Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
(١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١٢)
شهاب، عن عروة، عن عائشة: ((أرسلني النبيّ ◌َلّ مع عبد الرحمن إلى
التنعيم))، ورواية الأسود، عن عائشة الآتية: ((قال: فاذهبي مع أخيك إلى
التنعيم))، وعند البخاريّ من وجه آخر عن الأسود والقاسم جميعاً عنها، بلفظ:
((فاخرجي إلى التنعيم))، وهو صريح بأن ذلك كان عن أمر النبيّ وَل .
قال: وكلُّ ذلك يفسر قوله في رواية القاسم عنها الآتية، حيث أورده
بلفظ: ((اخرج بأختك من الحرم)).
وأما ما رواه أحمد من طريق ابن أبي مليكة عنها في هذا الحديث:
((قال: ثم أرسل إلى عبد الرحمن بن أبي بكر، فقال: احملها خلفك حتى
تخرج من الحرم))، فوالله ما قال: فتخرجها إلى الجعرانة، ولا إلى التنعيم،
فهي رواية ضعيفة؛ لضعف أبي عامر الخراز الراوي له عن ابن أبي مليكة.
قال: ويَحْتَمِل أن يكون قوله: فوالله إلخ من كلام مَن دون عائشة، قاله
متمسكاً بإطلاق قوله: ((فأخرجها من الحرم))، لكن الروايات المقيَّدة بالتنعيم
مقدمة على المطلقة، فهو أولى، ولا سيما مع صحة أسانيدها، والله أعلم.
[فائدة]: زاد أبو داود في روايته بعد قوله: ((إلى التنعيم)): ((فإذا هَبَطت
بها من الأَكَمَة فلتحرم، فإنها عمرة متقبلة))، وزاد أحمد في رواية له: ((وذلك
ليلة الصَّدَر))، وهو بفتح المهملة والدال؛ أي: الرجوع من منى.
وفي قوله: ((فإذا هَبَطت بها)) إشارة إلى المكان الذي أحرمت منه
عائشة ﴿ّا، وقد مرَّ تمام البحث في هذا في شرح الحديث الأول، فتنبّه.
وقولها: (فَأَرْدَفَنِي) فيه دليل على جواز الإرداف إذا كانت الدابة مطيقةً،
وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بذلك، وفيه جواز إرداف الرجل المرأة من
محارمه، والخلوة بها، وهذا مجمع عليه، قاله النوويّ كَذَتُهُ(١).
وقولها: (مَكَانَ عُمْرَتِي الَّتِي أَمْسَكْتُ عَنْهَا) قال النوويّ تَخْذُ: فيه دلالة
ظاهرة على أنها لم تَخْرُج منها، وإنما أمسكت عن أعمالها، وأحرمت بالحج،
فأدرجت أعمالها بالحج، كما سبق بيانه، وهو مؤيِّد للتأويل الذي قدمناه في
قوله وَله: ((ارفُضي عمرتك))، و((دَعِي عمرتك)) أن المراد رفض إتمام أعمالها،
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤٣/٨.

٥٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
لا إبطال أصل العمرة. انتهى (١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٩١٣] ( ... ) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﴿َّا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَقَالَ: ((مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ
أَنْ يُهِلَّ بِحَجِّ وَعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجِّ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ
بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ))، قَالَتْ عَائِشَةُ ﴿َا: فَأَهَلَّ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِحَجِّ، وَأَهَلَّ بِهِ نَاسٌ
مَعَهُ(٢)، وَأَهَلَّ نَاسٌ بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ، وَأَهَلَّ نَاسٌ بِعُمْرَةٍ، وَكُنْتُ فِيمَنْ أَهَلَّ
بِالْعُمْرَةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، ثم
المكيّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥.
٢ - (سُفْيَانٌ) بن عيينة، تقدّم قبل بابين.
والباقون ذكروا في الباب.
وقوله: ((مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٌّ وَهُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ ... إلخ) فيه دليل على
جواز الأنواع الثلاثة، وقد أجمع المسلمون على ذلك، وإنما اختلفوا في
أفضلها، وقد سبق أن الأرجح أن القران أفضل لمن ساق الهدي؛ اقتداء
بالنبيّ ◌َلاء .
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤٣/٨.
(٢) قوله: ((وأهلّ به ناس معه)) ساقط في المتن البولاقيّ.

٥٢٣
(١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَُّّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١٤)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذَثُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩١٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ،
عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﴿َا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ◌ّهِ فِي حَجَّةٍ
الْوَدَاعِ، ثُّوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ
أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ، فَلَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ»، قَالَتْ: فَكَانَ مِنَ الْقَوْمِ
مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، قَالَتْ: فَكُنْتُ أَنَا مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ،
فَخَرَجْنَا حَتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ، فَأَدْرَكَنِي بَوْمُ عَرَفَةَ، وَأَنَا حَائِضٌ، لَمْ أَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِي،
فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ وَِّ، فَقَالَ: ((دَعِي عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي،
وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ))، قَالَتْ: فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ، وَقَدْ قَضَى اللهُ حَجَّنَا،
أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْدَفَتِي، وَخَرَجَ بِي إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهْلَلْتُ
بِعُمْرَةٍ، فَقَضَى اللهُ حَجَّنَا وَعُمْرَتَنَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْئٌ، وَلَا صَّدَقَةٌ، وَلَا
صَوْمٌ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً) تقدّم قبل بابين.
٢ - (عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (هِشَامُ) بن عروة، تقدّم قبل باب.
والباقيان ذُكرا قبله.
قال القرطبيّ تَخَُّهُ: قولها في هذه الرواية: (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّ فِي
حَجَّةِ الْوَدَاعِ، مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ) أي: مُطِلِين عليه، ومُشْرِفين، يقال: أوفى
على ثَنِيّة كذَا؛ أي: شارفها، وأَطَلَّ عليها، ولا يلزم منه أن يكون دخل فيها، وقد
دلَّ على صحة هذا: قولها في الرواية الأخرى: ((خرجنا مع رسول الله وَّ لخمس
بقين من ذي القعدة))، وكذلك كان، وقَدِم النبيّ وَّ مكة لأربع أو خمس من ذي
الحجة، فأقام النبيّ وَّر في طريقه إلى مكة تسعة أيام، أو عشرة(١).
(١) ((المفهم)) ٢٩٨/٣.

