Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
(١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانٍ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١٠)
و ٣٨٣٥ و٣٩١٢ و٣٩١٧ و٣٩١٨ و٣٩٢٧ و٣٩٢٨ و٣٩٢٩ و٣٩٤٢)، و(أبو
عوانة) في ((مسنده)) (٢٨٦/٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣٠٢/٣ ٣٠٣)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٥٥/٤)، و((المعرفة)) (٩٥/٤ و١٠٠)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (فمنها): بيان أن المرأة المعتمرة إذا حاضت، وخافت فوت الحج
أدخلت الحج على عمرتها، فصارت قارنة.
٢ - (ومنها): مشروعية حج الرجل مع زوجته.
٣ - (ومنها): أن من ساق الهدي لا يتحلل حتى يبلغ الهدي محله.
٤ - (ومنها): أن الحائض تنقض ضفر رأسها، وتمتشط، وتغتسل للإهلال
بالحجّ.
٥ - (ومنها): أن فيه جواز الخلوةَ بالمحارم، والركوب معهم، وسيأتي
في رواية أخرى: أنه أردفها وراءه.
٦ - (ومنها): أنه ﴿ إنما أمره بإخراجها في العمرة إلى التنعيم؛ لأنه
أدنى الحل، ومن كان، بمكة وأراد الإحرام بعمرة فميقاته لها أدنى الحل، ولا
يجوز أن يحرم بها في الحرم، والمعنى في ذلك الجمع في نسك العمرة بين
الحل والحرم، كما أن الحاج يجمع بينهما، فإنه يقف بعرفات، وهي من
الحلّ، ثم يدخل مكة للطواف وغيره، فلو خالف وأحرم بها في الحرم، ثم
خرج إلى الحل قبل الطواف أجزأه، ولا دم عليه، وإن لم يخرج وطاف وسعى
وحلق ففيه قولان للشافعيّ:
أحدهما: لا تصح عمرته حتى يخرج إلى الحلّ، ثم يطوف ويسعى
ويحلق.
والثاني: تصحّ، وعليه دم؛ لتركه الميقات، وهذا الثاني هو الأصح عند
أصحابنا، وبه قال جمهور العلماء، وقال مالك: لا يجزئه حتى يخرج إلى
الحلّ، وقال عطاء بن أبي رباح: لا شيء عليه، ذكره وليّ الدين تَذُّهُ(١).
(١) ((طرح التثريب)) ٣٤/٥.

٤٦٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما قاله مالك تَّقُ أرجح؛ لتوقيت
النبيّ ◌َ﴿ ميقات المكيّ بالحلّ، فلا يُجزىء غيره، فتأمل، والله تعالى
أعلم.
٧ - (ومنها): أنه استُدِلَّ به على أن أفضل جهات الحل للإحرام بالعمرة
منها: التنعيم، وبه قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي من الشافعية، والأصح
عندهم أن الأفضل الإحرام بها من الجعرانة؛ لكونه وَلقر فعله، ثم من التنعيم؛
لكونه أمر به، ثم من الحديبية؛ لكونه هَمّ به، وقالوا: إنما أمر عبد الرحمن
بالتنعيم؛ لتيسّره فإنه أقرب الجهات كما تقدم.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الشيرازيّ تَخُّْ أقرب، فتأمل، والله
تعالى أعلم.
قال وليّ الدين: زاد بعضهم على هذا، فقال: إنه يتعين التنعيم للإحرام
بالعمرة منه، وحكاه القاضي عياض عن مالك، وإنه ميقات المعتمرين من مكة،
قال النوويّ: وهذا شاذٌ مردود، والذي عليه الجماهير أن جميع جهات الحلّ
سواء، ولا يختص بالتنعيم، والله تعالى أعلم(١).
٨ - (ومنها): جواز تكرار العمرة؛ لأن عائشة ◌ّ اعتمرت في شهر
واحد عمرتين بأمر النبيّ ◌َ ﴿، وقال ابن القيّم كَثْثُهُ: إنه لم ينقل أنه وَّ اعتَمَر
مدّة إقامته بمكة قبل الهجرة، ولا اعتمر بعد الهجرة، إلا داخلاً إلى مكة، ولم
يعتمر قّ خارجاً من مكة إلى الحلّ، ثم يدخل مكة بعمرة، كما يفعل الناس
اليوم، ولا ثبت عن أحد من الصحابة أنه فعل ذلك في حياته، إلا عائشة
وحدها. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن القيّمِ نَّثُهُ، فيه نظر لا
يخفى، فإن عائشة ﴿ّا اعتمرت مرّتين في شهر بأمره منَّ، فدلّ على
مشروعيته، فهل يُطلب دليلٌ أكثر من هذا؟ وأما الاستدلال بترك النبيّ وَلـ
(١) ((طرح التثريب)) ٣٤/٥ - ٣٥.

٤٦٣
(١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١٠)
ذلك، فليس بشيء؛ لأنه ◌َّله يترك الشيء خشية المشقّة على أمته لو فعله، كما
ندم على دخوله الكعبة لذلك، وأيضاً أنه لم يُنقل عنه أنه تردّد للطواف بالبيت
بعد طوافه الأول للقدوم، ثم للإفاضة، ثم للوداع، فلم يثبت أنه كان يكثر
الطوف غير هذا، فهل يكون هذا دليلاً على عدم تكرار الطواف بالبيت كلّ
وقت؟ هذا مما لا يقوله أحد.
والحاصل أن الاعتمار بعد الحج مشروع للحجاج، كما فعلته عائشة غيرنا،
فإنها اعتمرت في شهر مرّتين، وكانت إذا جاءت للحج بعده وَّ فعلت مثل
ذلك، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى وليّ التوفيق.
قال في ((الفتح)): واختَلَف السلف في جواز الاعتمار في السنة أكثر
من مرة، فكرهه مالك، وخالفه مُطَرّف، وطائفة من أتباعه، وهو قول
الجمهور، واستثنى أبو حنيفة يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق، ووافقه
أبو يوسف، إلا في يوم عرفة، واستثنى الشافعيّ البائت بمنى لرمي أيام
التشريق، وفيه وجه اختاره بعض الشافعية فقال بالجواز مطلقاً، كقول
الجمهور. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت آنفاً أن ما ذهب إليه الجمهور هو
الأرجح، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
٩ - (ومنها): أن المتمتّع لا بد له من طوافين، وسعيين.
١٠ - (ومنها): أن القارن يطوف طوافاً واحداً، وسعياً واحداً.
قال وليّ الدين تَخُّْ: قولها: ((وأما الذين كانوا جمعوا بين الحج والعمرة
فإنما طافوا طوافاً واحداً))، فيه دليل على أن القارن يكفيه طواف واحد عن
طواف الركن، وأنه يقتصر على أفعال الحجّ، وتندرج أفعال العمرة كلها في
أفعال الحجّ، وبهذا قال الشافعيّ كَُّهُ، وهو محكيّ عن ابن عمر، وجابر،
وعائشة، والحسن البصريّ، وسالم بن عبد الله بن عمر، وسعيد بن جبير،
ومجاهد، والزهريّ، وأبي جعفر، وعطاء، وطاوس، وكان يحلف بالله أنه لم
(١) ((الفتح)) ١٩/٥.

