابن القيّم،
والإسنويّ في وجه التسمية بالمحسَّر، وفي حكمة الإسراع فيه - مبنيّ على
قول، الأصل خلافه، وهو أن أصحاب الفيل لم يدخلوا الحرم، وإنما أُهلكوا
قرب أوّله.
وقال القاري تخلّلهُ: المرجّح عند غير هؤلاء أنهم لم يدخلوه، وإنما
أصابهم العذاب قبيل الحرم قرب عرفة، فلم ينج منهم إلا واحد أخبر مَن
وراءهم. انتهى(١).
(ثُمَّ سَلَكَ) بَّهِ (الطَّرِيقَ الْوُسْطَى) وهي غير طريق ذهابه إلى عرفات،
وذلك كان بطريق ضبّ، وهذا طريق المأزِمين، وهما جبلان، قال
النوويّ ◌َُّهُ: فيه أن سلوك هذا الطريق في الرجوع من عرفات سنةٌ، وهو غير
الطريق الذي ذهب فيه إلى عرفات، وهذا معنى قول أصحابنا: يذهب إلى
عرفات في طريق ضَبّ، ويرجع في طريق المأُزِمين؛ ليخالف الطريق، تفاؤلاً
بتغير الحال، كما فعل النبيّ ◌َ﴿ في دخول مكة حين دخلها من الثنية العليا،
وخرج من الثنية السفلى، وخرج إلى العيد في طريق، ورجع في طريق آخر،
وحَوَّل رداءه في الاستسقاء. انتهى(٢).
(الَّتِي تَخْرُجُ) وفي رواية أبي داود، والنسائيّ، وابن ماجه: ((التي
تُخرجك)) (عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى) قال النوويّ تَخَّتُهُ: الجمرة الكبرى هي جمرة
العقبة، وهي الجمرة التي عند الشجرة، وقوله: (حَتَّى أَتَّى) غاية لسلوكه ◌َّ؛
(١) ((المرعاة)) ٩/ ٣٧ - ٣٨.
(٢) (شرح النوويّ)) ١٩٠/٨.
٩٣
(١٨) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ رِ﴿ّ الطَّوِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠)
أي: إلى أن وصل (الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ) أي: جمرة العقبة، وهذا يدلّ
على أنه كان إذ ذاك هناك شجرة (فَرَمَاهَا) أي: ضحّى، كما جاء في الرواية
الأخرى.
قال الشاه وليّ الله الدهلويّ كَُّ: والسر في رمي الجمار ما ورد في
نفس الحديث، من أنه إنما جعل لإقامة ذكر الله، وتفصيله أن أحسن أنواع
توقيت الذكر، وأكملها، وأجمعها لوجوه التوقيت، أن يُوَقَّت بزمان، وبمكان،
ويقام معه ما يكون حافظاً لعدده، محقّقاً لوجوده، على رءوس الأشهاد، حيث
لا يخفى شيء، وذكر الله تعالى نوعان: نوع يقصد به الإعلان بانقياده لدين الله،
والأصل فيه اختيار مجامع الناس، دون الإكثار، ومنه الرمي، ولذلك لم يؤمر
بالإكثار هناك، ونوع يقصد به انصياع النفس بالتطلع للجبروت، وفيه الإكثار،
وأيضاً ورد في الأخبار ما يقتضي أنه سنة سَنّها إبراهيم؛ حين طرد الشيطان،
ففي حكاية مثل هذا الفعل تنبيهٌ للنفس أيُّ تنبيه. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: أحسن ما ذُكر من حكمة تشريع رمي الجمار،
هو ما جاء عن ابن عبّاس يرفعه قال: ((لَمّا أتى إبراهيم خليل الله المناسك،
عَرَض له الشيطان عند جمرة العقبة، فرماه بسبع حصيات، حتى ساخ في
الأرض، ثم عَرَض له عند الجمرة الثانية، فرماه بسبع حصيات، حتى ساخ في
الأرض، ثم عَرَض له عند الجمرة الثالثة، فرماه بسبع حصيات، حتى ساخ في
الأرض))، قال ابن عباس: ((الشيطانَ ترجمون، وملةَ أبيكم تتّبعون))، أخرجه
ابن خزيمة في ((صحيحه))، والحاكم واللفظ له، وصححه على شرط الشيخين.
