Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١
(١٨) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﴿هُ الطَّوِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠)
بجواز ذلك مطلقاً، وهم أهل الظاهر، وقد صرف هذا الظاهر الجمهور إلى:
أن السؤال إنما كان عن فِعْل العمرة في أشهر الحج، فأجاب بذلك، وعلى
هذا: فيكون معنى ((دخلت العمرة في الحج))؛ أي: في أشهر الحج. وقيل:
دخلت العمرة في الحج؛ أي: في حق القارن، والذي حملهم على هذه
التأويلات ما تقدَّم من أن الأصل وجوب الإتمام لما دخل فيه من الحج
والعمرة، وأن الصحابة قد قالوا: إن ذلك كان مخصوصاً بهم كما تقدَّم، والله
تعالى أعلم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أن ما دلّ عليه الظاهر من أن المراد
فسخ الحج إلى العمرة، وأن ذلك ليس خاصّاً بالصحابة هو الحقّ؛ لظهور
أدلّته، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(فَشَبَّكَ رَسُولُ اللهِ وَهِ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الْأُخْرَى) ((واحدةً)) منصوب بعامل
مضمر؛ أي: جاعلاً واحدةً من الأصابع في الأخرى، والحال مؤكّدة (وَقَالَ) ◌َِيد
((دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ) زاد في رواية أحمد، وابن الجارود: ((إلى يوم
القيامة)) (مَرَّتَيْنِ) أي: قال ذلك مرّتين، وقوله: (لَا) أي: ليس لعامنا هذا فقط،
قال الطيبيّ تَُّهُ: قوله: ((لا)) هو جواب عن السؤال، وهو مشكلٌ؛ لأن السؤال
بـ((أم)) المعادلة إنما يُتلقّى في الجواب بأحد المتعادلين المستويين على التعيين،
فالوجه أن يُحمَل على التشديد، وأن يقدّر: ليس لعامك هذا، بل أبد أبد،
وتكرير ((أبد)) ينصر ما ذكرنا من التشديد، كما إذا سأل سائل عن الأمر الثابت
بـ((أم)) المتّصلة، فيكون الردّ بإيراد أم في غير موقعه، وقد سبق مثله في قوله {وَلات :
((كلّ ذلك لم يكن)) جواباً عن سؤال ذي اليدين: ((أقُصِرت الصلاة، أو
نسيت؟)). انتهى (٢).
(بَلْ لِأَبَدٍ أَبَدٍ))) بالتنوين مكرّراً للتأكيد، أو بإضافة الأول إلى الثاني، وفي
بعض النسخ: ((لأبدِ الأبدِ))، والأبد: الدهر؛ أي: هذا لآخر الدهر، وزاد في
رواية أحمد، وابن الجارود: ((ثلاث مرّات))، يعني أن ذلك جائز في كلّ عام،
(١) ((المفهم)) ٣٢٨/٣ - ٣٢٩.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٩٦٢/٦ - ١٩٦٣.
٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
لا يختصّ بعام دون عام إلى يوم القيامة، وكرّر ذلك ثلاث مرّات للتأكيد،
وشبّك بين أصابعه إشارة إلى اشتراك الأعوام في ذلك بدون اختصاص أحدها .
[تنبيه]: قد اختلف العلماء في سؤال سُراقة هذا:
فقال بعضهم: المراد منه الإتيان بالعمرة في أشهر الحجّ.
وذهب آخرون إلى أن المراد بذلك القران، يعني اقتران الحج بالعمرة.
وقال آخرون: المراد منه فسخ الحجّ إلى العمرة.
فعلى الأول يكون معنى قوله وَلّى: ((دخلت العمرة في الحجّ)) أي: حلّت
العمرة في أشهر الحجّ وصحّت، والمقصود إبطال ما زعمه أهل الجاهليّة من
أن العمرة لا تجوز في أشهر الحجّ، وعليه الجمهور.
وعلى الثاني: دخلت العمرة في الحجّ؛ أي: اقترنت به، لا تنفكّ عنه
لمن نواهما معاً، وتندرج أفعال العمرة في أفعال الحجّ حتى يتحلّل منهما معاً،
قيل: ويدلّ عليه تشبيك أصابعه.
وتُعُقّب بأنه حينئذ لا مناسبة بين السؤال والجواب، فتدبّر.
وعلى الثالث؛ أي: دخلت نيّة العمرة في نيّة الحجّ، بحيث إن من نوى
الحجّ صحّ له الفراغ منه بأفعال العمرة، قال النوويّ: وهو ضعيف، وقال
القاري بعد ذكره: أقول: هذا هو الظاهر من سياق الحديث، والله تعالى أعلم.
وقال الحافظ: وتُعُقّب ــ أي: قول النووي - بأن سياق السؤال يقوّي هذا
التأويل، بل الظاهر أن السؤال وقع عن الفسخ، والجواب وقع عما هو أعمّ
من ذلك، حتى يتناول التأويلات المذكورة. انتهى.
وقيل: معنى دخولها في الحجّ سقوط وجوب العمرة بوجوب الحجّ، قال
النوويّ: وسياق الحديث يقتضي بطلان هذا التأويل.
قال صاحب ((المرعاة)): قلت: حديث جابر ظلبه هذا صريح في أن سؤال
سراقة بظلاله عن فسخ الحجّ إلى العمرة، وجواب النبيّ وَّ له يدلّ على تأييد
مشروعيّته كما ترى؛ لأن الجواب مطابق للسؤال، ومعنى فسخ الحجّ إلى العمرة
أن من أحرم بالحجّ مفرداً، أو قارناً، ولم يسق الهدي، وطاف بالبيت، وسعى بين
الصفا والمروة قبل الوقوف بعرفة له أن يفسخ نيّته بالحجّ، وينوي عمرة مفردةً،
فقصّر، ويتحلّل من إحرامه؛ ليصير متمتّعاً. انتهى كلام صاحب ((المرعاة)).
٤٣
(١٨) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﴿ّ الطَِّيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠)
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله صاحب ((المرعاة)) تَخْذَّتُهُ تحقيقٌ
نفيسٌ جدّاً، وحاصله أن حمل حديث جابر طلبه هذا على أن المراد به هو
فسخ الحج إلى العمرة هو الصواب؛ لأنه صريح في ذلك، وأما ما عداه من
التأويلات فضعيف؛ إذ يردّه سياق السؤال والجواب، فلا ينبغي حمل الحديث
عليه، فتبصّر بالإنصاف، وقد تقدّم تحقيق ذلك بأدلّته في الباب الماضي،
فراجعه تستفد علماً جمّاً، وبالله تعالى التوفيق.
(وَقَدِمَ عَلِيٍّ) أي: ابن أبي طالب ◌َظُهُ (مِنَ الْيَمَنِ) لأنه ◌َّهِ كان بعثه
إليها، قال ابن إسحاق: حدّثني عبد الله بن أبي نَجِيح أن رسول الله وَلّ كان
بعث عليّاً إلى نجران، فلقيه بمكة، وقد أحرم، وفي رواية عطاء، عن جابر
السابقة: ((فقدم عليّ من سعايته))، وتقدم البحث فيها. (بِيُدْنِ النَّبِيِّ وََّ) بضمّ
الموحّدة، وسكون الدال: جمع بدنة بفتحتين، وهي تقع على الجمل والناقة،
وتطلق على البقرة أيضاً، وسُمّيت بذلك؛ لعظمها وسِمَنها.