٥٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وقال النوويّ تَخّْثُهُ: قولها: ((موافين لهلال ذي الحجة))؛ أي: مقاربين
لاستهلاله، وكان خروجهم قبله لخمس في ذي القعدة، كما صَرَّحت به في
رواية عمرة التي ذكرها مسلم بعد هذا من حديث عبد الله بن سَلِمَة، عن
سليمان بن بلال، عن يحيى، عن عمرة. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): قولها: ((خرجنا موافين لهلال ذي الحجة))؛ أي: قرب
طلوعه، وسيأتي أنها قالت: خرجنا لخمس بقين من ذي القعدة، والخمس
قريبة من آخر الشهر، فوافاهم الهلال، وهم في الطريق؛ لأنهم دخلوا مكة في
الرابع من ذي الحجة. انتهى.
وقولها: (فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ) - بفتح الحاء، وإسكان الصاد
المهملتين -: هي الليلة التي بعد أيام التشريق، وسُمّت بذلك؛ لأنهم نفروا من
منى، فنزلوا في الْمُحَصَّب، وباتوا بها، قاله النوويّ تَخْذُهُ(٢).
وقال القرطبيّ تَخُّْهُ: وقولها: ((فلما كانت ليلة الحَصْبة)) - بسكون الصاد -،
وهي: الليلة التي ينزل الناس فيها المحصَّب عند انصرافهم من منى إلى مكة،
والتحصيب: إقامتهم بالمحصَّب، وهو الشِّعبُ الذي مخرجه إلى الأبطح، وهو
منزل النبيّ 18َ حين انصرف من حجته، وهو خيف بني كنانة؛ الذي تقاسمت
فيه في الصحيفة التي كتبوها بمقاطعة بني هاشم، وهو بين مكة ومنى، وربما
تسمَّى: الأبطح، والبطحاء: لقربه منه، ونزوله بعد النفر من منى، والإقامة به
إلى أن يصلي الظهر والعصر والعشاءين ويخرج منه ليلاً سُنَّة عند مالك،
والشافعي، وبعض السَّلف؛ اقتداءً بالنبيّ وَّ، ولم يره بعضهم، وسيأتي إن
شاء الله تعالى(٣).
وقولها: (وَقَدْ قَضَى اللهُ حَجَّنَا) أي: والعمرة التي قرنت معه.
وقوله: (وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْيٌّ، وَلَا صَدَقَةٌ، وَلَا صَوْمٌ) قال النوويّ ◌َخْتُهُ:
هذا محمول على إخبارها عن نفسها؛ أي: لم يكن عليّ في ذلك هدي، ولا
صدقةٌ، ولا صوم، ثم إنه مشكلٌ من حيث إنها كانت قارنةً، والقارن يلزمه
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤٤/٨.
(٣) ((المفهم)) ٣٠٧/٣ - ٣٠٨.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٤٤/٨.

٥٢٥
(١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١٤)
الدم، وكذلك المتمتع، ويمكن أن يُتأوَّل هذا على أن المراد لم يجب عليّ دم
ارتكاب شيء من محظورات الإحرام، كالطيب، وستر الوجه، وقتل الصيد،
وإزالة شعر وظفر، وغير ذلك؛ أي: لم أرتكب محظوراً، فيجب بسببه هديٌ،
أو صدقةٌ، أو صوم، هذا هو المختار في تأويله.
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن التأويل الذي ذكره النوويّ فيه
تكلّف ظاهر.
وقال في ((الفتح)): وأما قوله في هذا الحديث: ((فقضى الله حجها
وعمرتها، ولم يكن في شيء من ذلك هديٌ، ولا صدقة، ولا صومٌ)) فظاهره أن
ذلك من قول عائشة ثنا، وكذا أخرجه مسلم، وابن ماجه، من رواية عبدة بن
سليمان، ومسلم من طريق ابن نُمَير، والإسماعيليّ من طريق عليّ بن مسهر
وغيره، لكن قد تقدم الحديث عند البخاريّ في ((كتاب الحيض)) من طريق أبي
أسامة، عن هشام بن عروة إلخ، فقال في آخره: قال هشام: ((ولم يكن في
شيء من ذلك إلخ))، فتبيّن أنه في رواية يحيى القطان ومن وافقه مُدْرَج، وكذا
أخرجه أبو داود، من طريق وُهيب، والحمادين، عن هشام، ووقع في الحديث
موضعٌ آخر مُدْرَجٌ، وهو قوله قبل ذلك: ((فقضى الله حجها وعمرتها))، فقد بَيَّن
أحمد في روايته عن وكيع، عن هشام، أنه من قول عروة، وبَيَّنه مسلم، عن
أبي كريب، عن وكيع بياناً شافياً، فإنه أخرجه عقب رواية عبدة، عن هشام:
وقال فيه: فساق الحديث بنحوه، وقال في آخره: قال عروة: ((فقضى الله حجها
وعمرتها))، قال هشام: ((ولم يكن في ذلك هديٌ، ولا صيامٌ ولا صدقةٌ))،
وساقه الْجَوْزقيّ من طريق مسلم بهذا الإسناد بتمامه، بغير حوالة.
ورواه ابن جريج، عن هشام، فلم يذكر الزيادة، أخرجه أبو عوانة، وكذا
أخرجه الشيخان من طريق الزهريّ، وأبي الأسود، عن عروة، بدون الزيادة.
قال ابن بطال: قوله: ((فقضى الله حجها وعمرتها ... )) إلى آخر
الحديث، ليس من قول عائشة ﴿يا، وإنما هو من كلام هشام بن عروة، حدّث
به هكذا في العراق، فوهم فيه، فظهر بذلك أن لا دليل فيه لمن قال إن عائشة
لم تكن قارنةً، حيث قال: لو كانت قارنة لوجب عليها الهدي للقران، وحمل
قوله لها: ((ارْفُضي عمرتك)) على ظاهره.