٤٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
يطف أحد من الصحابة للحج والعمرة إلا طوافاً واحداً، رواها ابن أبي شيبة،
وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق، وداود، وقال أبو حنيفة: يلزمه طوافان
وسعيان، وهو محكيّ عن علي بن أبي طالب، وابن مسعود، والحسن بن
عليّ، والشعبيّ، والأسود، والحكم بن عتيبة، وإبراهيم النخعيّ، وأبي جعفر،
وحماد بن أبي سليمان، رواه عنهم ابن أبي شيبة. انتهى (١)، وسيأتي تمام
البحث في هذا في المسألة السادسة - إن شاء الله تعالى -.
١١ - (ومنها): أن الحجّ ليس خاصّاً بالرجال، بل يعمّ النساء أيضاً.
١٢ - (ومنها): أَمْرُ من لم يسق الهدي بفسخ الحجّ بعمل العمرة، وعليه
المحقّقون من أهل الحديث والفقه كما سيأتي تحقيقه - إن شاء الله تعالى -.
١٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ تَخُّْ: (اعلم) أن أحاديث الباب متظاهرة
على جواز إفراد الحج عن العمرة، وجواز التمتع، والقران، وقد أجمع العلماء
على جواز الأنواع الثلاثة، وأما النهي الوارد عن عمر وعثمان ◌ًا، فسنوضح
معناه في موضعه بعد هذا - إن شاء الله تعالى -.
والإفراد أن يُحْرِمِ بالحج في أشهره، ويَفرُغْ منه، ثم يعتمر، والتمتع أن
يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ويفرغ منها، ثم يحج من عامه، والقران أن
يحرم بهما جميعاً، وكذا لو أحرم بالعمرة، وأحرم بالحج قبل طوافها صحّ،
وصار قارناً، فلو أحرم بالحجّ ثم أحرم بالعمرة فقولان للشافعيّ: أصحهما لا
يصح إحرامه بالعمرة، والثاني يصحّ، ويصير قارناً بشرط أن يكون قبل الشروع
في أسباب التحلل من الحجّ، وقيل: قبل الوقوف بعرفات، وقيل: قبل فعل
فرض، وقيل: قبل طواف القدوم أو غيره. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في أيّ الأنساك الثلاثة
أفضل :
(١) ((طرح التثريب)) ٣٥/٥.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٣٤/٨.

٤٦٥
(١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١٠)
قال الحافظ وليّ الدين تَخْتُ: اختلف العلماء في أفضل وجوه الإحرام
بحسب اختلافهم فيما فعله النبيّ ◌َ﴿ عام حجة الوداع على أقوال:
(أحدها): أن الأفضل الإفراد، وهو مذهب مالك، والشافعيّ، وحكاه
ابن المنذر عن ابن عمر، وجابر، وعائشة، وأبي ثور، وحكاه النوويّ في
((شرح المهذّب)) عنهم، وعن عمر، وعثمان، وعليّ، وابن مسعود،
والأوزاعيّ، وداود، قال المالكيّة، والشافعيّة: ثم الأفضل بعد الإفراد التمتّع،
ثم القران.
(الثاني): أن التمتّع أفضل، وهو قول أحمد بن حنبل، قال ابن قدامة في
((المغني)): وممن رُوي عنه اختيار التمتع ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير،
وعائشة، والحسن، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وجابر بن زيد، وسالم،
والقاسم، وعكرمة، وهو أحد قولي الشافعيّ، وحكاه الترمذيّ عنه، وعن
أحمد، وإسحاق، وأهل الحديث، قال الحنابلة: ثم الأفضل بعد التمتع
الإفراد، ثم القران.
(الثالث): أن القران أفضل، وهذا قول أبي حنيفة، وحكاه ابن المنذر
عن سفيان الثوريّ، وإسحاق ابن راهويه، ثم قال: لا شكّ أنّه وَلّه كان قارناً.
انتھی .
وهو قول للشافعيّ، وقال به من أصحاب الشافعيّ: المزنيّ، وأبو إسحاق
المروزيّ، وإليه ذهب ابن حزم الظاهريّ، كما سيأتي، والمشهور عند الحنفيّة
أن الأفضل بعد القران التمتّع، ثم الإفراد، وعن أبي حنيفة أن الإفراد أفضل
من التمتّع .
(الرابع): أنه إن ساق الهدي فالقران أفضل، وإن لم يسقه فالتمتّع
أفضل، حکاه المروزيّ عن أحمد بن حنبل.
(الخامس): أن الأنواع الثلاثة سواء في الفضيلة، لا فضيلة لبعضها على
بعض، حكاه القاضي عياض عن بعض العلماء.

