Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
(١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَثُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١٠)
قال ابن القيّم: ورأيت لشيخ الإسلام - يعني شيخه ابن تيميّة كَذَتُهُ - فصلاً
حسناً في اتفاق أحاديثهم، نسوقه بلفظه، قال: والصواب أن الأحاديث في هذا
الباب متفقةٌ، ليست بمختلفة، إلا اختلافاً يسيراً يقع مثله في غير ذلك، فإن
الصحابة ﴿ه ثبت عنهم أنه تمتع، والتمتع عندهم يتناول القران، والذين رُوي
عنهم أنه أفرد، رُوي عنهم أنه تمتع، أما الأول ففي ((الصحيحين)) عن سعيد بن
المسيِّب، قال: اجتمع عليّ وعثمان بعسفان، وكان عثمان ينهى عن المتعة، أو
العمرة، فقال عليّ رَظُه: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله وَل تنهى عنه، فقال
عثمان: دَعْنا منك، فقال: إني لا أستطيع أن أدعك، فلما رأى ﴿ه ذلك،
أهلّ بهما جميعاً، فهذا يبيّن أن من جمع بينهما كان متمتعاً عندهم، وأن هذا
هو الذي فعله النبيّ وَّل، ووافقه عثمان على أن النبيّ ◌َ له فعل ذلك، لكن كان
النزاع بينهما، هل ذلك الأفضل في حقنا أم لا؟ وهل شُرِع فسخُ الحج إلى
العمرة في حقنا، كما تنازع فيه الفقهاء، فقد اتَّفَقَ عليّ وعثمان على أنه وَيه
تمتع، والمراد بالتمتع عندهم القران، وفي ((الصحيحين)) عن مُطَرِّف قال: قال
عمران بن حصين: إن رسول الله وٍَّ﴿ جمع بين حج وعمرة، ثم إنه لم ينه عنه
حتى مات، ولم ينزل فيه قرآن يحرِّمه، وفي رواية عنه: تمتع رسول الله وَلۆ،
وتمتعنا معه، فهذا عمران، وهو من أجلّ السابقين الأولين، أخبر أنه تمتع،
وأنه جمع بين الحج والعمرة، والقارن عند الصحابة متمتع، ولهذا أوجبوا عليه
الهدي، ودخل في قوله تعالى: ﴿فَنَ تَمَنَّعَ بِلْعُمْرَةِ إِلَى الَّ فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْخَذْئَّ﴾
الآية [البقرة: ١٩٦]، وذكر حديث عمر، عن النبيّ وَّيقول: ((أتاني آت من ربي،
فقال: صَلِّ في هذا الوادي المبارك، وقُلْ: عمرة في حجة))، رواه البخاري.
قال: فهؤلاء الخلفاء الراشدون: عمر، وعثمان، وعليّ، وعمران بن
حصين، رُوي عنهم بأصح الأسانيد: أن رسول الله وَل ﴿ قرن بين العمرة
والحج، وكانوا يسمون ذلك تمتعاً، وهذا أنس يذكر أنه سمع النبيّ وَّ يلبي
بالحج والعمرة جميعاً .
وما ذكره بكر بن عبد الله المزنيّ، عن ابن عمر أنه و 84* لبى بالحج
وحده، فجوابه أن الثقات الذين هم أثبت في ابن عمر من بكر، مثل سالم
ابنه، ونافع، رووا عنه أنه قال: تمتع رسول الله ولم بالعمرة إلى الحج، وهؤلاء

٤٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
أثبت في ابن عمر من بكر، فتغليط بكر عن ابن عمر أولى من تغليط سالم
ونافع عنه، وأولى من تغليطه هو على النبيّ وَّة، ويشبه أن ابن عمر قال له:
((أفرد الحج))، فظن أنه قال: لبى بالحج، فإن إفراد الحج كانوا يطلقونه،
ويريدون به إفراد أعمال الحج، وذلك ردٌّ منهم على من قال: إنه قَرَنَ قراناً
طاف فيه طوافين، وسعى فيه سعيين، وعلى من يقول: إنه حَلّ من إحرامه،
فرواية من روى عن الصحابة أنه أفرد الحج تَرُدّ على هؤلاء، يبيّن هذا ما رواه
مسلم في (صحيحه)) عن نافع، عن ابن عمر، قال: أهللنا مع رسول الله، وَخو
بالحج مفرداً، وفي رواية: أهل بالحج مفرداً.
فهذه الرواية إذا قيل: إن مقصودها أن النبيّ ◌َّ أهلّ بحج مفرداً، قيل:
فقد ثبت بإسناد أصح من ذلك عن ابن عمر: أن النبيّ وَّ تمتع بالعمرة إلى
الحج، وأنه بدأ، فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحجّ، وهذا من رواية الزهريّ، عن
سالم، عن ابن عمر، وما عارض هذا عن ابن عمر إما أن يكون غلطاً عليه،
وإما أن يكون مقصوده موافقاً له، وإما أن يكون ابن عمر لَمّا عَلِم أن النبيّ وَلِيل
لم يحلّ ظَنّ أنه أفرد كما وَهِمَ في قوله: إنه اعتمر في رجب، وكان ذلك نسياناً
منه، والنبيّ وَّ لما لم يحلّ من إحرامه، وكان هذا حال المفرد ظنّ أنه أفرد،
ثم ساق حديث الزهريّ، عن سالم، عن أبيه: تمتع رسول الله وَلفتر ...
الحديث، وقولَ الزهريّ: وحدّثني عروة، عن عائشة بمثل حديث سالم، عن
أبيه، قال: فهذا من أصحّ حديث على وجه الأرض، وهو من حديث الزهريّ،
أعلم أهل زمانه بالسنة، عن سالم، عن أبيه، وهو من أصحّ أحاديث ابن عمر
وعائشة.
وقد ثبت عن عائشة ﴿ّا في ((الصحيحين)): أن النبيّ وَّ اعتمر أربع
عُمَر، الرابعة مع حجته، ولم يعتمر بعد الحج باتفاق العلماء، فيتعيّن أن يكون
متمتعاً تمتع قران، أو التمتع الخاصّ.
وقد صحّ عن ابن عمر أنه قرن بين الحج والعمرة، وقال: هكذا فعل
رسول الله وَل، رواه البخاريّ في ((الصحيح)).
قال: وأما الذين نُقِل عنهم إفراد الحج، فهم ثلاثة: عائشة، وابن عمر،
وجابر، والثلاثة نُقِل عنهم التمتع، وحديث عائشة، وابن عمر، أنه تمتع بالعمرة