وقال النوويّ كَّتُهُ: فيه أن السنة للحاجّ إذا دفع من مزدلفة، فوصل منى
أن يبدأ بجمرة العقبة، ولا يفعل شيئاً قبل رميها، ويكون ذلك قبل نزوله.
قال: وأما حكم الرمي، فالمشروع منه يوم النحر رمي جمرة العقبة لا
غير، بإجماع المسلمين، وهو نسك بإجماعهم، ومذهبنا أنه واجب ليس بركن،
فإن تركه حتى فاتته أيام الرمي عصى، ولزمه دم، وصحّ حجه، وقال مالك:
یفسد حجه. انتھی(٢).
(١) ((حجة الله البالغة)) ٥٤٤/١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٩١/٨.
٩٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
(بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ) متعلّق بـ((رماها))، وفيه أن الرمي يكون بسبع حصيات،
قال النوويّ كَخْتُ: ويجب رميها بسبع حصيات، فلو بقيت منهنّ واحدة لم تكفه
الست. انتهى، وعند الحنفيّة إذا ترك أكثر السبع لزمه دمٌ، كما لو لم يرم
أصلاً، وإن ترك أقلّ منه، كثلاث فما دونها، فعليه لكلّ حصاة صدقةٌ، ولا
يشترط الموالاة بين الرميات، بل يُسنّ، ويكره تركها .
وقال النوويّ: ولا يجوز عند الشافعيّ، والجمهور الرمي بالكحل،
والزرنيخ، والذهب، والفضة، وغير ذلك مما لا يُسَمّى حجراً، وجوّزه أبو
حنيفة بكل ما كان من أجزاء الأرض؛ أي: من جنسها؛ كالحجر، والمدر،
والتبن، والْمَغَرة، وكلّ ما يجوز التيمّم به.
(يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا) قال النوويّ كَُّ: فيه أنه يُسَنّ التكبير مع كل
حصاة، وفيه أنه يجب التفريق بين الحصيات، فيرميهنّ واحدة واحدةً، فإن رَمَی
السبعة رميةً واحدةً حُسِب ذلك كله حصاة واحدة عندنا وعند الأكثرين، وموضع
الدلالة لهذه المسألة: ((يكبر مع كل حصاة))، فهذا تصريح بأنه رمى كلَّ حصاة
وحدها، مع قوله { 8* في الحديث الآتي بعد هذا، في أحاديث الرمي:
(لتأخذوا عني مناسككم)). انتهى.
(مِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ) بجرّ ((مثل)) على البدلّة من ((حصاة))، ويجوز قطعه
إلى الرفع، والنصب، بتقدير ((هي))، و((أعني)).
و((الخَذْف)) بفتح الخاء، وسكون الذال المعجمة، قال في ((النهاية)):
الخذف: هو رَمْيُك حصاةً، أو نواةً تأخذها بين سبّابتيك، وترمي بها، والمراد
بيان مقدار الحصى التي يُرمى بها في الصغر والكبر، وفسّروا حصى الخذف
بقدر حبّة الباقلّاء.
وقال الفيّوميّ تَظْلُهُ: خَذَفتُ الحصاةَ ونحوَها خَذْفاً، من باب ضرب:
رميتها بطرفي الإبهام والسبّابة، وقولهم: يأخذ حصى الخذف: معناه: حصى
الرمي، والمراد الحصى الصغار، لكنه أُطلق مجازاً. انتهى(١).
وقال النوويّ نَظُّ: وفيه أن الرمي بسبع حصيات، وأن قدرهنّ بقدر
(١) ((المصباح المنير)) ١٦٥/١.
٩٥
(١٨) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ رَّ الطَّوِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠)
حصى الخذف، وهو نحو حَبّة الباقلّاء، وينبغي ألا يكون أكبر، ولا أصغر،
فإن كان أكبر، أو أصغر، أجزأه بشرط كونها حجراً. انتهى.
وقال المحبّ الطبريّ: قال عطاء بن أبي رَبَاح: حصى الخذف مثل طرف
الأصابع، وقال الشافعيّ: هو أصغر من الأنملة طولاً وعرضاً، ومنهم من قال:
كقدر النواة، ومنهم من قال: بقدر الباقلّاء، وفيه تنبيه على استحباب الرمي
بذلك. انتھی(١).