٤٦٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
(السادس): أن التمتّع والقران سواء، وهما أفضل من الإفراد، حكي عن
أبي يوسف، ثم ذكر وليّ الدين أدلة ترجيح الشافعي الإفراد على غيره، وطوّل
في ذلك.
وقال الحافظ - بعد أن ذكر أدلّة كونه وَله قارناً -: ومقتضى ذلك أن
يكون القران أفضل من الإفراد والتمتّع، وهو قول جماعة من الصحابة،
والتابعين، وبه قال الثوريّ، وأبو حنيفة، وإسحاق ابن راهويه، واختاره من
الشافعية: المزنيّ، وابن المنذر، وأبو إسحاق المروزيّ، ومن المتأخّرين: تقيّ
الدين السبكيّ، وبحث مع النوويّ في اختياره أنه وَّر كان قارناً، وأن الإفراد
مع ذلك أفضل، مستنداً إلى أنه و لو اختار الإفراد أوّلاً، ثم أدخل عليه العمرة؛
لبيان جواز الاعتمار في أشهر الحجّ؛ لکونھم کانوا یعتقدونه من أفجر الفجور،
وملخّص ما يُتعقّب به كلامه أن البيان قد سبق منه وَ لّ في عُمَره الثلاث، فإنه
أحرم بكل منها في ذي القعدة: عمرة الحديبية التي صُدّ عن البيت فيها، وعمرة
القضيّة التي بعدها، وعمرة الجعرانة، ولو كان أراد باعتماره عمرة حجته بيان
الجواز فقط، مع أن الأفضل خلافه لاكتفَى في ذلك بأمره أصحابه أن يفسخوا
حجهم إلى العمرة.
وذهب جماعة من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم إلى أن التمتع
أفضل؛ لكونه وَ ﴿ تمنّاه، فقال: ((لولا أني سُقت الهدي لأحللت))، ولا يتمنّى
إلا الأفضل، وهو قول أحمد بن حنبل في المشهور عنه.
وأجيب بأنه إنما تمنّاه تطييباً لقلوب أصحابه؛ لحزنهم على فوات
موافقته، وإلا فالأفضل ما اختاره الله له، واستمرّ عليه.
وقال ابن قدامة: يترجّح التمتع بأن الذي يُفرِد إن اعتمر بعدها، فهي
مختلف في إجزائها عن عمرة الإسلام، بخلاف عمرة التمتّع فهي مجزئة بلا
خلاف، فيترجّح التمتّع على الإفراد، ويليه القران.
وقال من رجّح القران: هو أشقّ من التمتع، وعمرته مجزئة بلا خلاف،

٤٦٧
(١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانٍ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١٠)
فيكون أفضل منهما، وحكى عياض عن بعض العلماء أن الصور الثلاث في
الفضل سواء، وهو مقتضى تصرّف ابن خزيمة في (صحيحه)).
وعن أبي يوسف: القران، والتمتع في الفضل سواء، وهما أفضل من
الإفراد.
وعن أحمد: من ساق الهدي فالقران أفضل له؛ ليوافق فعل النبيّ وَّر،
ومن لم يسق الهدي فالتمتّع أفضل له؛ ليوافق ما تمناه، وأمر به أصحابه.
زاد بعض أتباعه: ومن أراد أن ينشىء لعمرته من بلده سفراً فالإفراد أفضل
له.
قال: وهذا أعدل المذاهب، وأشبهها بموافقة الأحاديث الصحيحة، فمن
قال: الإفراد أفضل فعلى هذا؛ لأن أعمال سَفَرَيْن للنسكين أكثر مشقّة، فيكون
أعظم أجراً، ولتُجزئ عنه عمرته من غير نقص، ولا اختلاف. انتهى كلام
الحافظ تَذَلهُ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجّح عنديّ بعد النظر في هذه
الأقوال، وأدلتها أن القران أفضل لمن ساق الهدي موافقة لفعل النبيّ مَلآ،
والتمتّع أفضل لمن لم يسق الهدي عملاً بأمر النبيّ وَلاو أصحابه
الكرام
وهذا هو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيميّة نَّتُهُ، فإنه قال: وأما إذا
أراد أن يجمع بين النسكين بسفرة واحدة، ويسوق الهدي، فالقران أفضل،
اقتداء برسول الله ◌َالقول، حيث قرن، وساق الهدي.
وقال في تفضيل التمتع لمن لم يسق الهدي: فإن أصحاب رسول الله وَلهم
الذين حجوا معه، ولم يسوقوا الهدي أمرهم جميعهم أن يحجوا هكذا، أمرهم
إذا طافوا بالبيت، وبين الصفا والمروة أن يحلّوا من إحرامهم، ويجعلوها متعة،
قال: ومعلوم أنهم أفضل الأمة بعده، ولا حجة تكون أفضل من حجة أفضل
(١) ((الفتح)) ٢١٧/٤ - ٢١٨.

٤٦٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
الأمة، مع أفضل الخلق بأمره، فكيف يكون حج من حج مفرداً، واعتمر عقب
ذلك، أو قارناً، ولم يسق الهدي أفضل من حج هؤلاء معه بأمره؟
قال: ويقال في الجواب عن الحديث: (لو استقبلت ... )): إنه لم يقل
هذا لأجل أن الذي فعله مفضول، بل لأن أصحابه شقّ عليهم أن يحلّوا من
إحرامهم مع بقائه محرماً، فكان يختار موافقتهم ليفعلوا ما أُمروا به عن
انشراح، أو موافقة، قال: وقد ينتقل من الأفضل للمفضول لما فيه من
الموافقة، وائتلاف القلوب.
قال: وعلى هذا التقدير يكون الله قد جمع له بين أن فعل الأفضل، وبين
أن أعطاه بما يراه من الموافقة لهم ما في ذلك من الفضل، فاجتمع له
الأجران، وهذا هو اللائق بحاله ◌َّر. انتهى المقصود من كلام ابن تيمية تخّتُهُ
بتصرّف(١)، وهو كلام نفيس جدّاً.
والحاصل أن من ساق الهدي فالقران له أفضل، ومن لم يسق الهدي
فالتمتّع له أفضل، والله ◌َُّ أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في صفة حجة النبيّ وَالطيار:
(اعلم): أنه اختلفت روايات الصحابة ﴿ه في حجه وَّ حجة الوداع،
هل كان مفرداً، أو قارناً، أو متمتّعاً؟ ورُوي كلّ منها في ((الصحيحين))،
وغيرهما، واختلف الناس في ذلك، وفي إحرامه على أقوال:
(أحدها): أنه حجّ مفرداً، لم يعتمر معه(٢)، حُكي هذا عن الإمام
الشافعيّ وغيره، قال القسطلّاني في ((المواهب)): والذي ذهب إليه الشافعيّ في
جماعة أنه ولو حجّ مفرداً، وحكاه الزرقانيّ في ((شرح المواهب)) عن الإمام
مالك، وحكي عن الشافعيّ وغيره أن نسبة القران والتمتّع إليه وَّة على سبيل
الاتساع؛ لكونه أمر بهما. انتهى.
(١) راجع: ((مجموع الفتاوى)) ٨٦/٢٦ - ٩١.
(٢) ما أبعد هذا القول من الأحاديث الصحيحة، أنه * * قرن بين الحج والعمرة،
فتنبه .

٤٦٩
(١٧) - بَابُ بَيّانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَثُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١٠)
وبه جزم الخطابيّ، حيث قال: اختلفت الروايات فيما كان النبيّ وَلاّ به
محرماً .
والجواب عن ذلك أن كلّ راو أضاف إليه ما أمر به اتساعاً، ثم رجّح أنه
كان أفرد الحجّ. قال الحافظ في ((الفتح)): هذا هو المشهور عند الشافعيّة،
والمالكيّة، وقد بسط الشافعيّ القول فيه في اختلاف الحديث وغيره. انتهى.
(القول الثاني): أنه لبّى بالعمرة وحدها، واستمرّ عليها حتى فرغ منها،
ثم أحرم بعد ذلك بالحجّ، فكان متمتّعاً، وكان حجه حجّ تمتّع، قاله القاضي
أبو يعلى وغيره(١) .
(القول الثالث): أنه حجّ متمتّعاً تمتّعاً لم يحلّ فيه لأجل سوق الهدي،
ولم يكن قارناً، حكاه ابن القيّم عن صاحب ((المغني)) وغيره.
(القول الرابع): أنه لبّى بالحجّ وحده، وحج مفرداً، واعتمر بعده من
التنعيم، قال الإمام ابن تيميّة: وهذا غلط، لم يقله أحد من الصحابة، ولا
التابعين، ولا الأئمة الأربعة، ولا أحد من أهل الحديث. انتهى.
وقال الإمام ابن القيّم: الذين قالوا: إنه حجّ مفرداً، واعتمر عقبه من
التنعيم، لا يُعلم لهم عذر البتّة، إلا أنهم سمعوا أنه بَّوَ أفرد الحجّ، وأن عادة
المفردين أن يعتمروا من التنعيم، فتوهموا أنه فعل كذلك.
(القول الخامس): أنه لبّى بالحجّ مفرداً، ثم أدخل عليه العمرة(٢)، وصار
قارناً، فكان مفرداً ابتداءً، وقارناً انتهاءً، وبه جزم عامة محققي الشافعيّة،
وبعض المالكيّة.
قال النوويّ في ((شرح المهذّب)): والصواب الذي نعتقده أنه وَلا و أحرم
بالحجّ أوّلاً مفرداً (٣)، ثم أدخل عليه العمرة، فصار قارناً، وإدخال العمرة على
(١) لا يخفى ضعف هذا القول، والذي بعده؛ لمخالفته الأحاديث الصحيحة، فتنبّه.
(٢) هذا القول يرده حديث عمر في ((صحيح البخاريّ)) أن الملَك أمر النبيّ ◌َّغير بالقران،
كما سيأتي، فتنبّه.
(٣) بل الصحيح أنه أحرم قارناً، كما سيأتي تحقيقه، فتنبّه.

٤٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
الحجّ جائز على أحد القولين عندنا، وعلى الأصحّ لا يجوز لنا، وجاز للنبيّ وَل
تلك السنة للحاجة. انتهى.
واختاره القاضي عياض، إذ قال: أما إحرامه وَ له بنفسه، فأخذ بالأفضل،
فأحرم مفرداً للحجّ، تضافرت به الروايات الصحيحة، وأما رواية من روى أنه
كان متمتّعاً، فمعناه أمر به، وأما رواية من روى القران، فهو إخبار عن آخر
أحواله، لا عن ابتداء إحرامه (١)؛ لأنه أدخل العمرة على الحجّ لَمّا جاء إلى
الوادي، وقيل له: ((قل: عمرة في حجة)). انتهى.
قال الحافظ: وهذا الجمع هو المعتمد، وقد سبق إليه قديماً ابن المنذر،
ومهّده المحبّ الطبريّ تمهيداً بالغاً، يطول ذكره، ومحصّله: أن كلّ من روى
عنه الإفراد حمل على ما أهلّ به في أول الحال، وكلّ من روى عنه التمتّع أراد
ما أمر به أصحابه، وكلّ من روى عنه القران أراد ما استقرّ عليه أمره.
(القول السادس): أنه لبّى بالعمرة وحدها، ثم لم يتحلّل منها إلى أن
أدخل عليها الحجّ يوم التروية(٢)، فصار قارناً، حكاه الحافظ عن الطحاويّ،
وابن حبّان.
(القول السابع): أنه أحرم إحراماً مطلقاً لم يُعيّن فيه نسكاً(٣)، ثم عيّنه
بعدُ، رجحه الشافعيّ في ((اختلاف الحديث))، كما قال الحافظ في ((الفتح)).
وقال وليّ الدين العراقيّ: قال القاضي: وقال بعض علمائنا: إنه أحرم
إحراماً مطلقاً منتظراً ما يؤمر به، من إفراد، أو تمتّع، أو قران، ثم أمر بالحجّ،
ثم أمر بالعمرة في وادي العقيق بقوله: ((صلّ في هذا الوادي، وقل: عمرة في
حجة))، ثم قال القاضي في موضع آخر بعد ذلك: لا يصحّ قول من قال: أحرم
النبيّ ◌َ * مطلقاً مبهماً؛ لأن رواية جابر وغيره من الصحابة في الأحاديث
الصحیحة تردّه، وهي مصرّحة بخلافه. انتهى.
(١) بل الصواب أنه من أول الأمر قارن، كما سيأتي تحقيقه، فتنبه.
(٢) لا يخفى كون هذا القول غير صحيح، فتنبّه.
(٣) لا يخفى كون هذا القول بعيداً عن الصواب؛ لمصادمته الأحاديث الصحيحة
المصرّحة بأنه ◌َ﴿ أهلّ بالحج والعمرة، فتنبّه.

٤٧١
(١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١٠)
(القول الثامن): أنه لبّى بالحجّ والعمرة معاً(١)، وكان قارناً من أول
الأمر، وحقّق هذا القول ابن الهمام في ((شرح الهداية))، وابن القيّم في
((الهدي))، وأجابا عن كلّ ما خالفه، قال ابن القيّم: والصواب أنه أحرم بالحجّ
والعمرة معاً من حيث أنشأ الإحرام، ولم يحلّ حتى حلّ منهما جميعاً، كما
دلّت عليه النصوص المستفيضة التي تواترت تواتراً يعلمه أهل الحديث. انتهى،
وإليه مال ابن حزم في كتابه ((حجة الوداع))، وتأوّل باقي الأحاديث إليه، كما
حكاه النوويّ، والوليّ العراقيّ.
وقال أبو محمد بن حزم كَّتُهُ في كتابه ((حجة الوداع))، ما مختصره:
لما اختلفت الرواية عن الصحابة، فقال بعضهم: أفرد رسول الله وَل
الحجّ، وقال بعضهم: تمتع وَّ، وقال بعضهم قرن ◌ّله بين حج وعمرة، كان
هذا تنازعاً يجب رده إلى الله تعالى، وإلى نبيه وَله بنص القرآن، فلما فعلنا
ذلك وجدناه وير قد حكم بينهم، ونص بكلامه الذي ليس موقوفاً على غيره أنه
كان قارناً، كما ذكر عنه البراء بن عازب، إذ قال ◌َير: «لكني سقت الهدي،
وقَرَنْتُ))، وكما ذكر أنس رَظُبه أنه سمعه يقول: ((لبيك عمرة وحجّاً، لبيك عمرةً
وحجّاً))، وكما ذكر عليّ بن أبي طالب ظُه أنه سمعه وبَّهِ يلبي بهما معاً، وكما
ذكرت حفصة أم المؤمنين يها أنها قررته * على أنه معتمر بعمرة لم يحل
منها، فلم ينكر 98 ذلك عليها، بل صدقها، وأجابها أنه مع ذلك حاجٌ،
وهو ◌َّهُ لا يُقِرّ على باطل يسمعه أصلاً، بل ينكره، لا بدّ من ذلك، فصح بما
ذكرنا قرانه والث يقيناً .
وليس في كل ما رُوي ما يَتَعَلّق به مَن ظَنّ أنه وَلّ يقول: لبيك بحج
مفرد، ولا أحد قال: إنه وَل أخبر عن نفسه، فقال: أفردت الحجّ، ولا رُوي
ذلك أيضاً عنه وَلي أنه قال: لبيك بعمرة مفردة، ولا أنه قال: إني تمتعت، وهو
بلا شكّ أعلم بنفسه، فلما ذَكَرَ وَ ﴿ أنه قَرَنَ، وسُمِع يلبي بحج وعمرة صحّ أنه
ـّ يشهدون أنهم سمعوه وَله
قارنٌ يقيناً. فهؤلاء أربعةٌ عدولٌ من أئمة الصحابة
(١) هذا القول هو الحقّ الموافق، كما سيأتي تحقيقه، فتنبّه.

٤٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
يُخبر عن نفسه بأنه قارنٌ، وكان هذا أولى عند كل ذي فهم من حكاية صاحب
لم ينسبها إلى أنه سمعه من فيه ولا . .
فإن قيل: إن ابن عمر ذكر أنه سمع النبيّ وَل وهو يقول: ((لبيك بحجة))، قيل
له: نعم، قد روينا ذلك، وهذا لا حجة فيه؛ لأنه رظُه لم يقل: إنه سمعه يقول
في ذي الحليفة، ولعله سمعه وله يقول ذلك إذ أتم عمرته، ونهض إلى منى.
وقد يمكن أن يكون سمع ذكر الحجّ، ولم يسمع ذكر العمرة، ومن زاد
ذكر العمرة أولى؛ لأنه زاد علماً. ثم قال: فهذا وجه الرد إلى الله تعالى وإلى
رسوله و قد لاح أنه وَلو كان قارناً، وبالله تعالى التوفيق.
قال: أما من ذهب إلى إسقاط المتعارض من الروايات والأخذ بما لم
يتعارض منها، فوجه علمه في هذا أن نقول: إن كل من رُوي عنه الإفراد قد
اضطربت عنه الرواية، وروي عن جميعهم القران، وهم: عائشة، وجابر، وابن
عمر، وابن عباس ﴿، ووجدنا أيضاً عمران بن الحصين، وعليّ بن أبي
طالب قد روي عنهم التمتع، وروي عنهم القران، ووجدنا أم المؤمنين حفصة،
والبراء بن عازب، وأنس بن مالك ﴿ لم تضطرب الرواية عنهم، ولا اختلفت
عنهم في أنه ◌َ﴿ كان قارناً، فننزل رواية كل من اضطُرِب عنه، ونرجع إلى
رواية من لم يُضطرَب عنه، وليست إلا رواية من روى القران خاصة؛ كحفصة،
والبراء، وأنس
هذا وجه العمل على قول من يرى إسقاط ما تعارض من الروايات،
والأخذ بما لم يتعارض منها .
قال: وأما من ذهب إلى الأخذ بالزائد، وهو وجه يجب استعماله إذا
كانت الألفاظ كلها، أو الأفعال كلها منسوبة إلى النبيّ وَلّ، ولم تكن موقوفة
على غيره من دونه، ولا تنازعاً ممن سواه وَّ، فوجه العمل في هذا أن نقول -
وبالله تعالى التوفيق -: إنا وجدنا من روى الإفراد إنما اقتصر على ذكر الإهلال
بالحج وحده، دون عمرة معه، ووجدنا من روى التمتع إنما اقتصر على ذكر
الإهلال بعمرة وحدها، دون حج معها، ووجدنا من روى القران قد جمع
الأمرين معاً، فزاد على ذكر الحج وحده عمرة، وزاد على من ذكر العمرة

٤٧٣
(١٧) - بَابُ بَيَانٍ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانٍ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١٠)
وحدها حجّاً، وكانت هذه زيادة علم لم يذكرها الآخرون، وزيادة حفظ ونقل
على كلتا الطائفتين المتقدمتين، وزيادةُ العدل مقبولةٌ، وواجب الأخذ بها،
فوجب بهذا أيضاً أن يُصْدَر إلى رواية من روی القران، دون رواية من روی غیر
ذلك، وأيضاً فالذين رووا القران زادوا زيادة لا يحل لمسلم تركها، وهي أنهم
حكموا أنهم سمعوا ذلك من لفظه وَّة، ولم يذكر ذلك غيرهم، فوجب ألا
يُلْتَفَت إلى لفظ أحد بعد لفظه ◌َّر. انتهى مختصر كلام ابن حزم تَظّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره ابن حزم دَّثُ في الجمع بين
أحاديث الباب جمع نفيسٌ، وتحقيقٌ أنيسٌ.
وحاصله أن الصواب والأرجح في حجة النبيّ وَر أنه كان قارناً، وأهلّ
بالقران أوّلَ ما أهلّ، ثم استمرّ على ذلك إلى أن تحلّل يوم النحر، والله تعالى
أعلم.
وقد أجاد الإمام ابن قيّم الجوزيّة دَّثُهُ في كتابه الممتع ((زاد المعاد))
حيث حقّق الموضوع بما لا يوجد عنده، ودونك نصّه، قال رَّلهُ:
وإنما قلنا: إنه وَ﴿ أحرم قارناً؛ لبضعة وعشرين حديثاً صحيحةً صريحةً
في ذلك.
[أحدها]: ما أخرجاه في ((الصحيحين)) عن ابن عمر ◌ًا قال: تمتع
رسول الله وٍَّ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحجّ، وأهدى، فساق معه الهدي
من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله وَلَّ، فأهلّ بالعمرة، ثم أهلٌ بالحجّ، وذكر
الحدیث.
[وثانيها]: ما أخرجاه في ((الصحيحين)) أيضاً عن عروة، عن عائشة
أخبرته عن رسول الله صل بمثل حديث ابن عمر سواءً.
[وثالثها]: ما روى مسلم في ((صحيحه)) من حديث قتيبة، عن الليث، عن
نافع، عن ابن عمر، أنه قرن الحج إلى العمرة، وطاف لهما طوافاً واحداً، ثم
قال: هكذا فعل رسول الله وَالله.
(١) ((حجة الوداع)) ص ٤٤٠ - ٤٤٨.

٤٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
[ورابعها]: ما روى أبو داود، عن النُّفَيليّ، حدّثنا زهير، هو ابن معاوية،
حدّثنا أبو إسحاق، عن مجاهد، سئل ابن عمر: كم اعتمر رسول الله وَ ل،
فقال: مرتين، فقالت عائشة: لقد علم ابن عمر أن رسول الله وَ ليل اعتمر ثلاثاً
سوی التي قَرَن بحجته.
ولم يناقض هذا قول ابن عمر: إنه ◌َ ﴿ قرن بين الحج والعمرة؛ لأنه أراد
العمرة الكاملة المفردة، ولا ريب أنهما عمرتان: عمرة القضاء، وعمرة
الجعرانة، وعائشة ينا أرادت العمرتين المستقلتين، وعمرة القران، والتي صُدّ
عنها، ولا ريب أنها أربع.
[وخامسها]: ما رواه سفيان الثوريّ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن
جابر بن عبد الله رضي: أن رسول الله وَّهُ حَجَّ ثلاث حِجَج: حجتين قبل أن
يهاجر، وحجة بعدما هاجر، معها عمرةٌ، رواه الترمذيّ وغيره(١).
[وسادسها]: ما رواه أبو داود، عن ابن عباس قال: اعتمر
رسول الله ولو أربع عمر: عمرة الحديبية، والثانية حين تواطؤوا على عمرة من
قابل، والثالثة من الجعرانة، والرابعة التي قرن حجته(٢).
[وسابعها]: ما رواه البخاري في (صحيحه)) عن عمر بن الخطاب
مضرعيْه
قال: سمعت رسول الله ﴿ بوادي العقيق يقول: ((أتاني الليلة آتٍ من ربي ◌َ،
فقال: صَلِّ في هذا الوادي المبارك، وقُلْ: عمرةً في حجة)).
[وثامنها]: ما رواه أبو داود، عن البراء بن عازب ظًا قال: كنت مع
عليّ رَظُه حين أَمَّره رسول الله وَّه على اليمن، فأصبت معه أواقيّ من ذهب،
فلما قَدِم عليّ من اليمن على رسول الله وَ ل﴿ قال: وجدت فاطمة ظَّا قد لبست
ثياباً صبيغات، وقد نَضَحَت البيت بنضوح، فقالت: ما لك؟ فإن رسول الله وَله
قد أمر أصحابه، فأحلُّوا، قال: فقلت لها: إني أهللت بإهلال النبيّ وَّ، قال:
فأتيت النبيّ وَّ، فقال لي: ((كيف صنعتَ؟)) قال: قلت: أهللت بإهلال
النبيّ وَّر، قال: ((فإني قد سقت الهدي، وقرنت))، وذكر الحديث(٣).
(١) حديث صحيح.
(٣) حديث صحيح، رواه أبو داود والنسائيّ.
(٢) حديث صحيح.

٤٧٥
(١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١٠)
[وتاسعها]: ما رواه النسائيّ بسنده عن مروان بن الحكم قال: كنت
جالساً عند عثمان، فسمع عليّاً رُْه يلبي بعمرة وحجة، فقال: ألم تكن تُنْهَى
عن هذا؟ قال: بلى، لكني سمعت رسول الله وَل﴿ يلبي بهما جميعاً، فلم أدع
قول رسول الله وَلخير لقولك(١).
[وعاشرها]: ما رواه مسلم في ((صحيحه)) عن عمران بن حصين ظ﴿ه: إن
رسول الله ◌ٌَّ جَمَعَ بين حجة وعمرة، ثم لم ينه عنه حتى مات، ولم ينزل قرآن
يحرمه .
[وحادي عشرها]: ما رواه يحيى بن سعيد القطان، وسفيان بن عيينة، عن
إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: إنما جمع
رسول الله وَلاو بين الحج والعمرة؛ لأنه لا يحج بعدها، وله طرُقٌ صحيحة
إليهما .
[وثاني عشرها]: ما رواه الإمام أحمد من حديث سراقة بن مالك
قال: سمعت رسول الله صل﴿ يقول: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة،
قال: وقرن النبيّ وَّر في حجة الوداع، وإسناده ثقات.
[وثالث عشرها]: ما رواه الإمام أحمد، وابن ماجه، من حديث أبي
طلحة الأنصاريّ أن رسول الله وي جمع بين الحج والعمرة، ورواه الدارقطنيّ،
وفيه الحجاج بن أرطاة(٢).
[ورابع عشرها]: ما رواه أحمد من حديث الْهِرْماس بن زياد الباهليّ، أن
رسول الله ◌َّ قَرَن في حجة الوداع بين الحج والعمرة(٣).
[وخامس عشرها]: ما رواه البزار بإسناد صحيح أن ابن أبي أوفى قال:
إنما جمع رسول الله وَ﴿ بين الحج والعمرة؛ لأنه عَلِم أنه لا يحج بعد عامه
(١) حديث صحيح أخرجه النسائيّ.
(٢) وحجاج بن أرطاة فيه مقال، وسيأتي قول ابن القيّم كَُّ: وحديثه لا ينزل عن
درجة الحسن، ما لم ينفرد بشيء، أو يخالف الثقات.
(٣) في سنده عبد الله بن واقد الحرّانيّ متروك، وكان أحمد يثني عليه، وقال: لعله كبر
واختلط .

