Indexed OCR Text

Pages 301-320

(٩) - بَابُ بَيَانِ مَا يُؤْمَرُ بِقَتْلِهِ مِنَ الدَّوَابُّ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ - حديث رقم (٢٨٦١)
٣٠١
القول: ما كان بالكوفة أفحش ردّاً للآثار من إبراهيم النخعيّ؛ لقلة ما سمع
منها، ولا أحسن اتباعاً لها من الشعبيّ؛ لكثرة ما سمع.
ونقل ابن شاس عن المالكية خلافاً في جواز قتل الصغير منها الذي لا
يتمكن من الأذى. والفأر أنواع: منها الْجُرَد - بالجيم، بوزن عُمَر، والْخُلْد -
بضم المعجمة، وسكون اللام -. وفأرة الإبل، وفأرة السمك، وفأرة الغيط،
وحكمها في تحريم الأكل، وجواز القتل سواء.
وقد وقع عند النسائيّ إطلاق اسم الفويسقة عليها، ووقع في حديث أبي
سعيد عند ابن ماجه: قيل له: لم قيل للفأرة فويسقة؟ فقال: لأن النبيّ وَله
استيقظ لها، وقد أخذت الفتيلة لتحرق بها البيت، وقيل: إنما سميت بذلك
لأنها قطعت حبال سفينة نوح عليّا، والله تعالى أعلم.
(وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ))) الكلب معروف، والأنثى كلبة، والجمع أكلُب،
وكلاب، وكَلِيب ـ بالفتح، كأعبُد، وعِباد، وعَبيد، وفي الكلب بهيمية،
وسبعية، وفيه منافع للحراسة، والصيد كما سيأتي في بابه - إن شاء الله تعالى -.
وفيه من اقتفاء الأثر، وشمّ الرائحة، وخفّة النوم، والتودّد، وقبول التعليم
ما ليس لغيره، وقيل: إن أول من اتخذه للحراسة نوح ظَلا.
و((العقور)) - بفتح العين - مبالغة عاقر، وهو الجارح المفترس.
وقال القرطبيّ كَّثُ: و((العَقور)) هو الذي يَعقِر كثيراً؛ أي: يَجرح، يقال:
سَرْجٌ مِعْقَرٌ: إذا كان يجرح الدابة، قال الشاعر [من الكامل]:
فَلَثَمْتُهَا فَتَنَفَّسَتْ كَتَنَفُّسِ الظَّبْي الْعَقِيرِ
أي: المجروح، وقيل: الدّهِشِ. انتهى(١).
وقد سبق البحث في نجاسة الكلب، وعدمه مستَوفَى في ((كتاب الطهارة))،
فراجعه تستفد.
(قَالَ) عبيد الله بن مِقْسَم (فَقُلْتُ لِلْقَاسِمِ) بن محمد (أَفَرَأَيْتَ) أي: أخبرني
(الْحَيَّةَ؟) أي: أتقتل أم لا؟
و((الحيّة) هو الجنس المعروف، وهي الأفعى(٢)، وتطلق الحية على الذكر
(١) ((المفهم)) ٢٨٦/٣.
(٢) قاله في ((المصباح)) ١٦١/١.

٣٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
والأنثى، فيقال: هو الحيّة، وهي الحيّة، وإنما دخلته الهاء؛ لأنه واحد من
جنس؛ كبّة، ودجاجة، على أنه قد رُوي عن العرب: رأيت حيّاً على حيّة؛
أي: ذكراً على أنثى، واشتقاقها من الحياة في قول بعضهم، ولهذا قالوا في
النسبة إليها: حيويّ، ولو كان من الواوي لقالوا: حوويّ، والحيّوت بتشديد
الياء ذكر الحيّات، وأنشد الأصمعيّ:
وَيَأْكُلُ الْحَيَّةَ وَالْحَيُّونَا
(قَالَ) القاسم (تُقْتَلُ بِصُغْرٍ لَهَا) بضمّ الصاد، وسكون الغين؛ أي: بمذلّة،
وإهانة وقهر لها، كما قال تعالى: ﴿وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة حقّا هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٢٨٦١/٩ و٢٨٦٢ و٢٨٦٣ و٢٨٦٤ و٢٨٦٥
و٢٨٦٦ و٢٨٦٧] (١١٩٨)، و(البخاريّ) في ((جزاء الصيد)) (١٨٢٩)، و((بدء
الخلق)) (٣٣١٤)، و(الترمذيّ) في ((الحجّ)) (٨٣٧)، و(النسائيّ) في ((المناسك))
(٢٠٨/٥ و٢١٠) و((الكبرى)) (٣٨٦/٢ و٣٨٨)، و(ابن ماجه) في ((المناسك))
(٣٠٨٧)، و(مالك) في ((الموطًا)) (٣٥٧/١)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده))
(١٥٢١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٨٣٧٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٣/٦
و٨٧ و١٢٢ و١٥٩ و١٦٤ و٢٦١)، و(إسحاق ابن راهويه) في ((مسنده)) (٢/
٥١٥)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٦/٢ - ٣٧)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢/
٤١٠ - ٤١١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٨٦/٣ - ٢٨٧)، و(ابن خزيمة)
في (صحيحه)) (١٩١/٤)، و(ابن حبّان) (٤٤٨/١٢ - ٤٤٩)، و(الطبرانيّ) في
((الأوسط)) (٢١٦/١)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١٦٦/٢)،
و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٢٣١/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٠٩/٥ و٩/
٣١٦)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٩٩١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في المراد بالكلب العقور هنا :