٤٨٣
(١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانٍ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١٠)
إلى الحج أصحّ من حديثهما، وما صح في ذلك عنهما، فمعناه إفراد أعمال
الحج، أو أن يكون وقع منه غلطٌ، كنظائره، فإن أحاديث التمتع متواترةٌ،
رواها أكابر الصحابة؛ كعمر، وعثمان، وعليّ، وعمران بن حصين، ورواها
أيضاً عائشة، وابن عمر، وجابر، بل رواها عن النبيّ وَّ بضعة عشر من
الصحابة.
قال ابن القيم: وقد اتفق أنس، وعائشة، وابن عمر، وابن عباس، على
أن النبيّ وَ﴿ اعتمر أربع عمر، وإنما وَهِمَ ابن عمر في كون إحداهن في
رجب، وكلهم قالوا: وعمرة مع حجته، وهم سوى ابن عباس قالوا: إنه أفرد
الحجّ، وهم سوى أنس قالوا: تمتع، فقالوا هذا، وهذا، وهذا، ولا تناقض
بين أقوالهم، فإنه تَمَتَّعَ تَمَتُّعَ قران، وأفرد أعمال الحجّ، وقرن بين النسکین،
وكان قارناً باعتبار جمعه بين النسكين، ومفرداً باعتبار اقتصاره على أحد
الطوافين والسعيين، ومتمتعاً باعتبار ترفهه بترك أحد السفرين.
ومن تأمل ألفاظ الصحابة، وجمع الأحاديث بعضها إلى بعض، واعتبر
بعضها ببعض، وفَهِم لغة الصحابة أسفر له صبح الصواب، وانقشعت عنه ظلمة
الاختلاف والاضطراب، والله الهادي لسبيل الرشاد، والموفق لطريق السداد.
فمن قال: إنه أفرد الحج، وأراد به أنه أتى بالحج مفرداً، ثم فرغ منه،
وأتى بالعمرة بعده من التنعيم أو غيره، كما يظن كثير من الناس، فهذا غلطً،
لم يقله أحد من الصحابة، ولا التابعين، ولا الأئمة الأربعة، ولا أحد من أئمة
الحديث.
وإن أراد به أنه حج حجّاً مفرداً، لم يعتمر معه، كما قاله طائفة من
السلف والخلف، فوَهَمُ أيضاً، والأحاديث الصحيحة الصريحة تردّه، كما تَبَيَّنَ.
وإن أراد به أنه اقتصر على أعمال الحج وحده، ولم يفرد للعمرة
أعمالاً، فقد أصاب، وعلى قوله تدلّ جميع الأحاديث.
ومن قال: إنه قرن، فإن أراد به أنه طاف للحج طوافاً على حدة،
وللعمرة طوافاً على حدة، وسعى للحجّ سعياً، وللعمرة سعياً، فالأحاديث الثابتة
تردّ قوله.

٤٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وإن أراد أنه قرن بين النسكين، وطاف لهما طوافاً واحداً، وسعى لهما
سعياً واحداً، فالأحاديث الصحيحة تشهد لقوله، وقوله هو الصواب.
ومن قال: إنه تمتع فإن أراد تمتع تمتعاً حَلَّ منه، ثم أحرم بالحج إحراماً
مستأنفاً، فالأحاديث تردّ قوله، وهو غلط.
وإن أراد أنه تمتع تمتعاً لم يحلّ منه، بل بقي على إحرامه لأجل سوق
الهدي، فالأحاديث الكثيرة تردُّ قوله أيضاً، وهو أقل غلطاً، وإن أراد تمتع
القران، فهو الصواب الذي تدلّ عليه جميع الأحاديث الثابتة، ويأتلف به
شملها، ويزول عنها الإشكال والاختلاف.
فصل
غَلِط في عُمَرِ النبيّ ◌َّرِ خمس طوائف:
[إحداها]: من قال: إنه اعتمر في رجب، وهذا غلط، فإن عُمَره مضبوطة
مخفوظةٌ، لم يخرج في رجب إلى شيء منها البتة.
[الثانية]: من قال: إنه اعتمر في شوال، وهذا أيضاً وَهَمِّ، والظاهر -
والله أعلم - أن بعض الرواة غَلِطَ في هذا، وأنه اعتكف في شوال، فقال:
اعتمر في شوال، لكن سياق الحديث، وقوله: اعتمر رسول الله وسلم ثلاث
عُمَر: عمرة في شوال، وعمرتين في ذي القعدة، يدلّ على أن عائشة، أو من
دونها إنما قصد العمرة.
[الثالثة]: من قال: إنه اعتمر من التنعيم بعد حجه، وهذا لم يقله أحدٌ
من أهل العلم، وإنما يظنه العوامّ، ومن لا خِبْرة له بالسنة.
[الرابعة]: من قال: إنه لم يعتمر في حجته أصلاً، والسنة الصحيحة
المستفيضة التي لا يمكن ردّها تبطل هذا القول.
[الخامسة]: من قال: إنه اعتَمَرَ عمرة حَلَّ منها، ثم أحرم بعدها بالحجّ
من مكة، والأحاديث الصحيحة تُبطل هذا القول، وتردُّهُ.
فصل
ووهم في حجه ◌َلل خمس طوائف:
[الطائفة الأولى]: التي قالت: حجّ حجّا مفرداً، لم يعتمر معه.

٤٨٥
(١٧) - بَابُ بَيّانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانٍ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١٠)
[الثانية]: من قال: حج متمتعاً تمتعاً حلّ منه، ثم أحرم بعده بالحجّ،
كما قاله القاضي أبو يعلى وغيره.
[الثالثة]: من قال: حجّ متمتعاً تمتعاً لم يحلّ منه لأجل سوق الهدي،
ولم يكن قارناً، كما قاله أبو محمد ابن قدامة، صاحب ((المغني))، وغيره.
[الرابعة]: من قال: حج قارناً قراناً طاف له طوافين، وسعى له سعيين.
[الخامسة]: من قال: حج حجّاً مفرداً، واعتمر بعده من التنعيم.
فصل
وغَلِطَ في إحرامه ◌َِّ خمس طوائف:
[إحداها]: من قال: لبى بالعمرة وحدها، واستمرّ عليها .
[الثانية]: من قال: لبى بالحجّ وحده، واستمر عليه.
[الثالثة]: من قال: لبى بالحجّ مفرداً، ثم أدخل عليه العمرة، وزعم أن
ذلك خاصّ به آلێ .
[الرابعة]: من قال: لبى بالعمرة وحدها، ثم أدخل عليها الحجّ في ثاني
الحال.
[الخامسة]: من قال: أحرم إحراماً مطلقاً، لم يعيّن فيه نسكاً، ثم عَيَّنه
بعد إحرامه.
والصواب أنه أحرم بالحجّ والعمرة معاً، من حين أنشأ الإحرام، ولم
يحلّ حتى حلّ منهما جميعاً، فطاف لهما طوافاً واحداً، وسعى لهما سعياً
واحداً، وساق الهدي، كما دلت عليه النصوص المستفيضة التي تواترت تواتراً
يعلمه أهل الحديث، والله أعلم.
فصل
في أعذار القائلين بهذه الأقوال، وبيان منشإ الوهم والغلط:
أما عذر من قال: اعتمر في رجب، فحديث عبد الله بن عمر ﴿يا أن
النبيّ وَِّ اعتَمَر في رجب، متّفقٌ عليه، وقد غلّطته عائشة وغيرها كما في
((الصحيحين)) عن مجاهد، قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا
عبد الله بن عمر جالساً إلى حجرة عائشة، وإذا ناس يصلون في المسجد صلاة