ونُسبت للنبيّ وَّهِ لأن عليّاً بَظُبه اشتراها له، لا أنها من السعاية على
الصدقة، كما يتبادر إلى الذهن، وكان عددها سبعاً وثلاثين بدنةً، وكان عدد
الهدي الذي ساقه النبيّ وَلجر معه من المدينة ثلاثاً وستين بدنةً، كما جاء في
رواية الترمذيّ، وأعطى عليّاً البدن التي جاءت معه من اليمن، وهي تمام
المائة، قال الزرقانيّ: ظاهر قوله: ((قدم عليّ من اليمن ببدن النبيّ (وَلِ﴾) أن
البدن للنبيّ وَّر، وفي رواية النسائيّ، وأحمد، وابن الجارود: ((قدِم عليّ من
اليمن بهديٍ، وساق النبيّ وَّ﴿ من المدينة هدياً))، وظاهره أن الهدي كان
لعليّ رَظُهُ، فَيَحْتَمل أن عليّاً قَدِمَ من اليمن بهدي لنفسه، وهدي النبيّ ◌َّ،
فذكر كلّ راو واحداً منهما. انتهى، وسيأتي مزيد البحث في هذا عند ذكر نحر
هذه البُذْن - إن شاء الله تعالى _(١).
(فَوَجَدَ فَاطِمَةَ رِّنَا مِمَّنْ حَلَّ) أي: من النساء اللاتي تحلّلن عن حجهنّ
بأفعال المرأة حيث أمر و * بذلك كل من معه من الرجال والنساء، ممن لم
يسق الهدي، وكانت فاطمة ◌ُّ ممن لم يسقه (وَلَبِسَتْ ثِيَاباً صَبِيغاً) بفتح
(١) ((المرعاة)) ١٦/٩.
٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
الصاد، وكسر الموحّدة، فعيل بمعنى مفعول؛ أي: مصبوغاً بما لا يحلّ للنساء
لبسه في الإحرام، وهو ما صُبِغ بورس أو زعفران، فقد أخرج الإمام أحمد،
وأبو داود، والحاكم، وصححه، من طريق ابن إسحاق، قال: حدّثني نافع
مولى عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر، أنه سمع رسول الله وَ لقر ((نهى
النساء في إحرامهنّ عن القفازين، والنقاب، وما مسّ الورس، والزعفران من
الثياب، ولتلبس بعد ذلك ما أحبّت من ألوان الثياب، مُعَصْفَراً، أو خَزّاً، أو
حُلِيّاً، أو سراويل، أو قميصاً، أو خُفّا))، وهو حديث صحيح.
(وَاْتَحَلَتْ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا) أي: ظنّاً منه أنه لا يجوز ذلك لها، وفيه
إنكار الرجل على زوجته ما رآه منها من نقص في دينها .
قال القرطبيّ تَخْتُ: وإنكار عليٍّ على فاطمة ﴿ّ تحللها: إنما كان لأنه
عَلِم أنها أحرمت بالحج، وأنها تحللت منه قبل إتمامه، وإنما أمرها النبيّ وَّيه
بالتحلل؛ لأنها لم تَسُق الهدي، كما أمر غيرها ممن لم يسق الهدي. انتهى(١).
(فَقَالَتْ) فاطمة ◌َّا (إِنَّ أَبِي) النبيّ ◌َّهِ (أَمَرَنِي بِهَذَا) أي: حيث أمرهم
بالتحلّل، فقالوا له: أي الحلّ؟ فقال: ((الحلّ كلَّه))، فدخل فيه جميع محظورات
الإحرام، من لبس الصبيغ وغيره (قَالَ) أي: جعفر بن محمد، عن أبيه (فَكَانَ
مضرعنه ،
(يَقُولُ بِالْعِرَاقِ) أي: حينما ذهب إلى العراق، في خلافته
عَلِيٍّ) ◌َّه
وقوله: (فَذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ نَِّ) مقول ((يقول)) (مُحَرِّشاً عَلَى فَاطِمَةَ) حال من
الفاعل، والتحريش: الإغراء، والمراد به هنا أن يذكر له ما يقتضي عتابها
(لِلَّذِي صَنَعَتْ) متعلّق بـ((مُحرّشاً))؛ أي: لأجل الأمر الذي صنعته، من لبس
الصبيغ ونحوه، مما ينافي الإحرام، وقوله: (مُسْتَفْتِياً لِرَسُولِ اللهِ وَلِ) حال
أيضاً، إما مترادف، أو متداخلٌ؛ أي: طالباً منه أن يُفتني (فِيمَا ذَكَرَتْ) أي:
فاطمة رشّا (عَنْهُ) وَِّ، مما زعمت أنه أمرها به (فَأَخْبَرْتُهُ) وَِّ (أَنّي أَنْكَرْتُ
ذَلِكَ عَلَيْهَا) ظنّاً مني أنها فعلت محظورات الإحرام (فَقَالَ) وَرِ ((صَدَقَتْ) أي:
في قولها: ((إن أبي أمرني بهذا))، وقوله: (صَدَقَتْ) كرّره تأكيداً، وكرّره في
رواية النسائيّ ثلاث مرّات.
(١) ((المفهم)) ٣٣٠/٣.
٤٥
(١٨) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﴿هُ الطَّوِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠)
◌َ ◌ّهِ: (مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ؟))) أي: ألزمته نفسك
قال ◌َ لعليّ
بالنيّة والتلبية، وفي رواية لأحمد، وابن الجارود: ((وقال لعليّ: بم أهللت؟))؛
أي: بأيّ شيء نويت حين أحرمت: بحجّ، أو عمرة، أو بهما؟
قال القرطبيّ تَخْتُ: وقوله وَّه لعليّ ◌َظُبه: ((بم أهللت؟)) يدل على أنه لم
يكن عنده خبر مما يُحرم به النبيّ وَّه، ولم يتقدَّم له فيه عهد منه، وأنَّ عليّاً نظـ
هو الذي ابتدأ إحرامه محالاً به على إحرام النبيّ وَّ من غير تعيين حجّ ولا
عمرة، وأنه وَلّ أقرَّه على ذلك، فكان ذلك حجة على جواز الحوالة على
إحرام الغير مطلقاً إذا تحقق أنه أحرم ولا بدَّ، وبه قال الشافعي، وأُخِذ منه
جواز الإحرام من غير تعيين، ثم بعد ذلك يعيّن، وسيأتي. انتهى(١).
(قَالَ) عليّ ◌َبه (قُلْتُ: اللَّهِمَّ إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ) وََّ، فيه أنه
يصحّ الإحرام معلّقاً، وهو أن يُحرم إحراماً كإحرام فلان، وقد سبق شرحه في
الباب الماضي (قَالَ) وَلِّ ((فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ) بسكون ياء ((معي))، وفتحها،
والمعنى: أنك إذا علّقت إحرامك بإحرامي، فإني أحرمت بالحجّ والعمرة، ولا
أقدر أن أتحلّل؛ لأن معي الهديَ (فَلَا تَحِلَّ))) ((لا)) ناهية، والفعل مجزوم، أو
نافية، والفعل مرفوع، لكن المراد به النهي؛ أي: لا تحلّ أنت بالخروج من
الإحرام، كما لا أحلّ أنا حتى يبلغ الهدي محلّه، وفي رواية: ((فَأَهْدِ، وامكث
حراماً كما أنت)).