٥٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
لكن طريق الجمع بين مختلف الأحاديث تقتضي ما قررناه، وقد ثبت عن
عائشة شؤوننا أن النبي و ﴿ ضحى عن نسائه بالبقر، كما تقدم، وروى مسلم من
حديث جابر
◌ُه أن النبي ◌َ ﴿ أهدى عنها، فيُحْمَل على أنه وَلّ أهدى عنها
من غير أن يأمرها بذلك، ولا أعلمها به.
وقال القرطبيّ كَّلهُ: قولها: ((ولم يكن في ذلك هدي، ولا صدقة، ولا
صوم)) هذا الكلام مشكل على من يقول: إنها كانت معتمرة، أو قارنة؛ لأنها
إن كانت معتمرة فقد استباحت مشط رأسها، وإلقاء القمل؛ إن تنزلنا على تأويل
من قال: إنها كان بها أذى، وإنها رُخِّص لها كما رُخِّص لكعب بن عجرة،
فكانت تلزم الفدية كما نصَّ الله على ذلك، وأما إن كانت قارنة فيلزمها الهدي
للقران عند جماعة العلماء إلا داود فإنه لا يرى في القران هدياً.
وقد أشكل هذا على أصحابنا حتى قال القاضي أبو الفضل عياض: لم
تكن معتمرة ولا قارنة، وإنما كانت أحرمت بالحج، ثم نوت فسخه في عمرة،
فلما حاضت ولم يتم لها ذلك رجعت إلى حجها، فلما أكملت حجها اعتمرت
عمرة مبتدأة، فلم تكن متمتعة، فلم يجب عليها هدي.
قال القرطبيّ: وكأن القاضي كَُّ لم يسمع قولها: ((وكنت فيمن أهلّ
بعمرة))، وقولها: ((ولم أهلّ إلا بعمرة))، ولا قوله ◌َّي لها: ((يسعك طوافك
لحجك وعمرتك».
قال: وهذا الكلام المشكل يهوّن إشكاله: أنه قد رواه وكيع موقوفاً على
هشام بن عروة وأبيه، فقال: قال عروة: إنه قضى الله حجها وعمرتها، قال
هشام: ولم يكن في ذلك هدي، ولا صيام، ولا صدقة، وإذا كان الأمر كذلك
سهل الانفصال؛ بأن يقال: إن عروة وهشاماً لمّا لم يبلغهما في ذلك شيء
أخبرا عن نفي ذلك في علمهما، ولا يلزم من ذلك انتفاء ذلك الأمر في نفسه،
فلعل النبيّ وَلر أهدى عنها، ولم يبلغهما ذلك، وهذا التأويل أيضاً منقدح على
تقدير: أن يكون هذا الكلام من قول عائشة وثقا، ويؤيده قول جابر: أن
النبيّ وَل ﴿ أهدى عن عائشة بقرة على ما يأتي - إن شاء الله تعالى -. ويَحْتَمِل أن
يكون معنى قولهم: ((لم يكن في ذلك هدي، ولا صوم، ولا صدقة)) أي: لم
يأمرها بذلك، ولم يكلّفها شيئاً من ذلك؛ لأنه نوى أن يقوم به عنها، كما قد

(١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانٍ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١٥)
٥٢٧
فعل على ما رواه جابر وغيره. انتهى كلام القرطبيّ تَخَّهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ.
وقال ابن خزيمة: معنى قوله: ((لم يكن في شيء من ذلك هديٌ)) أي: في
تركها لعمل العمرة الأولى، وإدراجها لها في الحجّ، ولا في عمرتها التي
اعتمرتها من التنعيم أيضاً، وهذا تأويل حسنٌ، والله أعلم. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: أحسن الأجوبة أنه إن كان هذا الكلام - أعني:
((ولو يكن في شيء من ذلك هديٌ ... إلخ)) - من قول عائشة ◌َّا ما قاله ابن
خزيمة كَّلُ: إن المراد أنه لم يلزمها شيء في تركها لعمل العمرة الأولى،
وإدراجها لها في الحجّ، ولا في عمرتها التي اعتمرتها من التنعيم أيضاً، وهذا
لا ينافي هدي القرآن، وهو قد ذُكر في قول جابر نَظُه: ((إن النبيّ ◌َّ أهدى
عن نسائه بالبقر))، ومنهنّ عائشة ﴿ّا، فزال الإشكال، وعلى هذا أيضاً يؤوّل
إن كان من كلام هشام تَخّْثُ، فتأمله بالإنصاف.
والحديث متّفقٌ عليه، دون الكلام الأخير، فتنبّه، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٩١٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَة ◌َ﴿َّا قَالَتْ: خَرَجْنَا هُوَافِينَ مَعَ رَسُولِ اللهِ بَّهِ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ،
لَا نَرَى إِلَّ الْحَجَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ
بِعُمْرَةٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدَةَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل باب.
٢ - (ابْنُ نُمَيْرِ) هو: عبد الله بن نُمير الهمدانيّ، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا قبله.
وقولها: (لَا نَرَى إِلَّ الْحَجَّ) أي: لا نعتقد أنا نُحرم إلا بالحجّ؛ لأنا كنّا
(١) ((المفهم)) ٣٠٣/٣ - ٣٠٤.
(٢) ((الفتح)) ٢٥/٥ - ٢٦.