٣٠٣
(٩) - بَابُ بَيّانِ مَا يُؤْمَرُ بِقَتْلِهِ مِنَ الذَّوَابِّ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ - حديث رقم (٢٨٦١)
(اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك، وهل لوصفه بكونه عقوراً مفهوم، أم لا؟
فروى سعيد بن منصور بإسناد حسن، عن أبي هريرة رضيُبه، قال: الكلب
العقور: الأسد. وعن سفيان، عن زيد بن أسلم أنهم سألوه عن الكلب العقور؟
فقال: وأيّ كلب أعقر من الحيّة؟ وقال زفر: المراد بالكلب العقور هنا: الذئب
خاصّة، وقال مالك في ((الموطأ)): كل ما عَقَر الناس، وعدا عليهم، وأخافهم،
مثل الأسد، والنمر، والفهد، والذئب، هو العقور. وكذا نقل أبو عبيد عن
سفیان، وهو قول الجمهور.
وقال أبو حنيفة: المراد بالكلب هنا الكلب خاصّة، ولا يلتحق به في هذا
الحكم سوى الذئب.
واحتجّ أبو عبيد للجمهور بقوله وله: ((اللَّهم سلّط عليه كلباً من كلابك))،
فقتله الأسد، وهو حديث حسن، أخرجه الحاكم، من طريق أبي نوفل بن أبي
عقرب، عن أبيه.
واحتجّ أيضاً بقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِجِ مُكَلِِّينَ﴾ الآية [المائدة:
٤]، فاشتقّها من اسم الكلب، فلهذا قيل لكلّ جارح: عقور.
واحتَجّ الطحاويّ للحنفية بأن العلماء اتفقوا على تحريم قتل البازي،
والصقر، وهما من سباع الطير، فدلّ ذلك على اختصاص التحريم بالغراب،
والحدأة، وكذلك يختصّ التحريم بالكلب، وما شاركه في صفته، وهو الذئب.
وتُعُقّب بردّ الاتفاق، فإن مخالفيهم أجازوا قتل كلّ ما عدا، وافترس،
فيدخل فيه الصقر، وغيره، بل معظمهم قال: ويلتحق بالخمس كل ما نُهِي عن
أكله، إلا ما نُهي عن قتله.
واختُلِف في غير العقور، مما لم يؤمر باقتنائه، فصرّح بتحريم قتله
القاضيان: حسين، والماوَرْدِيُّ، وغيرهما، ووقع في ((الأم)) للشافعيّ الجواز.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله الإمام مالك ◌َّتُهُ،
وذهب إليه الجمهور من تفسير الكلب بكل ما عقر الناس ... إلخ هو الأرجح؛
لقوّة حجته؛ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): اتفق العلماء على جواز قتل هذه الخمسة المذكورة في
هذا الحديث في الحلّ والحرم للمحرم، وغيره، إلا ما شذّ مما سنحكيه.

٣٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
واختلفوا في المعنى في ذلك على مذاهب:
(الأول مذهب الشافعية، والحنابلة): قالوا: المعنى كونهنّ مما لا يؤكل،
ولا يُنتفع به، فكلّ ما لا يؤكل، ولا هو متولّد من مأكول وغيره، ولا منفعة
فيه، فقتله جائز للمحرم، ولا فدية فيه.
وعبارة الشافعيّ في ذلك - كما حكاه البيهقيّ - في ((المعرفة)): فكلّ ما
جَمَعَ من الوحش أن يكون غير مباح اللحم في الإحلال، وأن يكون يضرّ قَتَلَه
المحرم؛ لأن النبيّ وَلّ إذا أمر أن تقتل الفأرة، والغراب، والحدأة، مع ضعف
ضرّهما إذا كانت مما لا يؤكل لحمه كان ما جمع أن لا يؤكل لحمه، وضرّه
أكثر من ضرّها أولى أن يكون قتله مباحاً. انتهى.
وقال أصحابه: هذا الضرب ثلاثة أقسام:
(أحدها): ما يستحبّ قتله للمحرم وغيره، وهي المؤذية؛ كالحيّة،
والفأرة، والعقرب، والخنزير، والكلب العقور، والغراب، والحدأة، والذئب،
والأسد، والنمر، والدبّ، والنسر، والعقاب، والبرغوث، والبقّ، والزنبور،
والقراد، والحلمة، والقرقس، وأشباهها.
(القسم الثاني): ما فيه نفع، ومضرّة؛ كالفهد، والعقاب، والبازي،
والصقر، ونحوها، فلا يستحبّ قتله؛ لما فيه من المنفعة، وهو أنه يُعَلَّمُ
الاصطياد، ولا يكره؛ لما فيه من المضرّة، وهو أنه يعدو على الناس،
والبهائم.
(القسم الثالث): ما لا يظهر فيه نفع، ولا ضرر؛ كالخنافس، والجعلان،
والدود، والسرطان، والبغاثة، والرخمة، والذباب، وأشباهها، فيكره قتلها،
ولا يحرم كما قاله جمهورهم، وحَكَى إمام الحرمين وجهاً أنه يحرم قتل
الطيور، دون الحشرات، وحَكَى ابن عبد البرّ: هذا التقسيم عن الشافعيّ نفسه
من رواية الحسن بن محمد الزعفرانيّ عنه.
وكلام الحنابلة في ذلك مثل كلام الشافعية، قال الشيخ مجد الدين ابن
تيمية في ((المحرّر)): ولا يضمن بالإحرام ما لا يؤكل لحمه، لكن يكره له قتله
إذا لم يكن مؤذياً، وجوّز الشيخ موفق الدين ابن قدامة في ((المغني)) في قول
الخرقيّ في ((مختصره)): ((وكلّ ما عدا عليه، أو آذاه)) وجهين:

(٩) - بَابُ بَيَانِ مَا يُؤْمَرُ بِقَتْلِهِ مِنَ الدَّوَابِّ فِي الْحِلُّ وَالْحَرَمِ - حديث رقم (٢٨٦١)
٣٠٥
(أحدهما): أنه أراد ما بدأ المحرمَ، فعدا عليه في نفسه، أو ماله.
(والثاني): أنه أراد ما طبعه الأذى، والعدوان، وإن لم يوجد منه أذى
في الحال، وكلام ابن حزم الظاهريّ يوافق ذلك أيضاً، وإن كان لا ينظر إلى
المعنى، ولا يُعدّي بالقياس، لكنه اعتمد أن التحريم إنما ورد في الصيد، فلا
يتعدى ذلك لغيره، وأجاب عن الاقتصار على هذه الخمس بما سيأتي ذكره
بعدُ.
ونقل الشيخ تقيّ الدين في ((شرح العمدة)) كون المعنى عند الشافعيّ منع
الأكل بواسطة بعض الشارحين، وأراد به النوويّ، ثم قال: وهذا عندي فيه
نظر، فإن جواز القتل غير جواز الاصطياد، وإنما يرى الشافعيّ جواز
الاصطياد، وعدم وجوب الجزاء بالقتل لغير المأكول، وأما جواز الإقدام على
قتل ما لا يؤكل، مِمَّا ليس فيه ضرر، فغير هذا. انتهى.
قال وليّ الدين: وفيه نظر، فقد حَكَى الربيع عن الشافعيّ أنه قال: لا
شيء على المحرم في قتله من الطير كلّ ما لا يحلّ أكله، قال: وله أن يقتل
من داوبّ الأرض، وهوامها كل ما لا يحلّ أكله. انتهى، فصرّح بأن له قتل ما
لا يحلّ أكله من الطير، والهوامّ.
(الثاني مذهب المالكية): قالوا: المعنى في ذلك كونهنّ مؤذيات، فيلتحق
بالمذکورات کلّ مؤذٍ.
قال ابن شاس في ((الجواهر)) - بعد أن قرر تحريم صيد المأكول وغيره -:
ولا يُستَثْنَى من ذلك إلا ما تناوله الحديث، وهو هذه الخمس، قال: والمشهور
أن الغراب، والحدأة يقتلان، وإن لم يبتدئا بالأذى، وروى أشهب المنع من
ذلك، وقاله ابن القاسم، قال: إلا أن يؤذي، فيقتل إلا أنه إن قتلهما من غير
أذى، فلا شيء عليه.
وقال أشهب: إن قتلهما من غير ضرر وداهما، واختُلِف أيضاً في قتل
صغارهما ابتداء، وفي وجوب الجزاء بقتلهما، وأما غيرهما من الطير، فإن لم
يؤذ فلا يقتل، فإن قتل ففيه الجزاء، وإن آذى فهل يقتل أم لا؟ قولان، وإذا
قلنا: لا يقتل، فقتل، فقولان أيضاً: المشهور نفي وجوب الجزاء. وقال
أشهب: عليه في الطير الفدية، وإن ابتدأت بالضرر، وقال أصبغ: من عدا عليه

٣٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
شيء من سباع الطير، فقتله وداه بشاة، قال ابن حبيب: وهذا من أصبغ غلط،
وحمل بعض المتأخرين قول أصبغ هذا على أنه كان قادراً على الدفع بغير
القتل، فأما لو تعيّن القتل في الدفع لا يختلف فيه.
وأما العقرب، والحيّة، والفأرة، فيقتلن حتى الصغير، وما لم يؤذ منها
لأنه لا يؤمن منها الأذى، إلا أن تكون من الصغر بحيث لا يمكن منها الأذى،
فيختلف في حكمها، وهل يلحق صغير غيرها من الحيوان المباح القتل لأذية
بصغارها في جواز القتل ابتداء؟ فيه خلاف، والمشهور من المذهب أن المراد
من الكلب العقور الكلب الوحشيّ، فيدخل فيه الأسد، والنمر، وما في
معناهما، وقيل: المراد الكلب الإنسيّ المتخذ، وعلى المشهور يقتل صغير
هذه، وما لم يؤذ من کبیرها. انتهى كلامه.
وذكر الشيخ تقيّ الدين أن المشهور عند المالكيّة قتل صغار الغراب،
والحدأة، وشنّع عليهم ابن حزم الظاهريّ في تفرقتهم بين صغار الغربان،
والحديا، وبين صغار السباع، والحيّات، وبين سباع الطير، وبين سباع ذوات
الأربع، وقال: هلّ قاسوا سباع الطير على الحدأة، كما قاسوا سباع ذوات
الأربع على الكلب العقور؟
وقوّى الشيخ تقيّ الدين في ((شرح العمدة)) التعليل بالأذى على التعليل
بحرمة الأكل، فقال: (واعلم): أن التعدية بمعنى الأذى إلى كلّ مؤذ قويّ
بالإضافة إلى تصرّف القياسيين، فإنه ظاهر من جهة الإيماء بالتعليل بالفسق،
وهو الخروج عن الحدّ، وأما التعليل بحرمة الأكل، ففيه إبطال ما دلّ عليه
إيماء النصّ، من التعليل بالفسق؛ لأن مقتضى العلة أن يتقيّد الحكم بها وجوداً
وعدماً، فإن لم يتقيّد وثبت الحكم عند عدمها بطل تأثيرها بخصوصها، وهو
خلاف ما دلّ عليه ظاهر النصّ من التعليل بها. انتهى.
(الثالث مذهب الحنفية): اقتصروا على الخمس المذكورة في هذا
الحديث إلا أنهم ضمّوا إليها الحية أيضاً، وهي منصوصة، كما تقدم، وضموا
إليها الذئب أيضاً، قال صاحب ((الهداية)) منهم: وقد ذُكر الذئب في بعض
الروايات. وقيل: المراد بالكلب العقور: الذئب، ويقال: إن الذئب في معناه.
انتهى، وعلى هذا الأخير، فيقال: لم اقتصر في الإلحاق على الذئب، ولم لا

٣٠٧
(٩) - بَابُ بَيَانِ مَا يُؤْمَرُ بِقَتْلِهِ مِنَ الدَّوَابُّ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ - حديث رقم (٢٨٦١)
ألحق بالكلب العقور كل ما هو في معناه من نمر، وخنزير، ودبّ، وقرد،
وغيرها؟
وذِكْر الذئب ذكره ابن عبد البرّ من طريق إسماعيل القاضي، حدثنا نصر بن
عليّ، أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا الحجاج، عن وَبَرة، قال: سمعت ابن
عمر يقول: ((أمر رسول الله وَلقه بقتل الذئب ... )) الحديث. قال القاضي
إسماعيل: فإن كان محفوظاً، فإن ابن عمر جعل الذئب في هذا الموضع كلباً
عقوراً؛ أي: لذكره بدله، قال: وهذا غير ممتنع في اللغة، والمعنى.
ورواه البيهقيّ من رواية مالك بن يحيى، عن يزيد بن هارون، وفيه: قال
يزيد بن هارون: يعني المحرم. ثم قال البيهقيّ: الحجاج بن أرطاة لا يحتجّ
به، وقد رويناه من حديث ابن المسيب مرسلاً جيداً، ثم رواه كذلك. وقال ابن
عبد البرّ: وقول الأوزاعيّ، والثوريّ، والحسن بن حيّ نحو قول أبي حنيفة.
انتھی.
ومحلّ المنع عند الحنفية فيما عدا الخمس، والذئب إذا لم تبدأه السباع،
فإن بدأته، فقتلها دفعاً، فلا شيء عليه عندهم، إلا زفر، فإنه قال: يلزمه دم،
وذكر الشيخ ابن دقيق العيد في ((شرح العمدة)) أن المذكور في كتب الحنفية
الاقتصار على الخمس، ونقل غير واحد من المصنفين المخالفين لأبي حنيفة أن
أبا حنيفة ألحق الذئب بها، وعَدُّوا ذلك من مناقضاته، ثم قال: ومقتضى
مذهب أبي حنيفة الذي حكيناه أنه لا يجوز اصطياد الأسد، والنمر، وما في
معناها من بقية السباع العادية، والشافعية يردون هذا بظهور المعنى في
المنصوص عليه من الخمس، وهو الأذى الطبيعيّ، والعدوان المركب في هذه
الحيوانات، والمعنى إذا ظهر في المنصوص عليه عدّى القائسون ذلك الحكم
إلى كل ما وجد فيه المعنى؛ كالستة التي في الربا، وقد وافق أبو حنيفة على
التعدية فيها، وإن اختلف هو والشافعيّ في المعنى الذي يعدّى به. قال:
وأقول: المذكورُ ثَمَّ تعليق الحكم بالألقاب، وهو لا يقتضي مفهوماً عند
الجمهور، فالتعدية لا تنافي مقتضى اللفظ، وهنا لو عدّينا لبطلت فائدة
التخصيص بالعدد، وعلى هذا المعنى عوّل بعض مصنفي الحنفية في التخصيص
بالخمس المذكورات، أعني مفهوم العدد. انتهى.