٤٧٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
ذلك(١)، وقد قيل: إن يزيد بن عطاء أخطأ في إسناده، وقال آخرون: لا سبيل
إلى تخطئته بغير دليل.
[وسادس عشرها]: ما رواه الإمام أحمد من حديث جابر بن عبد الله
أن رسول الله ◌َ﴿ قَرَن الحج والعمرة، فطاف لهما طوافاً واحداً، ورواه
الترمذيّ، وفيه الحجاج بن أرطاة، وحديثه لا ينزل عن درجة الحسن، ما لم
ينفرد بشيء، أو يخالف الثقات.
[وسابع عشرها]: ما رواه الإمام أحمد من حديث أمّ سلمة ؤها قالت:
سمعت رسول الله ◌َيءٍ يقول: ((أَهِلُّوا يا آل محمد بعمرة في حج))(٢).
[وثامن عشرها]: ما أخرجاه في ((الصحيحين))، واللفظ لمسلم، عن
حفصة ◌ٌّا قالت: قلت للنبيّ وَ له: ما شأن الناس حَلَّوا، ولم تَحِلَّ أنت من
عمرتك؟ قال: ((إني قلدت هديي، ولبّدت رأسي، فلا أحِلُّ حتى أحلّ من
الحج)).
وهذا يدلّ على أنه كان في عمرة معها حجّ، فإنه لا يحل من العمرة حتى
يحلّ من الحجّ، وهذا على أصل مالك والشافعيّ ألزم؛ لأن المعتمر عمرةً
مفردةً لا يمنعه عندهما الهدي من التحلل، وإنما يمنعه عمرة القران، فالحديث
على أصلهما نَصُّ.
[وتاسع عشرها]: ما رواه النسائيّ والترمذيّ عن محمد بن عبد الله بن
الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، أنه سمع سعد بن أبي وقاص،
والضحاك بن قيس، عام حج معاوية بن أبي سفيان، وهما يذكران التمتع
بالعمرة إلى الحج، فقال الضحاك: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله، فقال
سعد: بئسما قلت يا ابن أخي، قال الضحاك: فإن عمر بن الخطاب نَهَى عن
ذلك، قال سعد: صنعها رسول الله وَ ل﴿، وصنعناها معه، قال الترمذيّ: حديث
حسنٌ صحيحٌ.
(١) قال الهيثميّ في ((مجمع الزوائد)): رواه الطبرانيّ في ((الكبير))، و((الأوسط))، وفيه
يزيد بن عطاء وثّقه أحمد، وغيره، وفيه كلام، وفي ((التقريب)): ليّن الحديث.
(٢) رواه أحمد، ورجاله ثقات.

٤٧٧
(١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١٠)
ومراده بالتمتع هنا بالعمرة إلى الحج أحد نوعيه، وهو تمتّع القران، فإنه
لغة القرآن والصحابة الذين شَهِدوا التنزيل والتأويل، شهدوا بذلك، ولهذا قال
ابن عمر: تمتع رسول الله وَ﴿ بالعمرة إلى الحجّ، فبدأ فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ
بالحجّ، وكذلك عائشة، وأيضاً فإن الذي صنعه رسول الله وصله هو متعة القران
بلا شكّ، كما قطع به أحمد، ويدلّ على ذلك أن عمران بن حصين قال: تمتع
رسول الله بَّهُ، وتمتعنا معه، مُتَّفقٌ عليه، وهو الذي قال لمطرف: أحدثك
حديثاً عسى الله أن ينفعك به، إن رسول الله وقيل جمع بين حج وعمرة، ثم لم
ينه عنه حتى مات، وهو في ((صحيح مسلم))، فأخبر عن قرانه بقوله: ((تمتع))،
وبقوله: ((جمع بین حج وعمرة)).
ويدلّ عليه أيضاً ما ثبت في ((الصحيحين)) عن سعيد بن المسيِّب، قال:
اجتمع عليّ وعثمان بعسفان، وكان عثمان ينهى عن المتعة، أو العمرة، فقال
عليّ: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله وَ ل﴿ل تنهى عنه؟ قال عثمان: دَعْنَا منك،
فقال: إني لا أستطيع أن أدعك، فلما أن رأى عليّ ذلك أهلّ بهما جميعاً،
هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاريّ: اختَلَف عليّ وعثمان بعسفان في المتعة، فقال
عليّ: ما تريد إلا أن تنهى عن أمر فعله رسول الله وَلهم؟ فلما رأى ذلك عليّ
أهلّ بهما جميعاً.
وأخرج البخاريّ وحده من حديث مروان بن الحكم قال: شهدت عثمان
وعليّاً، وعثمان ينهى عن المتعة، وأن يجمع بينهما، فلما رأى عليّ ذلك أهلّ
بهما، لبيك بعمرة وحجة، وقال: ما كنت لأدع سنة رسول الله وَله لقول أحد.
فهذا يبيّن أن من جمع بينهما كان متمتعاً عندهم، وإن هذا هو الذي فعله
رسول الله وَّل، وقد وافقه عثمان على أن رسول الله به له فعل ذلك، فإنه لما
قال له: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله وَ ل تنهى عنه؟ لم يقل له: لم يفعله
رسول الله ◌َ﴾، ولولا أنه وافقه على ذلك لأنكره، ثم قصد عليّ إلى موافقة
النبيّ وَّةِ، والاقتداء به في ذلك، وبيانِ أن فعله لم يُنسَخ، وأهلّ بهما جميعاً
تقريراً للاقتداء به، ومتابعته في القران، وإظهاراً لسنةٍ نَهَى عنها عثمان؛ متأولاً،
وحينئذ فهذا دليل مستقلٌّ [تمام العشرين].
[الحادي والعشرون]: ما رواه مالك في ((الموطأ)) عن ابن شهاب، عن

٤٧٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
عروة، عن عائشة ﴿ّا أنها قالت: خرجنا مع رسول الله وَ ط هو عام حجة الوداع،
فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله ويلقى: ((من كان معه هدي، فليهلل بالحج مع
العمرة، ثم لا يحلّ حتى يحلّ منهما جميعاً)).
ومعلوم أنه كان معه الهدي فهو أولى مَن بادر إلى ما أَمَرَ به، وقد دل
عليه سائر الأحاديث التي ذكرناها، ونذكرها.
وقد ذهب جماعة من السلف والخلف إلى إيجاب القران على من ساق
الهدي، والتمتع بالعمرة المفردة على من لم يسق الهدي، منهم عبد الله بن
عباس، وجماعة، فعندهم لا يجوز العدول عما فعله رسول الله وَليل، وأمر به
أصحابه، فإنه قرن، وساق الهدي، وأمر كل من لا هدي معه بالفسخ إلى عمرة
مفردة، فالواجب أن نفعل كما فَعَل، أو كما أمر، وهذا القول أصحّ من قول
من حَرَّم فسخ الحج إلى العمرة(١).
[الثاني والعشرون]: ما أخرجاه في ((الصحيحين)) عن أبي قلابة، عن
رَظُه قال: صلى بنا رسول الله وَالر، ونحن معه بالمدينة الظهر
أنس بن مالك
أربعاً، والعصر بذي الحليفة ركعتين، فبات بها حتى أصبح، ثم ركب حتى
استوت به راحلته على البيداء، حمد الله وسبّح وكبّر، ثم أهلّ بحج وعمرة،
وأهلّ الناس بهما، فلما قدمنا أَمَرَ الناس، فحلّوا حتى إذا كان يوم التروية
أهلّوا بالحج.
وفي (الصحيحين)) أيضاً عن بكر بن عبد الله المزنيّ، عن أنس نظالله قال:
سمعت رسول الله (980 يلبي بالحج والعمرة جميعاً، قال بكر: فحدثت بذلك ابن
عمر، فقال: لبى بالحج وحده، فلقيت أنساً، فحدثته بقول ابن عمر، فقال
أنس: ما تعدّوننا إلا صبياناً، سمعت رسول الله وَل﴾ أهلّ بهما: لبيك عمرة
وحجّاً.
(١) كنت سابقاً رجّحت في ((شرح النسائيّ)) هذا القول الموجب للفسخ، ثم تبيّن في
هذا الشرح ترجيح القول بالاستحباب دون الوجوب، كما هو مذهب الإمام
أحمد تَخْلُهُ، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيميّة كثّهُ، كما سيأتي قريباً - إن شاء الله
تعالى - .