٥٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
نظنّ امتناع العمرة في أشهر الحجّ، قاله النوويّ تَذُّ(١).
وقال القرطبيّ كَّلُ: يمكن أن يقال: كان ذلك منها ومنهم قبل أن
يُخبرهم النبيّ وَّه في أنواع الإحرام، ويُبيّنها لهم. انتهى (٢).
وقولها أيضاً: (لَا نُرَى) بضم النون؛ أي: لا نظنّ، وقال ابن التين:
ضبطه بعضهم بفتح النون، وبعضهم بضمّها (إِلَّا الْحَجَّ) وفي رواية عنها: ((لا
نَنْوِي إلا الحج))، وفي أخرى: ((لا نذكر إلا الحجّ))، وفي أخرى: ((مهلّين
بالحجّ)) وفي أخرى: ((لبّينا بالحجّ)).
وظاهر هذه الروايات أن عائشة مع غيرها من الصحابة ه، كانوا أوّلاً
محرمين بالحجّ، لكن هذا يُستشكل مع قولها: ((فمنّا من أهلّ بالحجّ، ومنّا من
أهلّ بعمرة))، وفي رواية: ((فمنا من أهلّ بعمرة، ومنا من أهلّ بحج وعمرة،
ومنّا من أهلّ بالحجّ)).
وقد ذكر الحافظ تَُّ الجمع بأن الأول يُحمل على أنها ذكرت ما كانوا
يَعهدونه من ترك الاعتمار في أشهر الحجّ، فخرجوا، لا يعرفون إلا الحجّ، ثمّ
بيّن لهم النبيّ ◌َّه وجوه الإحرام، وجوّز لهم الاعتمار في أشهر الحجّ، وقال
لهم: ((من شاء أن يُهلّ بحجّ فليُهلّ، ومن شاء أن يُهلّ بعمرة فليهلّ بعمرة)).
قال: وأما عائشة نفسها، فقد جاء عنها، أنها قالت: ((وكنت ممن أهلّ
بعمرة)»، زاد أحمد: ((ولم أسق هدياً)). فادعى إسماعيل القاضي وغيره أن هذا
غلط من عروة، والصواب رواية الأسود، والقاسم، وعروة عنها أنها أهلّت
بالحجّ مفرداً.
وتُعُقّب بأن قول عروة عنها إنها أهلّت بعمرة صريحٌ، وأما قول الأسود
وغيره عنها: ((لا نرى إلا الحجّ))، فليس صريحاً في إهلالها بحجّ مفرد،
فالجمع بينهما ما تقدّم، من غير تغليط عروة، وهو أعلم الناس بحديثها، وقد
وافقه جابر بن عبد الله الصحابيّ، كما أخرجه مسلم عنه. وكذا طاوس،
ومجاهد، عن عائشة.
ويَحْتَمِل في الجمع أيضاً أن يقال: أهلّت عائشة بالحجّ مفرداً، كما فعل
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤٥/٨.
(٢) ((المفهم)) ٢٩٩/٣.

٥٢٩
(١٧) - بَابُ بَيّانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُعِ، وَالْقِرَازٍ، ... إلخ- حديث رقم (٢٩١٥)
غيرها من الصحابة، وعلى هذا ينزّل حديث الأسود، ومن تبعه: ((ثمّ أمر
النبيّ وَل﴿ أصحابه أن يفسخوا الحجّ إلى العمرة، ففعلت عائشة ما صنعوا،
فصارت متمتّعة))، وعلى هذا يتنزّل حديث عروة: ((ثم لما دخلت مكّة، وهي
حائض، فلم تقدر على الطواف لأجل الحيض، أمرها أن تُحرم بالحجّ))، على
ما سيأتي من الاختلاف في ذلك. انتهى كلام الحافظ تَُّ بتصرّف.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الجمع الذي ذكره الحافظ تَّهُ جمع حسنٌ
جدّاً؛ إذ به تجتمع الروايات في الباب دون تغليط بعض الرواة.
وحاصله أن عائشة ﴿ّا كانت أولاً أحرمت بالحجّ مفرداً، كما فعل غيرها
من الصحابة ﴿، ثم لما أمر النبيّ وَلّ بفسخ الحج إلى العمرة، فسخت
مثلهم، فصارت متمتّعةً، ثم لما دخلت مكة، وهي حائض، فلم تقدر على
الطواف بالبيت أمرها وَ ل هو أن تُحرم بالحجّ، فصارت قارنة، وهذا جمع لا غبار
عليه، وبه تجتمع الروايات المختلفة في هذا الباب دون تغليط بعض الرواة،
ولا سيّما عروة، فتأمله.
وأما ما أطال به ابن القيّم ◌َُّهُ في الردّ على من قال ذلك، وبالغ فيه،
ففيه نظر لا يخفى، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ عَبْدَةَ) فاعل ((ساق)) ضمير عبد الله بن
نمير.
[تنبيه]: رواية عبد الله بن نمير، عن هشام بن عروة هذه ساقها ابن
حبّان رَّتُ في (صحيحه)) (٢٤٩/٩) فقال:
(٣٩٤٢) - أخبرنا الحسن بن سفيان، قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن
نمير، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة،
قالت: خرجنا موافين لهلال ذي الحجة مع رسول الله وَله، فقال النبيّ وقل له:
((من أحب منكم أن يُهِلّ بعمرة فليهلّ، فإني لولا أني أهديت، لأهللت بعمرة))،
فأهلّ به بعض أصحابه بحجة، وبعضهم بعمرة، قالت: وكنت فيمن أهلّ
بعمرة، فأدركني يوم عرفة، وأنا حائض، لم أحلّ من عمرتي، فشكوت ذلك
إلى النبيّ وَّر، فقال رسول الله وَله: ((دعي عمرتك، وانقضي رأسك،
وامتشطي، وأهلي بالحج))، قالت: ففعلت حتى إذا كانت ليلة الحصبة، أرسل

٥٣٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
معها عبد الرحمن بن أبي بكر، فأردفها، فخرجت إلى التنعيم، فأهلّت بعمرة،
مكان عمرتها، فطافت بالبيت، وبين الصفا والمروة، فقضى الله حجها
وعمرتها، ولم يكن في شيء من ذلك صوم، ولا هديٌ، ولا صدقة. انتھی،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٩١٦] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ عَائِشَةَ ﴿َا، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ◌ّهِ مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ، مِنَّا
مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ، فَكُنْتُ فِيمَنْ
أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمَا، وَقَالَ فِيهِ: قَالَ عُرْوَةُ فِي ذَلِكَ: إِنَّهُ
قَضَى اللهُ حَجَّهَا وَعُمْرَتَهَا، قَالَ هِشَامٌ: وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْيٌّ، وَلَا صِيَامٌ، وَلَا
صَدَقَةٌ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (وَكِيمُ) بن الجرّاح، تقدّم قبل بابين.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمَا) فاعل ((ساق)) ضمير وكيع؛ أي:
ساق وكيع الحديث بمثل ما ساقه عبدة بن سليمان، وعبد الله بن نمير.
وقوله: (قَالَ هِشَامٌ: وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ ... إلخ) فيه بيان أن قوله: ((ولم
يكن ... إلخ)) ليس من كلام عائشة ◌ّا، وإنما هو من كلام هشام، وقد تقدّم
تحقيق ذلك.
[تنبيه]: رواية وكيع، عن هشام بن عروة هذه لم أجد من ساقها بتمامها،
فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّلهُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٩١٧] ( .. ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ
أَبِي الْأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﴿َّا أَنَّهَا