[تنبيه]: قوله: ((مثل حصى الخذف)) هكذا هو في بعض نسخ مسلم
بإثبات لفظة ((مثل))، وهو الذي وقع في نسخة ((شرح الأبيّ))، ونسخة محمد
ذهني، وكذا هو عند أبي داود، والبيهقيّ، وقع في أكثر نسخ مسلم بإسقاطها،
ولفظه: ((فرماها بسبع حصيات، يكبّر مع كلّ حصاة منها))، حصى الخذف، قال
النوويّ تَكْثُهُ: هكذا هو في النسخ، وكذا نقله القاضي عياض عن معظم
النسخ، قال: وصوابه ((مثل حصى الخذف))، قال: وكذلك رواه غير مسلم،
وكذا رواه بعض رواة مسلم. انتهى كلام القاضي.
قال النوويّ: والذي في النسخ من غير لفظة ((مثل)) هو الصواب، بل لا
يتجه غيره، ولا يتم الكلام إلا كذلك، ويكون قوله: ((حصى الخذف)) متعلقاً
بـ((حصيات))؛ أي: رماها بسبع حصيات حصى الخذف، يكبر مع كل حصاة،
فحصى الخذف متصل بحصيات، واعتَرَض بينهما ((يكبر مع كل حصاة))، وهذا
هو الصواب. انتهى كلام النوويّ.
قال القاري تَخُّْ - بعد نقل كلام النوويّ هذا -: وعندي أن اتصال
((حصى الخذف)) بقوله: ((مع كل حصاة)) أقرب لفظاً، وأنسب معنى، ومع هذا
لا اعتراض، ولا تخطئة على إحدى النسختين، فإن تعلقه بحصاة، أو حصيات
لا ينافي وجود ((مثل)) لفظاً، أو تقديراً، غايته أنه إذا كان موجوداً فهو واضح
معنىّ، وإلا فيكون من باب التشبيه البليغ، وهو حذف أداة التشبيه؛ أي:
كحصى الخذف، بل لا يظهر للتعلق غير هذا المعنى، فالروايتان صحيحتان،
وما سيأتي في الحديث عن جابر ظته، رواه الترمذي بلفظ: ((وأمرهم أن يرموا
(١) ((المرعاة)) ٣٩/٩.
٩٦
ـ
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
بمثل حصى الخذف))، ورَوَى مسلم عنه بلفظ: ((رمى الجمرة بمثل حصى
الخذف)) يُرَجِّح وجود المثل، ويؤيّد تقديره. انتهى كلام القاري ◌َّتُهُ(١)، وهو
تحقيقٌ مفيدٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
وقوله: (رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي) بدل من قوله: ((فرماها))، أو استئناف
بيانيّ، وهو الأظهر، كما قال القاري، والاستئناف البياني ما وقع جواباً عن
سؤال مقدّر، والتقدير هنا: من أين رمى؟ فأجاب بأنه رمى من بطن الوادي،
والله تعالى أعلم.
قال النوويّ ◌َخُّْ: وفيه أن السنة أن يقف للرمي في بطن الوادي، بحيث
تكون منى وعرفات والمزدلفة عن يمينه، ومكة عن يساره، وهذا هو الصحيح
الذي جاءت به الأحاديث الصحيحة، وقيل: يَقِف مستقبل الكعبة، وكيفما رمى
أجزأه، بحيث يسمى رمياً بما يسمى حجراً، والله أعلم. انتهى.
(ثُمَّ انْصَرَفَ) أي: رجع ◌َّهُ عن جمرة العقبة (إِلَى الْمَنْحَرِ) بفتح الميم؛
أي: موضع نحر البدن، قال القاري كظُّ: والآن يقال له: المذبح؛ لعدم
النحر، أو تغليباً للأكثر، كما غلب في الأول للأفضل، وهو قريب من جمرة
العقبة، وأما ما اشتهر من صورة مسجد بُنِي قريب من الجمرة الوسطى،
منحرف عن الطريق إلى جهة اليمن، وبُني بإزائه على الطريق مسجدٌ، تسميه
العامة مسجد النحر، فليس هو، بل الأصح أن منحره و 98 في منزله الذي بقرب
مسجد الخيف، متقدماً على قبلة مسجد الخيف. انتهى (٢).
وقال الزرقانيّ: المنحر موضع معروفٌ بمنى، وكلَّها منحر، كما في
الحديث، قال ابن التين: منحر النبيّ وَّر عند الجمرة الأولى التي تلي
المسجد، فللنحر فيه فضيلة على غيره؛ لقوله وَله: «هذا المنحر، وكلُّ منى
منحرٌ))، وقال عياض: فيه دليلٌ على أن المنحر موضع معيّنٌ من منى، وحيث
يَذبح منها أو من المحرم أجزأه. انتهى.
