Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
(١٠) - بَابُ جَوَازٍ حَلْقِ الرَّأْسِ لِلْمُحْرِمِ إِذَا كَانَ بِهِ أَذَّى، ... إلخ - حديث رقم (٢٨٧٧)
وبين كعب، وقد عارضها ما هو أصحّ منها، من أن الذي أُمِر به كعب، وفَعَلَه
في النسك إنما هو شاة.
وروى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد من طريق المقبريّ، عن أبي
هريرة: ((أن كعب بن عجرة ذبح شاة لأذى كان أصابه))، وهذا أصوب من الذي
قبله.
واعتمد ابن بطال على رواية نافع، عن سليمان بن يسار، فقال: أخذ
كعب بأرفع الكفارات، ولم يخالف النبيّ ◌َ ﴿ فيما أمره به من ذبح الشاة، بل
وافق، وزاد، ففيه أن من أُفتي بأيسر الأشياء، فله أن يأخذ بأرفعها، كما فعل
کعب .
قال الحافظ: هو فرع ثبوت الحديث، ولم يثبت؛ لما قدّمته. انتهى كلام
الحافظ ويحذرته (١)
.
(قَالَ أَيُّوبُ) بن أبي تميمة السَّختيانيّ (فَلَا أَدْرِي بِأَِّ ذَلِكَ بَدَأَ) يعني أنه
لم يستحضر ما بدأ به شيخه مجاهد في ذكر الأشياء الثلاثة: الصوم، أو
الإطعام، أو النسك، ولكنه لا يضرّ؛ لأن الأمر فيه على التخيير.
وفي ((الموظّا))، وأبي داود، والنسائيّ من طريق عبد الكريم الجزريّ، عن
مجاهد: ((أيَّ ذلك فعلتَ أجزأ عنك)).
قال في ((الفتح)): رواية عبد الكريم هذه صريحة في التخيير بين الثلاثة،
وكذلك رواية أبي داود التي فيها: ((إن شئت، وإن شئت))، ووافقتها رواية
عبد الوارث، عن ابن أبي نجيح، أخرجها مسدّد في («مسنده))، ومن طريقه
الطبرانيّ، لكن رواية عبد الله بن معقل عند البخاريّ أنما هو بين الإطعامِ
والصيامٍ لمن لم يجد النسك، ولفظه: ((أتجد شاة؟))، قال: لا، قال: «فصم،
أو أطعم))، ولأبي داود في رواية أخرى: ((أمعك دم؟))، قال: لا، قال: ((فإن
شئت، فصم))، ونحوه للطبراني من طريق عطاء، عن كعب، ووافقهم أبو
الزبير، عن مجاهد، عند الطبرانيّ، وزاد بعد قوله: ما أجد هدياً: قال:
(١) ((الفتح)) ٧٣/٥.

٣٤٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
((فأطعم))، قال: ما أجد، قال: ((صم))، ولهذا قال أبو عوانة في ((صحيحه)):
فيه دليل على أن من وجد نسكاً لا يصوم. يعني ولا يطعم.
قال: لكن لا أعرف من قال بذلك من العلماء، إلا ما رواه الطبريّ،
وغيره، عن سعيد بن جبير، قال: النسك شاة، فإن لم يجد قُوّمت الشاة
دراهم، والدراهم طعاماً، فتصدّق به، أو صام لكلّ نصف صاع يوماً، أخرجه
من طريق الأعمش عنه، قال: فذكرته لإبراهيم، فقال: سمعت علقمة مثله،
فحينئذ يحتاج إلى الجمع بين الروايتين، وقد جمع بينهما بأوجه:
(منها): ما قال ابن عبد البرّ تَخَُّ: إن فيه الإشارة إلى ترجيح الترتيب لا
لإيجابه.
(ومنها): ما قال النوويّ تَخْلَتُهُ: ليس المراد أن الصيام، أو الإطعام لا
يجزئ إلا لفاقدي الهدي، بل المراد أنه استخبره: هل معه هدي، أم لا؟ فإن
كان واجده أعلمه أنه مخيّر بينه وبين الصيام والإطعام، وإن لم يجده أعلمه أنه
مخيّر بينهما .
ومحصّله أنه لا يلزم من سؤاله عن وجدان الذبح تعيينه؛ لاحتمال أنه لو
أعلمه أنه يجده لأخبره بالتخيير بينه وبين الإطعام والصوم.
(ومنها): ما قال غيرهما: يحتمل أن يكون النبيّ وَّ لَمّا أذن له في حلق
رأسه بسبب الأذى، أفتاه بأن يكفّر بالذبح على سبيل الاجتهاد منه وَيهِ، أو
بوحي غير متلوّ، فلما أعلمه أنه لا يجد، نزلت الآية بالتخيير بين الذبح،
والإطعام، والصيام، فخيّره حينئذ بين الصيام، والإطعام؛ لعلمه بأنه لا ذبح
معه، فصام؛ لكونه لم يكن معه ما يطعمه.
ويوضّح ذلك رواية مسلم في حديث عبد الله بن معقل المذكور، حيث
قال: ((أتجد شاة؟))، قلت: لا، فنزلت هذه الآية: ﴿فَفِذْيَةٌ مِّنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَّةٍ أَوْ
نُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فقال: ((صم ثلاثة أيام، أو أطعم))، وفي رواية عطاء
الخراسانيّ قال: ((صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين))، قال: ((وكان قد عَلِم
أنه ليس عندي ما أنسك به))، ونحوه في رواية محمد بن كعب القرظيّ، عن
كعب، وسياق الآية يشعر بتقديم الصيام على غيره، وليس ذلك لكونه أفضل في
هذا المقام من غيره، بل السرّ فيه أن الصحابة الذين خوطبوا شفاهاً بذلك كان