٣٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
قال وليّ الدين: وفي نقله الذئب من غير كتب الحنفية نظر، فهو مصرح
به في ((الهداية))، وغيرها من كتبهم، وما نقله عن مقتضى مذهبهم من منع
اصطياد الأسد، ونحوه، قد صرّحوا به في كتبهم، وقالوا: إن على قاتله
الجزاء، وممن صرح به صاحب ((الهداية))، إلا أن يقتله لصياله عليه، فلا شيء
عليه، إلا عند زفر، فإنه أوجب الجزاء بقتله للدفع عند الصيال، لكن صاحب
((الهداية)) قال بعد كلامه المتقدم أوّلاً: والضب، واليربوع، ليسا من الخمسة
المستثناة؛ لأنهما لا يبتدئان بالأذى، وليس في قتل البعوض، والنمل،
والبراغيث، والقراد شيء؛ لأنها ليست بصيود، وليست بمتولدة من البدن، بل
هي مؤذية بطباعها. انتهى.
ومقتضاه موافقة من قال: إنه يلحق بالمذكورات كل مؤذ بالطبع، فإن
كون الضبّ، واليربوع ليسا من الخمسة أمر معلوم، وإنما أراد ليس لهما
حكمها، وعلل ذلك بأنهما لا يبتدئان بالأذى، ومقتضى ذلك ثبوت الحكم لكل
ما يبتدىء بالأذى، ثم قوّى ذلك بما ذكره في البعوض، ونحوه، ولا سيما
تعليله بأنها مؤذية بطباعها .
ثم إن الشيخ ابن دقيق العيد تَخْتُ اقتصر في ردّ ذلك على القياس مع
ورود النصّ فيه، رواه أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، عن أبي سعيد
الخدريّ ظُهُ عن النبيّ وَّر، قال: ((يقتل المحرم السبع العادي، والكلب
العقور، والفأرة، والعقرب، والحدأة، والغراب))، لفظ الترمذيّ، وقال: هذا
حديث حسن.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل هو حديث ضعيف؛ لأن في سنده
يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف، كان يتلقَّن لكبره، وكان شيعياً، فلا يصلح
الحديث للاحتجاج به، فتنبه.
قال: والعمل على هذا عند أهل العلم، قالوا: يقتل المحرم السبع
العادي.
ولفظ أبي داود: إن النبيّ ◌َ و سئل عما يقتل المحرم؟ قال: ((الحية،
والعقرب، والفويسقة، ويرمي الغرابَ، ولا يقتله، والكلب العقور، والحدأة،
والسبع العادي))، ولم يذكر ابن ماجه ((الحدأة))، ولا (الغراب))، وزاد: فقيل

٣٠٩
(٩) - بَابُ بَيَانِ مَا يُؤْمَرُ بِقَتْلِهِ مِنَ الدَّوَابِّ فِي الْحِلُّ وَالْحَرَمِ - حديث رقم (٢٨٦١)
له: لم قيل لها الفويسقة؟ قال: لأن رسول الله صل* استيقظ لها، وقد أخذت
الفتيلة لتحرق بها البيت.
فتناول قوله وَّلج: ((السبع العادي)) الأسد، والنمر، وغيرهما من السباع،
بل قوله: ((الكلب العقور)) يتناول هذه الأشياء، كما سنحكيه بعد ذلك.
وما ذكره من أن مفهوم العدد حجة محكيّ عن الشافعيّ تَظُّهُ، لكن ذهب
القاضي أبو بكر الباقلّاني، وإمام الحرمين، وغيرهما إلى أنه ليس بحجة،
وجزم به البيضاويّ في ((مختصره))، وكذا قال الإمام فخر الدين: إنه ليس
بحجة، إلا أنه قال: قد يدلّ عليه لدليل منفصل.
ثم إن المشهور عن الحنفية أنهم لا يقولون بالمفاهيم مطلقاً؛ لا هذا
المفهوم، ولا غيره، وبتقدير قولهم بالمفهوم، فهم لم يقفوا عند هذا المفهوم،
بل ضمّوا إليها الحية، والذئب أيضاً، كما تقدم، والنصّ على الحية في
((صحيح مسلم)) وغيره، كما تقدم، وفي حديث أبي سعيد الخدريّ ذكر السبع
العادي، وهو ينافي الوقوف عند هذا المفهوم، فإنها مع الحية، والسبع
العادي، ليست خمساً، بل سبع، كيف؟ وقد جاء في بعض الروايات ((خمس))،
وفي بعضها ((أربع))، فلو كان هذا المفهوم حجة لتدافع هذان المفهومان،
وسقطا. انتهى منقولاً مما كتبه الحافظ وليّ الدين تَّثُ في كتابه ((طرح
التثريب))(١) بتصرّف.
وقال أبو محمد بن حزم تَّتُهُ: وجائز للمحرم في الحل والحرم:
وللمُحِلِّ في الحرم والحل قتلُ كل ما ليس بصيد من الخنازير، والأسد،
والسباع، والقمل، والبراغيث، وقِرْدَان بعيره، أو غير بعيره، والحلم كذلك،
وَنَسْتَحِبُّ لهم قتل الحيات، والفيران، والحدإ، والغِرْبَانِ، والعقارب، والكلاب
العقورة، صغار كل ذلك وكباره سواء، وكذلك الوزغ، وسائر الهوامّ، ولا
جزاء في شيء من كل ما ذكرنا، ولا في القمل، فإن قتل ما نُهِيَ عن قتله من
هدهد، أو صُرَد، أو ضفدع، أو نمل، فقد عصى، ولا جزاء في ذلك.
برهان ذلك أن الله تعالى أباح قتل ما ذكرنا، ثم لم ينه المحرم إلا عن
(١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٥٨/٥ - ٦٣.