(فَتَحَرَ ثَلَاناً وَسِتِّينَ بِيَدِهِ) قال النوويّ كَثُهُ: هكذا هو في النسخ («ثلاثاً
(١) ((مرقاة المفاتيح)) ٤٧٤/٥.
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) ٤٧٥/٥.
٩٧
(١٨) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﴿هَا الطَّوِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠)
وستين بيده))، وكذا نقله القاضي عن جميع الرواة، سوى ابن ماهان، فإنه رواه
((بدنةً))، قال: وكلامه صوابٌ، والأول أصوب، قال النوويّ: وكلاهما
صحیح، فنحر ثلاثاً وستين بدنةً بيده.
وقال المحبّ الطبريّ تَخْذَثُ: قوله: «ثلاثاً وستين بيده)) فيه استحباب ذبح
المرءِ هديه بنفسه، وعند ابن ماهان: ((بدنة)) مكان ((بيده)»، وكلّ صوابٌ،
و((بيده)) أصوب؛ لقوله: ((ثم أعطى عليّاً، فنحر ما غَبَرَ))، ويجوز أن يقال:
(بدنةً)) أصوب؛ لأن قوله: ((بيده)) لا يفيد أن المنحور بدنة، أو غيرها، بخلاف
قوله: ((بدنةً))، وإسناد الفعل إليه يفيد أنه فعل بنفسه من حيث الظاهر، فلا
حاجة إلى قوله: ((بيده))، وذكر بعض أهل المعاني أن نحر النبيّ وَّ ثلاثاً
وستين بدنة إشارة إلى منتهى عمره، ويكون قد أهدى من كلّ عام بدنة. انتهى.
وقال الشاه وليّ الله الدهلويّ: إنما نحر ◌َليل بيده هذا العدد؛ ليشكر ما
أولاه الله تعالى في كلّ سنة من عمره ببدنة. انتهى(١).
وفيه استحباب تكثير الهدي، وكان هدي النبيّ وَّه في تلك السنة مائة
بدنة، كما يأتي قريباً.
وقال القرطبيّ تَخْتُ: قوله: ((فنحر ثلاثاً وستين بيده)) هكذا رواية
الجماعة، وعند ابن ماهان: ((بدنة)) مكان ((بيده)) وكلُّ صواب، وفيه ما يدل على
أن الأولى للمهدي أو للمضحي أن يتولى ذلك بيده.
وإعطاؤه ما بقي لعليٍّ لينحرها دليل على صحة النيابة في ذلك، غير أنه
روي في غير كتاب مسلم: أنه إنّما أعطاه إياها ليهديها عن نفسه، ويدل عليه
قوله: ((وأشركه في هديه)) وعلى هذا: فلا يكون فيه حجة على الاستنابة،
وقيل: إنما نحر النبيّ ◌َو ثلاثاً وستين بدنة؛ لأنها هي التي أتى بها من
المدينة، كما ذكره الترمذيّ، وقيل: إنما خصَّ النبيّ ◌َ و ذلك العدد؛ لأنه
منتهى عمره؛ على ما هو الأصح في ذلك، فكأنه أهدى عن كل سنة من عمره
بدنة. انتھی(٢).
(ثُمَّ أَعْطَى) بالبناء للفاعل (عَلِيّاً) تَظ ◌ُبه، والمفعول الثاني محذوف؛ أي:
(١) راجع: ((المرعاة)) ٤٠/٩.
(٢) ((المفهم)) ٣٤١/٣.
٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
بقيّة البُدْن (فَنَحَرَ) بالبناء للفاعل؛ أي: نحر عليّ ◌َُّه (مَا غَبَرَ) ((ما)) موصولة
مفعول ((نحر))، و((غبر)) بفتح الغين المعجمة، وفتح الموحّدة، مبنيّاً للفاعل؛
أي: بقي، يقال: غَبَر الشيءُ غُبُوراً، من باب قعد: بقي، وقد يُستعمل فيما
مضى أيضاً، فيكون من الأضداد، وقال الزُّبيديّ: غَبَر غُوراً: مَكَثَ، وفي لغة
بالمهملة للماضي، وبالمعجمة للباقي، قاله الفيّوميّ كَذّتُهُ(١) .