٣٤٣
(١٠) - بَابُ جَوَازِ خَلْقِ الرَّأْسِ لِلْمُحْرِمِ إِذَا كَانَ بِهِ أَذَّى، ... إلخ - حديث رقم (٢٨٧٧)
أكثرهم يقدر على الصيام أكثر مما يقدر على الذبح والإطعام.
وعُرف من رواية أبي الزبير أن كعباً افتدى بالصيام.
ووقع في رواية ابن إسحاق ما يشعر بأنه افتدى بالذبح؛ لأن لفظه:
((صم، أو أطعم، أو انسك شاة، قال: فحلقت رأسي، ونسكت))، وروى
الطبرانيّ من طريق ضعيفة عن عطاء، عن كعب في آخر هذا الحديث: ((فقلت:
يا رسول الله، خِرْ لي، قال: أطعم ستة مساكين)). انتهى ما في ((الفتح)) (١)،
وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث كعب بن عجرة تظله هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨٧٧/١٠ و٢٨٧٨ و٢٨٧٩ و٢٨٨٠ و٢٨٨١
و٢٨٨٢ و٢٨٨٣ و٢٨٨٤] (١٢٠١)، و(البخاريّ) في ((الحج)) (١٨١٤ و١٨١٥
و١٨١٦ و١٨١٧ و١٨١٨)، و((المغازي)) (٤١٥٩ و٤١٩٠ و٤١٩١)، و((التفسير))
(٤٥١٧)، و((المرضى)) (٥٦٦٥)، و((الطبّ)) (٥٧٠٣)، و((كفارات الأيمان))
(٦٧٠٨)، و(أبو داود) في ((المناسك)) (١٨٥٦ و١٨٥٧ و١٨٥٩ و١٨٦٠)،
و(الترمذيّ) في ((الحج)) (٩٥٣)، و((التفسير)) (٢٩٧٣ و٢٩٧٤)، و(النسائيّ) في
((المناسك)) (٢٨٥٢ و٢٨٥٣)، وفي ((الكبرى)) (٣٨٣٤ و٣٨٣٥)، و(ابن ماجه)
في ((المناسك)) (٣٠٧٩ و٣٠٨٠)، و(مالك) في ((الموطإ)) في (٩٥٤ و٩٥٥
و٩٥٦)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٠٦٥)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٢/
٣١٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤١/٤ و٢٤٤)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه))
(٢٦٧٦ و٢٦٧٧ و٢٦٧٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٩٧٨ و٣٩٨٠
و٣٩٨١ و٣٩٨٢ و٣٩٨٣)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٤١٤/٢)، و(أبو نعيم)
في ((مستخرجه)) (٢٩١/٣ و٢٩٢)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٩١/٧)،
(١) ((الفتح)) ٦٨/٥ - ٦٩.

٣٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
و ((الكبير)) (١٠٧/١٩ و١١٠ و١١١ و١١٢ و١١٤ و١١٥)، و(الطبريّ) في
(تفسيره)) (٢٣١/٢ و٢٣٢)، و(الدارقطنيّ) في («سننه)) (٢٩٨/٢)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (١٦٩/٥ و١٨٧ و٢١٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان حكم المحرم الذي يؤذيه القمل، وهو أنه يجوز له أن
يحلق رأسه، ويفدي بإحدى هذه الأشياء الثلاثة: صوم ثلاثة أيام، أو إطعام
ستة مساكين، لكل مسكين مدّان، أو ذبح شاة.
٢ - (ومنها): تحريم حلق الرأس على المحرم، والرخصة له في حلقها
إذا آذاه القمل، أو غيره من الأوجاع.
٣ - (ومنها): تلطّف الكبير بأصحابه، وعنايته بأحوالهم، وتفقّده لهم،
وإذا رأى ببعض أتباعه ضرراً سأل عنه، وأرشد إلى المخرج منه.
٤ - (ومنها): أن السنّة مبيّنة لمجمل الكتاب لإطلاق الفدية في القرآن،
وتقييدها بالسنة.
٥ - (ومنها): أنه استَنْبَط منه بعض المالكية إيجاب الفدية على من تعمّد
حلق رأسه بغير عذر، فإن إيجابها على المعذور من التنبيه بالأدنى على
الأعلى، لكن لا يلزم من ذلك التسوية بين المعذور وغيره، ومن ثمّ قال
الشافعيّ، والجمهور: لا يتخيّر العامد، بل يلزمه الدم، وخالف في ذلك أكثر
المالكية، واحتجّ لهم القرطبيّ بقوله في حديث كعب: ((أو اذبح نسكاً))، قال:
فهذا يدلّ على أنه ليس بهدي، قال: فعلى هذا يجوز أن يذبحها حيث شاء.
قال الحافظ: لا دلالة فيه، إذ لا يلزم من تسميتها نُسُكاً، أو نَسِيكة أن
لا تسمى هدياً، أو لا تعطى حكم الهدي، وقد وقع تسميتها هدياً في رواية عند
البخاريّ، حيث قال: ((أو تُهدي شاة))، وفي رواية مسلم: ((وأَهْدِ هدياً))، وفي
رواية للطبريّ: ((هل لك هدي؟ قلت: لا أجد))، فظهر أن ذلك من تصرّف
الرواة، ويؤيده قوله في رواية مسلم: ((أو اذبح شاة)).
٦ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن الفدية لا يتعين لها مكان، وبه قال
أكثر التابعين. وقال الحسن: تتعين مكة، وقال مجاهد: النسك بمكة، ومنى،
والإطعام بمكة، والصيام حيث شاء، وقريب منه قول الشافعيّ، وأبي حنيفة:

٣٤٥
(١٠) - بَابُ جَوَازِ حَلْقِ الرَّأْسِ لِلْمُحْرِمِ إِذَا كَانَ بِهِ أَذِّى، ... إلخ - حديث رقم (٢٨٧٧)
الدم، والإطعام لأهل الحرم، والصيام حيث شاء؛ إذ لا منفعة فيه لأهل
الحرم، وألحق بعض أصحاب أبي حنيفة، وأبو بكر بن الجهم من المالكية
الإطعام بالصيام.
٧ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن الحجّ على التراخي؛ لأن حديث
كعب دلّ على أن نزول قوله تعالى: ﴿وَأَنِعُواْ الْتَجَّ وَاَلْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾ [البقرة: ١٩٦] كان
ذلك بالحديبية، وهي في سنة ست، قال في ((الفتح)): وفيه بحث(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاستدلال عندي واضح، وقد ذكر
البيهقيّ ◌َّثُ ذلك في (السنن))، فأخرج بإسناده عن الشافعيّ تَخُّْ قال: نزلت
فريضة الحجّ على النبيّ ◌َّه بعد الهجرة، وافتتح رسول الله وَّر مكة في شهر
رمضان، وانصرف عنها في شوال، واستَخْلَف عليها عَّاب بن أَسِيد ◌َظُه،
فأقام الحج للمسلمين بأمر رسول الله وَله، ورسول الله اضله بالمدينة قادرٌ على
أن يحج، وأزواجه، وعامة أصحابه، ثم انصرف رسول الله وَلقر عن تبوك،
فبعث أبا بكر ربه، فأقام الحج للناس سنة تسع، ورسول الله صل قه بالمدينة قادر
على أن يحجّ، لم يحج هو، ولا أزواجه، ولا أحد من أصحابه، حتى حج
سنة عشر، فاستدللنا على أن الحج فرضه مرةً في العمر، أوله البلوغ، وآخره
أن يأتي به قبل موته.
قال البيهقيّ تَخْتُ: وهذا الذي ذكره الشافعيّ تَُّ موجود في الأخبار
والتواريخ، أما ما ذكره من نزول فريضة الحج بعد الهجرة، فكما قال، واستَدَلّ
أصحابنا بحديث كعب بن عجرة رائه المذكور هنا على أنها نزلت زمن
الحديبية، ثم أخرج حديث كعب رظُه. انتهى كلام البيهقيّ كَُّ(٢)، وهو بحثٌ
مفيدٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
٨ - (ومنها): أنه وقع في رواية للبخاريّ من طريق ابن أبي نَجِيح، عن
مجاهد: ((فأمره أن يَحْلِق، وهو بالحديبية، ولم يتبيّن لهم أنهم يُحِلّون بها،
وهم على طمع أن يدخلوا مكة)).
(١) ((الفتح)) ٧٤/٥.
(٢) ((السنن الكبرى)) للبيهقيّ كلُّ ٣٤١/٤.