(قَالَ) جابر ◌َظُهُ (فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْي) أي: من الإبل، و((الهدي))
بالتشديد، والتخفيف: ما يُهدى إلى البيت الحرام من النعم؛ ليُنحر عنده (الَّذِي
قَدِمَ بِهِ) أي: بذلك الهدي (عَلِيٍّ مِنَ الْيَمَنِ) أي: للنبيّ وَِّ (وَالَّذِي أَتَى بِهِ
النَّبِيُّ ◌َ﴿) زاد في رواية أبي داود، والنسائيّ وابن ماجه: ((من المدينة)) (مِائَةً)
وفي رواية الدارميّ: ((مائة بدنة)) (قَالَ) جابر ◌َّه (فَحَلَّ النَّاسُ) المراد من لم
يكن معه هديٌّ؛ أي: خرجوا من الإحرام بأفعال العمرة، وقوله: (كُلَّهُمْ) أي:
معظمهم، قال النوويّ تَخْتُ: فيه إطلاق اللفظ العام، وإرادة الخصوص؛ لأن
عائشة ﴿ّا لم تحلّ، مع كونها لم تسق الهدي (وَقَصَّرُوا) قال الطيبيّ نَُّ:
(١) ((المفهم)) ٣٣٠/٣.
٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وإنما قصّروا مع أن الحلق أفضل؛ لأن يبقى لهم بقيّة من الشعر حتى يُحلق في
الحجّ. انتهى، وليكونوا داخلين في المقصّرين والمحلّقين جامعين بين العمل
بالرخصة والعزيمة، كذا في ((المرقاة))، وقال المحبّ الطبريّ تَظْلَتُهُ: فيه دليلٌ
على استحباب التقصير للمتمتّع، وتوفير الشعر للحلق في الحجّ، ويُشبه أن
يكون ذلك عن أمر النبيّ وَ ر؛ إذ عنه يأخذون مناسكهم، وبه يقتدون، وبذلك
أمرهم، فقال: ((لتأخذوا عني مناسككم))، وقوله: (إِلَّ النَّبِيَّ وَّ) استثناء من
(الناس)) (وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌّ) عطف على المستثنى (فَلَمَّا كَانَ) تامّة؛ أي: جاء
(يَوْمُ التَّرْوِيَةِ) بفتح التاء، وسكون الراء المهملة، وكسر الواو، وتخفيف الياء،
وهو اليوم الثامن من ذي الحجة سُمّي بذلك؛ لأن الحجاج كانوا يرتوون فيه
من الماء؛ لبُعده؛ أي: يستقون، ويسقون إبلهم فيه استعداداً للوقوف بعرفة؛ إذ
لم يكن في عرفات ماء، وقيل: لأن قريشاً كانت تحمل الماء من مكة إلى منى
للحجاج تسقیھم، وتُطعمهم، فیروون منه، وقيل: لأن الإمام يروي فيه للناس
أمر مناسكهم، وقيل: لأن إبراهيم الخليل لعلّ تَرَوَّى فيه؛ أي: تفكر في ذبح
ولده، وأنه كيف يصنع؟ حتى جزم عزمه يوم العاشر بذبحه.
[فائدة]: للأيام السّة من ذي الحجة أسماء على التوالي، فاليوم الثامن
يوم التروية، والتاسع يوم عرفة، والعاشر يوم النحر، والحادي عشر يوم الْقَرّ ـ
بفتح القاف، وتشديد الراء - لأنهم يستقرّون فيه بمنى، والثاني عشر يوم النَّفْر
الأول، والثالث عشر يوم النفر الثاني، والله تعالى أعلم (١).
(تَوَجَّهُوا) أي: أرادوا التوجّه (إِلَى مِنَّى) يُنوّن، وقيل: لا يُنوّن، فيُكتب
بالألف، سُمّيت به؛ لأنه يُمنى الدماء في أيامها؛ أي: يُراق، ويُسفك، أو لأنه
يُعطى الحجاج مناهم بإكمال أفعال الحج فيها (فَأَهَلَّوا بِالْحَجِّ) أي: من
البطحاء، كما في رواية لأحمد، والشيخين، والطحاويّ، والبيهقيّ، يعني أنه
أحرم به من كان خرج عن إحرامه بعد الفراغ من العمرة، وفي رواية لأحمد:
((حتى كان يوم التروية، وأرادوا التوجّه إلى منى أهلّوا بالحجّ)).
وقال المحبّ الطبريّ: فيه بيان وقت إهلال أهل مكة، والمتمتّعين، وفيه
(١) راجع: ((المرعاة)) ١٨/٩.
٤٧
(١٨) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رِ﴿ّ الطَّوِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠)
إشارة إلى أن المحرم من مكة لا يُقدّم طوافه وسعيه؛ لأنه إذا اشتغل بذلك لا
يُسمّى متوجّهاً.
وقال النوويّ: والأفضل عند الشافعيّ وموافقيه أن من كان بمكة، وأراد
الإحرام بالحجّ أحرم يوم التروية؛ عَمَلاً بهذا الحديث، وسبق بيان مذاهب
العلماء فيه، وفي هذا بيان أن السنة أن لا يتقدّم أحد إلى منى قبل يوم التروية،
وقد كَرِهَ مالك ذلك، وقال بعض السلف: لا بأس به، ومذهبنا أنه خلاف
السنة. انتهى(١).
وقال القرطبيّ كَُّهُ: وقوله: ((توجهوا إلخ))؛ أي: قَصَدوا، وأخذوا في
الأهبة إلى منى، لا أنَّهم توجهوا بمشيهم إلى منى، فأحرموا منها، فإن ذلك
باطل بإجماع العلماء، على أنَّهم أحرموا من مكة، والمستحبّ عند أكثر العلماء
فيمن أحرم من مكة بالحج أن يكون إحرامه من مكة متصلاً بسيره إلى منى يوم
التروية؛ أخذاً بظاهر هذا الحديث، واستدل بعضهم أن يكون ذلك أول هلال
ذي الحجة؛ ليلحقهم من الشَّعَث إلى وقت الحج ما يلحق غيرهم.
والقولان عن مالك، وقد تقدَّم في حديث ابن عمر ظًّا. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن الإهلال قبل يوم التروية لمن بمكة
مخالف للسنّة، كما في هذا الحديث، وحديث ابن عمر ◌ًّا المتقدّم، فتبصّر،
والله تعالى أعلم.
(وَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾﴾ أي: حين طلوع الشمس من يوم التروية، وسار
من مكة إلى منى (فَصَلَّى بِهَا) أي: بمنى في موضع مسجد الخيف (الظُّهْرَ
وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ) أي: كلّ صلاة لوقتها المعتاد.
قال القرطبيّ كَخَّتُهُ: وقوله: ((فصلَّى بها الظهر ... إلخ))، يعني: أنه تَّ
صلَّى كل صلاة في وقتها، غير مجموعة، كما توهمه بعضهم، ممن لا يعرف،
وإنما ذكر عدد الصلوات الخمس هنا؛ لِيُعْلَم الوقت الذي وصل فيه إلى منى،
والوقت الذي خرج فيه منها إلى عرفة، ولذلك قال مالك باستحباب دخوله إلى
منى، وخروجه منها في ذينك الوقتين المذكورين، وقد استحب جميع العلماء
(١) (شرح النوويّ)) ١٨٠/٨.
(٢) («المفهم)) ٣٣١/٣.
٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
الخروج إلى منى يوم التروية، والمبيت بها، والغدوَّ منها إلى عرفة، ولا حرج
في ترك ذلك، والخروج من مكة إلى عرفة، ولا دم. انتهى(١).