وفيه جواز الاستنابة في نحر الهدي، وذلك جائز بالإجماع إذا كان
النائب مسلماً، قال النوويّ: ويجوز عندنا أن يكون النائب كافراً كتابيّاً بشرط
أن ينوي صاحب الهدي عند دفعه إليه، أو عند ذبحه، وفيه أيضاً استحباب
تعجيل ذبح الهدايا، وإن كانت كثيرة في يوم النحر، ولا يؤخر بعضها إلى أيام
التشريق. انتهى.
(وَأَشْرَكَهُ) أي: أشرك النبيّ وَّهِ عليّاً رَُّه (فِي هَدْبِهِ) قال النوويّ كَّتُ:
ظاهره أنه شاركه في نفس الهدي، قال القاضي عياض ◌َّهُ: وعندي أنه لم
يكن تشريكاً حقيقةً، بل أعطاه قدراً يذبحه. انتهى(٢).
[تنبيه]: روى أبو داود عن عليّ ◌َظُله: لَمّا نَحَر رسول الله وَلْ بُدنه،
فنحر ثلاثين بيده، وأمرني، فنحرت سائرها، وفيه محمد بن إسحاق، وهو
مدلّسٌ، وقد عنعنه، وبه أعلّه ابن المنذر.
وروى أبو داود أيضاً عن غرفة(٣) بن الحارث الكِنْديّ ظُبه، قال:
شهدت رسول الله ◌َ﴿ في حجة الوداع، وأُتي بالبدن، فقال: ((ادعوا لي أبا
حسن))، فدُعي له عليّ، فقال: ((خذ بأسفل الحربة))، وأخذ رسول الله واليوم
بأعلاها، ثم طعنا بها البدن، فلما فرغا ركب بغلته، وأردف عليّاً.
وجمع الوليّ العراقيّ ◌َّتُ باحتمال أنه ◌َّه انفرد بنحر ثلاثين بدنة، وهي
التي في حديث عليّ، واشترك هو وعليّ في نحر ثلاث وثلاثين بدنةً، وهي
المذكورة في حديث غرفة، وقول جابر: ((نحر ثلاثاً وستين))، مراده: كلّ ما له
(١) ((المصباح المنير)) ٤٤٢/٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٩٢/٨.
(٣) ((غرفة)) بغين معجمة مفتوحة، وقيل: مهملة، وهو وَهَمٌ، وقال الخزرجيّ: بضمّ
أوله، وإسكان ثانيه، وقال الْفَتَّنِيّ في ((المغني)): بغين، وراء، وفاء مفتوحات.
٩٩
(١٨) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ◌ِ﴿ّ الطَّوِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠)
دخلٌ في نحره، إما منفرداً به، أو مع مشاركة عليّ
وجمع الحافظ ◌َّثُ بين حديثي عليّ وجابر ﴿ه بأنه وَلّ نحر ثلاثين، ثم
أمر عليّاً أن ينحر، فنحر سبعاً وثلاثين، ثم نحر وّ ل ثلاثاً وثلاثين، قال: فإن
ساغ هذا، وإلا فما في (الصحيح)) أصحّ؛ أي: مع مشاركة عليّ؛ ليلتئم مع
حديث غرفة، وإن لم يذكره.
وقال عياض رَّتُهُ: والظاهر أن النبيّ وَّ نحر الْبُدْن التي جاءت معه من
المدينة، وكانت ثلاثاً وستين، كما جاء في رواية الترمذيّ، وأعطى عليّاً البدن
التي جاءت معه من اليمن، وهي تمام المائة. انتهى.
وقال الطبريّ تَخُّْ بعد ذكر حديث غرفة: يجوز أن يكون هذا في غير
المائة المذكورة، أو يكون في الثلاث والستين منها، وأُضيف الفعل إليه وَله؛
لأن من مسك بأعلى الحربة كان هو المتمكّن من النحر دون الآخر، والله
أعلم.
وقد روى أنس مظبه أن النبيّ وَّ نحر في حجته سبع بدنات، أخرجه
البخاريّ، وذكره ابن حزم، وقال في الجمع بين الأحاديث: يُخَرَّج هذا على
وجوه :
أحدها: أنه وَلـ لم ينحر بيده أكثر من هذه السبع، وأمر من نحر من بعد
ذلك إلى ثلاث وستين بحضرته، ثم غاب، وأمر عليّاً بنحر ما بقي إما بنفسه،
أو بالإشراف على ذلك.