٣٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
قال في ((الفتح)): هذه الزيادة ذكرها الراوي لبيان أن الحلق كان استباحة
محظور بسبب الأذى، لا لقصد التحلل بالحصر، وهو واضح، قال ابن
المنذر: يؤخذ أن من كان على رجاء من الوصول إلى البيت أن عليه أن يقيم
حتى ييأس من الوصول فيحلّ، واتفقوا على أن من يئس من الوصول، وجاز له
أن يحلّ، فتمادى على إحرامه، ثم أمكنه أن يصل أن عليه أن يمضي إلى البيت
ليُتمّ نسكه.
وقال المهلَّب وغيره ما معناه: يستفاد من قوله: ((ولم يتبيّن لهم أنهم
يحلّون)) أن المرأة التي تعرف أوان حيضها، والمريض الذي يعرف أوان حُمّاه
بالعادة فيهما إذا أفطرا في رمضان مثلاً في أول النهار، ثم انكشف الأمر
بالحيض، والحمّى في ذلك النهار أن عليهما قضاء ذلك اليوم لأن الذي كان
في علم الله أنهم يحلّون بالحديبية لم يُسْقِط عن كعب الكفارة التي وجبت عليه
بالحلّ قبل أن ينكشف الأمر لهم، وذلك لأنه يجوز أن يتخلف ما عرفاه
بالعادة، فيجب القضاء عليهما لذلك، قاله في ((الفتح)) (١)، وهو بحثٌ مفيدٌ،
والله تعالى أعلم.
٩ - (ومنها): ما قال القرطبيّ كَّلُهُ: وقد تبيّن بمجموع روايات هذا
الحديث: أنه كان محرماً، وأنه لما أباح له الحلق أعلمه بما يترتب على ذلك
من الفدية، وأنها ثلاثة أنواع مخيَّر بينها، وأن الصيام ثلاثة أيام، وأن الإطعام
لستة مساكين: مُدَّين، مُدَّين لكل مسكين، وأن النسك شاة، فصار هذا الحديث
مفسراً لما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ تَرِيضًا ... ) الآية، من مجمل،
وصار هذا الحديث مع الآية أصلاً: في أن المحرم إذا استباح شيئاً من
ممنوعات الإحرام التي لا تفسده، فانتفع بذلك، لزمته الفدية. قال أحمد بن
صالح: حديث كعب بن عجرة معمول به عند الجميع.
قال القاضي عياض: ولم يقع في شيء منه خلاف إلا في الإطعام،
فروي عن أبي حنيفة، والثوري: أن الصاع إنما هو في التمر والشعير، وأما
البر: فنصف صاع، وعن أحمد رواية: مُدّ من البر، ونصف صاع من غيره،
(١) ((الفتح)) ٧٤/٥ - ٧٥.

٣٤٧
(١٠) - بَابُ جَوَازٍ حَلْقِ الرَّأْسِ لِلْمُحْرِمِ إِذَا كَانَ بِهِ أَذِّى، ... إلخ - حديث رقم (٢٨٧٧)
وكذلك روي عن الحسن، وعن بعض السَّلف: أن الإطعام لعشرة مساكين،
والصيام عشرة أيام، ولم يتابعوا عليه. واتفق غير هؤلاء وكل من جاء بعدهم:
على إطعام ستة مساكين، وصيام ثلاثة أيام.
قال القرطبيّ: وتلك الأقوال كلها مخالفة لنص الحديث المتقدم، وهو
حجة على كل من خالفه.
قال: ويستوي عندنا لزوم الفدية في حق العامد، والناسي، والمخطئ،
وخالف في الناسي الشافعي في أحد قوليه، وداود وإسحاق؛ فقالا: لا دم
عليه. انتهى كلام القرطبيّ تَُّ(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الصوم والإطعام في فدية
الأذى:
قال الإمام ابن عبد البرّ كَخَّتُهُ: كل من ذَكَر النسك في هذا الحديث مُفَسَّراً
فإنما ذكره بشاة، وهو أمر لا خلاف فيه بين العلماء، وأما الصوم والإطعام
فاختلفوا فيه، فجمهور فقهاء المسلمين على أن الصوم ثلاثة أيام، وهو محفوظ
صحيح في حديث كعب بن عجرة قه هذا.
وجاء عن الحسن، وعكرمة، ونافع أنهم قالوا: الصوم في فدية الأذى
عشرة أيام، والإطعام عشرة مساكين، ولم يقل أحد بهذا من فقهاء الأمصار،
ولا أئمة الحديث، وقد جاء من رواية أبي الزبير، عن مجاهد، عن
عبد الرحمن، عن كعب بن عُجرة، أنه حدّثه أنه كان أهلّ في ذي القعدة، وأنه
فَمِلَ رأسه، فأتى عليه النبيّ وَّ، وهو يوقد تحت قِدْر له، فقال له: ((كأنك
يؤذيك هوام رأسك؟)) فقال: أجل، قال: ((احلق، وأهد هدياً))، فقال: ما أجد
هدياً، قال: ((فأطعم ستة مساكين))، فقال: ما أجد، قال: ((صم ثلاثة أيام)).
قال ابن عبد البرّ: كان ظاهر هذا الحديث على الترتيب، وليس كذلك،
ولو صح هذا كان معناه الاختيار أوّلاً فأولاً، وعامة الآثار عن كعب بن
عجرة حظُّه وردت بلفظ التخيير، وهو نصُّ القرآن، وعليه مضى عمل العلماء
(١) ((المفهم)) ٢٨٧/٣ - ٢٨٨.