٤٨٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
الضحى، قال: فسألناه عن صلاتهم، فقال: بدعةٌ، ثم قلنا له: كم اعتمر
رسول الله و لم؟ قال: أربعاً، إحداهن في رجب، فكرهنا أن نردّ عليه، قال:
وسمعنا استنان عائشة أم المؤمنين في الحجرة، فقال عروة: يا أمّه، أو يا أم
المؤمنين ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟ قالت: ما يقول؟ قال: يقول إن
رسول الله ﴿﴿ اعتمر أربع عُمَر، إحداهنّ في رجب، قالت: يرحم الله أبا
عبد الرحمن، ما اعتمر عمرةً قط إلا وهو شاهدٌ، وما اعتمر في رجب قطّ،
وكذلك قال أنس، وابن عباس: إن عُمَرَه كلها كانت في ذي القعدة، وهذا هو
الصواب.
فصل
وأما من قال: اعتمر في شوال، فعذره ما رواه مالك في ((الموطا))، عن
هشام بن عروة، عن أبيه: أن رسول الله وَ ﴿ لم يعتمر إلا ثلاثاً، إحداهن في
شوال، واثنتين في ذي القعدة، ولكن هذا الحديث مرسلٌ، وهو غلطٌ أيضاً،
إما من هشام، وإما من عروة، أصابه فيه ما أصاب ابن عمر، وقد رواه أبو
داود مرفوعاً، عن عائشة، وهو غلطٌ أيضاً، لا يصح رفعه، قال ابن عبد البر:
وليس روايته مسنداً مما يُذْكَر عن مالك في صحة النقل.
قال ابن القيّم: ويدلّ على بطلانه عن عائشة، أن عائشة، وابن عباس،
وأنس بن مالك، قالوا: لم يعتمر رسول الله و 98 إلا في ذي القعدة، وهذا هو
الصواب، فإن عمرة الحديبية، وعمرة القضيّة كانتا في ذي القعدة، وعمرة القران
إنما كانت في ذي القعدة، وعمرة الجعرانة أيضاً كانت في أول ذي القعدة،
وإنما وقع الاشتباه أنه خرج من مكة في شوال للقاء العدوّ، وفرغ من عدوه،
وقسم غنائمهم، ودخل مكة ليلاً معتمراً من الجعرانة، وخرج منها ليلاً، فخفيت
عمرته هذه على كثير من الناس، وكذلك قال مُحَرِّشُ الكعبيّ ◌َُه، والله أعلم.
فصل
قال ابن القيّم تَخْذَلُهُ: وأما من ظَنَّ أنه وَّهِ اعتمر من التنعيم بعد الحجّ فلا
أعلم له عذراً، فإن هذا خلاف المعلوم المستفيض من حجته، ولم ينقله أحد
قطّ، ولا قاله إمام، ولعل ظانّ هذا سمع أنه أفرد الحجّ، ورأى أن كل من أفرد

٤٨٧
(١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الِإِفْرَادِ، وَالتَّمَثُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١٠)
الحجّ من أهل الآفاق لا بدّ له أن يخرج بعده إلى التنعيم، فَنَزَّل حجة
رسول الله ◌َّ على ذلك، وهذا عين الغلط.
فصل
قال: وأما من قال: إنه ◌َّلو لم يعتمر في حجته أصلاً، فعذره أنه لما
سمع أنه أفرد الحجّ، وعلم يقيناً أنه لم يعتمر بعد حجته، قال: إنه لم يعتمر في
تلك الحجة؛ اكتفاءً منه بالعمرة المتقدمة، والأحاديث المستفيضة الصحيحة تردّ
قوله، كما تقدم من أكثر من عشرين وجهاً، وقد قال: ((هذه عمرة استمتعنا
بها))، وقالت حفصة: ما شأن الناس حَلُّوا، ولم تحل أنت من عمرتك؟ وقال
سراقة بن مالك: تمتع رسول الله وَ﴾، وكذلك قال ابن عمر، وعائشة،
وعمران بن حصين، وابن عباس، وصرح أنس، وابن عباس، وعائشة، أنه
اعتمر في حجته، وهي إحدى عُمَرِه الأربع.
فصل
وأما من قال: إنه ◌َّ﴿ اعتمر عمرةً حَلَّ منها كما قاله القاضي أبو يعلى،
ومن وافقه، فعذرهم ما صح عن ابن عمر، وعائشة، وعمران بن حصين،
وغيرهم، أنه وَّرَ تمتع، وهذا يَحْتَمِل أنه تَمَتُّعُ حَلَّ منه، ويَحْتَمِل أنه لم يَحِلَّ،
فلما أخبر معاوية أنه قصر عن رأسه بمشقص على المروة، وحديثه في
((الصحيحين)) دلّ على أنه حَلَّ من إحرامه، ولا يمكن أن يكون هذا في غير
حجة الوداع؛ لأن معاوية إنما أسلم بعد الفتح، والنبيّ وَّ ر لم يكن زمن الفتح
محرماً، ولا يمكن أن يكون في عمرة الجعرانة؛ لوجهين:
أحدهما: أن في بعض ألفاظ الحديث الصحيح: وذلك في حجته.
والثاني: أن في رواية النسائيّ بإسناد صحيح: وذلك في أيام العشر،
وهذا إنما كان في حجته، وحَمَلَ هؤلاء رواية مَن روى أن المتعة كانت له
خاصّة، على أن طائفة منهم خَصُّوا بالتحلَّل من الإحرام، مع سوق الهدي،
دون من ساق الهدي من الصحابة، وأنكر ذلك عليهم آخرون، منهم شيخنا أبو
العباس ابن تيميّة، وقالوا: من تأمل الأحاديث المستفيضة الصحيحة، تبيّن له
أن النبيّ وَّ لم يحلّ لا هو، ولا أحد ممن ساق الهدي.

٤٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
فصل
في أعذار الذين وَهِمُوا في صفة حجته وَلِّ
أما من قال: إنه حجّ حجّاً مفرداً لم يعتمر فيه، فعذره ما في
(الصحيحين)) عن عائشة، أنها قالت: خرجنا مع رسول الله وَل قر عام حجة
الوداع، فمنا من أهلّ بعمرة، ومنا من أهلّ بحج وعمرة، ومنا من أهلٌ بحج،
وأهلّ رسول الله وَّ بالحج، وقالوا: هذا التقسيم والتنويع صريح في إهلاله
بالحج وحده.
ولمسلم عنها: أن رسول الله وَ ال﴾ أهلّ بالحج مفرداً.
وفي (صحيح البخاريّ)) عن ابن عمر: أن رسول الله وَ ﴾ لبى بالحج
وحده .
وفي ((صحيح مسلم)) عن ابن عباس: أن رسول الله وَ ل﴿ أهلّ بالحج، وفي
(سنن ابن ماجه)) عن جابر: أن رسول الله وَ ﴿ أفرد الحجّ، وفي ((صحيح مسلم))
عنه: خرجنا مع رسول الله وَّ﴿ لا ننوي إلا الحجّ، لسنا نعرف العمرة.
وفي ((صحيح البخاريّ)) عن عروة بن الزبير، قال: حجّ رسول الله وَلّى،
فأخبرتني عائشة أن أول شيء بدأ به حين قدم مكة، أنه توضأ، ثم طاف
بالبيت، ثم لم تكن عمرةٌ، ثم حج أبو بكر ﴿ه، فكان أول شيء بدأ به
الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرةٌ، ثم عمر رَ ◌ّه مثل ذلك، ثم حج عثمان،
فرأيته أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرةٌ، ثم معاوية،
وعبد الله بن عمر، ثم حججت مع أبي الزبير بن العوام، فكان أول شيء بدأ به
الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرةٌ، ثم رأيت فعل ذلك ابن عمر، ثم لم ينقضها
عمرةً، وهذا ابن عمر عندهم، فلا يسألونه، ولا أحد ممن مضى ما كانوا
يبدؤون بشيء حين يضعون أقدامهم أول من الطواف بالبيت، ثم لا يحلُّون،
وقد رأيت أمي وخالتي، حين تقدمان، لا تبدآن بشيء أول من البيت، تطوفان
به، ثم إنهما لا تحلان، وقد أخبرتني أمي أنها أهلّت هي، وأختها، والزبير،
وفلان، وفلان، بعمرة، فلما مسحوا الركن حلُّوا .
وفي ((سنن أبي داود)): حدّثنا موسى بن إسماعيل، حدّثنا حمّاد بن
سلمة، ووُهيب بن خالد، كلاهما عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة،