٣١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
قتل الصيد فقط، ولا نهى إلا عن صيد الحرم فقط، ولا جعل الجزاء إلا في
الصيد فقط، فمن حَرَّمَ ما لم يأت النص بتحريمه، أو جعل جزاءً فيما لم يات
النص بالجزاء فيه فقد شرع في الدين ما لم يأذن به الله.
ثم ناقش أدلة العلماء الذين تقدمت أقوالهم مناقشة حادّة على عادته، وقد
أجاد في ذلك بما لا تجده في غير كتابه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بعد النظر فيما سبق من المذاهب وأدلتها
قد ترجح عندي ما ذهب إليه أبو محمد بن حزم كثّتُهُ لقوة حجته.
وحاصله أن الصيد لا يجوز قتله، وهو الذي شُرع صيده للأكل، وأما
غيره من أنواع السباع والهوام، والحشرات فيجوز قتله إلا إذا وُجِد نصّ خاص
بمنع قتلها كالنحلة، والهدهد، والصَرد، ونحوها، فتبصّر، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): [إن قلت]: فعلى القول بأن مفهوم العدد حجة ما
جوابكم عن تخصيص هذه المذكورات بالذكر؟
[قلت]: قال الشيخ ابن دقيق العيد تَظْتُهُ في ((شرح العمدة)): مَن علّل
بالأذى إنما اختصّت بالذكر لينبّه بها على ما في معناها، وأنواع الأذى مختلفة،
فيكون كلّ نوع منها منبّهاً على جواز قتل ما فيه ذلك النوع، فنبّه بالحية،
والعقرب على ما يشاركهما في الأذى باللسع؛ كالبرغوث مثلاً عند بعضهم،
ونبّه بالفأرة على ما أذاه بالنقب والتقريض؛ كابن عرس، ونبّه بالغراب،
والحدأة على ما أذاه بالاختطاف؛ كالصقر، والبازي، ونبّه بالكلب العقور على
كل عادٍ بالعقر، والافتراس بطبعه؛ كالأسد، والنمر، والفهد.
وأما من قال بالتعدية إلى كل ما لا يؤكل لحمه، فقد أحالوا التخصيص
في الذكر بهذه الخمس على الغالب، فإنها الملابسات للناس، المخالطات في
الدُّور، بحيث يعمّ أذاها، فكان ذلك سبباً للتخصيص، والتخصيص لأجل الغلبة
إذا وقع لم يكن له مفهوم على ما عُرف في الأصول، إلا أن خصومهم جعلوا
هذا المعنى معترضاً عليه في تعدية الحكم إلى بقية السباع المؤذية، وتقريره أن
إلحاق المسكوت بالمنطوق قياساً شرطه مساواة الفرع للأصل، أو رجحانه، أما
إذا انفرد الأصل بزيادة يمكن أن تعتبر فلا إلحاق، ولما كانت هذه الأشياء

٣١١
(٩) - بَابُ بَيّانِ مَا يُؤْمَرُ بِقَتْلِهِ مِنَ الدَّوَابِّ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ - حديث رقم (٢٨٦١)
عامة الأذى، كما ذكرتم ناسب أن يكون ذلك سبباً لإباحة قتلها؛ لعموم
ضررها، فهذا المعنى معدوم فيما لا يعمّ ضرره، مما لا يخالط في المنازل،
ولا تدعو الحاجة إلى إباحة قتله، كما دعت إلى إباحة قتل ما يخالط من
المؤذيات، فلا يلحق به.
وأجاب الأولون عن هذا بوجهين:
(أحدهما): أن الكلب العقور نادر، وقد أبيح قتله.
(والثاني): معارضة الندرة في غير هذه الأشياء بزيادة قوة الضرر، ألا
ترى أن تأثير الفأرة بالنقب مثلاً، أو الحدأة بخطف شيء يسير، لا يساوي ما
في الأسد، والفهد، من إتلاف النفس، فكان بإباحة القتل أولى. انتهى.
ولم يعرّج على ذكر الحديث الشامل لسائر السباع، وهو قوله ◌َّيقول: ((يقتل
المحرم السبع العادي))، وقد تقدّم ذكره.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تقدم أنه ضعيف، لا يصلح للاحتجاج
به، فتنبه .
وقال ابن حزم: [فإن قيل]: فما وجه اقتصار رسول الله صلّ على هذه
الخمس؟
[قلنا]: ظاهر الخبر يدلّ على أنها محضوض على قتلهنّ، مندوب إليه،
ويكون غيرهنّ مباحاً قتله أيضاً، وليس هذا الخبر مما يمتنع أن يكون غير تلك
الخمس مأموراً بقتله أيضاً؛ كالوزغ، والأفاعي، والحيات، والرتيلاء،
والثعابين، وقد يكون وَل تقدّم بيانه في هذه، فأغنى عن إعادتها عند ذكره هذه
الخمس. انتهى كلام ابن حزم تَّتُهُ، وهو بحثٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): قال النوويّ نَّثُ في ((شرحه)): وفي هذه الأحاديث
دلالة للشافعيّ، وموافقيه في أنه يجوز أن يقتل في الحرم كل من يجب عليه
قتل بقصاص، أو رجم بالزنا، أو قتل في المحاربة، وغير ذلك، وأنه يجوز
إقامة كلّ الحدود فيه، سواء كان موجبُ القتل والحدّ جرى في الحرم، أو
خارجه، ثم لجأ صاحبه إلى الحرم، وهذا مذهب مالك، والشافعيّ، وآخرين.
وقال أبو حنيفة، وطائفة: ما ارتكبه من ذلك في الحرم يقام عليه فيه،