٣٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
في كل الأمصار، وفتواهم، وبالله تعالى التوفيق. انتهى كلام ابن عبد البرّ نَظّتُهُ،
وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في الإطعام في فدية الأذى:
(اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك، فقال مالك، والشافعيّ، وأبو حنيفة،
وأصحابهم: الإطعام في ذلك مُدّان بمدّ النبيّ وَلَّ(١)، وهو قول أبي ثور،
وداود.
ورُوي عن الثوريّ أنه قال: في الفدية من البرّ نصف صاع، ومن التمر
والشعير والزبيب صاع، ورُوي عن أبي حنيفة أيضاً مثله، جَعَل نصف صاع برّ
عدل صاع تمر.
قال ابن المنذر: وهذا غلطً؛ لأن في رواية مسلم من طريق أبي قلابة عن
ابن أبي ليلى، عن كعب أن النبيّ وَّه قال له: ((أو أطعم ثلاثة آصع من تمر
على ستة مساكين)).
وقال أحمد بن حنبل مرةً كما قال مالك، والشافعيّ، ومرةً قال: إن
أطعم بُرّاً فمُدّ لكل مسكين، وإن أطعم تمراً فنصف صاع. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح هو ما قاله الأولون من أن الواجب
مُدّان لكل مسكين؛ لوضوح النصّ فيه، وأما المخالفون له، فلم يأتوا بحجة
مقنعة، فتبصّر.
[تنبيه]: لا يجزئ أن يُغَدِّي المساكين، ويُعَشِّيهم في كفارة الأذى حتى
يعطي كل مسكين مُدّين بمد النبيّ وَّر، وبذلك قال مالك، والثوريّ،
والشافعيّ، ومحمد بن الحسن، وقال أبو يوسف: يجزيه أن يغدِّيهم
ويُعَشِّيهم (٢)، وهو مخالف لظاهر النصّ، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
(١) قدّر العلماء المعاصرون الصاع النبويّ بالمعيار المعاصر، فقال الشيخ البسّام كثّفُ
في ((توضيح الأحكام)) ٧٨/٣: الصاع النبويّ (٢٥٠٠) غراماً من الحنطة الرزينة
الجيّدة. انتهى.
(٢) ((الجامع لأحكام القرآن)) ٣٨٤/٢.

٣٤٩
(١٠) - بَابُ جَوَازٍ حَلْقِ الرَّأْسِ لِلْمُحْرِمِ إِذَا كَانَ بِهِ أَذَّى، ... إلخ - حديث رقم (٢٨٧٨)
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في موضع الفدية المذكورة:
(اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك، فقال عطاء: ما كان من دم فبمكة، وما
كان من طعام، أو صيام فحيث شاء، وبنحو ذلك قال أصحاب الرأي، وعن
الحسن: أن الدم بمكة، وقال طاوس، والشافعيّ: الإطعام والدم لا يكونان إلا
بمكة، والصوم حيث شاء؛ لأن الصيام لا منفعة فيه لأهل الحرم، وقد
قال الله ◌ُعَالَ: ﴿هَدِّيَّا بَلِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، رفقاً لمساكين جيران بيته،
فالإطعام فيه منفعة، بخلاف الصيام، والله أعلم.
وقال مالك: يفعل ذلك أين شاء، وهو الصحيح من القول، وهو قول
مجاهد، والذبح هنا عند مالك نُسُك، وليس بهدي؛ لنص القرآن والسنة،
والنسك يكون حيث شاء، والهدي لا يكون إلا بمكة(١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما قاله الأولون من أن الدم يتعيّن
كونه بمكة هو الأرجح؛ لأن النبيّ وَ ل ◌ّ صحّ عنه أنه سمّاه هدياً، فقد وقع في
رواية البخاريّ: ((أو تُهد شاةً))، وفي رواية لمسلم: ((وأهد هدياً))، وفي رواية
للطبرانيّ: ((هل لك هدي؟))، قاله في ((الفتح))، وقد قال الله تعالى: ﴿هَدَيَا بَلِغَ
اُلْكُمْبَةِ﴾، فالحقّ ما قالوه من تعيّنه بمكة، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٨٧٨] ( ... ) - (حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ،
وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعاً عَن ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْراهِيمَ) الدورقيّ، تقدّم قبل باب.
٣ - (ابْنُ عُلَيَّةَ) إسماعيل بن إبراهيم، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في السند الماضي والباب الذي قبله.
(١) راجع: ((الجامع لأحكام القرآن)) ٣٨٥/٢ - ٣٨٦.

٣٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
[تنبيه]: رواية ابن عُليّة، عن أيوب هذه ساقها النسائيّ كَّتُهُ في ((الكبرى))
(٢/ ٤٤٧) فقال:
(٤١١٠) - أخبرني عليّ بن حُجْر، قال: أنبأ إسماعيل، عن أيوب، عن
مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، قال: أتى عليّ
رسول الله ﴿ زمن الحديبية، وأنا أُوقد تحت قدر، والقمل يتناثر على جبهتي،
أو حاجبي، فقال: ((أتؤذيك هوامّك؟)) فقلت: نعم، قال: ((فاحلق رأسك،
وانسِك نَسِيكةً، أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين))، قال: لا أدري ما
بهن بدأ. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٨٧٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ، عَن
ابْنِ عَوْذٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ ◌َُه
قَالَ: فِيَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَ كَانَ مِنْكُمْ فَرِضًا أَوْ بِهِ أَذَّى مِن رَّأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِنِ
صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ شُكٍ﴾، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ، فَقَالَ: ((ادْنُهْ))، فَدَنَوْتُ، فَقَالَ: ((ادْنُهْ))،
فَدَنَوْتُ، فَقَالَ وَهِ: ((أَيُؤْذِيكَ هَوَاقُّكَ؟)) قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: وَأَظُنُّهُ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ:
فَأَمَرَنِي بِفِدْيَةٍ، مِنْ صِيَامِ، أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ نُسُكِ مَا تَسَّرَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، نُسب لجدّه،
أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت١٩٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٨/٦.
٣ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أَرْطبان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
فاضلٌ [٥] (ت١٥٠) على الصحيح (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٣.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: ((ادْنُهْ) فعل أمر من دنا يدنو دُنُوّاً، والهاء للسكت، كما قال في
(الخلاصة)»:
بِحَذْفِ آخِرٍ كَـ«أَعْطِ مَنْ سَأَلْ))
وَقِفْ بِهَا السَّكْتِ عَلَى الْفِعْلِ الْمُعَلْ

