Indexed OCR Text
Pages 561-580
٥٦١ (١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٢٥) لما تقدم، وقد رواه البخاريّ في ((الأضاحي))، ومسلم أيضاً من طريق ابن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، بلفظ: ((ضَخَّى رسول الله وَّ و عن نسائه البقر))، ولم يذكر ما زاده عَمّار الدُّهْنيّ، وأخرجه مسلم أيضاً من طريق عبد العزيز الماجشون، عن عبد الرحمن، لكن بلفظ: ((أهدى)) بدل ((ضَحَّى))، والظاهر أن التصرف من الرواة؛ لأنه ثبت في الحديث ذكر النحر، فحمله بعضهم على الأضحية، فإن رواية أبي هريرة صريحة في أن ذلك كان عمن اعتَمَر من نسائه، فقَوِيت رواية من رواه بلفظ: ((أهدى))، وتبيّن أنه هدي التمتع، فليس فيه حجة على مالك في قوله: ((لا ضحايا على أهل منى))، وتبيّن توجيه الاستدلال به على جواز الاشتراك في الهدي والأضحية، والله أعلم. (١) انتھی قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن أكثر الرواة رووه بلفظ ((ضحّى))، فهو أرجح، فيدلّ على استحباب الأضحيّة للحاج، كالهدي، وفيه الردّ على من أنكر ذلك كمالك، وقد ترجم البخاريّ كَُّ في ((كتاب الأضاحي)) من ((صحيحه)) (٢) بقوله: ((باب الأضحيّة للمسافر والنساء))، ثم أورد حديث عائشة ﴿يا هذا، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب. وقوله: (قَالَ يَحْتَى) هو: ابن سعيد الأنصاريّ بالإسناد المذكور إليه. وقوله: (فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ) أي: حديث عمرة، عن عائشة وقوله: (لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) هو: ابن أبي بكر الصديق. وقوله: (فَقَالَ: أَتَتْكَ وَاللهِ بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ) أي: قال القاسم: ساقته عمرة لك سياقاً تامًّاً، لم تختصر منه شيئاً، وكأنه يشير بذلك إلى روايته هو عن عائشة، فإنها مختصرة، هكذا قال في ((الفتح))(٣)، وفيه نظرٌ؛ لأن رواية القاسم عند المصنّف أتمّ من رواية عمرة، فتنبّه. (١) ((الفتح)) ٦٦١/٤ - ٦٦٢. (٢) راجع: ((صحيح البخاريّ)) رقم (٥٥٤٨). (٣) ((الفتح)) ٤/ ٦٦٢. ٥٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج والحديث متّفقٌ عليه، وقد مرَّ البحث فيه مستوفّى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٢٦] ( .... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ بَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ، أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةً طَّ (ح) وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْبَى، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى العنزيّ الزمِنُ، تقدّم قريباً. ٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثقفيّ، تقدّم قبل باب. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: رواية عبد الوهّاب الثقفيّ، عن يحيى بن سعيد هذه ساقها أبو عوانة تَّتُهُ في ((مسنده)) (٢/ ٢٩٧) فقال: (٣١٩١) - وحدّثني عمر بن شبة، نا عبد الوهاب الثقفيّ، قال: سمعت يحيى بن سعيد، قال: حدّثتني عمرة، قالت: سمعت عائشة تقول: خرجنا مع النبيّ وَ ﴿ لخمس بقين من ذي القعدة، لا نَرى إلا الحجّ، حتى إذا دنونا من مكة، أمر رسول الله وَل﴿ من لم يكن معه هدي، إذا طاف بالبيت أن يَحِلّ، قالت: فأُدخِل علينا يومَ النحر لحمُ بقر، فقلت: ما هذا؟ فقيل: ذَبَحَ رسول الله عن أزواجه، قال: سمعت يحيى قال: ذكرت هذا الحديث للقاسم، فقال: أتتك والله بالحدیث علی وجهه. انتهى. وأما رواية سفيان بن عيينة، عن يحيى، فساقها الحميديّ، في ((مسنده)) (١٠٤/١) فقال: (٢٠٧) - حدّثنا الحميديّ(١)، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله وَلّ لخمس بقين من ذي (١) هذا من كلام الراوي عن الحميديّ، فتنبّه. ٥٦٣ (١٧) - بَابُ بَيَانٍ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٢٧) القعدة، لا نُرى إلا الحج، فلما كنا بِسَرِف أو قريباً منها، أمر رسول الله وَ ه من لم يكن معه هديٌ أن يجعلها عمرةً، فلما كنا بمنى أُتيت بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟ قالوا: ذبح رسول الله وَ* عن نسائه البقر، قال يحيى: فحدثت به القاسم، فقال: جاءتك والله بالحديث على وجهه. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٢٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ ابْنِ عَوْذٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ (ح) وَعَن الْقَاسِمِ، عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنٍ، وَأَصْدُرُ بِنُسُكُ وَاحِدٍ، قَالَ: ((انْتَظِرِي، فَإِذَا طَهَرْتٍ، فَاخْرُجِي إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهِلِّي مِنْهُ، ثُمَّ الْقَيْنَا عِنْدَ كَذَا وَكَذَا))، قَالَ: أَظْنُّهُ قَالَ: ((غَداً، وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ))، أَوْ قَالَ: ((نَفَقَتِك))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم، تقدّم قبل بابين. ٢ - (ابْنُ عَوٍْ) هو: عبد الله بن عون بن أرطبان البصريّ، تقدّم قريباً. ٣ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد النخعيّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (الْأَسْوَدُ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، تقدّم أيضاً قريباً. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (وَعَنِ الْقَاسِم ... إلخ) عطف على ((عن إبراهيم))، فابن عون يروي هذا الحديث بإسنادين: عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ◌َّا، وعن القاسم بن محمد، عن عائشة پتا . وقولها: (يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنٍ ... إلخ) أي: يرجعون بحج وعمرة، وأرجع أنا بحجّ فقط، وفي رواية منصور الآتية: ((يا رسول الله يرجع الناس بعمرة وحجة، وأرجع أنا بحجة))، وذلك لأن عمرتها اندرجت في الحجّ حيث كانت قارنة. وقوله: (ثُمَّ الْقَيْنَا) بفتح القاف، من باب تَعِبَ. ٥٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج وقوله: (عِنْدَ كَذَا وَكَذَا) وفي رواية البخاريّ: (ثم ائتنا بمكان كذا وكذا))، قال في ((الفتح)): في رواية إسماعيل ((بحبل كذا))، وضبطه في ((صحيح مسلم)) وغيره بالجيم وفتح الموحدة، لكن أخرجه الإسماعيليّ من طريق حسين بن حسن، عن ابن عون، وضبطه بالحاء المهملة، يعني وإسكان الموحدة، والمكان المبهم هنا هو الأبطح، كما تبيّن في غير هذا الطريق. انتھی(١). وقوله: (قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ: غَداً) أي: قال: ((ثم القَيْنا عند كذا وكذا غَدَاً»، وهذا الظنّ من أحد الرواة، ولم يتبيّن لي من هو؟ والله تعالى أعلم. وقوله: (وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَصَبِك) بفتح النون، والصاد المهملة؛ أي: التعَب . وقوله: (أَوْ قَالَ: نَفَقَتِكِ) قال الكرمانيّ كَُّ: ((أو)) إما للتنويع في كلام النبيّ وَّ، وإما شك من الراوي، والمعنى أن الثواب في العبادة يكثر بكثرة النصَب، أو النفقة، والمراد: النصَب الذي لا يَذُمّه الشرع، وكذا النفقة، قاله النوويّ نگلتُ. انتھی. ووقع في رواية الإسماعيليّ من طريق أحمد بن منيع، عن إسماعيل: ((على قدر نَصَبك، أو على قدر تَعَبِك))، قال الحافظ تَُّهُ: وهذا يؤيد أنه من شك الراوي، وفي روايته من طريق حسين بن حسن: ((على قدر نفقتك، أو نصبك))، أو كما قال رسول الله وَالر، وأخرجه الدارقطنيّ، والحاكم، من طريق هشام، عن ابن عون، بلفظ: ((إن لك من الأجر على قدر نصبك ونفقتك))، بواو العطف، وهذا يؤيِّد الاحتمال الأول. وقوله في رواية ابن علية: ((لا أعرف حديث ذا من حديث ذا))، قد أخرج الدارقطنيّ، والحاكم، من وجه آخر ما يدلّ على أن السياق الذي هنا للقاسم، فإنهما أخرجا من طريق سفيان، وهو الثوريّ، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: أن النبيّ وَل﴿ قال لها في عمرتها: ((إنما أجرك في عمرتك على قدر نفقتك». (١) ((الفتح)) ٢٧/٥. ٥٦٥ (١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَثُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٢٧) قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((في رواية ابن عليّة)) فيه نظر؛ لأن هذا الكلام في رواية ابن أبي عديّ، عن ابن عون التالية، لا في رواية ابن عليّة هذه، فتنبه. قال: واستُدِلّ به على أن الاعتمار لمن كان بمكة من جهة الحلّ القريبة أقلُّ أجراً من الاعتمار من جهة الحلّ البعيدة، وهو ظاهر هذا الحديث. وقال الشافعيّ في ((الإملاء)): أفضل بقاع الحلّ للاعتمار الجعرانة؛ لأن النبيّ ◌َ ﴿ أحرم منها، ثم التنعيم؛ لأنه أَذِنَ لعائشة منها، قال: وإذا تنحى عن هذين الموضعين، فأين أبعد حتى يكون أكثر لسفره كان أحبّ إليّ. وحَكَى الموفق في ((المغني)) عن أحمد أن المكيّ كلما تباعد في العمرة كان أعظم لأجره، وقال الحنفية: أفضل بقاع الحلّ للاعتمار التنعيم، ووافقهم بعض الشافعية، والحنابلة، ووجهه ما قدمناه أنه لم يُنْقَل أن أحداً من الصحابة في عهد النبيّ ◌ِّ خرج من مكة إلى الحلّ ليحرم بالعمرة غير عائشة رضيوتنا، وأما اعتماره ◌َّيّ من الجعرانة فكان حين رجع من الطائف مُجتازاً إلى المدينة، ولكن لا يلزم من ذلك تعين التنعيم للفضل؛ لِمَا دلّ عليه هذا الخبر أن الفضل في زيادة التعب والنفقة، وإنما يكون التنعيم أفضل من جهة أخرى تساويه إلى الحلّ، لا من جهة أبعد منه، والله أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما قاله الحنفيّة من أن أفضل بقاع الحلّ للاعتمار التنعيم هو الأرجح؛ لتنصيصه وَّر عليه، وقد أخرج أحمد، وأبو داود بسند صحيح أنه بَ له قال: ((يا عبد الرحمن أردف أختك عائشة، فأعمرها من التنعيم، فإذا هَبَطَت بها من الأَكَمَة، فمُرْها فلتحرم، فإنها عمرة متقبلة))، فهذا نصّ صريح في أفضليته، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وقال النوويّ رَّتُهُ: ظاهر الحديث أن الثواب والفضل في العبادة يكثر بكثرة النصب والنفقة. انتهى. قال الحافظ: وهو كما قال، لكن ليس ذلك بمطّرد، فقد يكون بعض العبادة أخفّ من بعض، وهو أكثر فضلاً وثواباً بالنسبة إلى الزمان، كقيام ليلة القدر بالنسبة لقيام ليال من رمضان غيرها، وبالنسبة للمكان كصلاة ركعتين في المسجد الحرام بالنسبة لصلاة ركعات في غيره، وبالنسبة إلى شرف العبادة ٥٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج المالية والبدنية، كصلاة الفريضة بالنسبة إلى أكثر من عدد ركعاتها، أو أطول من قراءتها، ونحو ذلك من صلاة النافلة، وكدرهم من الزكاة بالنسبة إلى أكثر منه من التطوع، أشار إلى ذلك ابن عبد السلام في ((القواعد))، قال: وقد كانت الصلاة قرة عين النبيّ وَلّ، وهي شاقّة على غيره، وليست صلاة غيره مع مشقتها مساوية لصلاته وَالر مطلقاً. انتهى، وهو بحث نفيسُ. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٩٢٨] ( .. ) (وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، وَإِبْرَاهِيمَ، قَالَ: لَا أَعْرِفُ حَدِيثَ أَحَدِهِمَا مِنَ الْآخَرِ، أَنَّ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿َا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنٍ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، تقدّم قريباً. والباقون ذُكروا في الإسنادين السابقين. وقوله: (فَذَكَرَ الْحَدِيثَ) فاعل ((ذَكَرَ) ضمير ابن أبي عديّ. [تنبيه]: رواية ابن أبي عديّ، عن ابن عون هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٢٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَن الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﴿َّا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ◌ّ، وَلَا نَرَى إِلَّا أَنَّهُ الْحَجُّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ تَطَوَّفْنَا بِالْبَيْتِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ أَنْ يَحِلَّ، قَالَتْ: فَحَلَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْتَ، وَنِسَاؤُهُ لَمْ يَسُقْنَ الْهَدْتَ فَأَحْلَلْنَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَحِضْتُ، فَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ ٥٦٧ (١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانٍ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٢٩) قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، يَرْجِعُ النَّاسُ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ، قَالَ: ((أَوَ مَا كُنْتِ طُقْتٍ لَيَالِيَ قَدِمْنَا مَكَّةَ؟)) قَالَتْ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: ((فَاذْهَبِي مَعَ أَخِيِكِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهِلِّي بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ مَوْعِدُكِ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا))، قَالَتْ صَفِيَّةُ: مَا أُرَانِ إِلَّ حَابِسَتَكُمْ، قَالَ: ((عَقْرَى، حَلْقَى، أَوَ مَا كُنْتِ طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟ قَالَتْ: بَلَى، قَالَ: ((لَا بَأْسَ، انْفِرِي))، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ نَّهِ، وَهُوَ مُصْعِدٌ مِنْ مَكَّةَ، وَأَنَا مُنْهَبِطَةٌ عَلَيْهَا، أَوْ أَنَا مُصْعِدَةٌ، وَهُوَ مُنْهَبِطٌ مِنْهَا، وَقَالَ إِسْحَاقُ: مُتَهَبِّطَةٌ وَمُتَهَبِّطٌ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب. ٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر، تقدّم قبل بابين. والباقون ذكروا في الباب. وقولها: (فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ) - بفتح الحاء، وسكون الصاد المهملة، وفتح الباء الموحدة - وفي رواية المستملي: ((ليلة الحصباء)). وقوله: (ثُمَّ مَوْعِدُكِ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا) هو المحصّب، كما بُيّن في الروايات الأخرى. وقولها: (وَلَا نَرَى إِلَّا أَنَّهُ الْحَجُّ) ولأبي الأسود، عن عروة، عنها: ((مهلّين بالحج))، وللقاسم عنها: ((لا نذكر إلا الحجّ))، وله أيضاً: ((لبّينا بالحج))، وظاهره أن عائشة مع غيرها من الصحابة كانوا أولاً محرمين بالحج، لكن في رواية عروة عنها: ((فمنّا من أهلّ بعمرة، ومنّا من أهلّ بحجّ وعمرة، ومنّا من أهلّ بالحجّ)) فيُحْمَل الأول على أنها ذكرت ما كانوا يعهدونه من ترك الاعتمار في أشهر الحج، فخرجوا لا يعرفون إلا الحجّ، ثم بيّن لهم النبيّ ◌َّلـ وجوه الإحرام، وجوّز لهم الاعتمار في أشهر الحج. ويَحْتَمِل في الجمع أيضاً أن يقال: أهلّت عائشة بالحج مفرداً كما فعل غيرها من الصحابة، وعلى هذا يُنَزَّل حديث الأسود ومن تبعه، ثم أمر النبيّ وَّ أصحابه أن يفسخوا الحج إلى العمرة، ففعلت عائشة ما صنعوا، فصارت ٥٦٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج متمتعةً، وعلى هذا يتنزل حديث عروة، ثم لما دخلت مكة وهي حائض، فلم تقدر على الطواف لأجل الحيض أمرها أن تُحرِم بالحج، والله تعالى أعلم. وقولها: (فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ تَطَوَّقْنَا بِالْبَيْتِ) أرادت غيرها؛ لقولها بعده: ((فلم أطف))، فإنه تبيّن به أن قولها: ((تطوّفنا)) من العام الذي أريد به الخاص، قاله في ((الفتح)). وقولها: (فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ أَنْ يَحِلَّ) أي: من الحجّ بعمل العمرة، وهذا هو معنى فسخ الحجّ إلى العمرة، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك - إن شاء الله تعالى - . وقولها: (وَنِسَاؤُهُ لَمْ يَسُقْنَ الْهَدْيَ، فَأَحْلَلْنَ) أي: وهي منهنّ، لكن منعها من التحلل كونها حاضت ليلة دخولهم مكة، وقد مضى بيان ذلك، وأنها بكت، وأن النبيّ وَ ي قال لها: ((كوني في حجك))، فظاهره أنه وَلّ أمرها أن تجعل عمرتها حجّاً، ولهذا قالت: ((يرجع الناس بحج وعمرة، وأرجع بحج))، فأعمرها لأجل ذلك من التنعيم، وقال مالك: ليس العمل على حديث عروة قديماً ولا