٣١٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وما فعله خارجاً، ثم لجأ إليه، إن كان إتلاف نفس لم يُقَم عليه في الحرم، بل
يُضَيَّق عليه، ولا يُكلّم، ولا يُجالَس، ولا يبايع، حتى يضطرّ إلى الخروج منه،
فيقام خارجه، وما كان دون النفس يقام فيه، قال القاضي عياض: رُوي عن
ابن عباس، وعطاء، والشعبيّ، والحكم نحوه، لكنهم لم يفرّقوا بين النفس،
ودونها، وحجتهم قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ مَامِنَا﴾ [آل عمران: ٩٧].
وحجة الأولين هذه الأحاديث لمشاركة فاعل الجناية لهذه الدوابّ في
اسم الفسق، بل فسقه أفحش؛ لكونه مكلَّفاً؛ ولأن التضييق الذي ذكروه لا
يبقى لصاحبه أمان، فقد خالفوا ظاهر ما فسّروا به الآية.
قال القاضي: ومعنى الآية عندنا، وعند أكثر المفسّرين أنه إخبار كما كان
قبل الإسلام، وعطف على ما قبله من الآيات، وقيل: آمِنٌ من النار.
وقالت طائفة: يخرج، ويقام عليه الحدّ، وهو قول ابن الزبير، والحسن،
ومجاهد، وحماد. انتهى.
وقال الشيخ ابن دقيق العيد في ((شرح العمدة)) بعد ذكر هذا الاستدلال:
وهذا عندي قويّ، ليس بالهين، وفيه غور، فليتنبّه له. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن مذهب الأولين هو الأرجح؛
لقوة دليله، كما أشار إليه ابن دقيق العيد ◌َُّهُ، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٦٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةً
(ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ عَائِشَةَ ﴿ُنا، عَنِ النَّبِيِّ ◌َهُ
أَنَّهُ قَالَ: ((خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحَيَّةُ، وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ،
وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحُدَيَّ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السدوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من
كبار [٤] (ت١١٧) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠.

٣١٣
(٩) - بَابُ بَيَانِ مَا يُؤْمَرُ بِقَتْلِهِ مِنَ الدَّوَابُّ فِي الْحِلُّ وَالْحَرَمِ - حديث رقم (٢٨٦٣)
٢ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن بن أبي وهب المخزوميّ، أبو محمد
المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهور، من كبار [٣] (ت٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧١.
والباقون ذُكروا في الباب، والذي قبله.
وقوله: (خَمْسٌ فَوَاسِقُ) بتنوين ((خمسٌ))، و((فواسق)) بالرفع على الوصفيّة.
وقوله: (وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ) هو الذي في ظهره وبطنه بياض.
وقوله: (وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ) بفتح، فضمّ: مبالغة في العقر؛ أي: الذي
يَجْرَح.
وقوله: (وَالْحُدَيَّا) بضمّ الحاء المهملة مصغّراً.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبله، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٦٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، وَهُوَ ابْنُ
زَيْدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَؤُهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الهِ ◌ِ:
((خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ: الْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْحُدَبًّا، وَالْغُرَابُ، وَالْكَلْبُ
الْعَقُورُ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
وكلّهم تقدّموا قبل باب، و((أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ)) هو: سليمان بن داود
الْعَتَكيّ.
وقوله: (وَالْعَقْرَبُ) هذا اللفظ للذكر والأنثى، وقد يقال لها: عقربة،
وعقرباء، وليس منها العقربان، بل هي دُويبة طويلة، كثيرة القوائم، قال
صاحب ((المحكم)): ويقال: إن عينها في ظهرها، وإنها لا تضرّ ميتاً، ولا
نائماً، حتى يتحرّك، ويقال: لدغته العقرب، بالغين المعجمة، ولسعته
بالمهملتين، وقد تقدّم اختلاف الرواة في ذكر الحية بدلها قبل حديث، ومن
جمعهما .
قال الحافظ: والذي يظهر لي أنه ◌َ نبّه بإحداهما على الأخرى عند
الاقتصار، وبيّن حكمهما معاً، حيث جمع.

٣١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
قال ابن المنذر: لا نعلمهم اختلفوا في جواز قتل العقرب، وقال نافع
لما قيل له: فالحية؟ قال: لا يختلف فيها. وفي رواية: ومن يشكّ فيها؟
وتعقبه ابن عبد البرّ بما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق شعبة أنه سأل
الحكم، وحماداً؟ فقالا: لا يقتل المحرم الحية، ولا العقرب، قال: ومن
حجتهما أنهما من هوامّ الأرض، فيلزم من أباح قتلهما مثل ذلك في سائر
الهواء، وهذا اعتلال لا معنى له، نعم عند المالكية خلاف في قتل صغير
الحية، والعقرب التي لا تتمكن من الأذى. انتهى(١).
وقال وليّ الدين تَّثُ: في أكثر الروايات ذكر العقرب، وفي بعضها،
وهو عند مسلم ذكر الحية بدلها، وفي حديث أبي هريرة عند أبي داود،
وحديث أبي سعيد عند أبي داود، وابن ماجه الجمع بينهما، وفي ((الصحيحين))
من حديث عبد الله بن مسعود الأمر بقتل الحية في غار المرسلات، وذلك في
منى، وهي من الحرم، وكانوا محرمين، ففي ((سنن النسائي)) أن ذلك كان ليلة
عرفة، وفي ((صحيح مسلم)) عنه أن رسول الله وَليهِ أَمَر محرماً بقتل حية بمنى،
وفي ((سنن البيهقيّ)) أيضاً عنه قال: قال رسول ◌َله: ((يَقْتُل المحرم الحية))،
وهي أولى بالأمر بالقتل من العقرب، فكأنه نَبَّه في الرواية المشهورة بالعقرب
على الحية من طريق الأولى.
وقال ابن المنذر: لا نعلمهم اختلفوا في ذلك. انتهى.
وتقدم عند المالكية خلاف في قتل ما صَغُر من الحيات والعقارب،
بحيث إنه لا يمكن منه الأذى، ولم يذكر غيرهم هذا الخلاف.
وروى البيهقيّ في ((سننه)) عن أيوب، قلت لنافع: الحية؟ قال: الحية لا
يُختلف فيها، وأصله في ((صحيح مسلم))، إلا أنه لم يَسُقْ لفظه، وذكره ابن
عبد البر بلفظ: ((قال: الحية لا يختلف في قتلها))، ثم قال ابن عبد البر: ليس
كما قال نافع، وقد اختلف العلماء في جواز قتل الحية للمحرم، لكنه شذوذ،
ثم حكى عن الحكم بن عتيبة، وحماد بن أبي سليمان، أنهما قالا: لا يقتل
المحرم الحية، ولا العقرب، رواه شعبة عنهما، قال: ومن حجتهما أن هذين
(١) ((الفتح)) ١٠٥/٥ - ١٠٦.