٣٥١
(١٠) - بَابُ جَوَازٍ حَلْقِ الرَّأْسِ لِلْمُحْرِمِ إِذَا كَانَ بِهِ أَذَّى، ... إلخ - حديث رقم (٢٨٧٩)
وَلَيْسَ حَتْماً فِي سِوَى مَا كَاع)) أَوْ كَـايَع)) مَجْزُوماً فَرَاعِ مَا رَاعَوْا
وقوله: ((أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟))) بتشديد الميم: جمع هامّة، وهي ما يدِبّ
من الأحشاش، وهو القمل هنا .
وقوله: (قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: وَأَظُنُّهُ قَالَ: نَعَمْ) الضمير في ((أظنّه))، وفي ((قال:
نعم)) لكعب بن عُجرة ◌َُّبه، وأشار ابن عون بذلك إلى أنه شكّ في هذا دون
ما قبله.
وقوله: (أَوْ نُسُكِ مَا تَيَسَّرَ) بجرّ نسك عطفاً على ((صيام))، وهو منوّن،
وليس مضافاً إلى ((ما تيسّر))، والمراد بما تيسّر هنا هي الشاة، كما في فُسّر في
الروايات الأخرى.
قال النوويّ تَخْلَثُ بعد إيراد روايات الباب: هذه روايات الباب، وكلها
متفقة في المعنى، ومقصودها أن من احتاج إلى حلق الرأس لضرر، من قمل،
أو مرض، أو نحوهما فله حلقه في الإحرام، وعليه الفدية، قال الله تعالى:
وَ كَانَ مِنكُمْ فَرِضًا أَوْ بِةٍ أَذَى مِّن رَّأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَاءٍ أَوْ صَدَقَّةٍ أَوْ شٍُ﴾، وبَيَّن
النبيّ وَّ أن الصيام ثلاثة أيام، والصدقة ثلاثة آصع لستة مساكين، لكل مسكين
نصف صاع، والنسك شاة، وهي شاة تجزئ في الأضحية، ثم إن الآية
الكريمة، والأحاديث متفقة على أنه مُخَيَّر بين هذه الأنواع الثلاثة، وهكذا
الحكم عند العلماء، أنه مخير بين الثلاثة، وأما قوله في رواية: ((هل عندك
نسك؟)) قال: ما أقدر عليه، فأمره أن يصوم ثلاثة أيام، فليس المراد به أن
الصوم لا يجزئ إلا لعادم الهدي، بل هو محمول على أنه سأل عن النسك،
فإن وجده أخبره بأنه مخير بينه وبين الصيام والإطعام، وإن عَدِمه فهو مخير بين
الصيام والإطعام.
قال: واتفق جماهير العلماء على القول بظاهر هذا الحديث، إلا ما حُكي
عن أبي حنيفة، والثوريّ أن نصف الصاع لكل مسكين إنما هو في الحنطة،
فأما التمر والشعير وغيرهما، فيجب صاع لكل مسكين، وهذا خلاف نصّه وَله
في هذا الحديث ثلاثة آصع من تمر.
وعن أحمد بن حنبل روايةٌ أنه لكل مسكين مُدّ من حنطة، أو نصف صاع
من غيره، وعن الحسن البصريّ، وبعض السلف أنه يجب إطعام عشرة

٣٥٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
مساكين، أو صوم عشرة أيام، وهذا ضعيفٌ، منابذٌ للسنة، مردودٌ. انتهى كلام
النوويّ ◌َخْلَمُهُ(١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذَتُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٨٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَيْفٌ، قَالَ:
سَمِعْتُ مُجَاهِداً، يَقُولُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمْنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، حَدَّثَنِي كَعْبُ بْنُ
عُجْرَةَ رَظُهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ وَقَفَ عَلَيْهِ، وَرَأْسُهُ يَتَهَافَتُ قَمْلاً، فَقَالَ: ((أَيُؤْذِيكَ
هَوَاقُّكَ؟)) قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَاحْلِقْ رَأْسَكَ))، قَالَ: فَفِيَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَ
كَانَ مِنكُمْ تَرِيضًا أَوْ بِةٍ أَذَى مِّن رَّأْسِهِ، فَفِدْيَّةٌ مِنِ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُكٍ﴾، فَقَالَ لِي
رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّام، أَوْ تَصَدَّقْ بِفَرَقٍ، بَيْنَ سِتَّةٍ مَسَاكِينَ، أَوْ اِنْسُْ
مَا تَيَسَّرَ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم في الباب
الماضي.
٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير، تقدّم أيضاً في الباب الماضي.
٣ - (سَيْفُ) بن سليمان، أو ابن أبي سليمان المخزوميّ المكيّ، ثقةٌ
ثبتٌ، رُمي بالقدر، سكن البصرة أخيراً [٦] مات بعد (١٥٠) (خ م د س ق)
تقدم في ((الصلاة)) ١٦ / ٩٠٦.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسلٌ بالتحديث والسماع من أوله
إلى آخره.
وقوله: (وَقَفَ عَلَيْهِ) أي: اطّلع على كعب
٠
وقوله: (يَتَهَافَتُ قَمْلاً) أي: يتساقط، و((قَمْلاً)) تمييز محوّلٌ عن الفاعل،
والأصل يتهافت قمل رأسه.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٢١/٨.