الثاني: أن يكون أنس رُه لم يشاهد إلا نحره وَ لل سبعاً فقط بيده،
وشاهد جابر تمام نحره ◌َ ﴿ الباقي، فأخبر كلّ منهما بما رأى.
الثالث: أنه نحر بيده منفرداً سبع بدنات، ثم أخذ هو وعليّ الحربة،
فنحرا كذلك تمام ثلاث وستين، كما قاله غرفة بن الحارث الكنديّ، ثم انفرد
عليّ بنحر الباقي من المائة، كما قال جابر.
قال ابن القيّم ◌َخّْتُهُ: (فإن قيل]: فكيف تصنعون بالحديث الذي رواه
أحمد، وأبو داود عن عليّ رَبه، قال: لَمّا نحر رسول الله وَلْ بُدنه، فنحر
ثلاثين بيده، وأمرني فنحرت سائرها؟
[قلنا]: هذا غلطٌ، انقلب على الراوي، فإن الذي نحر ثلاثين هو
١٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
عليّ رَظُه، والنبيّ وَّ نحر سبعاً بيده، لم يشاهده عليّ، ولا جابر، ثم نحر
ثلاثاً وستين أخرى، فبقي من المائة ثلاثون، فنحرها عليّ، فانقلب على الراوي
عدد ما نحره عليّ بما نحره النبيّ ◌َد .
[فإن قيل]: فما تصنعون بحديث عبد الله بن قُرط، قال: قرّب
لرسول الله ◌َ ﴿ بدنات خمس، فطفِقن يزدلفن إليه بأيتهنّ يبدأ ... الحديث،
أخرجه أبو داود، وغيره؟
[قيل]: نقبله، ونصدّقه، فإن المائة لم تقرب إليه جملة، وإنما كانت
تقرب إلیه أرسالاً، فقرّب منهنّ إلیه خمس بدنات رسلاً، وكان ذلك الرسل
يُبادرن، ويتقرّين إليه ليبدأ بكلّ واحدة منهن. انتهى كلام ابن القيّم ◌َّتُهُ، وهو
تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم.
وقال الطبريّ تَّقُ بعد ذكر وجوه الجمع المذكورة عن ابن حزم: ليس
في واحد من هذه الوجوه الثلاثة جمع بين الأحاديث الثلاثة، فإن الأول والثاني
يخرج منهما حديث غرفة، والثالث يخرج منه حديث جابر، والأولى أن يقال:
نحر سبعاً منفرداً، ثم تمام الثلاث والستين هو وعليّ رُه، ونُسب الفعل
إليه وَ﴿ لما ذكرناه، ثم أمر عليّاً بنحر ما بقي من المائة، والله تعالى أعلم(١).
(ثُمَّ أَمَرَ) بالبناء للفاعل؛ أي: أمر النبيّ وَِّ (مِنْ كُلُّ بَدَنَةٍ) أي: من
المائة (بِبَضْعَةٍ) بفتح الباء الثانية؛ أي: بقطعة من لحمها، قال النوويّ: البضعة
بفتح الباء لا غير، وهي القطعة من اللحم، وقال الجوهريّ: هذه بالفتح،
وأخواتها بالكسر، مثل القِطعة، والْفِلْذة، والْفِدرة، والكِسفة، والخرقة، وفي
العدد تُكسر وتفتح، مذكراً كان أو مؤنّئاً. انتهى(٢).
(فَجُعِلَتْ) بالبناء للمفعول؛ أي: جُعلت تلك القطع (فِي قِدْرٍ) بكسر
القاف: لأنْ يُطبخ فيه، وهي مؤنثة، ولهذا تدخل الهاء في التصغير، فيقال:
قُديرةٌ، وجمعها قُدُورٌ، مثلُ حَمْل وحُمُول(٣). (فَطُبِخَتْ) بالبناء للمفعول (فَأَكَلَا
مِنْ لَحْمِهَا، وَشَرِبًا مِنْ مَرَقِهَا) قال المظهر: الضمير المؤنّث يعود إلى القدر؛
(١) ((المرعاة)) ٤١/٩ -٤٢.
(٣) ((المصباح المنير)) ٤٩٢/٢.
(٢) ((المرعاة)) ٤٢/٩.