٤٨٩
(١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١٠)
قالت: خرجنا مع رسول الله في موافين لهلال ذي الحجة، فلما كان بذي
الحليفة قال: من شاء أن يُهِلّ بحج فليهلّ، ومن أراد أن يهلّ بعمرة فليهلّ
بعمرة، ثم انفرد وهيب في حديثه بأن قال عنه وَلاير: «فإني لولا أني أهديت
لأهللت بعمرة))، وقال الآخر: ((وأما أنا فأهلّ بالحج))، فصح بمجموع
الروايتين أنه أهلّ بالحج مفرداً.
فأرباب هذا القول عذرهم ظاهر كما ترى، ولكن ما عذرهم في حكمه
وخبره الذي حكم به على نفسه، وأخبر عنها بقوله: ((سُقتُ الهدي، وقَرَنتُ))،
وخبر من هو تحت بطن ناقته، وأقرب إليه حينئذ من غيره، فهو من أصدق
الناس يسمعه يقول: ((لبيك بحجة وعمرة))، وخبر من هو من أعلم الناس عنه وَله
علي بن أبي طالب ◌َُّه حين يخبر أنه أهلّ بهما جميعاً، ولبى بهما جميعاً،
وخبر زوجته حفصة في تقريره لها على أنه معتمرٌ بعمرة، لم يحلّ منها، فلم
ينكر ذلك عليها، بل صدّقها وأجابها بأنه مع ذلك حاجّ، وهو وَّهُ لا يُقِرّ على
باطل يسمعه أصلاً، بل ينكره؟
وما عذرهم عن خبره ◌َّ عن نفسه بالوحي الذي جاءه من ربه، يأمر فيه
أن يُهِلّ بحجة في عمرة؟
وما عذرهم عن خبر من أخبر عنه من أصحابه أنه قَرَنَ؛ لأنه علم أنه لا
يحج بعدها، وخبر من أخبر عنه وَّلي أنه اعتمر مع حجته؟ وليس مع من قال:
إنه أفرد الحجّ شيء من ذلك البتة، فلم يقل أحد منهم عنه: إني أفردت، ولا
أتاني آتٍ من ربي، يأمرني بالإفراد، ولا قال أحد: ما بال الناس حلَّوا، ولم
تحلّ من حجتك كما حلَّوا هم بعمرة، ولا قال أحد: سمعته يقول: لبيك بعمرة
مفردة البتة، ولا بحج مفرد، ولا قال أحد: إنه اعتمر أربع عُمَر الرابعة بعد
حجته، وقد شهد عليه أربعة من الصحابة أنهم سمعوه يُخبر عن نفسه بأنه
قارن، ولا سبيل إلى دفع ذلك، إلا بأن يقال: لم يسمعوه، ومعلوم قطعاً أن
تطوُّق الوهم والغلط إلى من أخبر عما فهمه هو من فعله يظنه كذلك أولى من
تطرّق التكذيب إلى من قال: سمعته يقول كذا وكذا، وإنه لم يسمعه، فإن هذا
لا يتطرّق إليه إلا التكذيب، بخلاف خبر من أخبر عما ظنه من فعله، وكان
واهماً، فإنه لا يُنْسَب إلى الكذب، ولقد نزّه الله عليّاً وأنساً والبراء وحفصة عن

٤٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
أن يقولوا: سمعناه يقول كذا، ولم يسمعوه، ونزّهه ربه تبارك وتعالى أن يرسل
إليه أن افعَلْ كذا وكذا، ولم يفعله، هذا من أمحل المحال، وأبطل الباطل،
فكيف والذين ذكروا الإفراد عنه لم يخالفوا هؤلاء في مقصودهم، ولا
ناقضوهم، وإنما أرادوا إفراد الأعمال، واقتصاره على عمل المفرد، فإنه ليس
في عمله زيادة على عمل المفرد، ومن روى عنهم ما يوهم خلاف هذا، فإنه
عَبَّر بحسب ما فهمه، كما سمع بكرُ بن عبد الله ابنَ عمر يقول: أفرد الحجّ،
فقال: لبى بالحج وحده، فحمله على المعنى، وقال سالم ابنه عنه ونافع
مولاه: إنه تمتع، فبدأ فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحج، فهذا سالم يخبر بخلاف
ما أخبر به بكر، ولا يصح تأويل هذا عنه بأنه فسره بقوله: وبدأ فأهلّ بالعمرة،
ثم أهلّ بالحج.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن حمل رواية بكر على أنه أراد لبّى
بالحج بعد فراغه من العمرة حين توجهه إلى منى أولى من تخطئته، ولا يحصل
مخالفة لرواية سالم ونافع، فتأمّل، والله تعالى أعلم.
قال: وكذا الذين رووا الإفراد عن عائشة ﴿ّا فهما عروة والقاسم،
وروى القران عنها عروة، ومجاهد، وأبو الأسود يروي عن عروة الإفراد
والزهريّ يروي عنه القران، فإن قدّرنا تساقط الروايتين، سلمت رواية مجاهد،
وإن حُملت رواية الإفراد على أنه أفرد أعمال الحج تصادقت الروايات، وصدّق
بعضها بعضاً، ولا ريب أن قول عائشة وابن عمر: أفرد الحج مُخْتَمِلٌ لثلاثة
معان :
[أحدها]: الإهلال به مفرداً.
[الثاني]: إفراد أعماله.
[الثالث]: أنه حج حجة واحدةً لم يحج معها غيرها، بخلاف العمرة،
فإنها كانت أربع مرات.
وأما قولهما: تمتع بالعمرة إلى الحج، وبدأ فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ
بالحجّ، فحكيا فعله، فهذا صريح لا يحتمل غير معنى واحد، فلا يجوز ردّه
بالمجمل، وليس في رواية الأسود بن يزيد وعمرة عن عائشة أنه أهلّ بالحج ما
يناقض رواية مجاهد وعروة عنها، أنه قرن، فإن القارن حاجّ مهلّ بالحج قطعاً،