٣١٥
(٩) - بَابُ بَيَانِ مَا يُؤْمَرُ بِقَتْلِهِمِنَ الدَّوَابُ فِي الْحِلّ وَالْحَرَمِ-حديث رقم (٢٨٦٤ -٢٨٦٥)
من هوامّ الأرض، فمن قال بقتلهما لزمه مثل ذلك في سائر هوامّ الأرض،
قال: وهذا لا وجه له، ولا معنى؛ لأن رسول الله وَلفهو قد أباح للمحرم قتلهما.
انتھی .
وحكى ابن حزم عن الطحاويّ أنه قال: لا يقتل المحرم الحية، ولا
الوزغ، ولا شيئاً غير الخمس المنصوص عليها. انتهى(١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه قبله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٦٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا:
حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة :
وكلهم ذُكروا في الباب، وفي البابين السابقين، و((ابن نُمير)) هو:
عبد الله بن نُمير.
[تنبيه]: رواية ابن نُمير، عن هشام بن عروة هذه ساقها أبو عوانة في
«مسنده)) (٢/ ٤١٢) فقال:
(٣٦٣٦) - حدّثنا أبو الأزهر، نا ابن نُمير، نا هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة، قالت: قال رسول الله وَله: ((ليقتل المحرم الفأرة، والغراب،
والحدأة، والكلب العقور، والعقرب)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٦٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيِرِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ
زُرَيْع، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رِ﴿َّا قَالَتْ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((خَمْسٌ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ: الْفَأْرَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْغُرَابُ،
وَالْحُدَيًّا، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ))).
(١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٦٧/٥ - ٦٨.

٣١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ
ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٥) على الأصحّ (٨٥) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٥.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨]
(ت١٨٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٢/٧.
٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم أيضاً في الباب الماضي.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والماب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٨٦٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاه عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِقَتْلِ خَمْسٍ فَوَاسِقَ
فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم أيضاً في الباب الماضي.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ ... إلخ) فاعل (ذَكَرَ)) ضمير عبد الرزّاق.
[تنبيه]: رواية عبد الرزّاق، عن معمر هذه ساقها إسحاق ابن راهويه دَّتُهُ
في ((مسنده)) (١٨٥/٢) فقال:
(٦٨٨) - أخبرنا عبد الرزاق، نا معمر، عن الزهريّ، عن عروة، عن
عائشة، قالت: ((أمر رسول الله وَّله بقتل خمس فواسق في الحلّ والحرم:
الحدأة، والغراب، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور)). انتهى، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

٣١٧
(٩) - بَابُ بَيَانِ مَا يُؤْمَرُ بِقَتْلِهِ مِنَ الدَّوَابِّ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَم - حديث رقم (٢٨٦٧)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٨٦٧] (.) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب،
أَخْبَرَنِ يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﴿هَا قَالَتْ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهَا فَوَاسِقُ (١)، تُقْتَلُ فِي الْحَرَمِ: الْغُرَابُ،
وَالْحِدَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١ - (أَبُو الطَّاهِرٍ) أحمد بن عمرو بن السرح المصريّ، ثقةٌ [١٠]
(ت٢٥٠) (م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٢ - (حَرْمَلَةُ) بن يحيى التجيبيّ، تقدّم قبل بابين.
٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله، تقدّم أيضاً قبل بابين.
٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضاً قبل بابين.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ) - بتشديد الموحدة -: جمع دابّة، وهو ما
دَبّ من الحيوان، وقد أخرج بعضهم منها الطير؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِيِ
اُلْأَرْضِ وَلَا طَيْرٍ يَطِيُرُ بِجَنَاحَّيْهِ﴾ الآية [الأنعام: ٣٨]، وهذا الحديث يردّ عليه، فإنه
ذكر في الدوابّ الخمس: الغراب والحدأة، ويدلّ على دخول الطير أيضاً عموم
قوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ الآية [هود: ٦]، وقوله
تعالى: ﴿وَكَأَبِّنْ مِّن دَابَةٍ لَا تَّحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ الآية [العنكبوت: ٦٠]، وفي حديث أبي
هريرة به عند مسلم في صفة بدء الخلق: ((وخلق الدوابّ يوم الخميس))، ولم
يُفرد الطير بذكر، وقد تصرف أهل العرف في الدابة، فمنهم من يخصها
بالحمار، ومنهم من يخصها بالفرس، وفائدة ذلك تظهر في الحَلِف، قاله في
((الفتح))(٢).
وقوله: (كُلُّهَا فَوَاسِقُ) وفي نسخة: ((كلُّها فاسقٌ))، قيل: ((فاسقٌ)) صفة
(١) وفي نسخة: ((كلها فاسقٌ يُقتلن)).
(٢) ((الفتح)) ١٠٢/٥.

٣١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
((كلُّ)، وفي ((يُقْتَلْنَ)) ضمير راجع إلى معنى ((كُلّ))(١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٨٦٨] (١١٩٩) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ جَمِيعاً،
عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ
أَبِيِهِ ظُهُ، عَنِ النَّبِيِّ وَ ﴿ قَالَ: ((خَمْسٌ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ فِي الْحُرُم
وَالْإِحْرَامِ: الْفَأْرَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ))، وَقَالَ ابْنُ
أَبِي عُمَرَ فِي رِوَايَتِهِ: ((فِي الْحَرَمِ وَالْإِخْرَامِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر، تقدّم أيضاً في
الباب الماضي.
٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم أيضاً في الباب الماضي.
٤ - (سَالِمُ) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب، وأبوه تقدّما قبل ثلاثة
أبواب، و((الزهريّ)) ذُكر في السند الماضي.
وقوله: (خَمْسٌ لَا جُنَاحَ) بضمّ الجيم؛ أي: لا إثم.
وقوله: (وَقَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي رِوَايَتِهِ: ((فِي الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ)) بيّن به
اختلاف شيخيه: زهير، وابن أبي عمر في ضبط ((الحرم))، فالأول قال: ((في
الْحُرُم)) بضمّتين، وقد تقدّم أنه جمع ((حَرَام)) بفتحتين، والثاني قال: ((في الْحَرَم)»
بفتحتين، وهذا هو الضبط الصحيح، كما أوضحه وليّ الدين كَُّهُ في ((شرح
التقريب))، ونصّه: وبَيَّنَ مسلم أن لفظ شيخيه الراويين عن سفيان بن عيينة
اختَلَف عليه، فقال أحدهما، وهو ابن أبي عمر: ((الْحَرَم)) أي: بفتح الحاء
(١) ((الفتح)) ١٠٢/٥.