٥٣١
(١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَنُّعِ، وَالْقِرَانٍ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١٧)
قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّه عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ
أَهَلَّ بِحَجّ وَهُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللهِوَهِ بِالْحَجِّ، فَأَمَّا مَنْ
أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ، وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجِّ، أَوْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَلَمْ بَحِلُّوا حَتَّى
كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (أبُو الْأَسْوَدِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ تَوْفَلِ) الأسديّ المدنيّ، یتیم
عروة، ثقةٌ [٦] مات سنة بضع و(١٣٠) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٧٣/٩.
والباقون ذُكروا في الباب.
قال الحافظ أبو عمر تَّلُ - بعد ذكر هذا الحديث -: وفي هذا الحديث
خروج النساء في سفر الحجّ مع أزواجهنّ، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء.
وفيه أيضاً: إباحة التمتع بالعمرة إلى الحجّ، وإباحة القرآن، وهو جمع
الحج والعمرة، وهذا ما لا خلاف بين العلماء فيه، وإنما اختلفوا في الأفضل
في ذلك، وكذلك اختلفوا فيما كان رسول الله وَليه به محرماً في خاصته عام
حجة الوداع. انتهى(١).
وقال النوويّ كَّلُهُ: في هذه الأحاديث جواز حج الرجل بامرأته، وهو
مشروع بالإجماع، وأجمعوا على أن الحج يجب على المرأة إذا استطاعته،
واختَلَف السلف هل المَحرم لها من شروط الاستطاعة، وأجمعوا على أن
لزوجها أن يمنعها من حج التطوع، وأما حج الفرض فقال جمهور العلماء:
ليس له منعها منه، وللشافعي فيه قولان: أحدهما: لا يمنعها منه كما قال
الجمهور، وأصحهما: له منعها؛ لأن حقه على الفور، والحج على التراخي،
قال أصحابنا: ويستحب له أن يحج بزوجته؛ الأحاديث الصحيحة فيه.
(٢)
انتھی(٢).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((التمهيد)» ٩٦/١٣.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٤٨/٨.

٥٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٩١٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ
حَرْبٍ، جَمِيعاً عَن ابْنٍ عُيَيْنَةَ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﴿َّا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ◌َِّ،
وَلَا نُرَى إِلَّ الْحَجَّ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ، أَوْ قَرِيباً مِنْهَا حِضْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ
النَّبِيُّ ◌َِِّ، وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: ((أَنَفِسْتِ؟)) يَعْنِي الْحَيْضَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ: نَعَمْ،
قَالَ: ((إِنَّ هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاتجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا
تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَغْتَسِي))، قَالَتْ: وَضَخَّى رَسُولُ اللهِ نَّهِ عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) ابن محمد بن بكير، تقدّم قبل بابين.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ) تقدّم أيضاً في الباب الماضي.
٤ - (أَبُوهُ) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصدّيق، تقدّم أيضاً في الباب
الماضي.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقولها: (قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ نَّه) أي: من المدينة عام حجة الوداع،
وكان خروجهم لخمس بقين من ذي القعدة، وقَدِموا مكة لأربع، أو خمس من
ذي الحجة، فكانوا في طريقهم إلى مكة تسعة أيام، أو عشرة.
وقولها: (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ) - بفتح السين، وكسر الراء: موضع قريب
من مكة ممنوع من الصرف، وقد يُصْرَف، وفي ((المصباح)): سَرف: موضع
قريب من التنعيم، مثال تَعب، وجَهْل، وبه تزوج رسول الله وَ طّ ميمونة
الهلالية ﴿ها، وبه تُوُفِّيَت، ودُفنَت.
وقال في ((العمدة)): سَرِف: اسم موضع قريب من مكة، بينهما نحو من
عشرة أميال، وقيل: عشرة، وقيل: تسعة، وقيل: سبعة، وقيل: ستة، وهو غير

٥٣٣
(١٧) - بَابُ بَيَانٍ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثّلاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١٨)
منصرف؛ للعلمية والتأنيث. انتهى(١).
وقولها: (حِضْتُ) بكسر الحاء؛ لأنه من حاض يحيض، كبِعْتُ، من باع
يبيع، فأصله حَيَضْتُ، قلبت الياء ألفاً؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم حذفت
لالتقاء الساكنين، فصار حَضْتُ بالفتح، ثم أُبدلت الفتحة كسرة؛ لتدل على الياء
المحذوفة، قاله في ((العمدة))(٢).
وقولها: (فَقَالَ: ((أَنَفِسْتِ؟))) - بفتح النون وكسر الفاء، أو بضم النون
وكسر الفاء؛ أي: أحضت، والهمزة للاستفهام.
وقوله: ((إِنَّ هَذَا شَيْءٌ) وفي رواية ((أمرٌ))، والإشارة إلى الحيض، والأمر
بمعنى الشأن.
وقوله: (كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ) أي: الحيض أمر أثبته الله رَ على
النساء، من أولاد آدم، أراد ◌َ و بهذا تسلية عائشة ﴿يا حيث إنها بكت،
كالْمُقَصِّرة في ذلك، فكأنه يقول لها: لا تقصير منك؛ لأنه مما كتبه الله على
النساء كلهن، فلا لوم عليك.
[فإن قيل]: هذا الحديث يعارضه ما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح،
عن ابن مسعود ظُه، قال: ((كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلون
جميعاً، فكانت المرأة تتشرف للرجل، فألقى الله عليهن الحيض، ومنعهن
المساجد))، فإنه يدل على أن ابتداء الحيض من بني إسرائيل، وحديث الباب
يدل على أنه على بنات آدم عموماً.
[أجيب]: بأنه لا تعارض بينهما، فإن نساء بني إسرائيل من بنات آدم
فيكون قوله: ((على بنات آدم)) عاماً أريد به الخصوص، قاله الداوديّ.
وقال الحافظ: ويمكن الجمع مع القول بالتعميم بأن الذي أُلقيَ على
نساء بني إسرائيل طول مكثه بهن عقوبةً لهن، لا ابتداء وجوده.
وقد روى ابن جرير وغيره، عن ابن عباس ﴿ها في قوله تعالى في قصة
إبراهيم: ﴿وَأَمْرَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾، [هود: ٧١]؛ أي: حاضت، والقصة متقدمة
على بني إسرائيل بلا ريب.
(١) ((عمدة القاري)) ٢٥٧/٣.
(٢) ((عمدة القاري)) ٢٥٧/٣.