٤٩١
(١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١٠)
وعمرته جزء من حجته، فمن أخبر عنها أنه أهل بالحجّ فهو غير صادق، فإن
ضمت رواية مجاهد إلى رواية عمرة والأسود، ثم ضمتا إلى رواية عروة تبيّن
من مجموع الروايات أنه كان قارناً، وصدّق بعضها بعضاً، حتى لو لم يحتمل
قول عائشة وابن عمر إلا معنى الإهلال به مفرداً لوجب قطعاً أن يكون سبيله
سبيل قول ابن عمر اعتمر في رجب، وقول عائشة أو عروة إنه وَل قر اعتمر في
شوال، إلا أن تلك الأحاديث الصحيحة الصريحة لا سبيل أصلاً إلى تكذيب
رواتها، ولا تأويلها، وحملها على غير ما دلت عليه، ولا سبيل إلى تقديم هذه
الرواية المجملة التي قد اضطرَبت على رواتها، واختُلِف عنهم فيها، وعارضهم
من هو أوثق منهم، أو مثلهم عليها .
وأما قول جابر ◌ُه: إنه أفرد الحجّ، فالصريح من حديثه ليس فيه شيء
من هذا، وإنما فيه إخبار عنهم أنفسِهِم أنهم لا ينوون إلا الحج، فأين في هذا
ما يدلّ على أن رسول الله و98َ لبى بالحج مفرداً؟
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم قريباً أن هذا لا ينافي رواية القران،
فإنه إخباره بأنه ولو لبّى بالحج مفرداً بعد انتهاء العمرة حينما توجّه يوم التروية
إلى منى، فهذا أقرب المحمل وأظهره، فتأمّله، والله تعالى أعلم.
وأما حديثه الآخر الذي رواه ابن ماجه أن رسول الله وَّ ﴿ أفرد الحجّ، فله
ثلاث طرق: أجودها: طريق الدراورديّ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، وهذا
يقيناً مختصر من حديثه الطويل في حجة الوداع، ومرويّ بالمعنى، والناس
خالفوا الدراورديّ في ذلك، وقالوا: أهلّ بالحجّ، وأهلّ بالتوحيد.
والطريق الثاني: فيها مُطَرِّف بن مصعب، عن عبد العزيز بن أبي حازم،
عن جعفر، ومطرِّف قال ابن حزم: هو مجهول، قال ابن القيّم: ليس هو
بمجهول، ولكنه ابن أخت مالك، روى عنه البخاريّ، وبشر بن موسى،
وجماعة، قال أبو حاتم: صدوقٌ مضطرب الحديث، هو أحب إليّ من
إسماعيل بن أبي أويس، وقال ابن عديّ: يأتي بمناكير، وكأن أبا محمد بن
حزم رأى في النسخة مطرف بن مصعب فجَهَّله، وإنما هو مطرّف أبو مصعب،
وهو مطرف بن عبد الله بن مطرف بن سليمان بن يسار.
وممن غلط في هذا أيضاً محمد بن عثمان الذهبيّ في كتابه ((الضعفاء))،

٤٩٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
فقال: مطرف بن مصعب المدنيّ، عن ابن أبي ذئب منكر الحديث.
قال ابن القيّم: والراوي عن ابن أبي ذئب، والدراورديّ، ومالك هو
مطرف أبو مصعب المدنيّ، وليس بمنكر الحديث، وإنما غَرّه قول ابن عديّ:
يأتي بمناكير، ثم ساق له منها ابن عديّ جملةً، لكن هي من رواية أحمد بن
داود بن صالح عنه، كذّبه الدارقطنيّ، والبلاء فيها منه.
والطريق الثالث لحديث جابر: فيها محمد بن عبد الوهاب، ينظر فيه من
هو؟ وما حاله؟ عن محمد بن مسلم، إن كان الطائفيّ فهو ثقة، عند ابن معين،
ضعيف عند الإمام أحمد، وقال ابن حزم: ساقط البتة، ولم أر هذه العبارة فيه
لغيره، وقد استَشْهَد به مسلم، قال ابن حزم: وإن كان غيره فلا أدري من هو؟
قال ابن القيّم: ليس بغيره، بل هو الطائفيّ يقيناً، وبكل حال فلو صحّ هذا عن
جابر، لكان حكمه حكم المرويّ عن عائشة وابن عمر ظها، وسائر الرواة
الثقات إنما قالوا: أهلّ بالحجّ، فلعلّ هؤلاء حملوه على المعنى، وقالوا: أفرد
الحجّ، ومعلوم أن العمرة إذا دخلت في الحج، فمن قال: أهلّ بالحجّ لا يناقض
من قال: أهلّ بهما، بل هذا فصّل، وذاك أجمل، ومن قال: أفرد الحج،
يَحْتَمِل ما ذكرنا من الوجوه الثلاثة، ولكن هل قال أحد قط عنه: إنه سمعه
يقول: لبيك بحجة مفردة؟ هذا ما لا سبيل إليه، حتى لو وجد ذلك لم يُقَدَّم على
تلك الأساطين التي ذكرناها، والتي لا سبيل إلى دفعها البتة، وكان تغليط هذا،
أو حمله على أول الإحرام(١)، وأنه صار قارناً في أثنائه متعيناً، فكيف ولم يثبت
ذلك، وقد قدمنا عن سفيان الثوريّ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن
جابر ربه، أن رسول الله وَ﴿ قرن في حجة الوداع، رواه زكريا الساجيّ، عن
عبد الله بن أبي زياد القطوانيّ، عن زيد بن الحباب، عن سفيان، ولا تناقض
بين هذا وبين قوله: أهلٌ بالحجّ، وأفرد بالحجّ، ولبى بالحجّ، كما تقدم.
(١) هذا عجيب من ابن القيّم ◌َقْلَفُهُ، فإنه ممن يرى جزما أنه وَ لّ من أول ما أهلّ أهلٌ
قارناً، ولم يُهلّ بالحج، مفرداً، وفّد قول من قال ذلك، وهو في ذلك مصيب،
وإن رأى الحافظ في ((الفتح)) ترجيح هذا القول، لكنه غير مقبول، ثم إن ابن القيّم
هنا يؤول هذه الرواية على هذا الوجه الذي أبطله، هذا غريب، فتأمل.