٣١٩
(٩) - بَابُ بَيَانِ مَا يُؤْمَرُ بِقَتْلِهِ مِنَ الذَّوَابِّ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ - حديث رقم (٢٨٦٨)
والراء، كما في روايتنا، وقال الآخر، وهو زهير بن حرب: ((الْحُرُم)) بضم
الحاء والراء؛ أي: في المواضع الْحُرُم، جمع حَرَام كما قال: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾،
كذا بَيَّنَ القاضي في ((المشارق)) الضبطين، فقال: وفي رواية: ((في الْحَرَم
والإحرام))؛ أي: في حَرَم مكة، وجاء في رواية زهير: ((فيِ الْحُرُم والإحرام))؛
أي: في المواضع الْحُرُم، جمع حَرَام، كما قال: ﴿وَأَنْتُمْ حُمٌ﴾. انتهى.
قال: ولم يَفْهَم النووي في ((شرح مسلم)) ذلك على وجهه، فقال:
اختلفوا في ضبط ((الحرم)) في رواية زهير، فضبطه جماعة من المحققين بفتح
الحاء والراء؛ أي: الْحَرَم المشهور، وهو حرم مكة، والثاني بضم الحاء
والراء، ولم يذكر القاضي في ((المشارق)) غيره، قال: وهو جمع حَرَام، كما
قال تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، قال: والمراد به المواضع المحرمة، والفتح أظهر.
انتھی .
وليس في رواية زهير اختلاف، والذي ضبطها به القاضي مُتَعَيِّنٌ، ولو
كانت بالفتح لاتَّحَدت مع رواية ابن أبي عمر، وقد بيّن مسلم تَظْهُ المغايرة
بينهما، وكأن النوويّ تَظُّ لم يتأمل لفظ مسلم، ولا أول كلام القاضي، وإن
كان أحدٌ ضبط رواية زهير ((الْحَرَم)) بفتحهما، فيتعين أن تكون رواية ابن أبي
عمر ((الْحُرُم)) بضمهما، فإن مسلماً كَثْتُ قد صرح بالمغايرة بين لفظي شيخيه،
وأن أحدهما قال: بفتحهما، والآخر بضمهما، فرواية ضمهما واقعة في
«صحيح مسلم» بلا شك.
قال: وأما قوله في حديث عائشة عَّ: ((في الْحِلّ والْحَرَم)) فهو بفتح
الحاء والراء بلا شكّ. انتهى كلام وليّ الدين كَُّ(١)، وهو بحث نفيسٌ جدّاً.
وتمام شرح الحديث يُعلم مما مضى في شرح حديث عائشة ◌ًَّا، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﴿ه هذا متفقٌ عليه.
(١) ((طرح التثريب)) ٧٠/٥ - ٧١.

٣٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
(المسألة الثانية): في ((تخريجه)) :
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨٦٨/٩ و٢٨٧٢ و٢٨٧٣ و٢٨٧٤ و ٢٨٧٥
و٢٨٧٦] (١١٩٩)، و(البخاريّ) في ((الحج)) (١٨٢٦)، وفي («بدء الخلق)) (٣٢٩٩
و٣٣١١ و٣٣١٣)، وفي ((المغازي)) (٤٠١٧)، و(أبو داود) في ((المناسك))
(١٨٤٦)، و((الأدب)) (٥٢٥٢)، و(النسائيّ) في ((المناسك)) (١٩٠/٥)، و((الكبرى))
(٣٧٤/٢)، و(ابن ماجه) في ((المناسك)) (٣٠٨٨)، و((الطبّ)) (٣٥٣٥)، و(مالك)
في ((الموطٍ)) (٧٩٨ و٧٩٩ و٨٠٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٨/٢ و٦٥)،
و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٨١٦)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٤٠٩/٢)، و(أبو
نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٨٨/٣ -٢٨٩)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٩٤/٢٣
و٢٠٩)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣١١/٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قال الحافظ وليّ الدين العراقيّ تَظُّ: حديث ابن
عمر ظها هذا أخرجه الشيخان، والنسائيّ، من طريق مالك، عن نافع، عن ابن
عمر، وفي رواية البخاريّ ضمّ عبد الله بن دينار إلى نافع.
وقال ابن عبد البرّ: لا خلاف عن مالك في إسناد هذا الحديث، ولفظه.
انتھی .
[فإن قلت]: قد ذكر مالك عبد الله بن دينار تارةً، ولم يذكره أخرى.
[قلت]: ليس هذا اختلافاً، فله فيه شيخان، حدّث به في الأكثر عن
نافع، وتارة عن عبد الله بن دينار، وتارة عنهما، وقد أخرجه مسلم من رواية
إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار، فهو معروف عنه، من غير طريق
مالك، وأخرجه مسلم، والنسائيّ من طريق الليث بن سعد، وأيوب السختيانيّ،
ويحيى بن سعيد، وأخرجه مسلم، وابن ماجه من حديث عبيد الله بن عمر،
وأخرجه مسلم وحده من حديث ابن جريج، وجرير بن حازم، كلهم عن نافع.
قال مسلم: ولم يقل أحد منهم: عن نافع، عن ابن عمر، سمعت
النبيّ ◌َّ إلا ابن جريج وحده، وقد تابع ابن جريج على ذلك ابن إسحاق، ثم
رواه من طريقه، عن نافع، وفيه: سمعت النبيّ وَل .
وأخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائيّ من رواية سفيان بن عيينة، عن
الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، وأخرجه الشيخان، والنسائيّ من رواية يونس بن