٤٧٩
(١٧) - بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩١٠)
ورَوَى أبو يوسف القاضي، عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن
أنس ظُه، قال: سمعت النبيّ وَّ يقول: ((لبيك بحج وعمرة معاً)).
وروى النسائيّ من حديث أبي أسماء(١)، عن أنس ظُبه قال: سمعت
النبيّ مَّ يلبّي بهما .
ورَوَى أيضاً من حديث الحسن البصريّ، عن أنس، أن النبيّ وَّ أهلٌ
بالحج والعمرة حين صلى الظهر(٢).
وروى البزار من حديث زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب، عن أنس،
أن النبيّ وَل﴿ أهلّ بحج وعمرة، ومن حديث سليمان التيميّ، عن أنس كذلك،
وعن أبي قُدامة، عن أنس مثله، وذكر وكيع: حدّثنا مصعب بن سليم، قال:
سمعت أنساً مثله، قال: وحدّثنا ابن أبي ليلى، عن ثابت البنانيّ، عن أنس
مثله، وذکر الخشنيّ: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا
شعبة، عن أبي قَزَعَة، عن أنس مثله.
وفي ((صحيح البخاريّ)) عن قتادة، عن أنس: اعتمر رسول الله وَّ و أربع
عُمَر، فذكرها، وقال: وعمرة مع حجته.
وذكر عبد الرزاق: حدّثنا معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، وحميد بن
هلال، عن أنس مثله.
فهؤلاء ستة عشر نفساً من الثقات(٣) كلهم متفقون عن أنس أن لفظ
النبيّ وَ ﴿ كان إهلالاً بحج وعمرة معاً، وهم: الحسن البصريّ، وأبو قلابة،
وحميد بن هلال، وحميد بن عبد الرحمن الطويل، وقتادة، ويحيى بن سعيد
الأنصاريّ، وثابت البنانيّ، وبكر بن عبد الله المزنيّ، وعبد العزيز بن صُهيب،
وسليمان التيميّ، ويحيى بن أبي إسحاق، وزيد بن أسلم، ومصعب بن سليم،
وأبو أسماء، وأبو قُدامة عاصم بن حسين، وأبو قَزَعَة، وهو سُوَيد بن حُجَير
الباهليّ.
فهذه أخبار أنس عن لفظ إهلاله 18 الذي سمعه منه، وهذا عليّ،
(١) هو أبو أسماء الصيقل: مجهول.
(٣) أي: معظمهم، كما لا يخفى.
(٢) رواه النسائيّ، ورجاله ثقات.

٤٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
والبراء، يخبران عن إخباره وَلّ عن نفسه بالقران، وهذا عليّ أيضاً يخبر أن
رسول الله 3 فعله، وهذا عمر بن الخطاب ﴿به يخبر عن رسول الله وَالقول أن
ربه أمره بأن يفعله، وعلّمه اللفظ الذي يقوله عند الإحرام، وهذا عليّ أيضاً
يخبر أنه سمع رسول الله ولم يلبي بهما جميعاً، وهؤلاء بقية من ذكرنا يخبرون
عنه بأنه فعله، وهذا هو ◌َّ ه يأمر به آله، ويأمر به من ساق الهدي.
وهؤلاء الذين رووا القران بغاية البيان عائشة أم المؤمنين، وعبد الله بن
عمر، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عباس، وعمر بن الخطاب، وعليّ بن
أبي طالب، وعثمان بن عفان بإقراره لعليّ، وتقرير عليّ له، وعمران بن
الحصين، والبراء بن عازب، وحفصة أم المؤمنين، وأبو قتادة، وابن أبي
أوفى، وأبو طلحة، والهرماس بن زياد، وأم سلمة، وأنس بن مالك، وسعد بن
أبي وقاص، فهؤلاء هم سبعة عشر صحابيّاً ﴿ه، منهم من رَوَى فعله، ومنهم
من روى لفظ إحرامه، ومنهم من روى خبره عن نفسه، ومنهم من روى أمره به.
[فإن قيل]: كيف تجعلون منهم ابن عمر، وجابراً، وعائشة، وابن
عباس، وهذه عائشة تقول: أهلّ رسول الله وَلهم بالحجّ، وفي لفظ: أفرد الحج،
والأول في ((الصحيحين))، والثاني في مسلم، وله لفظان: هذا أحدهما، والثاني
أهلّ بالحج مفرداً، وهذا ابن عمر يقول: لبى بالحج وحده، ذكره البخاريّ(١)،
وهذا ابن عباس يقول: وأهلّ رسول الله بالحج، رواه مسلم، وهذا جابر
يقول: أفرد الحجّ، رواه ابن ماجه؟
[قيل]: إن كانت الأحاديث عن هؤلاء تعارضت وتساقطت، فإن أحاديث
الباقين لم تتعارض، فهَبْ أن أحاديث مَن ذكرتم لا حجة فيها على القران، ولا
على الإفراد؛ لتعارضها، فما الموجب للعدول عن أحاديث الباقين، مع
صراحتها وصحتها، فكيف وأحاديثهم يُصَدِّق بعضها بعضاً، ولا تعارض بينها،
وإنما ظَنَّ من ظَنّ التعارض؛ لعدم إحاطته بمراد الصحابة من ألفاظهم، وحملها
على الاصطلاح الحادث بعدهم.
(١) الظاهر أن مسلماً هو الذي أخرجه بهذا اللفظ، وأما البخاريّ فيحتاج إلى النظر،
وقد علّق محقق الزاد قائلاً: ولم نجدها في البخاريّ. انتهى، فليُحرّر.