٤٩٣
(١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَثُّعِ، وَالْقِرَانٍ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١٠)
فصل
قال ◌َّلهُ: فحصل الترجيح لرواية مَن رَوَى القران لوجوه عشرة:
[أحدها]: أنهم أكثر، كما تقدم.
[الثاني]: أن طرق الإخبار بذلك تنوعت، كما بيناه.
[الثالث]: أن فيهم من أخبر عن سماعه ولفظه صريحاً، وفيهم من أخبر
عن إخباره عن نفسه بأنه فعل ذلك، وفيهم من أخبر عن أمر ربه له بذلك، ولم
يجىء شيء من ذلك في الإفراد.
[الرابع]: تصديق روايات مَن روى انه اعتمر أربع عُمَر لها.
[الخامس]: أنها صريحة لا تَحْتَمِل التأويل، بخلاف روايات الإفراد.
[السادس]: أنها متضمنة زيادةً سكت عنها أهل الإفراد، أو نفوها،
والذاكر الزائد مقدَّم على الساكت، والمثبت مقدَّم على النافي.
[السابع]: أن رواة الإفراد أربعة: عائشة، وابن عمر، وجابر، وابن
عباس، والأربعةُ رووا القران، فإن صرنا إلى تساقط رواياتهم سلمت رواية من
عداهم للقران عن معارض، وإن صرنا إلى الترجيح وجب الأخذ برواية من لم
تضطرب الرواية عنه، ولا اختَلَفت؛ كالبراء، وأنس، وعمر بن الخطاب،
وعمران بن حصين، وحفصة، ومن معهم، ممن تقدم.
[الثامن]: أنه النسك الذي أُمر به من ربه، فلم يكن ليعدل عنه.
[التاسع]: أنه النسك الذي أَمَر به كل من ساق الهدي، فلم يكن ليأمرهم
به إذا ساقوا الهدي، ثم يسوق هو الهدي ويخالفه.
[العاشر]: أنه النسك الذي أَمَر به آله، وأهل بيته، واختاره لهم، ولم
يكن ليختار لهم إلا ما اختار لنفسه.
ثمت ترجيح [حادي عشر]: وهو قوله: (دَخَلت العمرة في الحج إلى يوم
القيامة))، وهذا يقتضي أنها قد صارت جزءاً منه، أو كالجزء الداخل فيه،
بحيث لا يُفصَل بينها وبينه، وإنما تكون مع الحج كما يكون الداخل في الشيء
معه .
وترجيح [ثاني عشر]: وهو قول عمر بن الخطاب رُّه للصُّبَيّ بن معبد،
وقد أهلّ بحج وعمرة، فأنكر عليه زيد بن صُوحان، أو سلمان بن ربيعة، فقال

٤٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
له عمر: هُدِيت لسنة نبيك محمد ◌َ﴾(١)، وهذا يوافق رواية عمر عنه وَليل أن
الوحي جاءه من الله بالإهلال بهما جميعاً، فدل على أن القران سنته التي
فعلها، وامتثل أمر الله له بها.
وترجيح [ثالث عشر]: أن القارن تقع أعماله عن كلٍّ من النسكين، فيقع
إحرامه، وطوافه، وسعيه عنهما معاً، وذلك أكمل من وقوعه عن أحدهما،
وعمل كلّ فعل على حدة.
وترجيح [رابع عشر]: وهو أن النسك الذي اشتمل على سوق الهدي
أفضل بلا ريب من نسك خلا عن الهدي، فإذا قَرَن كان هديه عن كل واحد
من النسكين، فلم يخل نسك منهما عن هدي، ولهذا - والله أعلم - أمر
رسول الله وَ﴿ من ساق الهدي أن يُهِلّ بالحج والعمرة معاً، وأشار إلى ذلك في
المتفق عليه من حديث البراء بقوله: ((إني سُقْت الهدي، وقَرَنتُ)).
وترجيح [خامس عشر]: وهو أنه قد ثبت أن التمتع أفضل من الإفراد؛
لوجوه كثيرة :
(منها): أنه ولو أمرهم بفسخ الحج إليه، ومحال أن ينقلهم من الفاضل
إلى المفضول الذي هو دونه.
(ومنها): أنه تأسف على كونه لم يفعله بقوله: ((لو استقبلت من أمري ما
استدبرت، لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة)».
(ومنها): أنه أمر به کل من لم يسق الهدي.
(ومنها): أن الحج الذي استقرّ عليه فعله، وفعل أصحابه القران لمن
ساق الهدي، والتمتع لمن لم يسق الهدي، ولوجوه كثيرة غير هذه، والمتمتع
إذا ساق الهدي فهو أفضل من متمتع اشتراه من مكة، بل في أحد القولين لا
هدي إلا ما ◌ُجُمِع فيه بين الحل والحرم.
فإذا ثبت هذا فالقارن السائق أفضل من متمتع لم يسق، ومن متمتع ساق
الهدي؛ لأنه قد ساق من حين أحرم، والمتمتع إنما يسوق الهدي من أدنى
الحلّ، فكيف يُجعل مُفرِد لم يسق هدياً أفضل من متمتع ساقه من أدنى الحلّ؟
(١) حديث صحيح رواه أحمد، والنسائيّ، وابن ماجه.

٤٩٥
(١٧) - بَابُ بَيّانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الِفْرَادِ، وَالتَّمَثُّعِ، وَالْقِرَانٍ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١٠)
فكيف إذا جُعِل أفضل من قارن ساقه من الميقات؟ وهذا - بحمد الله - واضح.
فصل
وأما قول من قال: إنه حجّ متمتعاً تَمَتُّعاً حَلّ فيه من إحرامه، ثم أحرم
يوم التروية بالحج، مع سوق الهدي، فعذره ما تقدم من حديث معاوية عظاته أنه
قصّر عن رسول الله 8* بمشقص في العشر، وفي لفظ: وذلك في حجته، وهذا
مما أنكره الناس على معاوية، وغلَّطوه فيه، وأصابه فيه ما أصاب ابن عمر في
قوله: إنه اعتمر في رجب، فإن سائر الأحاديث الصحيحة المستفيضة من
الوجوه المتعددة كلَّها تدلّ على أنه وَّ لم يحلّ من إحرامه إلا يوم النحر،
ولذلك أخبر عن نفسه بقوله: ((لولا أن معي الهدي لأحللت))، وقوله: ((إني
سقت الهدي، وقَرَنت، فلا أحل حتى أنحر))، وهذا خبر عن نفسه، فلا يدخله
الوهم ولا الغلط، بخلاف خبر غيره عنه، لا سيما خبراً يخالف ما أخبر به عن
نفسه، وأخبر عنه به الجم الغفير، أنه لم يأخذ من شعره شيئاً، لا بتقصير، ولا
حلق، وأنه بقي على إحرامه حتى حَلَقَ يوم النحر، ولعل معاوية قصّر عن رأسه
في عمرة الجعرانة، فإنه كان حينئذ قد أسلم، ثم نَسِيَ، فظن أن ذلك كان في
العشر، كما نسي ابن عمر أن عُمَرَه كانت كلها في ذي القعدة، وقال: كانت
إحداهنّ في رجب، وقد كان معه فيها، والوهم جائز على من سوى
الرسول وَ﴿، فإذا قام الدليل عليه صار واجباً.
وقد قيل: إن معاوية لعله قصّر عن رأسه بقية شعر لم يكن استوفاه
الحلاق يوم النحر، فأخذه معاوية على المروة، ذكره أبو محمد بن حزم، وهذا
أيضاً من وهمه، فإن الحلاق لا يُبْقِي غَلَطاً شعراً يقصر منه، ثم يبقي منه بعد
التقصير بقيةً يوم النحر، وقد قسم شعر رأسه بين الصحابة، فأصاب أبا طلحة
أحد الشقين، وبقية الصحابة اقتسموا الشق الآخر، الشعرة، والشعرتين،
والشعرات، وأيضاً فإنه لم يسع بين الصفا والمروة إلا سعياً واحداً، وهو سعيه
الأول، لم يسع عقب طواف الإفاضة، ولا اعتمر بعد الحج قطعاً، فهذا وهم
محضّ.
وقيل: هذا الإسناد إلى معاوية وقع فيه غلط، وخطأ أخطأ فيه الحسن بن