وقال النوويّ تَخُّْهُ: فيه بيان سُنَنٍ :
إحداها: أن الركوب في تلك المواطن أفضل من المشي، كما أنه في
جملة الطريق أفضل من المشي، هذا هو الصحيح في الصورتين، أن الركوب
أفضل، وللشافعيّ قول آخر ضعيفٌ أن المشي أفضل، وقال بعض أصحابنا:
الأفضل في جملة الحج الركوب، إلا في مواطن المناسك، وهي مكة، ومنى،
ومزدلفة، وعرفات، والتردد بينهما .
والسنّة الثانية: أن يصلي بمنى هذه الصلوات الخمس.
والثالثة: أن يبيت بمنى هذه الليلة، وهي ليلة التاسع من ذي الحجة،
وهذا المبيت سنة، ليس بركن، ولا واجب، فلو تركه فلا دم عليه بالإجماع.
انتھی .
وقال ابن المنذر كَّتُهُ: هذا المبيت أجمع أهل العلم على الفرق بينه وبين
مبيت ليالي منى، فأوجبوا على تارك ذلك ما أوجبوا، ولم يوجبوا على تارك
المبيت بمنى ليلة عرفة؛ أي: ليلة التاسع من ذي الحجة شيئاً. انتهى(٢).
(ثُمَّ مَكَثَ) بفتح الكاف، وضمّها؛ أي: لبِثَ بعد أداء الفجر (قَلِيلاً حَتَّى
طَلَعَتِ الشَّمْسُ) فيه أن السنة أن لا يخرجوا من منى حتى تطلع الشمس، وهذا
متفق عليه.
(وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ) عطف على ((رَكِبَ))، أو حال؛ أي: وقد أَمَر بضرب خيمة
بنَمِرة قبل قدومه إليها (مِنْ شَعَرٍ) بفتح العين وسكونها (تُضْرَبُ لَهُ) بالبناء
للمفعول، والجملة صفة لقُبّة، أوَ حال (بِنَمِرَةَ) بفتح النون، وكسر الميم، وهو
غير منصرف، موضع على يمين الخارج من مأزمي (٣) عرفة إذا أراد الموقف،
وليس من عرفة.
(١) ((المفهم)) ٣٣١/٣.
(٢) راجع: ((المرعاة)) ١٨/٩.
(٣) ((المأزم)) وزان مسجِد: الطريق الضيّق بين الجبلين، ومنه قيل للموضع الذي بين
عرفة والمشعر: مأزمان، قاله في ((المصباح)).
٤٩
(١٨) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ◌ِّ الطَِّيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠)
وقال النوويّ كَُّ: (نَمِرَةُ)) بفتح النون، وكسر الميم، هذا أصلها،
ويجوز فيها ما يجوز في نظيرها، وهو إسكان الميم، مع فتح النون وكسرها،
وهي موضع بجنب عرفات، وليست من عرفات. انتهى (١).
وقال القرطبيّ: هو موضع بعرفة، وهو الجبل الذي عليه أنصاب الحرم،
على يمين الخارج من مأزمي منى إلى الموقف. انتهى.
وفي هذا الحديث جواز الاستظلال للمحرم بقبة وغيرها، قال
النوويّ كَُّ: ولا خلاف في جوازه للنازل، واختلفوا في جوازه للراكب،
فمذهبنا جوازه، وبه قال كثيرون، وكرهه مالك وأحمد، وستأتي المسألة
مبسوطة في موضعها - إن شاء الله تعالى - وفيه جواز اتخاذ القباب، وجوازها
من شعر. انتهى.
(فَسَارَ رَسُولُ اللهِ﴾ أي: من منى إليها (وَلَا تَشُُكْ قُرَيْشٌ إِلَّا أَنَّهُ وَاقِفٌ
عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) قال الزرقانيّ في ((شرح المواهب)»: ظاهره أنه ليس لقريش
شكّ في شيء إلا في وقوفه عند المشعر، فإنهم يشكّون فيه، وليس المراد
ذلك، بل عكسه، وهو أنهم لا يشكّون في أنه ◌َّ سيقف عند المشعر الحرام
على ما كانت عادتهم من وقوفهم به، ويقف سائر الناس بعرفة، فقال الأبيّ:
الأظهر في ((إلا)) أنها زائدة، و((أنّ) في موضع النصب على إسقاط الجارّ؛ أي:
ولا تشكّ قريش في أنه واقف عند المشعر. انتهى.
وقيل: الشك هنا بمعنى الظنّ؛ أي: لا تظنّ قريش إلا أنه يقف عند
المشعر؛ لأنه من مواقف الْحُمْس، وأهلِ حرم الله.
وقال الطيبيّ تَظُّهُ أي: ولم يشكوا في أنه خالفهم في سائر مناسك الحج
إلا الوقوف عند المشعر الحرام، فإنهم لم يشكّوا في المخالفة، بل تحقّقوا
أنه ◌َ﴾ُ يقف عند المشعر الحرام؛ لأنه من مواقف الْحُمْس، وأهل الحرم.
(٢)
انتھی(٢).
(كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) قال النوويّ ◌َُّ: معنى هذا أن
(١) ((شرح النوويّ)) ١٨١/٨.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٦/ ١٩٦٤.
٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
قريشاً كانت في الجاهلية تقف بالمشعر الحرام، وهو جبل في المزدلفة، يقال
له: قُزَحُ، وقيل: إن المشعر الحرام كل المزدلفة، وهو بفتح الميم على
المشهور، وبه جاء القرآن، وقيل: بكسرها، وكان سائر العرب يتجاوزون
المزدلفة، ويَقِفون بعرفات، فظنّت قريش أن النبيّ وَلّ يقف في المشعر الحرام
على عادتهم، ولا يجاوزه، فتجاوز بَّه إلى عرفات؛ لأن الله تعالى أمره بذلك
في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]؛ أي:
سائر العرب، غير قريش، وإنما كانت قريش تقف بالمزدلفة؛ لأنها من الحرم،
وكانوا يقولون: نحن أهل حرم الله، فلا نخرج منه. انتهى(١).
(فَأَجَازَ رَسُولُ اللهِ وَ ﴿) أي: جاوز المزدلفة، ولم يقف بها، بل توجّه إلى
عرفات، يقال: جاز وأجاز بمعنى واحد، وقيل: جاز الموضع: سلكه، وسار
فيه، وأجازه: خلّفه، وقطعه، قال الأصمعيّ: جاز: مشى فيه، وأجازه: قطعه.
(٢)
انتھی(٢) .
(حَتَّى أَتَّى عَرَفَةَ) أي: قاربها؛ لأنه فسّره بقوله: ((فوجد القبّة قد ضُربت
بنمرة، فنزل بها))، وقد سبق أن نمرة ليس من عرفات، وقد قدّمنا أن دخول
عرفات قبل صلاتي الظهر والعصر جمعاً خلاف السنّة، قاله النوويّ تَذُّهُ(٣).
وقال الطبريّ: الظاهر أن المراد بإتيان عرفة القرب منها، فإن نَمِرة
دونها، وسُمِّيت عرفة بذلك لتعريف جبريل إبراهيم المناسك، وقيل: لمعرفة آدم
حوّاء هناك، أو لتعارف الناس، أو لاعترافهم بذنوبهم، وقيل: إن إبراهيم؛
رأى ليلة التروية ذبح ولده، فتروّى يومه، وعرف في الثاني، ونحر في الثالث،
فسُمّيت الأيام بذلك.