٥٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وروى ابن المنذر والحاكم بسند صحيح عن ابن عباس ﴿ه: أن ابتداء
الحيض كان على حواء بعد أن أهبطت من الجنة. انتهى (١).
وقوله: (فَاقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُ) أي: افعلي ما يفعل من أحرم بالحج.
وقال في ((العمدة)): قوله: ((فاقضي)) خطاب لعائشة ثقا، فلذلك لم
تسقط الياء، ومعناه: فأدّي؛ لأن القضاء يأتي بمعنى الأداء، كما في قوله
تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنْتَشِرُوا﴾ [الجمعة: ١٠]؛ أي: إذا أُدِّيت صلاة
الجمعة .
وقوله: (مَا يَقْضِي الْحَاجُّ) قال الكرماني: المراد من الحاجّ الجنس،
فيشمل الجمع، فهو كقوله تعالى: ﴿سَمِرًّا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧](٢).
وقوله: (غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ) بنصب ((غيرَ)) على الاستثناء، و((أن))
يجوز أن تكون مخففة من الثقيلة، وفيه ضمير الشأن، و((تطوفي)) مجزوم بـ(لا))
الناهية، والمعنى: لا تطوفي ما دُمت حائضاً، ويجوز أن تكون ناصبة و((لا))
زائدة، والفعل منصوب بأن، مؤول بالمصدر؛ أي: غير طوافك.
وقال السنديّ كَُّ في ((شرح النسائيّ)): كلمة ((لا)) زائدة، إذ المقصودُ
إخراج الطواف عما يقضي الحاجّ، لا إخراج عدم الطواف، ويمكن إبقاء (لا))
على معناها، على أنه استثناء مما يفهم من الكلام السابق؛ أي: فلا فرق بينك
وبين الحاجّ غير أن لا تطوفي.
ثم المراد غير الطواف وما يتبعه من السعي، لأنه ((حج)) لا يجوز تقديم
السعي على الطواف، ولكونه تابعاً لم يذكره. اهـ كلام السنديّ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في قوله: ((لا يجوز تقديم ... )) إلخ،
نظر؛ لأن الراجح أنه يجوز تقديمه عليه؛ لما رواه أبو داود بإسناد صحيح عن
أسامة بن شريك ظه، قال: خرجت مع النبيّ وَل حاجّاً فكان الناس يأتونه،
فمن قائل له: يا رسول الله سعيت قبل أن أطوف، أو قدّمت شيئاً، أو أخرت
شيئاً، فكان يقول: ((لا حرج، لا حرج ... )) الحديث.
وقولها: (وَضَخَّى رَسُولُ اللهِ وَّ﴿) أي: ذبح أضحية قال في ((المصباح)):
(١) راجع: ((الفتح)) ١/ ٤٧٧.
(٢) ((عمدة القاري)) ٢٥٧/٣.

٥٣٥
(١٧) - بَابُ بَيّانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١٩)
ضَخَّى تضحيةً: إذا ذبح الأضحية وقت الضحى، هذا أصله، ثم كثر حتى قيل:
ضخّى في أي وقت كان من أيام التشريق، ويتعدى بالحرف فيقال: ضحيت
بشاة. انتهى.
(عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ) فيه جواز تضحية الرجل عن امرأته، وقال النوويّ نَّتُهُ:
هذا محمول على أنه ﴿ استأذنهن في ذلك، فإن تضحية الإنسان عن غيره لا
يجوز إلا بإذنه، قال العينيّ كَخَُّهُ: هذا في الواجب، وأما في التطوع فلا يحتاج
إلى الإذن.
قال الجامع عفا الله عنه: فيما قالاه نظر لا يخفى؛ لأن ظاهر الحديث
يدل على الجواز مطلقاً، وأين الدليل على وجوب الاستئذان؟ ولقد أجاد الإمام
البخاريّ ◌َخْلُ حيث ترجم في ((صحيحه)) بقوله: ((باب ذبح الرجل البقر عن
نسائه من غير أمرهنّ))، ثم أورد هذا الحديث حجة على ذلك، وهذا هو الحقّ،
فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
واستدل مالك تَخْلُ به على أن التضحية بالبقرة أفضل من البَدَنَة، ولكن
الاستدلال غير واضح، وذهب الأكثرون منهم الشافعي إلى أن التضحية بالبدنة
أفضل من البقرة؛ لتقديم البدنة على البقرة في حديث ساعة الجمعة(١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلَّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٩١٩] (.) - (حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ أَبُو أَيُّوبَ الْغَيْلَانِيُّ، حَدَّثَنَا
أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاحِشُونُ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِم، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﴿َا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ
رَسُولِ اللهِ ﴿ لَا نَذْكُرُ إِلََّ الْحَجَّ، حَتَّى جِئْنَا سَرِفَ، فَطَمَثْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ، وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: ((مَا يُبْكِيكِ؟)) فَقُلْتُ: وَاللهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ
(١) راجع: ((عمدة القاري)) ٢٥٧/٣.