٤٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
عليّ، فجعله عن معمر، عن ابن طاوس، وإنما هو عن هشام بن حُجَير، عن
ابن طاووس، وهشام ضعيف.
قلت(١): والحديث الذي في البخاريّ عن معاوية: قصرت عن رأس
رسول الله * بمشقص، ولم يزد على هذا، والذي عند مسلم: قصرت عن
رأس رسول الله وَلهر بمشقص على المروة، وليس في ((الصحيحين)) غير ذلك.
وأما رواية من روى: في أيام العشر، فليست في ((الصحيح))، وهي
معلولة، أو وَهَمٌ من معاوية، قال قيس بن سعد، راويها عن عطاء، عن ابن
عباس، عنه: والناس ينكرون هذا على معاوية، قال ابن القيّم: وصَدَقَ قيس،
فنحن نحلف بالله، إن هذا ما كان في العشر قطّ.
ويشبه هذا وَهَم معاوية في الحديث الذي رواه أبو داود، عن قتادة، عن
أبي شيخ الْهُنَائيّ أن معاوية قال لأصحاب النبيّ وَلّ: هل تعلمون أن النبيّ وَّ
نهى عن كذا، وعن ركوب جلود النُّمُور؟ قالوا: نعم، قال: فتعلمون أنه نهى
أن يُقْرَن بين الحج والعمرة؟ قالوا: أما هذه فلا، فقال: أما إنها معها، ولكنكم
نسيتم، قال ابن القيّم: ونحن نشهد بالله، إن هذا وَهْم من معاوية رَُّه، أو
كَذِبٌ عليه، فلم ينه رسول الله وَّ ر عن ذلك قطّ، وأبو شيخ شيخ لا يُحتج به
فضلاً عن أن يقدَّم على الثقات الحفاظ الأعلام، وإن روى عنه قتادة،
ويحيى بن أبي كثير، واسمه خَيْوَان بن خَلْدة - بالخاء المعجمة - وهو
مجهول(٢).
فصل
وأما من قال: حج متمتعاً تَمَثُّعاً لم يحلّ منه؛ لأجل سوق الهدي، كما
قال صاحب ((المغني))، وطائفة، فعذرهم قول عائشة وابن عمر : تمتع
(١) القائل هو ابن القيّم ◌َّفُ.
(٢) لكن ذكر في ((تهذيب التهذيب)) أن ابن سعد وثقه، وكذا العجليّ، وابن حبّان،
وذكر أنه روى عن ابن عمر ومعاوية، وروى عنه مولاه عبيد، وبيهس، وقتادة،
ويحيى بن أبي كثير، ومطر الوراق، فالأولى القول بوهم معاوية كثّفُ، كما وَهِمَ
ابن عمر ﴿ في عمرة رجب بلا فرق، فتأمل.

٤٩٧
(١٧) - بَابُ بَيَانٍ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانٍ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١٠)
رسول الله صل*، وقول حفصة : ما شأن الناس حلَّوا، ولم تحل من
عمرتك؟ وقول سعد في المتعة: قد صنعها رسول الله وَله، وصنعناها معه،
وقول ابن عمر لمن سأله عن متعة الحج: هي حلال، فقال له السائل: إن أباك
قد نهى عنها، فقال: أرأيت إن كان أبي نهى عنها، وصنعها رسول الله وَّهِ أَمْر
أبي تتبع، أم أمر رسول الله وَله؟ فقال الرجل: بل أمر رسول الله وَله، فقال:
لقد صنعها رسول الله آل﴾ .
قال هؤلاء: ولولا الهدي لحلّ كما يحل المتمتع الذي لا هدي معه،
ولهذا قال: ((لولا أن معي الهدي لأحللت))، فأخبر أن المانع له من الحلّ سوق
الهدي، والقارن إنما يمنعه من الحل القران، لا الهدي، وأرباب هذا القول قد
يُسَمُّون هذا المتمتع قارناً؛ لكونه أحرم بالحج قبل التحلل من العمرة، ولكن
القران المعروف أن يحرم بهما جميعاً، أو يحرم بالعمرة، ثم يدخل عليها الحج
قبل الطواف.
والفرق بين القارن والمتمتع السائق من وجهين:
أحدهما: من الإحرام، فإن القارن هو الذي يُحرم بالحج قبل الطواف،
إما في ابتداء الإحرام، أو في أثنائه.
والثاني: أن القارن ليس عليه إلا سعي واحدٌ، فإن أتى به أوّلاً، وإلا
سعى عقيب طواف الإفاضة، والمتمتع عليه سعي ثانٍ عند الجمهور، وعن
أحمد رواية أخرى أنه يكفيه سعي واحد كالقارن، والنبيّ ولو لم يسع سعياً ثانياً
عقيب طواف الإفاضة، فكيف يكون متمتعاً على هذا القول؟
[فإن قيل]: فعلى الرواية الأخرى يكون متمتعاً، ولا يتوجه الإلزام، ولها
وجه قويّ من الحديث الصحيح، وهو ما رواه مسلم في (صحيحه)) عن
جابر عبدالله قال: لم يطف النبيّ وَ﴿، ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً
واحداً، طوافه الأول، هذا مع أن أكثرهم كانوا متمتعين.
وقد روى سفيان الثوريّ، عن سلمة بن كُهيل، قال: حلف طاووس: ما
طاف أحد من أصحاب رسول الله وَ له لحجه وعمرته إلا طوافاً واحداً.
[قيل]: الذين نظروا أنه كان متمتعاً تمتعاً خاصّاً لا يقولون بهذا القول،
بل يوجبون عليه سعيين، والمعلوم من سنته وَ ﴿ أنه لم يسع إلا سعياً واحداً،

٤٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
كما ثبت في ((الصحيح)) عن ابن عمر أنه قَرَن، وقَدِم مكة فطاف بالبيت،
وبالصفا والمروة، ولم يزد على ذلك، ولم يحلق، ولا قصّر، ولا حلّ من
شيء حرم منه، حتى يوم النحر، فنحر، وحلق رأسه، ورأى أنه قد قضى
طواف الحجّ والعمرة بطوافه الأول، وقال: هكذا فعل رسول الله وَل*، ومراده
بطوافه الأول الذي قضى به حجه وعمرته الطواف بين الصفا والمروة، بلا
ريب .
وذكر الدارقطنيّ عن عطاء، ونافع، عن ابن عمر، وجابر ظم أن
النبيّ ◌َ﴿ إنما طاف لحجه وعمرته طوافاً واحداً، وسعى سعياً واحداً، ثم قدم
مكة، فلم يسع بينها بعد الصدر، فهذا يدلّ على أحد أمرين، ولا بد: إما أن
يكون قارناً، وهو الذي لا يمكن من أوجب على المتمتع سعيين أن يقول غيره،
وإما أن المتمتع يكفيه سعي واحدٌ، ولكن الأحاديث التي تقدمت في بيان أنه
كان قارناً صريحة في ذلك، فلا يُعْدَل عنها.
[فإن قيل]: فقد روى شعبة، عن حميد بن هلال، عن مطرف، عن
عمران بن حصين: أن النبيّ وَّ ر طاف طوافين، وسعى سعيين، رواه الدارقطنيّ
عن ابن صاعد، حدّثنا محمد بن يحيى الأزديّ، حدّثنا عبد الله بن داود، عن
شعبة.
[قيل]: هذا خبر معلول، وهو غلطٌ، قال الدارقطنيّ: يقال: إن محمد بن
يحيى حدّث بهذا من حفظه، فوَهِم في متنه، والصواب بهذا الإسناد: أن
النبيّ وَ لل قرن بين الحج والعمرة، والله أعلم، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - ما
يدل على أن هذا الحديث غلط.
قال ابن القيّم: وأظنّ أن الشيخ أبا محمد ابن قُدامة إنما ذهب إلى أن
رسول الله ◌َ﴿ كان متمتعاً؛ لأن الإمام أحمد قد نصّ على أن التمتع أفضل من
القران، ورأى أن الله سبحانه لم يكن ليختار لرسوله و جم إلا الأفضل، ورأى
الأحاديث قد جاءت بأنه تمتع، ورأى أنها صريحة في أنه لم يحلّ، فأخذ من
هذه المقدمات الأربع أنه تمتع تمتعاً خاصّاً لم يحلّ منه، ولكن أحمد لم يُرَجِّح
التمتع؛ لكون النبيّ وَ﴿ حج متمتعاً، كيف وهو القائل: لا أشك أن
رسول الله * كان قارناً، وإنما اختار التمتع؛ لكونه آخر الأمرين من

٤٩٩
(١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١٠)
رسول الله ( 98، وهو الذي أمر به الصحابة أن يفسخوا حجهم إليه، وتأسف
على فوته.
ولكن نَقَل عنه المروزيّ أنه إذا ساق الهدي، فالقران أفضل، فمن
أصحابه من جعل هذا رواية ثانية، ومنهم من جعل المسأله رواية واحدة، وأنه
إن ساق الهدي فالقران أفضل، وإن لم يسق فالتمتع أفضل، وهذه طريقة
شيخنا، وهي التي تليق بأصول أحمد، والنبيّ وَ ﴿ لم يتمن أنه كان جعلها مع
سوقه الهدي، بل وَدَّ أنه كان جعلها عمرة، ولم يسق الهدي.
بقي أن يقال: فأي الأمرين أفضل: أن يسوق ويَقْرُن، أو يترك السوق
ويتمتع، كما ودّ النبيّ وَله أنه فعله؟
قيل: وقد تعارض في هذه المسألة أمران:
أحدهما: أنه وُلُ قرن، وساق الهدي، ولم يكن الله سبحانه ليختار له إلا
أفضل الأمور، ولا سيما وقد جاءه الوحي به من ربه تعالى، وخير الهدي
هديه ێ .
والثاني: قوله: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي،
ولجعلتها عمرة))، فهذا يقتضي أنه لو كان هذا الوقت الذي تكلم فيه هو وقتَ
إحرامه لكان أحرم بعمرة، ولم يسق الهدي؛ لأن الذي استدبره هو الذي فعله،
ومضى، فصار خلفه، والذي استقبله هو الذي لم يفعله بعدُ، بل هو أمامه،
فبيّن أنه لو كان مستقبلاً لِمَا استدبره، وهو الإحرام بالعمرة دون هدي، ومعلوم
أنه لا يختار أنه لا ينتقل عن الأفضل إلى المفضول، بل إنما يختار الأفضل،
وهذا يدلّ على أن آخر الأمرين منه ترجيح التمتع.
ولمن رجح القران مع السوق أن يقول: هو ◌ّلو لم يقل هذا لأجل أن
الذي فعله مفضول مرجوح، بل لأن الصحابة شقّ عليهم أن يحلّوا من إحرامهم
مع بقائه هو محرماً، وكان يختار موافقتهم ليفعلوا ما أمروا به مع انشراح،
وقبول، ومحبة، وقد ينتقل عن الأفضل إلى المفضول؛ لما فيه من الموافقة،
وتأليف القلوب، كما قال لعائشة وثقا: (لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية،
لنقضت الكعبة، وجعلت لها بابين))، فهذا تَرْكُ ما هو الأولى لأجل الموافقة
والتأليف، فصار هذا هو الأولى في هذه الحال، فكذلك اختياره للمتعة بلا

٥٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
هدي، وفي هذا جَمْعٌ بين ما فعله، وبين ما وَدَّه وتمناه، ويكون الله سبحانه قد
جَمَع له بين الأمرين: أحدهما بفعله له، والثاني بتمنيه ووُدّه له، فأعطاه أجر ما
فعله، وأجر ما نواه من الموافقة وتمناه.
وكيف يكون نسك يتخلله التحلل، ولم يسق فيه الهدي أفضل من نسك
لم يتخلله تحلل، وقد ساق فيه مائة بدنة؟ وكيف يكون نسك أفضل في حقه،
من نسك اختاره الله له، وأتاه به الوحي من ربه؟
[فإن قيل]: التمتع، وإن تخلله تحلل، لكن قد تكرر فيه الإحرام،
وإنشاؤه عبادة محبوبة للربّ، والقران لا يتكرر فيه الإحرام؟
[قيل]: في تعظيم شعائر الله بسوق الهدي، والتقرب إليه بذلك من
الفضل ما ليس في مجرد تكرر الإحرام، ثم إن استدامته قائمةٌ مقام تكرره،
وسوقُ الهدي لا مقابل له يقوم مقامه.
[فإن قيل]: فأيهما أفضل: إفراد يأتي عقيبه بالعمرة، أو تمتع يحل منه ثم
يحرم بالحج عقيبه؟
[قيل]: معاذ الله أن نظن أن نسكاً قط أفضل من النسك الذي اختاره الله
لأفضل الخلق، وسادات الأمة، وأن نقول عن نسك لم يفعله رسول الله وَلقوله،
ولا أحد من الصحابة الذين حجّوا معه، بل ولا غيرهم من أصحابه، إنه أفضل
مما فعلوه بأمره، فكيف يكون حجٌّ على وجه الأرض أفضل من الحج الذي
حجه النبيّ - صلوات الله عليه - وأمر به أفضل الخلق، واختاره لهم، وأمرهم
بفسخ ما عداه عن الأنساك إليه، ووَدّ أنه كان فعله؟ لا حج قط أكمل من هذا
وهذا، وإن صحّ عنه الأمر لمن ساق الهدي بالقران، ولمن لم يسق بالتمتع،
ففي جواز خلافه نظر، ولا يوحشك قلة القائلين بوجوب ذلك(١)، فإن فيهم
البحر الذي لا يَنْزِف، عبد الله بن عباس، وجماعة من أهل الظاهر، والسنة هي
الحكم بين الناس، والله المستعان.
(١) هذه المسألة خالف فيها ابن القيّم شيخه ابن تيمية، وسيأتي قريباً أن الأولى القول
، كما اختاره
باستحباب الفسخ، لا بالوجوب، فإن الوجوب خاصّ بالصحابة
ابن تيميّة ◌َللهُ، فتنبّه.