٣٥٣
(١٠) - بَابُ جَوَازٍ حَلْقِ الرَّأْسِ لِلْمُحْرِمِ إِذَا كَانَ بِهِ أَذِّى، ... إلخ - حديث رقم (٢٨٨١)
قال الفيّوميّ تَخْلُ: هَفَتَ الشيءُ يَهْفِتُ، من باب ضرب: خَفّ، وتطاير،
وتهافت الْفَرَاشُ في النار من ذلك: إذا تطاير، وتهافت الناس على الماء: إذا
ازدحموا، قال ابن فارس: التهافتُ: التساقطُ شيئاً بعد شيء، وقال الجوهريّ:
التهافتُ: التساقط قطعةً قطعةً. انتهى(١).
وقوله: (بِفَرَقٍ) بفتح الفاء والراء، وقد تسكن، قاله ابن فارس، وقال
الأزهريّ: كلام العرب بالفتح، والمحدِّثون قد يسكنونه، وآخره قاف: مكيال
معروف بالمدينة، وهو ستة عشر رطلاً، ووقع في رواية ابن عيينة، عن ابن أبي
نَجِيح، عند أحمد وغيره: ((الفرق ثلاثة آصع))، وفي الرواية الآتية بعد حديث
من طريق أبي قلابة، عن ابن أبي ليلى: ((أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة
مساكين))، وإذا ثبت أن الفَرَق ثلاثة آصع، اقتضى أن الصاع خمسة أرطال
وثلث، خلافاً لمن قال: إن الصاع ثمانية أرطال، أفاده في ((الفتح))(٢).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٨١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن ابْنِ أَبِي
نَجِيح، وَأَيُّوبَ، وَحُمَيْدٍ، وَعَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَن ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ
كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ ◌َُ: أَنَّ النَِّيَّ ◌َّهِ مَرَّ بِهِ، وَهُوَ بِالْحُدَيْبِيَةِ، قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ،
وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَهُوَ يُوقِدُ تَحْتَ قِدْرٍ، وَالْقَمْلُ يَتَهَافَتُ عَلَى وَجْهِهِ، فَقَالَ: ((أَيُؤْذِيَكَ
هَوَامُّكَ هَذِهِ؟)) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَاحْلِقْ رَأْسَكَ، وَأَطْعِمْ فَرَقاً بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ -
وَالْفَرَقُ ثَلَاثَةُ آصُعِ - أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ انْسُْكَ نَسِيكَةً))، قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ:
(أَوْ اذْبَحْ شَاةً)).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ) بن أبي يحيى العدنيّ، ثم المكيّ، تقدّم في
الباب الماضي.
(١) (المصباح المنير)) ٦٣٨/٢ - ٦٣٩.
(٢) ((الفتح)) ٧٠/٥.

٣٥٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم أيضاً في الباب الماضي.
٣ - (ابْنُ أَبِي نَجِيح) هو: عبد الله بن أبي نَجِيح يسار الثقفيّ مولاهم،
أبو يسار المكيّ، ثقةٌ رُمِّي بالقدر، وربّما دلّس [٦] (ت١٣١) أو بعدها (ع)
تقدم في ((الجنائز)) ٢١٣٤/٦.
٤ - (وَحُمَيْدُ) بن قيس الأعرج القارئ الأسديّ مولاهم، وقيل: مولى
عفراء، أبو صفوان المكيّ، ليس به بأس [٦].
رَوَى عن مجاهد، ومحمد بن إبراهيم التيميّ، وعمرو بن شعيب،
والزهريّ، ومحمد بن المنكدر، وصفية بنت أبي عبيد، وغيرهم.
ورَوَى عنه السفيانان، ومالك، وأبو حنيفة، ومعمر، وجعفر الصادق،
وجعفر بن سليمان الضُّبَعيّ، وجماعة.
قال ابن سعد: كان ثقةً، كثير الحديث، وكان قارئ أهل مكة، وقال أبو
طالب: سألت أحمد عنه، فقال: هو ثقة، هو أخو سندل، وقال عبد الله بن
أحمد، عن أبيه: ليس هو بالقويّ في الحديث، وقال المفضل الغلابيّ، عن
ابن معين: ثَبْتٌ، روى عنه مالك، وأخوه سندل ليس بثقة، وقال الدُّوريّ
وغيره، عن ابن معين: حميد بن قيس الأعرج ثقة، وحميد الذي رَوَى عنه
خلف بن خليفة ليس بشيء، وقال أبو زرعة: حميد الأعرج ثقةٌ، وقال أبو
حاتم: مكيّ ليس به بأس، وابن أبي نجيح أحبّ إلي منه، وقال أبو زرعة
الدمشقيّ: حميد بن قيس من الثقات، وقال أبو داود: ثقةٌ، وقال النسائيّ:
ليس به بأسٌ، وقال ابن خِرَاش: ثقةٌ صدوقٌ، وقال العجليّ: مكيّ ثقةٌ، وقال
الترمذيّ في ((العلل الكبير)): قال البخاريّ: هو ثقةٌ، وكذا قال يعقوب بن
سفيان، وقال ابن عديّ: لا بأس بحديثه، وإنما يؤتى مما يقع في حديثه من
الإنكار من جهة من يروي عنه.
قال ابن حبان: مات سنة (١٣٠)، وقال ابن سعد: توفي في خلافة أبي
العباس.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (١٢٠١)
و(١٥٣٦): ((نهى النبيّ ◌َّ﴿ عن بيع السنين))، و(١٥٥٤): ((أمر بوضع
الجوائح)).

٣٥٥
(١٠) - بَابُ جَوَازٍ حَلْقِ الرَّأْسِ لِلْمُحْرِمِ إِذَا كَانَ بِهِ أَذَّى، ... إلخ - حديث رقم (٢٨٨١)
٥ - (عَبْدِ الْكَرِيم) بن مالك الْجَزَريّ الأمويّ مولاهم، أبو سعيد
الْخِضْرميّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [٥] (ت١٢٧) (ع) تقدم في ((الصيام)) ٢٦٠٩/١٥.
والباقون ذُكروا في الباب، و((أيوب)) هو: السختيانيّ.
وقوله: (وَأَطْعِمْ فَرَقاً بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ) أي: مقسومة على ستة مساكين.
وقوله: (وَالْفَرَقُ ثَلَاثَةُ آصُع) قال النوويّ نَّثُ: ((الآصع)): جمع صاع، وفي
الصاع لغتان: التذكير والتأنيث،ً وهو مكيال يسع خمسة أرطال وثلثاً بالبغداديّ،
هذا مذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، وجماهير العلماء، وقال أبو حنيفة: يسع
ثمانية أرطال، وأجمعوا على أن الصاع أربعة أمداد.
قال: وهذا الذي قدّمناه من أن الآصع جمع صاع صحيح، وقد ثبت
استعمال الآصع في هذا الحديث الصحيح، من كلام رسول الله صلحر، وكذلك
هو مشهور في كلام الصحابة، والعلماء بعدهم، وفي كتب اللغة، وكتب النحو
والتصريف، ولا خلاف في جوازه وصحته.
وأما ما ذكره ابن مكيّ في كتابه ((تثقيف اللسان)): أن قولهم في جمع
الصاع: آصع لحنٌّ من خطأ العوامّ، وأن صوابه أَصْوُعٌ فغلط منه، وذُهُول
وعجبٌ قوله هذا مع اشتهار اللفظة في كتب الحديث واللغة والعربية، وأجمعوا
على صحتها، وهو من باب المقلوب، قالوا: فيجوز في جمع صاع آصُعٌ، وفي
دار آدُرٌ، وهو باب معروف في كتب العربية؛ لأن فاء الكلمة في آصع صاد،
وعينها واوٌ، فقُلِبت الواو همزة، ونقلت إلى موضع الفاء، ثم قُلِبت الهمزة ألفاً
حين اجتمعت هي وهمزة الجمع، فصار آصُعاً، ووزنه عندهم أَعْفُل، وكذلك
القول في آدر ونحوه. انتهى(١).
وقوله: (أَوْ انْسُْ نَسِيكَةً) وفي رواية: ((ما تَيَسَّر))، وفي رواية: شاةً،
والجميع بمعنى واحد، وهو شاةٌ، وشرطها أن تجزئ في الأضحية، ويقال
للشاة وغيرها مما يجزئ في الأضحية: نَسِيكة، ويقال: نِسَكَ يَنْسِك: بضم
السين وكسرها في المضارع، والضم أشهر.
وقوله: (قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ: أَوْ اذْبَحْ شَاةً) أشار به إلى الاختلاف الواقع
(١) (شرح النوويّ)) ١٢٢/٨.