٥٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
خَرَجْتُ الْعَامَ، قَالَ: ((مَا لَكِ؟ لَعَلَّكِ نَفِسْتٍ؟)) قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ((هَذَا شَيْءٌ
كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاتُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى
تَطْهُرِي))، قَالَتْ: فَلَمَّا قَدِمْتُ مَكَّةَ، قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ لِأَصْحَابِهِ: ((اجْعَلُوهَا
عُمْرَةً))، فَأَحَلَّ النَّاسُ إِلَّ مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ، قَالَتْ: فَكَانَ الْهَدْيُ مَعَ النَّبِيِّ وَّهِ،
وَأَبِي بَكْرٍ، وَهُمَرَ، وَذَوِي الْيَسَارَةِ، ثُمَّ أَهَلُّوا حِينَ رَاحُوا، قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ
النَّحْرِ طَهَرْتُ، فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ، فَأَفَضْتُ، قَالَتْ: فَأَتِيَنَا بِلَحْم بَقَرِ، فَقُلْتُ:
مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: أَهْدَى رَسُولُ اللهِ عَنْ نِسَائِهِ الْبَقَرَ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، يَرْجِعُ النَّاسُ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَأَرْجِعُ بِحَجَّةٍ، قَالَتْ: فَأَمَرَ
عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْدَفَنِي عَلَى جَمَلِهِ، قَالَتْ: فَإِنِّي لَأَذْكُرُ، وَأَنَا جَارِيَةٌ
حَدِيثَةُ السِّنِّ أَنْعَسُ، فَيُصِيبُ وَجْهِي مُؤْخِرَةَ الرَّحْلِ، حَتَّى جِثْنَا إِلَى التَّنْعِيمِ،
فَأَهْلَلْتُ مِنْهَا بِعُمْرَةٍ، جَزَاءً بِعُمْرَةِ النَّاسِ الَّتِي اعْتَمَرُوا(١)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ أَبُو أَيُّوبَ الْغَيْلَانِيُّ) تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو) الْعَقَديّ البصريّ، تقدّم أيضاً قبل
باب.
٣ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ) هو: عبد العزيز بن عبد الله بن أبي
سلمة الماجشون - بكسر الجيم، بعدها معجمة مضمومة - المدنيّ، نزیل بغداد،
مولى آل الْهُدَير، ثقةٌ فقيهٌ مصنّف [٧] (ت١٦٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٨١/ ٤٣٧.
والباقون ذُكروا قبله.
وقولها: (فَطَمَثْتُ) - بفتح الطاء المهملة، والميم، وتكسر، قال
الفيّوميّ تَخُّْهُ: طَمَّئَت المرأة طَمْئاً، من باب ضَرَبَ: إذا حاضت، وبعضهم
يزيد أول ما تحيض، فهي طامثٌ، بغير هاء، وطَمِئَتْ تَظْمَثُ، من باب تَعِبَ
لغةٌ. انتهى (٢).
(١) وفي نسخة: ((التي اعتمروها)).
(٢) ((المصباح المنير)) ٣٧٧/٢ - ٣٧٨.

٥٣٧
(١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِخْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِنْرَادِ، وَالتَّمَثُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١٩)
وقال النوويّ تَخْذَثُ: قولها: ((فَطَمِثْتُ)) بفتح الطاء، وكسر الميم؛ أي:
حضت، يقال: حاضت المرأة تحيضت، وطَمَئِت، وعَرَكَت بفتح الراء،
ونَفِست، وضَحِكَت، وأعصرت، وأكبرت، كله بمعنى واحد، والاسم منه
الحيض، والطمثُ، والعِرَاك، والضحك، والإكبار، والإعصار، وهي حائض،
وحائضة في لغة غريبة، حكاها الفراء، وطامتٌ، وعارٌ، ومُكْبِرٌ، ومُعْصِرٌ.
(١)
انتھی(١).
وقولها: (وَاللهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ خَرَجْتُ الْعَامَ) هذا قالته ظنّاً منها أن
الحيض يمنع من الحج، فأعلمها النبيّ وَ ر أنه لا يمنع إلا الطواف بالبيت حتى
تطهر .
وقوله: (اجْعَلُوهَا عُمْرَةً) أي: أحلّوا من إحرام الحجّ بأفعال العمرة،
وافسخوه إليها .
وقولها: (وَذَوِي الْيَسَارَةِ) أي: أصحاب غنى.
وقولها: (ثُمَّ أَهَلَّوا حِينَ رَاحُوا) تعني الذين تحلّلوا بعمرة، وأهلّوا بالحجّ
حين راحوا إلى منى، وذلك يوم التروية، وهو الثامن من ذي الحجة، وفيه
دلالة لمذهب الشافعي، وموافقيه أن الأفضل لمن كان في مكة أن يُحرم بالحجّ
يوم التروية، ولا يُقدّمه عليه، وقد سبقت المسألة مستوفاةً.
وقولها: (فَأَفَضْتُ) أي: طُفت طواف الإفاضة، يقال: أفاض الناس من
عرفات: دفعوا منها، وكلّ دَفْعة إفاضةٌ، وأفاضوا من منى إلى مكة يوم النحر:
رجعوا إليها، ومنه طواف الإفاضة؛ أي: طواف الرجوع من منّى إلى مكة، قاله
في ((المصباح))(٢).
وقولها: (فَأْتِينَا بِلَحْم بَقَرٍ) ببناء الفعل للمفعول.
وقولها: (أَنْعَسُ) بضَمّ العين، قال الفيّومِيّ ◌َخْتُهُ: نَعَسَ يَنْعُسُ، من باب
قتل، والاسم النُّعَاس، فهو ناعس، والجمع نُقَسٌ، مثل راكع ورُبَّع، والمرأة
ناعسة، والجمع نَوَاعس، وربما قيل: نَعْسان، ونَعْسَى حَمَلوه على وَسْنَان
ووَسْنَى، وأول النوم النُّعَاس، وهو أن يحتاج الإنسان إلى النوم، ثم الْوَسَنُ،
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤٧/٨ - ١٤٨.
(٢) ((المصباح المنير)) ٤٨٥/٢.

٥٣٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وهو ثِقَل النعاس، ثم التَّرْنيق، وهو مخالطة النعاس للعين، ثم الْكَرَى،
والْغَمْضُ، وهو أن يكون الإنسان بين النائم واليقظان، ثم الْعَفْقُ، وهو النوم،
وأنت تسمع كلام القوم، ثم الْهُجُود، والْهُجُوعُ، ورُوي أن أهل الجنة لا
ينامون؛ لأن النوم موت أصغر، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَلَى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا
وَأَلَِّى لَمْ تَمُتْ فِ مَنَامِهَاً﴾ [الزمر: ٤٢]، وكثيراً ما يُحْمَل الشيء على نظيره، قال
الفراء: وأحسن ما يكون ذلك في الشعر، قال الأزهريّ حقيقةُ النُّعاس: الْوَسَنُ
من غير نوم. انتهى(١).
وقولها: (مُؤْخِرَةَ الرَّحْلِ) بضم الميم، وسكون الهمزة، وفتح الخاء،
وكسرها، وبفتح الهمزة، وتشديد الخاء مفتوحةً، ومكسورةً، قال في
((القاموس)): آخرةُ الرَّحْل: خلاف قادمته، كآخِرِهِ، ومُؤَخَّرِهِ، ومُؤَخَّرَته، وتكسر
خاؤهما، مخفّفةً ومُشدّدةً. انتهى(٢).
وقال في ((المصباح)): آخرة الرَّحْلِ والسَّرْجِ بالمدّ: الخشبةُ التي يستند
إليها الراكب، والجمع: الأواخر، وهذه أفصح اللغات، ويقال: مُؤْخِرَةٌ بضمّ
الميم، وسكون الهمزة، ومنهم من يُثَقِّل الخاء، ومنهم من يَعُدُّ هذه لحناً.
انتھی
(٣)
ـى(٣) .
وقولها: (جَزَاءً بِعُمْرَةِ النَّاسِ الَّتِي اعْتَمَرُوا) وفي نسخة: ((التي اعتمروها))،
والمعنى أنها تقوم مقام عمرة الناس التي اعتمروها مفردةً، وتكفيني عنها.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٩٢٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ الْغَيْلَانِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ،
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﴿َّا قَالَتْ: لَبَّيْنَا بِالْحَجِّ، حَتَّى إِذَا كُنَّا
بِسَرِفَ حِضْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ وَهِ وَأَنَا أَبْكِي، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوٍ
(١) ((المصباح المنير)) ٦١٣/٢.
(٣) ((المصباح المنير)) ١/ ٧.
(٢) ((القاموس المحيط)) ٣٦٣/١.

٥٣٩
(١٧) - بَابُ بَيَانٍ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثََّةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٢٠)
حَدِيثٍ الْمَاجِشُونِ، غَيْرَ أَنَّ حَمَّاداً لَيْسَ فِي حَدِيثِهِ: فَكَانَ الْهَدْمُ مَعَ النَّبِيِّ ◌َِِّ،
وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَذَوِي الْيَسَارَةِ، ثُمَّ أَهَلُّوا حِينَ رَاحُوا، وَلَا قَوْلُهَا: وَأَنَا جَارِيَةٌ
حَدِيثَةُ السِّنِّ أَنْعَسُ، فَيُصِيبُ وَجْهِي مُؤْخِرَةَ الرَّحْلِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمّيُّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد
المائتين أو قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٢/٣.
٢ - (حَمَّادُ) بن سلمة بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، تغيّر في
الآخر، من كبار [٨] (ت١٦٧) (خت م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٨٠/٦.
والباقون ذُكروا قبله، و((أبو أيوب الغيلانيّ)) هو: سليمان بن عُبيد الله،
و((عبد الرحمن)) هو: ابن القاسم بن محمد.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ الْمَاجِشُونِ) فاعل ((ساق)) ضمير
حمّاد بن سلمة، و((الماجشون)) هو: عبد العزيز بن عبد الله بن الماجشون
المذكور في السند الماضي.
[تنبيه]: رواية حمّاد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم هذه ساقها
أبو داود في ((سننه))، فقال:
(١٥١٨) - حدّثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل، حدّثنا حماد، عن
عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: لبّينا بالحجّ حتى إذا
كنا بِسَرِفَ حضتُ، فدخل عليّ رسول الله وَله، وأنا أبكي، فقال: ((ما يبكيك
يا عائشة؟)) فقلت: حضت، ليتني لم أكن حججت، فقال: ((سبحان الله، إنما
ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم))، فقال: ((انسكي المناسك كلها، غير أن لا
تطوفي بالبيت))، فلما دخلنا مكة، قال رسول الله وَله: ((من شاء أن يجعلها
عمرة فليجعلها عمرة، إلا من كان معه الهدي))، قالت: وذبح رسول الله وَل
عن نسائه البقر يوم النحر، فلما كانت ليلة البطحاء، وطهرت عائشة، قالت: يا
رسول الله أترجع صواحبي بحج وعمرة، وأرجع أنا بالحج؟ فأمر رسول الله وَله
عبد الرحمن بن أبي بكر، فذهب بها إلى التنعيم، فلبّت بالعمرة. انتهى، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

٥٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَخْذَثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٩٢١] ( ... ) - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنِي خَالِي مَالِكُ بْنُ
أَنَسٍ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﴿َ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ أَفْرَدَ الْحَجَّ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) هو: إسماعيل بن عبد الله بن أويس بن
مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد الله بن أبي أويس ابن أخت مالك،
ونسيبه المدنيّ، صدوقٌ، أخطأ في أحاديث من حفظه [١٠].
رَوَى عن أبيه، وأخيه أبي بكر، وخاله فأكثر، وعن سلمة بن وردان،
وابن أبي الزناد، وعبد العزيز الماجشون، وسليمان بن بلال، وغيرهم.
وروى عنه البخاريّ، ومسلم، وهما الباقون بواسطة إبراهيم بن سعيد
الجوهريّ، وأحمد بن صالح المصريّ، والحسن غير منسوب، وأبي خيثمة،
والدارميّ، وأحمد بن يوسف السلميّ، وجعفر بن مسافر، والذهليّ، وغيرهم.
قال أبو طالب عن أحمد: لا بأس به، وكذا قال عثمان الدارميّ عن ابن
معين، وقال ابن أبي خيثمة عنه: صدوق ضعيف العقل، ليس بذاك، يعني أنه
لا يحسن الحديث، ولا يعرف أن يؤديه، أو يقرأ من غير كتابه، وقال معاوية بن
صالح عنه: هو وأبوه ضعيفان، وقال عبد الوهاب بن عصمة عن أحمد بن أبي
يحيى، عن ابن معين: ابنُ أبي أويس، وأبوه يسرقان الحديث، وقال إبراهيم بن
الجنيد عن يحيى: مخلط يكذب، ليس بشيء، وقال أبو حاتم: محله الصدق،
وكان مغفلاً، وقال النسائيّ: ضعيف، وقال في موضع آخر: غير ثقة، وقال
اللالكائيّ: بالغ النسائي في الكلام عليه إلى أن يؤدي إلى تركه، ولعله بان له
ما لم يبن لغيره؛ لأن كلام هؤلاء كلهم يؤول إلى أنه ضعيف، وقال ابن عديّ:
روى عن خاله أحاديث غرائب، لا يتابعه عليها أحد، وعن سليمان بن بلال
وغيرهما من شيوخه، وقد حدّث عنه الناس، وأثنى عليه ابن معين، وأحمد،
والبخاري يحدّث عنه الكثير، وهو خير من أبيه أبي أويس.