حديثاً، قال ابن عبد البر: يريد ليس عليه العمل في رفض العمرة، وجعلها حجّاً، بخلاف جعل الحج عمرة، فإنه وقع للصحابة، واختُلِف في جوازه من بعدهم، لكن أجاب جماعة من العلماء عن ذلك باحتمال أن يكون معنى قوله: ((ارفُضي عمرتك)) أي: اتركي التحلل منها، وأدخلي عليها الحج، فتصير قارنةً، ويؤيِّده قوله في رواية لمسلم: ((وأمسكي عن العمرة))؛ أي: عن أعمالها . وقوله: (يَرْجِعُ النَّاسُ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ) إنما قالت عائشة ◌ُها: ((وأرجع بحجّ))؛ لاعتقادها أن إفراد العمرة بالعمل أفضل، كما وقع لغيرها من أمهات المؤمنين، قيل: ويُبعد هذا التأويل قولها في رواية عطاء عنها: ((وأرجع أنا بحجة ليس معها عمرة))، أخرجه أحمد، وهذا يقوّي قول الكوفيين: إن عائشة تركت العمرة، وحجت مفردة، وتمسكوا في ذلك بقولها في الرواية المتقدمة: ((دعي عمرتك))، وفي رواية: ((ارفُضي عمرتك))، ونحو ذلك، واستدلوا به على أن للمرأة إذا أهلّت بالعمرة متمتعةً، فحاضت قبل أن تطوف أن تترك العمرة، وتُهِلّ بالحج مفرداً كما فعلت عائشة . ٥٦٩ (١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلاثَةِ: الِإِفْرَادِ، وَالتَّمَثُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٢٩) وتُعُقّب بأن في رواية عطاء عنها ضعفاً، بل الرافع للإشكال في ذلك هو ما رواه مسلم من حديث جابر: ((أن عائشة أهلّت بعمرة، حتى إذا كانت بِسَرِف حاضت، فقال لها النبي ◌ّ: أهلّي بالحج، حتى إذا طهرت طافت بالكعبة، وسعت، فقال: قد حللت من حجك وعمرتك، قالت: يا رسول الله، إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت، قال: فأعمرها من التنعيم)). ولمسلم من طريق طاوس عنها: ((فقال لها النبيّ وَلّ: طوافك يسعك لحجك وعمرتك))، فهذا صريح في أنها كانت قارنةً؛ لقوله: ((قد حللت من حجك وعمرتك))، وإنما أعمرها من التنعيم تطييباً لقلبها؛ لكونها لم تطف بالبيت لَمّا دخلت معتمرةً، وقد وقع في رواية لمسلم أيضاً: ((وكان النبيّ وكله رجلاً سهلاً إذا هَوِيَت الشيء تابعها عليه))، أفاده في ((الفتح))(١). وقولها: (قَالَّتْ صَفِيَّةُ) بنت حيي بن أخطب الإسرائيليّة، أم المؤمنين تزوّجها النبيّ وَّر بعد خيبر، وماتت سنة ستّ وثلاثين من الهجرة، وقيل: في ولاية معاوية ربه، وهو الصحيح، أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب حديث واحد سيأتي في ((كتاب السلام)) برقم (٢١٧٥) وسنستوفي ترجمتها هناك - إن شاء الله تعالى -. وقولها: (مَا أُرَانِي إِلَّ حَابِسَتَكُمْ) بضم الهمزة؛ أي: ما أظنّ نفسي إلا مانعتكم عن الرجوع إلى المدينة، قال النوويّ كَّتُهُ: معناه أن صفية أم المؤمنين إذا حاضت قبل طواف الوداع، فلما أراد النبيّ وَ ◌ّ الرجوع إلى المدينة، قالت: ما أظنني إلا حابستكم لانتظار طهري، وطوافي لِلْوَدَاعِ، فإني لم أطف للوداع، وقد حضتُ، ولا يمكنني الطواف الآن، وظَنَّتْ أن طواف الوداع لا يسقط عن الحائض، فقال النبيّ وَّهِ: ((أما كنتِ طُفْتِ طواف الإفاضة يوم النحر؟ قالت: بلى، قال: يكفيك ذلك))؛ لأنه هو الطواف الذي هو ركنٌ، ولا بدّ لكل أحد منه، وأما طواف الوداع فلا يجب على الحائض. انتهى (٢). وقال القرطبيّ تَخْتُ: قول صفية ◌َّا: ((ما أراني إلا حابستكم))؛ ظنت أنها لا بدّ لها من طواف الوداع، وأنها لا تطوف حتى تطهر، ومن ضرورة ذلك (١) راجع: ((الفتح)) ٤٥٨/٤ - ٤٥٩. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٥٣/٨. ٥٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج أن تحتبس عليها، فلما سمعها النبيّ وَّ ظنَّ أنها لم تطف طواف الإفاضة، فأجابها بما يدلُّ على استثقاله احتباسه بسببها، فقال: (قَالَ: ((عَقْرَى، حَلْقَى) الرواية فيه بغير تنوين، بألف التأنيث المقصورة. قال القاضي: يقال للمرأة: ((عقرى حلقى))؛ أي: مشوَّهة مؤذية، وقيل: تعقرهم وتحلقهم، وقيل: عقری: ذات عقير. و((حلقى)): أصابها وجع الحلق، وقيل: هي كلمة تقولها اليهود للحائض، وقال أبو عبيد: صوابه: عقراً، حلقاً - بالتنوين - لأن معناه: عقرها الله عقراً، وهذا على مذهبهم - أعني: العرب - فيما يجري على ألسنتهم؛ مما ظاهره الدعاء بالمكروه، ولا يقصدونه، على ما تقدَّم في الطهارة(١). وقال النوويّ تَخْشُهُ: وأما قوله بَّه: ((عقرى حلقى)) فهكذا يرويه المحدّثون بالألف التي هي ألف التأنيث، ويكتبونه بالياء، ولا ينونونه، وهكذا نقله جماعة لا يُخْصَون من أئمة اللغة وغيرهم، عن رواية المحدثين، وهو صحيح فصيح. قال الأزهريّ في ((تهذيب اللغة)): قال أبو عُبيد: معنى ((عَقْرَى)) عقرها الله تعالى، و((حَلْقَى)) حلقها الله، قال: يعنى عقر الله جسدها وأصابها بوجع في حلقها، قال أبو عبيد: أصحاب الحديث يروونه: ((عقرى حلقى))، وإنما هو: عقراً حلقاً، قال: وهذا على مذهب العرب في الدعاء على الشيء من غير إرادة وقوعه، قال شَمِر: قلت لأبي عبيد: لم لا تجيز عقرى؟ فقال: لأن فَعْلَى تجيء نعتاً، ولم تجئ في الدعاء، فقلت: رَوَى ابن شُمَيل عن العرب: مُطَّيْرَى، وعَقْرَى أخفّ منها، فلم ينكره، هذا آخر ما ذكره الأزهريّ. وقال صاحب ((المحكم)): يقال للمرأة: عَقْرَى حَلْقَى، معناه: عقرها الله، وحلقها؛ أي: حلق شعرها، أو أصابها بوجع في حلقها، قال: فـ((عقرى)) ها هنا مصدر كدَعْوَى، وقيل: معناه تَعْقِر قومها، وتَحلقهم بشؤمها، وقيل: العقرى: الحائض، وقيل: عقرى حلقى؛ أي: عقرها الله، وحلقها، هذا آخر كلام صاحب (المحكم)). وقيل: معناه جعلها الله عاقراً لا تَلِدُ، وحلقى مشؤمة على أهلها، وعلى (١) ((المفهم)) ٣١٥/٣. ٥٧١ (١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِخْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَثُعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٢٩) كل قول فهي كلمة كان أصلها ما ذكرناه، ثم اتَّسَعَت العرب فيها، فصارت تطلقها، ولا تريد حقيقة ما وُضِعت له أوّلاً، ونظيره: تَرِبَت يداه، وقاتله الله ما أشجعه، وما أشعره، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ كَّهُ(١). وقال في ((الفتح)): قوله: ((عَقْرَى حَلْقَى)) بالفتح فيهما، ثم السكون، وبالقصر بغير تنوين في الرواية، ويجوز في اللغة التنوين، وصوّبه أبو عبيد؛ لأن معناه الدعاء بالعَقْرِ والْحَلْق، كما يقال: سَقْياً ورَغْياً، ونحو ذلك من المصادر التي يُدْعَى بها، وعلى الأول هو نعت لا دُعاءٌ، ثم معنى عَقْرَى: عَقَرها الله؛ أي: جرحها، وقيل: جعلها عاقراً لا تلد، وقيل: عقر قومها، ومعنى حَلْقَى: حَلَق شعرها، وهو زينة المرأة، أو أصابها وجع في حلقها، أو حَلَق قومها بشؤمها؛ أي: أهلكهم. وحَكَى القرطبيّ أنها كلمة تقولها اليهود للحائض، فهذا أصل هاتين الكلمتين، ثم اتَّسَعَتِ العرب في قولهما بغير إرادة حقيقتهما، كما قالوا: قاتله الله، وتربت يداه، ونحو ذلك. قال القرطبيّ وغيره: شتان بين قوله ومقر هذا لصفية، وبين قوله لعائشة لَمّا حاضت معه في الحج: ((هذا شيء كتبه الله على بنات آدم))؛ لما يُشعر به من الميل لها، والْحُنُوّ عليها، بخلاف صفية. قال الحافظ: وليس فيه دليل على اتِّضاع قدر صفية عنده، لكن اختلف الكلام باختلاف المقام، فعائشة دخل عليها، وهي تبكي أَسَفاً على ما فاتها من النسك، فسَلّاها بذلك، وصفية أراد منها ما يريد الرجل من أهله، فأبدت المانع، فناسب كلّاًّ منهما ما خاطبها به في تلك الحالة. انتهى (٢)، وهو توجيه حسنٌ، والله تعالى أعلم. وقوله: (أَوَ مَا كُنْتِ) بفتح الواو، فالهمزة للاستفهام، والواو عاطفة. وقوله: (طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟) أي: طواف الإفاضة الذي هو ركن من أركان الحجّ. وقوله: (لَا بَأْسَ، انْفِرِي) أي: اخرجي من منى راجعةً إلى المدينة من (١) ((شرح النوويّ)) ٨/ ١٥٣ - ١٥٤. (٢) ((الفتح)) ٧٢٢/٤ - ٧٢٣. ٥٧٢ البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج غير طواف الوداع، وفيه دليل على أن طواف الوداع لا يجب على الحائض، ولا يلزمها الصبر إلى طهرها لتأتي به، ولا دم عليها في تركه، قال النوويّ تَخْذَلُ: وهذا مذهبنا ومذهب العلماء كافّةً، إلا ما حكاه القاضي عن بعض السلف، وهو شاذّ مردود. انتهى(١). وقال في ((الفتح)): قوله: ((فلا بأس انفري)) هو بيان لقوله في الرواية الأخرى: ((فلا إذاً))، وفي رواية: ((قال: اخرجوا))، وفي رواية: ((قال: اخرجي))، وفي رواية: ((فلتنفر))، ومعانيها متقاربة، والمراد بها كُلُّها الرحيل من منى إلى جهة المدينة. قال: وفي أحاديث الباب: أن طواف الإفاضة ركنٌ، وأن الطهارة شرط لصحة الطواف، وأن طواف الوداع واجبٌ. قال: واستُدِلّ به على أن أمير الحاجّ يلزمه أن يؤخر الرحيل لأجل من تحيض، ممن لم تطف للإفاضة. وتُعُقِّب باحتمال أن تكون إرادته وي ليه تأخير الرحيل إكراماً لصفية، كما احتَبَس بالناس على عِقْد عائشة، وأما الحديث الذي أخرجه البزار، من حديث جابر، وأخرجه البيهقيّ في ((فوائده))، من طريق أبي هريرة مرفوعاً: ((أميران، وليسا بأميرين: من تَبعَ جنازةً، فليس له أن ينصرف حتى تُدْفَن، أو يأذن أهلها، والمرأة تحجّ، أو تعتمر مع قوم، فتحيض قبل طواف الركن، فليس لهم أن ينصرفوا حتى تَظْهَرَ، أو تأذن لهم))، فلا دلالة فيه على الوجوب إن كان صحيحاً، فإن في إسناد كل منهما ضعفاً شديداً. وقد ذكر مالك في ((الموطإ)) أنه يلزم الْجَمَّالَ أن يحبس لها إلى انقضاء أكثر مدة الحيض، وكذا على النفساء، واستشكله ابن الْمَوَّاز بأن فيها تعريضاً للفساد، كقطع الطريق، وأجاب عياض بأن محل ذلك مع أمن الطريق، كما أن محله أن يكون مع المرأة محرم. انتهى(٢). وقولها: (وَهُوَ مُصْعِدٌ مِنْ مَكَّةَ، وَأَنَا مُنْهَبِطَةٌ عَلَيْهَا، أَوْ أَنَا مُصْعِدَةٌ، وَهُوَ مُنْهَبِطٌ مِنْهَا) معنى ((مُصعد من مكة)) أي: ذاهبٌ منها، يقال: أصعد في (١) ((شرح النوويّ)) ١٥٤/٨. (٢) ((الفتح)) ٦٢٣/٤. ٥٧٣ (١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٢٩) الأرض: إذا مضى، وأصعد في الوادي: إذا انحدر، كصعّد، تصعيداً، قاله في ((القاموس))، وقال أيضاً: صَعِدَ في السلّم، كسَمِع صُعُوداً، وصَعَّد في الجبل، وعليه تصعيداً: رَقِيَ، ولم يُسمع: صَعِدَ فيه؛ أي: بالتخفيف. انتهى(١). و ((المنهبط)): ضدّ الْمُصْعِد. قال النوويّ كَّلُهُ: قولها: ((فلقيني رسول الله وَّر، وهو مصعد من مكة ... إلخ))، وقالت في الرواية الأخرى: ((فجئنا رسول الله وَّر، وهو في منزله، فقال: هل فرغتِ؟ فقلت: نعم، فأَذَّن في أصحابه، فخرج، فمَرّ بالبيت، وطاف))، وفي الرواية الأخرى: ((فأقبلنا حتى أتينا رسول الله وَّه، وهو بالحصبة)) . قال: وجه الجمع بين هذه الروايات أنه * بعث عائشة مع أخيها بعد نزوله المحصَّب، وواعدها أن تَلْحَقه بعد اعتمارها، ثم خرج هو ◌َّ بعد ذهابها، فقصد البيت؛ ليطوف طواف الوداع، ثم رجع بعد فراغه من طواف الوداع، وكلُّ هذا في الليل، وهي الليلة التي تلي أيام التشريق، فلقيها وَله، وهو صادر بعد طواف الوداع، وهي داخلة لطواف عمرتها، ثم فَرَغَت من عمرتها، ولَحِقته ◌ََّ، وهو بعدُ في منزله بالمحصَّب. وأما قولها: ((فأَذَّن في أصحابه، فخرج، فمَرَّ بالبيت، وطاف))، فيُتَأَوَّل على أن في الكلام تقديماً وتأخيراً، وأن طوافه وَي# كان بعد خروجها إلى العمرة، وقبل رجوعها، وأنه فرغ قبل طوافها للعمرة. انتهى كلام النوويّ ◌َّهُ(٢). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن معنى كلامها أن النبيّ وَلّ لقيها، والحال أنه راجع من مكة بعد طوافه للصدر إلى محلّ نزوله من المحصّب الذي قال لها حين توجهت إلى التنعيم موعدك مكان كذا وكذا، وهي منحدرة على مكة لأداء العمرة بالطواف والسعي. والحاصل أن ملاقاتهما كانت حين رجوعه ولو بعد طوافه للصدر إلى محل نزوله، وهي متوجّهة من التنعيم إلى مكة لأداء العمرة، ولا ينافي هذا ما (١) ((القاموس المحيط)) ٣٠٧/١. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٥٧/٨ - ١٥٨. ٥٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج تقدّم من قولها: ((فمرّ بالبيت، فطاف به قبل صلاة الصبح ... ))؛ لاحتمال أن يكون أعاد الطواف لَمّا مرّ بالبيت، وهذا أولى من دعوى التقديم والتأخير، كما قاله النوويّ ◌َُّ، فتأمله، والله تعالى أعلم بالصواب. وقوله: (وَقَالَ إِسْحَاقُ: مُتَهَبِّطَةٌ وَمُتَهَبِّطٌ) بيّن به اختلاف شيخيه زهير بن حرب، وإسحاق ابن راهويه، فالأول قال: ((منهبطة)) بالنون، والثاني قال: (متهبّطة)) بالتاء، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٩٣٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاه سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ، عَن الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﴿َّا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَِّ نُلَبِّي، لَا نَذْكُرُ حَجَأَ وَلَا عُمْرَةً، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، بِمَعْنَى حَدِيثٍ مَنْصُورٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) الْحَدَثاني، هرويّ الأصل، صدوقٌ، عَمِيَ، فتلقّن، من قُدماء [١٠] (ت٢٤٠) وله مائة سنة (م ت) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٧. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) الكوفيّ، قاضي الموصل، تقدّم قريباً. ٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم أيضاً قريباً. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) الفاعل ضمير الأعمش. [تنبيه]: رواية الأعمش، عن إبراهيم هذه ساقها أبو نعيم تَخُّْ في ((مستخرجه)) (٣٠٩/٣) فقال: (٢٨١٠) - ثنا عبد الله بن محمد، ومحمد بن إبراهيم قالا: ثنا أحمد بن عليّ، ثنا عبد الغفار بن عبد الله، ثنا عليّ بن مسهر، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله وَل و لا نذكر حجّاً ولا عمرة، فلما قَدِمنا مكة، أمرنا رسول الله وَّر، فأحللنا، فحَلَّ الناس من عمرتهم، وكنت حائضاً، فلم أطف بالبيت، فلما كان ليلة النفر، قلت: يا ٥٧٥ (١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٣١) رسول الله، إني لم أكن تطوفت بالبيت يوم النحر، قال: ((اذهبي مع أخيك إلى التنعيم، فاعتمري))، وحاضت صفية بنت حُبَيّ ليلة النفر، فقالت: ما أُراني إلا حابستكم، فقال لها رسول الله وَّل: ((عَقْرَى حَلْقَى، أما كنت تطوفت بالبيت يوم النحر؟)) قالت: بلى، قال: ((فانفري))، قالت: فلقيت رسول الله، وَ ل ﴿ مُدْلِجاً على العقبة، وهو منهبط على المدينة، وأنا منهبطة، فقال: ((موعدك يوم كذا وكذا)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٣١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعاً عَنْ غُنْدَرٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْحَكَمِ، عَنْ عَلِيٍّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ ذَكْوَانَ مَوْلَى عَائِشَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﴿َّ أَنَّهَا قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ لِأَرْبَعِ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، أَوْ خَمْسٍ، فَدَخَلَ عَلَيَّ، وَهُوَ غَضْبَانُ، فَقُلْتُ: مَنْ أَغْضَّبَّكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ أَدْخَلَهُ اللهُ النَّارَ، قَالَ: ((أَوَ مَا شَعَرْتِ أَنِّي أَمَرْتُ النَّاسَ بِأَمْرٍ، فَإِذَا هُمْ يَتَرَدَّدُونَ))، قَالَ الْحَكَمُ: ((كَأَنَّهُمْ يَتَرَدَّدُونَ - أَحْسِبُ - وَلَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، مَا سُقْتُ الْهَدْيَ مَعِي، حَتَّى أَشْتَرِيَهُ، ثُمَّ أَحِلُّ كَمَا حَلُّوا))). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد المعروف بُندار، تقدّم قبل بابين. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ) غُندر تقدّم أيضاً قبل بابين. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّام، تقدّم أيضاً قبل بابين. ٤ - (الْحَكَمُ) بن عُتيبة، تقدّم قريباً. ٥ - (عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ) بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ، زين العابدين المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابد فاضلٌ مشهورٌ [٣] (ت٩٣) أو قبل ذلك (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين)) ١٨١٨/٣٠. ٦ - (ذَْوَانُ مَوْلَى عَائِشَةَ) أبو عمرو المدنيّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عنها، وعنه عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وهو أكبر منه، ٥٧٦ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج وابن أبي مليكة، وعليّ بن الحسين، ومحمد بن عمرو بن عطاء، وغيرهم. قال أبو زرعة: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال الواقديّ: كانت عائشة قد دَبَّرته، وله أحاديث قليلة، ومات ليالي الحرّة، وقال ابن أبي مليكة: كان عبد الرحمن بن أبي بكر يؤم عائشة، فإذا لم يحضر ففتاها ذكوان، وقال البخاريّ في ((صحيحه)): وكانت عائشة يؤمها عبدها ذكوان في المصحف، قال الحافظ: وقد وصلته فيما كتبته على تعاليق البخاريّ، وقال البخاريّ في ((تاريخه)) من طريق ابن أبي مليكة أنه أحسن على ذكوان الثناء. وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقةٌ. وقال الهيثم بن عديّ: أحسبه قُتِل بالحرّة سنة (٦٣). أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٢١١)، وحديث (١٤٢٠): ((نعم تُستأمر ... )) الحديث. والباقون ذُكروا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف تَخْذَلُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قرن بينهم، ثم فرّق؛ لما أسلفناه غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: الحكم، عن عليّ بن الحسين، عن ذكوان. ٣ - (ومنها): أن شيخيه: ابن المثنّى، وابن بشار من المشايخ التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٤ - (ومنها): أن عائشة ﴿ّ من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠)، والله تعالى أعلم. (عَنْ عَائِشَةَ ﴿ُّ أَنَّهَا قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ لِأَرْبَع) أي: لأربع ليال (مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، أَوْ خَمْسٍ) شكّ من عائشة ◌َّاءً أو ممن بعدها، وسيأتي في حديث جابر ((أنه وَ ل﴿ قَدِمَ صبح رابعة مضت من ذي الحجة)) (فَدَخَلَ عَلَيَّ، وَهُوَ غَضْبَانُ) أي: ملآن من الغضب حين تأخر بعض أصحابه في فسخ ٥٧٧ (١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٣١) الحج إلى العمرة، قال النوويّ تَُّ: أما غضبه وسّ فلانتهاك حرمة الشرع، وتردّدهم في قبول حكمه، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِى أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسَلِيمًا ﴾﴾ [النساء: ٦٥]، فغضب ؛ لما ذكرناه من انتهاك حرمة الشرع، والحزن عليهم في نقص إيمانهم بتوقفهم. انتهى(١). (فَقُلْتُ: مَنْ أَغْضَبَكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ أَدْخَلَهُ اللهُ النَّارَ) هذا دعاء من عائشة ويها، أو إخبار منها بذلك، وفيه جواز الدعاء على المخالف لحكم الشرع. وقال القرطبيّ تَخُّ: كأنها سبق لها أن الذي يُغضب النبيّ وَّ إنما هو منافقٌ، فدَعَت عليه بذلك. انتهى(٢). وقال الطيبيّ تَّثُ: قولها: ((من أغضبك)): ((من)) يجوز أن تكون شرطيّةً، وجوابها ((أدخله الله النار))، وأن تكون استفهاميّةً على سبيل الإنكار، وقولها: ((أدخله الله النار)) على هذا لا يكون إلا دعاءً، بخلاف الأول، فإنه يَحْتَمل الدعاء، والإخبار. انتهى(٣) . (قَالَ) وَِّ ((أَوَ مَا شَعَرْتِ) بفتح العين المهملة؛ أي: أَوَ ما عَلِمت (أَنِّي أَمَرْتُ النَّاسَ) بفتح الهمزة؛ لوقوعها موقع المفرد؛ حيث وقعت مفعولاً لـ(شَعَرتُ))؛ أي: أمري الناسَ، والمراد بعض الناس، وهم الذين أحرموا بالحجّ مفرداً، أو أحرموا بالحج والعمرة قراناً، ولم يكن معهم هدي، وقوله: (بِأَمْرٍ) نتعلّق بـ((أمرتُ))؛ أي: وهو فسخ الحجّ (فَإِذَا هُمْ يَتَرَدَّدُونَ))) ((إذا)) هي الْفُجائيّة؛ أي: ففاجأ أن بعضهم يترددون؛ أي: في طاعة الأمر، والمسارعة فيه، أو في أن هذه الطاعةَ هل هي نقصان بالنسبة إلى حجهم؟ قاله القاري (٤). (قَالَ الْحَكَمُ: ((كَأَنَّهُمْ يَتَرَدَّدُونَ أَحْسِبُ) قال القاضي عياض تَّتُ: كذا وقع هذا اللفظ، وهو صحيح، وإن كان فيه إشكال، قال: وزاد إشكاله تغيير (١) ((شرح النوويّ)) ٨/ ١٥٥. (٢) ((المفهم)) ٣١٦/٣. (٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٩٧٥/٦. (٤) ((مرقاة المفاتيح)) ٤٨٤/٥. ٥٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج فيه، وهو قوله: ((قال الحكم: كأنهم يترددون))، وكذا رواه ابن أبي شيبة عن الحكم، ومعناه أن الحكم شكّ في لفظ النبيّ والر هذا، مع ضبطه لمعناه، فشكّ هل قال: يترددون، أو نحوه من الكلام، ولهذا قال بعده: ((أحسب)) أي: أظنّ أن هذا لفظه، ويؤيده قول مسلم بعده في حديث غندر: ((ولم يذكر الشكّ من الحكم في قوله: يترددون))، والله أعلم. انتهى(١). (وَلَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، مَا سُقْتُ الْهَدْيَ مَعِي) أي: من الميقات (حَتَّى أَشْتَرِيَهُ) أي: من مكة، أو من الطريق، قال الطيبيّ تَكْتُ: ((حتى)) بمعنى (كي))، و((أشتريه)) منصوب به. انتهى(٢). (ثُمَّ أَحِلَّ) بالنصب عطفاً على ((أشتريَهُ))، ويوجد مضبوطاً بضبط القلم ((أَحِلُّ)) بالرفع، فعليه يكون بتقدير مبتدإ؛ أي: فأنا أحلّ (كَمَا حَلَّوا))) أي: مثل حلّ الصحابة المأمورين به. قال القرطبيّ كَُّهُ: قوله وَله: (لو استقبلت من أمري ... إلخ)) هذا يدل على أنه ولي لم يكن أحرم به متحتماً متعيناً عليه، وأنه كان مخيّراً بين أنواع الإحرام، فأحرم بأحدها، ثم إنه لما قلَّد الهدي لم يمكنه أن يتحلل حتى ينحره يوم النحر بمحله، فمعنى الكلام: لو ظهر لي قبل الإحرام ما ظهر عند دخول مكة من توقف الناس عن التحلل بالعمرة لأحرمت بعمرة، ولما سُقْتُ الهدي، وإنما قال ذلك تطييباً لنفوسهم، وتسكيناً لهم. انتهى(٣). وقال الأبّيّ ◌َّفُ: قوله: ((لو استقبلت إلخ)) يدلّ على أنه وَلّ كان مُهلّاً بالحجّ، ويفسّره قوله في رواية أخرى: ((لأهللتُ بالعمرة))، قال: والمعنى: أنه لو أن هذا الذي رأيت في الآخر، وأمرتكم به من الفسخ عَنّ لي في أول الأمر ما سُقت الهدي؛ لأن سوقه يمنع منه؛ لأنه لا يُنحر إلا بعد بلوغه محله يوم النحر، وقال و له ذلك تطبيباً لنفوسهم حين رآهم يتوقّفون عن الإحلال؛ تأسّياً به؛ لأنه لم يحلّ، وشقّ عليهم أن يحلّوا، ويبقى هو محرماً، وما كانوا ليرغبوا بأنفسهم عن نفسه، فطيّب نفوسهم بذلك، قال: ولا يؤخذ منه أن التمتّع أفضل؛ لأنه تمنّى أن يكون متمتّعاً، وإنما يَتمنّى الأفضل، ولأن الشيء قد (١) ((شرح النوويّ)) ١٥٥/٨. (٣) «المفهم)) ٣١٢/٣. (٢) ((الكاشف)) ١٩٧٥/٦. ٥٧٩ (١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِْرَادِ، وَالتَّمَُّّعِ، وَالْقِرَانٍ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٣٢) يكون أفضل باعتبار ذاته، وقد يكون باعتبار ما يقترن به، ولا يلزم أن يكون أفضل باعتبار ذاته، وهو هنا كذلك؛ لأن هذا التكليف يقترن به أنه قصد موافقة الصحابة في الفسخ بما شقّ عليهم. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّا هذا من أفراد المصنّف رَُّهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩٣١/١٧ و٢٩٣٢] (١٢١١)، و(أحمد) في («مسنده)) (١٧٥/٦)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٦٠٦)، و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (٣١٠/٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): استحباب الغضب عند انتهاك حرمة الدين. ٢ - (ومنها): جواز الدعاء على المخالف لحكم الشرع. ٣ - (ومنها): جواز قول ((لو)) في التأسف على فوات أمور الدين، ومصالح الشرع، وأما الحديث الصحيح في أن ((لو)) تفتح عمل الشيطان، فمحمول على التأسف على حظوظ الدنيا ونحوها، وقد كثرت الأحاديث الصحيحة في استعمال ((لو)) في غير حظوظ الدنيا ونحوها، فيجمع بين الأحاديث بما ذكرناه، قاله النوويّ تَخْذُ(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٣٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَذَّثَنَا أَبِيٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْحَكَم، سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ عَائِشَةَ ﴿َّا قَالَتْ: قَدِمَ النَّبِيُّ وَِّ لِأَرْبَعِ، أَوْ خَمْسٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، بِمِثْلِ حَدِيثٍ غُنْدَرٍ، وَلَمْ يَذْكُرٍ الشََّكَ مِنَ الْحَكُمِ فِي قَوْلِهِ: يَتَرَدَّدُونَ). (١) ((شرح الأبّيّ)) ٣٣٣/٣ - ٣٣٤. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٥٥/٨ - ١٥٦. ٥٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج رجال هذا الإسناد: سبعة : ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنْريّ، تقدّم قريباً. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ العنبريّ البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرِ الشََّكَ ... إلخ) فاعل ((يَذْكُر)) ضمير معاذ بن معاذ. [تنبيه]: رواية معاذ بن معاذ عن شعبة هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٩٣٣] ( ... ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَِّّهَا: أَنَّهَا أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ، فَقَدِمَتْ، وَلَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى حَاضَتْ، فَتَسَكَتِ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا، وَقَدْ أَهَلَّتْ بِالْحَجِّ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ وَّهِ يَوْمَ النَّفْرِ (١): ((يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ))، فَأَبَتْ، فَبَعَثَ بِهَا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الْحَجِّ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون، تقدّم قريباً . ٢ - (بَهْزُ) بن أسد اَلْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد المائتين، أو قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٢/٣. ٣ - (وُهَيْبُ) بن خالد بن عجلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبت تغيّر بآخره قليلاً [٧] (ت ١٦٥) أو بعدها (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص ٤١٣. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاوُسٍ) أبو محمد اليمانيّ، ثقةٌ عابدٌ فاضلٌ [٦] (ت١٣٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. ٥ - (أَبُوهُ) طاوس بن كيسان اليمانيّ، تقدّم قبل باب. (١) وفي نسخة: ((يوم النحر)).