٣٥٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
بين شيوخ ابن عيينة الأربعة، فقد اتّفق الثلاثة: أيوب السختيانيّ، وحُميد بن
قيس، وعبد الكريم الجزريّ، على: ((أو انسك نسيكة))، وخالفهم ابن أبي
نجيح، فقال: ((أو اذبح شاةً))، والمعنى واحد.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٨٨٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ
خَالِدٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ رَ﴿ته:
أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ مَرَّ بِهِ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَقَالَ لَهُ: ((آَذَاكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟)) قَالَ:
نَعَمْ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ وَّهِ: ((احْلِقْ رَأْسَكَ، ثُمَّ اذْبَحْ شَاةً نُسُكاً، أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ،
أَوْ أَطْعِمْ ثَلَاثَةَ آصُع مِنْ تَمْرٍ، عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرحمن بن يزيد الطحّان المزنيّ مولاهم
الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٧٨/ ٤٠٧.
٢ - (خَالِدُ) بن مِهْران الْحَذّاء، أبو الْمَنَازل البصريّ، ثقةٌ يرسل، تغيّر
حفظه لَمّا قَدِمَ من الشام [٥] (ت١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٤/١٠.
٣ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد بن عمرو، أو عامر الْجَرْميّ البصريّ، ثقةٌ
فاضلٌ، كثير الإرسال، فيه نَصْبٌ يسير [٣] (ت١٠٤) أو بعدها (ع) تقدم في
((الإيمان)» ١٧٣/١٧.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٨٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ

٣٥٧
(١٠) - بَابُ جَوَازٍ حَلْقِ الرَّأْسِ لِلْمُحْرِمِ إِذَا كَانَ بِهِ أَذَّى، ... إلخ - حديث رقم (٢٨٨٣)
عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْقِلٍ، قَالَ: فَعَدْتُ إِلَى كَعْبٍ ◌َُه، وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ
هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿فَفِدَيَّةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَّةٍ أَوْ ثٍُ﴾، فَقَالَ كَعْبٌ تَظُهُ: نَزَلَتْ فِيَّ،
كَانَ بِي أَذَّى مِنْ رَأْسِي، فَحُمِلْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ، وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي،
فَقَالَ: «مَا كُنْتُ أُرَى أَنَّ الْجَهْدَ بَلَغَ مِنْكَ (١) مَا أَرَى، أَتَجِدُ شَاةً؟)) فَقُلْتُ: لَا،
فَزَّلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَفِدْيَّةٌ مِنْ صِيَاءٍ أَوْ صَدَقَّةٍ أَوْ شُكٍ﴾، قَالَ: ((صَوْمُ ثَلَاثَةٍ أَيَّام، أَوْ
إِطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، نِصْفَ صَاعٍ طَعَاماً، لِكُلِّ مِسْكِينٍ))، قَالَ: فَنَزَلَتْ فِيَّ خَاَّصَّةً،
وَهِيَ لَكُمْ عَامَّةً).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ الْأَصْبَهَانِيِّ) هو: عبد الرحمن بن عبد الله بن
الأصبهانيّ الجهنيّ، ويقال الجدليّ، كان يتّجر إلى أصبهان الكوفيّ، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن أنس، وأبي حازم الأشجعيّ، وعكرمة، وزيد بن وهب، وأبي
صالح السمّان، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والشعبيّ، وعبد الله بن مَعْقل بن
مُقَرِّن، وغيرهم.
وروى عنه ابن أخيه محمد بن سليمان، وإسماعيل بن أبي خالد، وهو
من أقرانه، وابن إسحاق، وشعبة، والثوريّ، وشريك، وأبو عوانة، وابن
عيينة، وجماعة.
قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: لا بأس به،
صالح الحديث، وقال العجليّ: ثقةٌ، وقال البخاريّ في ((التاريخ الكبير)): أصله
من أصبهان حين افتتحها أبو موسى، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال:
مات في إمارة خالد القَسْريّ على العراق.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط هذا برقم (١٢٠١)
وأعاده بعده، وحديث (٢٦٣٤): ((ما منكن من امرأة تُقدّم بين يديها من ولدها
ثلاثةً ... )).
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَعْقِلٍ) - بفتح أوله، وسكون المهملة، بعدها قاف - ابن
(١) وفي نسخة: ((بلغ بك)).