(فَوَجَدَ الْقُبَّةَ) أي: الخيمة (قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ) بالبناء للمفعول؛ أي: بُنيت
لأجله (بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا) أي: بتلك القبّة، وفيه جواز استظلال المحرم بالخيمة
ونحوها (حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ) ((حتى)) غاية لنزوله؛ أي: نزل بها، واستمرّ
فيها إلى أن مالت الشمس، وزالت عن كَبِد السماء من جهة الشرق إلى جهة
(١) ((شرح النوويّ)) ١٨١/٨.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٨١/٨.
(٢) راجع: ((اللسان)) ٣٢٦/٥.
٥١
(١٨) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﴿هُ الطَّوِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠)
الغرب (أَمَرَ) بالبناء للفاعل، جواب ((إذا)) (بِالْقَصْوَاءِ) أي: بإحضارها،
ورَحْلها، والقصواء اسم ناقته وَلِّ، وقد تقدّم ضبطها، وشرحها في أول شرح
الحديث (فَرُحِلَتْ لَهُ) بالبناء للمفعول، مخفّفاً؛ أي: شُدّ على ظهرها الرحل؛
ليركبها وَّة، والرحل - بفتح، فسكون - في الأصل: كلُّ شيء يُعدّ للرّحيل، من
وِعاء للمتاع، ومَرْكب للبعير، وحِلْسٍ، وَرَسَنٍ، وجمعه أَرْحُلٌ ورِحَالٌ، مثلُ
أَفْلُس وسِهَامِ (١).
وقال الطيبيّ كَّتُهُ: قوله: ((فرُحلت له)) أي: أمر بوضع الرحل على
القصواء، ففُعِل، تقول: رَحَلتُ البعيرَ أرحله رَحْلاً: إذا شددت على ظهره
الرحلَ، قال الأعشى [من الكامل]:
رَحَلَتْ سُمَيَّةُ غُدْوَةً أَجْمَالَهَا غَضْبَى عَلَيْكَ فَمَا تَقُولُ بَدَا لَهَا (٢)
(فَأَتَّى) أي: فركبها وَِّ، فأتى (بَطْنَ الْوَادِي) هو وادي عُرَنة - بضمّ العين
المهملة، وفتح الراء، بعدها نون، وزانُ رُطَبَة، وفي لغة بضمّتين: موضع بين
منى وعرفات، قاله الفيّومِيّ ◌َخْذُ(٣)، قال النوويّ كَخْلُ: وليس من عرفات عند
الشافعيّ، والعلماء كافّةً، إلا مالكاً، فقال: هي من عرفات. انتهى.
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: ((بطن الوادي)): المنخفض منه، ويعني به وادي عُرنة
المعروف هناك، وهو موضع مُتَّسَعٌ جامع، ولذلك خصّه ◌َّهِ بخطبته، والله
تعالى أعلم. انتهى (٤).
(فَخَطَبَ النَّاسَ) قال النوويّ تَخْتُ: فيه استحباب الخطبة للإمام بالحجيج
يوم عرفة في هذا الموضع، وهو سنة باتفاق جماهير العلماء، وخالف فيها
المالكية، ومذهب الشافعي أن في الحجّ أربعَ خُطَب مسنونة: إحداها يوم
السابع من ذي الحجة، يخطب عند الكعبة بعد صلاة الظهر، والثانية هذه التي
ببطن عُرَنة يوم عرفات، والثالثة: يوم النحر، والرابعة يوم النَّفْر الأَوَّل، وهو
اليوم الثاني من أيام التشريق، قال أصحابنا: وكلُّ هذه الخطب أفراد، وبعد
(١) ((المصباح)) ١/ ٢٢٢.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٦/ ١٩٦٤.
(٣) ((المصباح)) ٤٠٦/٢.
(٤) («المفهم)) ٣٣٢/٣.
٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
صلاة الظهر، إلا التي يوم عرفات، فإنها خطبتان، وقبل الصلاة، قال
أصحابنا: ويُعَلِّمهم في كل خطبة من هذه ما يحتاجون إليه إلى الخطبة
الأخرى، والله أعلم. انتهى(١) .
وقال القرطبيّ تَّتُهُ: قوله: ((فخطب الناس)) دليل لمالك وجميع المدنيين
والمغاربة؛ إذ قالوا: ليوم عرفة خطبة قبل الصلاة، يُذَكِّر الناس فيها، ويُعَلِّمُهم
ما يستقبلون من الوقوف وغيره من المناسك، وهو أيضاً حجة على الشافعيّ،
وأبي حنيفة؛ إذ قالا: ليست عرفة بموضع خطبة، وهو قول العراقيين من
أصحابنا .
وخطب الحج عندنا ثلاثة:
يوم التروية بعد صلاة الظهر في المسجد الحرام، يذكّر الناس، ويعلّمهم
أحكام إحرامهم، ويحضهم على الخروج إلى منى.
والثانية: بعرفة قبل الصلاة بإجماع من القائل بها، وأجمعوا: على أنه لو
صلَّى ولم يخطب فصلاته جائزة.
والثالثة: بعد يوم النحر، يُعلِّمُهم فيها أحكام الرمي والتعجيل.
(٢)
.
انتھی
وقال الزرقانيّ كَّلُهُ: في الحديث أنه يستحبّ للإمام أن يخطب يوم عرفة
في هذا الموضع، وبه قال الجمهور، والمدنيون والمغاربة من المالكيّة، وهو
المشهور، فقول النوويّ: خالف فيها المالكيّة، فيه نظرٌ إنما هو قول العراقيين
منهم، والمشهور خلافه، واتّفق الشافعيّة أيضاً على استحبابها خلافاً لما تَوَهَّمه
عياض والقرطبيّ. انتهى (٣).
(وَقَالَ) بَّرِ في خطبته تلك ((إِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ) زاد في حديث ابن
عبّاس عند أحمد، والبخاريّ، والترمذيّ، والبيهقيّ، وفي حديث ابن عمر عند
البخاريّ: ((وأعراضكم))، والْعِرْضُ بكسر العين: موضع المدح والذمّ من
الإنسان، سواء كان في نفسه، أو في سلفه، قال الحافظ: هذا الكلام على
(١) ((شرح النوويّ)) ١٨٢/٨.
(٣) راجع: ((المرعاة)) ٢٠/٩.
(٢) ((المفهم)) ٣٣٢/٣ - ٣٣٣.
٥٣
(١٨) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ حَّ الطَّوِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠)
حذف مضاف: أي: سفك دمائكم، وأخذ أموالكم، وثَلْبُ أعراضكم. انتهى.
وقيل: المعنى: إن انتهاك دمائكم، وأموالكم، وأعراضكم، قيل: وهذا
أولى مما ذكره الحافظ؛ لأن ذلك إنما يحرُم إذا كان بغير حقّ، فلا بُدّ من
التصريح به، فلفظة (انتهاك)) أولى؛ لأن موضوعها بتناول الشيء بغير حقّ.
(حَرَامٌ عَلَيْكُمْ) قال الزرقانيّ: معنى الحديث: إن دماء بعضكم على بعض
حرام، وأموال بعضكم على بعض حرام، وإن كان ظاهر اللفظ أن دم كلّ واحد
حرام عليه نفسِهِ، ومال كلّ واحد حرام عليه نفسه، فليس بمراد؛ لأن الخطاب
للمجموع، والمعنى فيه مفهوم، ولا يبعد إرادة المعنى الثاني، أما الدم
فواضح، وأما المال فمعنى تحريمه عليه: تحريم تصرّفه فيه على غير الوجه
المأذون فيه شرعاً، قاله وليّ الدين العراقيّ(١).
(كَحُرْمَةِ یَوْمِكُمْ هَذَا) أي: متأكّدة التحریم شديدته كحرمة يومكم هذا،
يعني يوم عرفة (فِي شَهْرِكُمْ هَذَا) يعني ذا الحجة (فِي بَلَدِكُمْ هَذَا) يعني مكة،
وإنما شبّهها في الحرمة بهذه الأشياء؛ لأنهم كانوا لا يرون استباحتها، وانتهاك
حرمتها بحال.
وقال النوويّ كَّتُهُ: معناه: متأكّدة التحريم، شديدته، وفي هذا دليلٌ
لضرب الأمثال، وإلحاق النظير بالنظير قياساً. انتهى (٢).
وقال ابن المنيّر: قد استقرّ في القواعد أن الأحكام لا تتعلّق إلا بأفعال
المكلّفين، فمعنى تحريم اليوم والبلد والشهر: تحريم أفعال الاعتداء فيها على
النفس والمال والعرض، فيكون المعنى إذاً من تشبيه الشيء بنفسه.
وأجاب بأن المراد أن هذه الأفعال في غير هذا البلد، وهذا الشهر،
وهذا اليوم مغلّظة الحرمة، عظيمةٌ عند الله، فلا يستسهل المعتدي كونه تعدى
في غير البلد الحرام، والشهر الحرام، بل ينبغي له أن يخاف خوف من فعل
ذلك في البلد الحرام، وإن كان فعل العدوان في البلد الحرام أغلظ، فلا ينفي
كون ذلك في غيره غليظاً أيضاً، وتفاوت ما بينهما في الغلظ لا ينفع المعتدي
في غير البلد الحرام، فإن فرضناه تعدّى في البلد الحرام فلا يستسهل حرمة
(١) راجع: ((المرعاة)) ٢١/٩.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٨٢/٨.
٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
البلد، بل ينبغي أن يعتقد أن فعله أقبح الأفعال، وأن عقوبته بحسب ذلك،
فيراعي الحالتین. انتهى.
وقال الزرقانيّ: وفي تقديم اليوم على الشهر، وهو على البلد الترقّي،
فالشهر أقوى من اليوم، وهو ظاهر في الشهر؛ لاشتماله على اليوم، فاحترامه
أقوى من احترام جزئه، وأما زيادة حرمة البلد فلأنه محرم في جميع الشهور،
لا في هذا الشهر وحده، فحرمته لا تختصّ به، فهو أقوى منه. انتهى.
وقال الحافظ: وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةٍ ضَرْبِ الْمَثَلِ، وَإِلْحَاق النَّظِير بِالنَّظِيرِ؛
لِيَكُونَ أَوْضَحَ لِلسَّامِعِ، وَإِنَّمَا شَبَّه حُرْمَة الدَّم وَالْعِرْض وَالْمَال بِحُرْمَةِ الْيَوْم
وَالشَّهْرِ وَالْبَلَد؛ لِأَنَّ الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ كَانُوا لَا يَرَوْنَ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ، وَلَا يَرَوْنَ
هَتْكَ حُرْمَتِهَا، وَيَعِيْبُونَ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَشَدّ الْعَيْب. انتهى(١).
وقال في موضع آخر: ومناط التشبيه في قوله: ((كحرمة يومكم)) وما بعده
ظهوره عند السامعين؛ لأن تحريم البلد والشهر واليوم كان ثابتاً في نفوسهم،
مُقَرّراً عندهم، بخلاف الأنفس والأموال والأعراض، فكانوا في الجاهلية
يستبيحونها، فطرأ الشرع عليهم بأن تحريم دم المسلم وماله وعرضه أعظم من
تحريم البلد والشهر واليوم، فلا يَرِدُ كون المشبه به أخفض رتبةً من المشبه؛
لأن الخطاب إنما وقع بالنسبة لما اعتاده المخاطبون قبل تقرير الشرع.
(٢)
انتھی(٢).
وقال التوربشتيّ: أراد أموال بعضكم على بعض، إنما ذكره مختصراً؛
اكتفاء بعلم المخاطبين، حيث جعل ((أموالكم)) قريبة ((دماءكم))، وإنما شبّه ذلك
في التحريم بيوم عرفة، وبذي الحجة، وبالبلد؛ لأنهم كانوا يعتقدون أنها
محرّمة أشدّ تحريم، لا يستباح منها شيء، وفي تشبيهه هذا مع بيان حرمة
الدماء والأموال تأكيدٌ لحرمة تلك الأشياء التي شُبّه بتحريمها الدماء والأموال.
انتھی .
وقال الطيبيّ: هذا من تشبيه ما لم تجر به العادة بما جرت به؛ لأنهم
عالمون بحرمة الثلاث، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَلَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾
(١) ((الفتح)) ٤٣٠/٥.
(٢) ((الفتح)) ١٥٩/١.
٥٥
(١٨) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رِ﴿ّ الطَّوِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠)
الآية [الأعراف: ١٧١] كانوا يستبيحون دماءهم وأموالهم في الجاهليّة في غير
الأشهر الحرم، ويُحرّمونها فيها، كأنه قيل: إن دماءكم وأموالكم محرّمة عليكم
أبداً، كحرمة يومكم، وشهركم، وبلدكم، ثم أتبعه بما يؤكّده تعميماً من قوله:
((ألا كلّ شيء من أمر الجاهليّة تحت قدمي موضوع)). انتهى(١).
(أَلَا) بالفتح، والتخفيف: أداة استفتاح وتنبيه (كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ)
يعني الذي أحدثوه، والشرائع التي شرعوها في الحج وغيره قبل الإسلام (تَحْتَ
قَدَمَيَّ) بتشديد الياء بصيغة التثنية (مَوْضُوعُ) أي: مردود وباطلٌ حتى صار
كالشيء الموضوع تحت القدمين، قال في ((اللمعات)): يَحْتَمِل أن يكون قوله:
((موضوع))، وقوله: ((تحت قدميّ)) خبرين، أو الخبر هو ((موضوعٌ))، و((تحت))
ظرف له، وهو الأظهر، والمراد بالوضع تحت القدم: إبطاله وتركه.
وقال القاري؛ أي: هو كالشيء الموضوع تحت القدم، وهو مجاز عن
إبطاله، والمعنى: عفوت عن كل شيء فعله رجل قبل الإسلام، وتجافيت عنه،
حتى صار كالشيء الموضوع تحت القدم، تقول العرب في الأمر الذي لا تكاد
تراجعه وتذكره: جعلتُ ذلك دُبُر أذني، وتحت قدمي. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ تَخْتُهُ بعد ذكر نحو ما تقدّم: وهذا كقوله وَلّ: ((من أحدث
في أمرنا ما ليس منه فهو ردِ))(٣)، متّفقٌ عليه.
(وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ) أي: متروكة، لا قصاص ولا دية، ولا كفارة،
أعادها للاهتمام، أو ليبني عليه ما بعده من الكلام، قاله القاري.
وقال وليّ الدين العراقيّ: يمكن أنه عطف خاصّ على عامّ؛ لاندراج
دمائها في أمورها، ويمكن أنه لا يندرج لحمل أمورها على ما ابتدعوه
وشرعوه، وإيجاب القصاص على القاتل ليس مما ابتدعوه، وإنما أريد قطع
النزاع بإبطال ذلك؛ لأن منها ما هو حقّ، ومنها ما هو باطلٌ، وما يثبت، وما
لا یثبت. انتهى (٤).
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٩٦٤/٦ - ١٩٦٥.
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) ٤٦٩/٥.
(٤) راجع: ((المرعاة)) ٢٢/٩.
(٣) ((المفهم)) ٣٣٣/٣.
٥٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
(وَإِنَّ أَوَّلَ دَم أَضَعُ) أي: أضعه وأتركه (مِنْ دِمَائِنَا) أي: المستحقة لنا أهلَ
الإسلام، كذا قيلً، والظاهر أن المراد دماء أقاربنا، ولذا قال الطيبيّ تَظَّتُهُ:
ابتدأ في وضع القتل والدماء بأهل بيته وأقاربه؛ ليكون أمكن في قلوب
السامعين، وأسدّ لباب الطمع بترخص فيه، وقال النوويّ كَّهُ: في هذه الجملة
إيطال أفعال الجاهليّة، وبيوعها التي لم يتّصل بها قبضٌ، وأنه لا قصاص في
قتلها، وأن الإمام وغيره ممن يأمر بمعروف، أو ينهى عن منكر ينبغي له أن
يبدأ بنفسه، وأهله، فهو أقرب إلى قبول قوله، وإلى طيب نفس من قرب عهده
بالإسلام. انتهى(١).
(دَمُّ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ) أي: ابن عبد المطّلب، قال النوويّ كَُّهُ :
قال المحققون والجمهور: اسم هذا الابن إياس بن ربيعة بن الحارث بن
عبد المطلب، وقيل: اسمه حارثة، وقيل: آدم، قال الدارقطنيّ: وهو
تصحيف، وقيل: اسمه تمام، وممن سماه آدم: الزبير بن بكار، قال القاضي
عياض: ورواه بعض رواة مسلم: ((دم ربيعة بن الحارث))، قال: وكذا رواه أبو
داود، قيل: هو وَهَمٌ، والصواب ابن ربيعة؛ لأن ربيعة عاش بعد النبيّ يَّ إلى
زمن عمر بن الخطاب به، وتأوله أبو عبيد، فقال: ((دم ربيعة))؛ لأنه وليّ
الدم، فنسبه إليه، وهو حسنٌ ظاهرٌ، وبه تتفق الروايتان(٢).
وربيعة هذا هو ابن عمّ النبيّ وَّ﴾، يُكنى أبا أروى، وكان أسنّ من عمّه
العباس بسنتين، صحابيّ، روى عن النبيّ ◌َّرَ أحاديث، وتُؤُنّي في أول خلافة
عمر، وقيل: في أواخرها سنة ثلاث وعشرين(٣).
(كَانَ مُسْتَرْضِعاً) بصيغة اسم المفعول (فِي بَنِي سَعْدٍ) أي: كان لهذا الابن
ظئرٌ تُرضعه من بني سعد (فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ) بهاء مضمومة، فذال معجمة مفتوحة،
مصغّراً، وكان هذا الابن المقتول طفلاً صغيراً يَحْبُو بين البيوت، فأصابه حجر
في حرب كانت بين بني سعد وبني ليث بن بكر، قاله الزبير بن بكار.
انتهى (٤).
(١) ((شرح النوويّ)) ٨/ ١٨٢.
(٣) ((المرعاة)) ٢٢/٩.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٨/ ١٨٢.
(٤) (شرح النوويّ)) ٨/ ١٨٢.
٥٧
(١٨) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﴿ّ الطَّوِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠)
قال وليّ الدين العراقيّ تَخُّْ: ظاهره أنها تعمّدت قتله، وذكر الزبير بن
بكار أنه كان صغيراً يحبو بين البيوت، فأصابه حجر في حرب كانت بين بني
سعد وبين ليث بن بكر، كذا ذكره عياض والنوويّ وغيرهما ساكتين عليه، وهو
مناف لقوله: ((فقتلته هُذيل))؛ لأنهم غير بني ليث؛ إذ هُذيل بن مدركة بن
إلياس بن مضر، وليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة، كما
بيّنه أبو عبيد القاسم بن سلام في ((أنسابه))، كذا في ((شرح المواهب))، ذكره في
((المرعاة))(١).
(وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ) قال النوويّ تَّقُ: معناه الزائد على رأس المال
كما قال الله تعالى: ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَلِكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٩]،
وهذا الذي ذكرته إيضاح، وإلا فالمقصود مفهوم من نفس لفظ الحديث؛ لأن
الربا هو الزيادة، فإذا وُضع الربا فمعناه وضع الزيادة، والمراد بالوضع الردّ
(٢)
والإبطال. انتهى (٢).
وقال وليّ الدين: ولا شك أن عطف هذا على أمر الجاهليّة من عطف
الخاصّ على العامّ؛ لأنه من إحداثاتهم، وشرعهم الفاسد. انتهى(٣).
وقال القرطبيّ كَّلُ: قوله: ((وربا الجاهلية موضوع)) الرِّبا: الزيادة،
والكثرة لغةً، ثم إنهم كانت لهم بيوعات يسمُّونها: بيع الربا، منها: أنهم كانوا
إذا حَلّ أجل الدَّين يقول الغريم لرب الدَّين: أنظرني وأزيدك، فيُنظره إلى وقت
آخر على زيادة مقررة، فإذا حلّ ذلك الوقت الآخر قال له أيضاً كذلك، وربما
يؤدي ذلك إلى استئصال مال الغريم بنذر يسير كان أخذه أوَّل مرة، فأبطل الله
تعالى ذلك، وحرَّمه، وتوغَّد عليه بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَوْ لَا يَقُومُونَ
إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِنَّ ... ﴾ الآيات [البقرة: ٢٧٥ - ٢٨١]،
وردّهم فيه إلى رؤوس أموالهم، وبلَّغ ذلك رسول الله وَ له قرآناً وسنّة، ووعظ
الناس، وذكّرهم بذلك في ذلك الموطن مبالغة في التبليغ، وبدأ بربا العباس
لخصوصيته بالنبيّ وَّ﴿ ليقتدي الناس به قولاً وفعلاً، فيضعون عن غرمائهم ما
(١) ((المرعاة)) ٢٢/٩ - ٢٣.
(٣) راجع: ((المرعاة)) ٢٣/٩.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٨٣/٨.
٥٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
کان من ذلك. انتهى(١).
وقوله: (مَوْضُوعٌ) تقدّم آنفاً أن المراد بوضعه وضع الزائد منه، لا وضع
رأس المال، فإنه مردود لصاحبه، كما قال تعالى: ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ
أَمْوَلِكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٩].
(وَأَوَّلُ رِباً أَضَعُ) أي: أبطله، وأتركه (رِبَانًا) أي: ربا أهل الإسلام، أو
ربا أهل بيتنا، وهذا أوضح (رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) عم النبيّ ◌ََِّ، وهو
بدل من ((ربانا))، أو خبر لمحذوف؛ أي: هو ربا عباس ◌َُّه، وقوله: (فَإِنَّهُ
مَوْضُوعٌ كُلَّهُ) يَحْتَمل عود ضمير ((إنه)) لربا عبّاس تأكيداً لوضعه، ويَحْتَمِل أن
يعود لجميع الربا؛ أي: ربا العبّاس موضوع؛ لأن الربا موضوع كلّه، قاله
الوليّ العراقيّ.
وإنما ابتدأ في وضع دماء الجاهليّة، ورِباها من بين أهل الإسلام بأهل
بيته؛ ليكون أمكن في قلوب السامعين، وأسدّ لأبواب الطمع في الترخيص.
(فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ) أي: في حقّهنّ، قال الطيبيّ تَظْلُهُ: عطف من
المعنى على قوله: ((إن دماءكم وأموالكم))، يعني فاتّقوا الله في استباحة الدماء،
وفي نهب الأموال، وفي النساء، وهي من عطف الإنشائيّ على الإخباريّ
بالتأويل، كما عُطف قوله تعالى: ﴿وَأَمْتَلُواْ أَلْيَّوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ
[يس: ٥٩]
٥٩
على قوله: ﴿إِنَّ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ اَلْيَوْمَ﴾ الآية [يس: ٥٥]. انتهى (٢).
وقال الوليّ العراقيّ ◌َخُّْ: يَحْتَمِل أن الفاء زائدة؛ لأنه في رواية بدونها،
وأنها للسببيّة؛ لأنه لَمّا قرّر إبطال أمر الجاهليّة، وكان من جملتها منع النساء
من حقوقهنّ، وترك إنصافهنّ أمرهم بمتابعة الشرع في إنصافهنّ، فكأنه قيل:
فبسبب إبطال أمر الجاهليّة اتقوا الله في النساء، وأنصفوهنّ، فإن تركه من أمر
الجاهليّة، قال: و((في)) تَحْتَمل السببيّة، نحو قوله تعالى: ﴿فَذَالِكُنَّ الَّذِى لُمْتُنَّفِى
فِيهِ﴾ الآية [يوسف: ٣٢]، والظرفيّةَ مجازاً، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِ اَلْقِصَاصِ
حَيَوَةٌ﴾ الآية [البقرة: ١٧٩]؛ أي: إن النساء ظرف للتقوى المأمور بها. انتهى.
(١) ((المفهم)) ٣٣٣/٣.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٩٦٥/٦.
٥٩
(١٨) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ◌ِ﴿ّ الطَّوِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠)
قال النوويّ ◌َخْتُهُ: فيه الحثّ على مراعاة حقّ النساء، والوصية بهنّ،
ومعاشرتهنّ بالمعروف، وقد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة في الوصية بهنّ،
وبيان حقوقهنّ، والتحذير من التقصير في ذلك، وقد جمعتها أو معظمها في
(رياض الصالحين)). انتهى(١).
(فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ) أي: بعهده، وهو ما عَهِد إليكم فيهنّ، قال
النوويّ تَخْتُ: هكذا هو في كثير من الأصول، وفي بعضها: ((بأمانة الله)).
وقال الزرقانيّ تَخْتُ: أي: بأن الله ائتمنكم عليهنّ، فيجب حفظ الأمانة،
وصيانتها بمراعاة حقوقها، والقيام بمصالحها الدينيّة والدنيويّة، قال: وفي
قوله: ((أخذتموهنّ)) دلالة على أنها كالأسيرة المحبوسة عند زوجها، وله
التصرّف فيها، والسلطنة عليها حسبما بيّنه الشرع، ويوافقه قوله في رواية
أخرى: ((فإنهنّ عوانٌ عندكم)) جمع عانية، وهي الأسيرة، لكنها ليست أسيرة
خائفة كغيرها من الأسراء، بل هي أسيرة آمنة. انتهى.
وقوله: (وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ) في معناه أربعة أقوال:
[الأول]: أن المراد بكلمة الله: أمره، وحكمه، وإباحته الْمُنَزَّلة في كتابه،
وهو قوله تعالى: ﴿فَنكِحُوْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَآءِ﴾ الآية [النساء: ٣]، قال
النوويّ ◌َخْلُهُ: هذا هو الصحيح، ووَجَّه القرطبيّ في ((المفهم)) إذ قال: فإن
حكم الله كلامه المتوجّه للمحكم عليه على جهة الاقتضاء، أو التخيير.
[الثاني]: المراد كلمة التوحيد، ((لا إله إلا الله، محمد رسول الله))؛ إذ لا
تحلّ مسلمة لغير مسلم.
[الثالث]: المراد كلمة النكاح التي تُستحلّ الفروج؛ أي: الصيغ التي
ينعقد بها النكاح، من الإيجاب والقبول؛ لأن الله تعالى أمر بها .
[الرابع]: المراد قوله تعالى: ﴿فَإِسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيٌ بِإِحْسَانٍ﴾ الآية
[البقرة: ٢٢٩]، قال الخطّابيّ تَّتُهُ: هذا أحسن الوجوه. انتهى(٢).
وقال التوربشيّ ◌َُّهُ: المعنى: إن استحلالكم فروجهنّ، وكونهنّ تحت
أيديكم إنما كان بعهد الله وحكمه، فإن نقضتم عهده، وأبطلتم حكمه انتقم الله
(١) ((شرح النوويّ)) ١٨٣/٨.
(٢) ((المرعاة)) ٢٤/٩.
٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
منكم لهنّ. انتهى(١).
(وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ) أي: من الحقوق، لَمّا ذكر ◌َّو استحلال الفروج بكلمة الله
تعالى، وعُلم منه تأكّد الصحبة بين الزوجين انتقل إلى بيان ما على كلّ واحد
منهما من الحقوق، وبدأ بحقّ الأزواج؛ لأنهم المخاطبون (أَنْ لَا يُوطِئْنَ)
بهمزة، أو بتخفيفها بالإبدال مسند إلى جمع الإناث، من الإيطاء، من باب
الإفعال (فُرُشَكُمْ أَحَدَأَ تَكْرَهُونَهُ) أي: تكرهون دخوله في بيوتكم، وعبّر
بالفُرُش؛ لأن الداخل يطأ المنزل الذي يدخل فيه.
قال القرطبيّ كَظُّ: قوله: ((ولكم عليهن ألا يوطئن ... إلخ)) معناه: ألا
يُدخِلن منازلكم أحداً ممن تكرهونه، ويدخل في ذلك الرجال والنساء، الأقرباء
والأجانب، قال: ولا يُفهم من هذا الكلام أنه النهي عن الزنى، فإن ذلك
محرم مع من يكرهه الزوج ومع من لا يكرهه، وقد قال: ((أحداً تكرهونه))، ثم
إنها كانت تكون استعارة بعيدة، وأيضاً: فإن الزنى يترتب عليه الحدُّ. انتهى(٢).
وقال المازريّ كَّلُهُ: قيل: المراد بذلك أن لا يستخلين بالرجال، ولم
يُرِد زناها؛ لأن ذلك يوجب جلدها، ولأن ذلك حرام مع من يكرهه الزوج،
ومن لا يكرهه.
وقال الخطّابيّ ◌َّتُهُ: معنى الحديث أن لا يأذنّ لأحد من الرجال يدخل،
فيتحدّث إليهنّ، وكان الحديث من الرجال إلى النساء من عادات العرب، ولا
يرون ذلك عيباً، ولا يعدّونه ريبةً، فلما نزلت آية الحجاب صار النساء
مقصورات، نُهي عن محادثتهنّ، والقعود إليهنّ، وليس المراد بوطىء الفُرُش
هنا نفس الزنا؛ لأنه محرّم على الوجوه كلّها، فلا معنى لاشتراط الكراهة فيه،
ولو أريد الزنا لكان الضرب الواجب فيه هو المبرّح الشديد، والعقوبة المؤلمة
من الرجم دون الضرب الذي ليس بمبرّح. انتهى كلام الخطّابيّ ◌َُّهُ، ونحوه
للقاضي عياض تَخْذَتْهُ(٣).
وقال النوويّ لَّتُهُ - بعد ذكر ما تقدّم -: والمختار أن معناه أن لا يأذنّ
(١) راجع: ((الكاشف)) ١٩٦٥/٦.
(٣) راجع: ((المرعاة)) ٢٤/٩ - ٢٥.
(٢) ((المفهم)) ٣٣٤/٣.