٣٥٨
البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
مُقَرِّن المزنيّ، أبو الوليد الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٣] (ت ٨٨) (ع) تقدم في
((الزكاة)» ٢٣٤٧/٢٠.
والباقون ذُكروا في الباب والذي قبله.
وقوله: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيّ) قال في ((الفتح)): ولشعبة في
هذا الحديث إسناد آخر، أخرجه الطبرانيّ، من طريق حفص بن عُمر، عنه، عن
أبي بِشْر، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن كعب ◌َّ ◌ُبه.
وقوله: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْقِلٍ) في رواية أحمد: سمعت عبد الله بن
معقل، أخرجه عن عفان، وعن بهز، فَرّقَهما عن شعبة، حدّثنا عبد الرحمن،
وهو بفتح الميم، وسكون المهملة، وكسر القاف، هو ابن مُقَرِّن بالقاف، وزن
محمد، لكن بكسر الراء، لأبيه صحبة، وهو من ثقات التابعين بالكوفة، وليس
له في البخاريّ سوى هذا الحديث، وأخر عن عديّ بن حاتم، وله عند مسلم
ثلاثة أحاديث، حديث كعب هذا، وحديث عديّ بن حاتم: ((من استطاع منكم
أن يستتر من النار، ولو بشقّ تمرة ... ))، وحديث الضحاك بن ثابت في
المزارعة، مات سنة ثمان وثمانين من الهجرة.
[تنبيه]: عبد الله بن مَعْقِل هذا يلتبس بعبد الله بن مُغَفَّل بالغين المعجمة،
وزن محمد، ويجتمعان في أن كلّاً منهما مُزَنيّ، لكن يفترقان بأن الراوي عن
كعب تابعيّ، والآخر صحابيّ، وفي التابعين من اتفق مع الراوي عن كعب في
اسمه واسم أبيه ثلاثة: أحدهم يروي عن عائشة ﴿يا، وهو محاربيّ، والآخر
يروي عن أنس رُه في المسح على العمامة، وحديثه عند أبي داود، والثالث
أصغر منهما، أخرج له ابن ماجه، قاله في ((الفتح))(١).
وقوله: (قَعَدْتُ إِلَى كَعْبٍ رَُّه) ولفظ البخاريّ: ((جلست إلى کعب بن
عجرة)) .
وقوله: (وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ) ولأحمد عن بهز: ((قعدت إلى كعب بن عجرة
في هذا المسجد))، وزاد في رواية سليمان بن قَرْم، عن ابن الأصبهانيّ: ((يعني
مسجد الكوفة)).
(١) ((الفتح)) ٧١/٥.

٣٥٩
(١٠) - بَابُ جَوَازِ حَلْقِ الرَّأْسِ لِلْمُحْرِمِ إِذَا كَانَ بِهِ أَذِّى، ... إلخ - حديث رقم (٢٨٨٣)
وفيه الجلوس في المسجد، ومذاكرة العلم، والاعتناء بسبب النزول؛ لما
يترتب عليه من معرفة الحكم، وتفسير القرآن.
وقوله: (مَا كُنْتُ أُرَى أَنَّ الْجَهْدَ بَلَغَ مِنْكَ (١) مَا أَرَى) ((أُرَى)) الأولى بضم
الهمزة؛ أي: أظنّ، و((أَرَى)) الثانية بفتح الهمزة من الرؤية، والجهد بالفتح:
المشقة، قال النوويّ: والضم لغة في المشقة أيضاً، وكذا حكاه عياض عن ابن
دُريد، وقال صاحب ((العين)): بالضم الطاقة، وبالفتح المشقة، فيتعين الفتح هنا
بخلاف لفظ الجهد الماضي في حديث بدء الوحي، حيث قال: ((حتى بلغ مني
الجهد))، فإنه محتمل للمعنيين.
وفي رواية البخاريّ: ((ما كنت أُرى الوجع بلغ بك ما أَرى، أو ما كنت
أرى الجهد بلغ بك))، وهو شكّ من الراوي، هل قال: الوجع، أو الجهد،
وفي رواية المستملي والحمويّ: ((يبلغ بك)).
وقوله: (نِصْفَ صَاعِ طَعَاماً، لِكُلِّ مِسْكِينٍ) وللبخاريّ: ((لكل مسكين
نصف صاع))، كررها مرتيِّن، وللطبرانيّ: ((لكل مسكين نصف صاع تمر))،
ولأحمد: ((نصف صاع طعام))، وفي رواية: ((نصف صاع حنطة))، ورواية
الحكم عن ابن أبي ليلى تقتضي أنه نصف صاع من زبيب، فإنه قال: ((يطعم
فرقاً من زبيب بين ستة مساكين)). قال ابن حزم: لا بُدّ من ترجيح إحدى هذه
الروايات؛ لأنها قصة واحدة في مقام واحد في حق رجل واحد، وقد تقدّم
وجه التوفيق، وبالله تعالى الوفيق.
وقوله: (قَالَ: فَنَزَلَتْ فِيَّ خَاصَّةً، وَهِيَ لَكُمْ عَامَّةً) أشار كعب بن
عُجرة ظُّه بهذا إلى القاعدة المشهورة، وهي أن العبرة بعموم اللفظ، لا
بخصوص السبب، فإن الآية تنزل بسبب قضيّة شخص واحد، أو أشخاص
معيَّنين، فيكون حكمها عامّاً لجميع الأمة.
والحديث متفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) وفي نسخة: ((بلغ بك)).

٣٦٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخّْثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٨٨٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرِ،
عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ الْأَصْبَهَانِيِّ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ
مَعْقِلِ، حَدَّثَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ رَبِهِ: أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ نَّهِ مُحْرِماً، فَقَمِلَ رَأْسُهُ
وَلِحْيَتُهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ وَّهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَدَعَا الْحَلَّاقَ، فَحَلَقَ رَأْسَهُ، ثُمَّ قَالَ
لَهُ: ((هَلْ عِنْدَكَ نُسُك؟)) قَالَ: مَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ يُطْعِمَ
سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينَيْنِ صَاعٌ، فَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِ خَاصَّةً: ﴿فَنْ كَانَ مِنَّكُمْ فَرِيضًا أَوْ
بِةٍ أَذَّى مِّن رَأْسِهِ﴾، ثُمَّ كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ) خالد، ويقال: هُبيرة بن ميمون بن فَيْرُوز
الْهَمْدانيّ الوَادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ، يدلّس [٦] (ت٧ أو ٨ أو ١٤٩)
(ع) تقدم في ((الإيمان)» ٤٤٩/٨٣.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ نَّهِ مُحْرِماً) أي: بالعمرة زمن الحديبية.
وقوله: (فَقَمِلَ رَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ) تقدّم أنه من باب تَعِب؛ أي: كثُر قملهما.
وقوله: (هَلْ عِنْدَكَ نُسُك؟) أي: شاة تذبحها فدية للأذى.
وقوله: (لِكُلِّ مِسْكِينَيْنِ صَاعٌ) بصيغة التثنية، وقد تقدّم أنه تصحّف في
بعض النسخ إلى: لكلّ مسكين بالإفراد، وهو غلط.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وَإِنْ أُرِيِّدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .